تحويل شرائح النحاس إلى قطع من الذهب الخالص فكرة قديمة طالما راودت عقول بعض الفلاسفة القدامى، وعارضها أكثر علماء القرون الوسطى وما قبلها ولم يعتقد في جواز حدوث ذلك التحول إلا القليل [1]. أنكره كل من ابن سينا والكندي وذهبا إلى استحالته وهما بذلك يقرران مذهب الأغلبية. بينما كتب أبو بكر الرازي في إمكانية حدوث ذلك التحول، ووافقه القليل من العلماء. ليبقى ذلك الحلم مجرد حبر شاحب على ورق تآكلت حوافه الصفراء فوق الرفوف ينتظر مَن يعيد كتابته ويحيله إلى حيز الفعل والتطبيق. وسنتناول في هذا المقال مسيرة جابر بن حيان أبو الكيمياء مؤسس الكيمياء الحديثة ومنهجه العلمي والفلسفي، ومنهجه في التربية والتعليم.

بداية الرحلة

في منتصف القرن الثامن الميلادي الموافق لبدايات القرن الهجري الثاني كشفت الصحراء عن راحلة يقودها شاب يدعى “جابر بن حيان” [2]؛ قد جاوز الثلاثين من عمره متجهة إلى بلدة الكوفة العراقية، والتي انتقلت إليها عاصمة الخلافة الإسلامية في تلك المرحلة، فالأمور يبدو أنها قد استقرت لخلفاءِ الدولة العباسية وتمكنت جيوشهم من إنهاء حكم الأمويين لتنتهي حلقة دموية من حلقات الصراع الإسلامي السياسي بعد أن حصدت رقاب وأرواح الكثير من المسلمين ومنهم “حيان” والد جابر نفسه، والذي كان من المعارضين لحكم الدولة الأموية والموالين للثوار العلويين بل كان من حُمّال السيف ضد جيوش الدولة الأموية الأمر الذي كلَّفه حياته ليسقط قتيلًا في واحدة من تلك المعارك الدموية.

في صحراء رحلته القاحلة إلى الكوفة لابد وأنه قد أعياه الظمأ مرات ومرات، ولا أرى لذلك النهر الذى تدفق منهمرًا من ذكرياته إلا وأنه قد زاده ظمأ على ظمأ، فلقد أتى يحمل بين ضفتيه سيلًا عارمًا من أيام الطفولة والصبا لفتى نشأ في أسرة مسلمة قد استقر مقامها ببلاد الشام لفترة من الزمن قبل أن يتخذ والده حيان قراره بالهجرة إلى طوس ببلاد فارس والتي فيها ولد جابر عام 101هـ (721م) -على أرجح الأقوال- وأينعت فيها أيام طفولته وصباه.

وخلال تلك السنوات الفتية تواترت عليه بعض العلامات الدالة على نبوغ صاحبها وتمتعه بعقلية فريدة مهيأة لنيل مكانتها المميزة بين العباقرة وذوي العقول المبدعة، فهو يرى الأشياء حوله بعين ناقدة لا بعين شاهدة ويقيم عند ظواهرها إقامة دائم لا إقامة زائر فلا تمر عليه ظاهرة من الظواهر إلا وقد تفضل عليها بأوقات من التأمل والملازمة لينفض عن قريحته السؤال تلو السؤال والملاحظة تلو الملاحظة، دأبه في ذلك دأب كل عالم مبدع مبتكر يتوقف عند أحداث طالما جاوزتها عقول العوام في غير اكتراث ولا مبالاة.

جابر في الكوفة

جابر بن حيان

أصبحنا على مشارف الكوفة وعلى جابر أن يستكمل تلك السيرة الذاتية التي لايزال ينقصها العديد من الأحداث والعوارض ذات الأثر العظيم في مسيرته العلمية، عليه أن يطابق الأحداث القادمة بما كتبه عنه المؤرخون بعد موته، تحدثوا عن تلك العلاقة الخاصة التي امتدت بينه وبين جعفر الصادق أحد علماء آل البيت والتي ألقت بظلالها أيضًا على كتاباته فكثيرًا ما كان يوجه إليه خطابه بقوله (سيدي) ومعروف أن المقصود بهذه الكلمة هو جعفر الصادق، فهو الذي وضعه على بداية طريق علم الكيمياء من خلال إمداده بترجمات لكتب الكيمياء اليونانية القديمة.

ذكروا جانبًا من اطلاعه على تراث خالد بن يزيد بن معاوية العلمي (والذي يعتبر أول من تكلم في الكيمياء من العرب ووضع فيها الكتب)، فكانت الكوفة تمثل بالنسبة لجابر تربة خصبة بمكانتها العلمية والسياسية والمناخية ساعدته كثيرًا في الوصول إلى العديد من الاكتشافات العلمية في مجالات الطب والصيدلة والفلك والهندسة والفلسفة وإن كان الأثر الأعظم الذي رُفِعَ به هو أثره في علم الكيمياء أو علم الصنعة كما كان يطلق عليها في ذلك الوقت، لذلك فقد أعد بها مقامه وتزوج من أهلها حيث اتخذ بيتًا واسعًا أقام فيه معملًا خاصًا لتجاربه وأبحاثه، بينما جعل النهار لدكان العطارة الملحق بمنزله أيضًا كمصدر للرزق، وكانت العطارة مهنة والده الأصلية فورث عنه طريقتها وأسرارها، وبذلك فقد تم له الاستقرار الأسري والمادي والمعنوي ليُمَهَّد الطريق أمام نبوغ علمي عربي منتظر.

جابر والكيمياء

جابر بن حيان

انتصف الليل وارتفعت أجنحة الظلام في سماء الكوفة وجابر الآن لايزال قائمًا بين جدران معمله، لم يكن للكيمياءِ معمل قبل قدومه، ولا كانت هناك اختبارات ولا تجارب، ذلك الميزان وتلك الكؤوس والقوارير الزجاجية والأدوات المعدنية تزاحمها أجهزة لعملياتِ التبخير والتقطير والترشيح والصهر والتكثيف والإذابة، كل هذه الأشياء بعضها كان معروفًا والآخر كان مجهولًا واستحدثهُ حتى أصبح من أساسيات دراسة ذلك العلم.

هذا وعاء يحتوي على حمض الكبريتيك، وآخر لنترات الفضة، وثالث لماءِ الفضة، وذاك للصودا الكاوية، وحاوية لحمض الهيدروكلوريك، تراصت جميعها بجوار بعضها البعض فوق مصاطب من الطوب العراقي الأصفر. في هذا المعمل تمكن جابر من تحضير كل هذه المركبات التي كانت جديدة في ذلك الوقت، وتوصل لطريقة تحضير عنصر الزرنيخ، ونجح في إزالة الألوان من الزجاج باستخدام ثاني أكسيد المنجنيز، وأدخل تقنيات جديدة لصباغة الأقمشة.

نجح جابر في تطويع العديد من الصعاب فحقق بالفعل جملة من الأهداف والاكتشافات العلمية والكيميائية، لكنه لم ينجح حتى الآن في إثبات وتحقيق نظرية تحويل المعادن بعد، والتي كان يضمر لها اهتمامًا خاصًا، قد لا تمنحه أيام عمره المحدودة فرصة لإدراك ذلك الحدث من خلال تجاربه العلمية لكنه على الأقل استطاع أن يثبت تلك الإمكانية من الناحية العلمية وأزال عنها رداء الاستحالة.

وكانت ركيزته الأساسية التي اتكأ عليها في إثبات افتراضاته تعود إلى فكرة يونانية قديمة تقرر [3] أن الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة أربعة أصول أولية تتشكل منها جميع المخلوقات حية كانت أم جماد ولكن بنسب مختلفة، تآلفت ثنائيات من هذه الأصول فكونت أربعة أجسام، ماء وهواء وأرض ونار، فالماء ناتج لامتزاج برودة ورطوبة، والهواء عن حرارة ورطوبة، والأرض تكونت من برودة ويبوسة، أما النار فناتج امتزاج حرارة ويبوسة، فلا كائن في تلك الطبيعة إلا وهو مؤلف من هذه الأجسام أو يحتوي على اثنين منها على الأقل لا يخرج تكوينه عنها وإنما تختلف النسب والمقادير.

ومادام بنيان كل شيء في الطبيعة يعود إلى مزيج واحد فهناك إمكانية لتحويل أي مادة إلى أخرى، وكان لجابر نظرية تنص على أن جميع المعادن نشأت من اتحاد معدنين فقط -مثلهما بالكبريت والزئبق- تكونا أولًا في جوف الأرض من الأجسام الأربعة السالفة من خلال تكثيف الدخان الأرضي مع بخار الماء ومنهما نشأت بمرور الزمن معادن أخرى جديدة لم يكن لها أي وجود في الطبيعة، ويرى أن كل معدن يتكون بالفعل من الأصول الأولية الأربعة (الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة) ولكنه يُظهر اثنين من تلك الأصول ويُخفى الأصلين الآخرين، وعن طريق إظهار الباطن وإخفاء الظاهر نستطيع تحويل أي معدن لآخر، بل وأعتقد فيما هو أبعد من ذلك فأقر إمكانية تحويل أي كائن لآخر حي كان أو جماد.

منهجه العلمي

جابر بن حيان

وجابر الآن غارق في تجاربه العلمية والمعملية وقد تكورت حوله هالة وهمية من العزلة عن العالم المحيط راغبًا عن مشاغل الحياة بتدوين وتسجيل ملاحظاته واستنتاجاته، كان لزامًا عليه أن يسجل الطريقة العلمية التي اتبعها وأفرزت لنا تلك الحقائق والاكتشافات، لم يبينها لنا صراحة، ولكنه ترك لنا العديد من النصوص التي نستطيع من خلالها أن نستشف حدود وقوالب ذلك المنهج، فتلك جملة عابرة ألقاها بين كتاباته يقول فيها: “قد عملته بيدي وبعقلي من قبل، وبحَثْتُ عنه حتى صح، وامتحَنْتُه فما كذب”. [4]

تلك المقولة السابقة لجابر نجد فيها اختصارًا وافيًا للمنهج العلمي الذي اتبعه وأراده لنفسه، وأيضًا في مقولته التالية -فهو يهتم بالمشاهدة والتجربة واختبار نتائجها قبل استنباط أي قانون-: “إننا نذكر في هذه الكتب خواصَّ ما رأيناه فقط دون ما سمعناه أو قيل لنا أو قرأناه بعد أن امْتَحَنَّاه وجَرَّبْنَاه، فما صَحَّ أوردناه، وما بَطَلَ رَفَضْنَاه، وما استخرجناه نحن أيضًا وقايَسْنَاه على أقوال هؤلاء القوم”. [5]

ويؤكد على أهمية التجربة والتي يسميها بـِ (الدُّرْبَة) وأن في إهمالها حياد عن طريقة العلماء. “فمن كان دربًا كان عالمًا حقًّا، ومن لم يكن دربًا لم يكن عالمًا، وحسبك بالدربة في جميع الصنائع إن الصانع الدرب يَحْذِق، وغير الدرب يُعَطِّل”. [6]

وأنه لا نجاح في عمل علمي إلا إذا كان مسبوقًا بعلم، فالتحصيلِ النظري أولًا ثم يتبع بالتجربة والتطبيق كما ورد في قوله: “اتعب أولًا تعبًا واحدًا، واجمع، وانظر، واعلم، ثم اعمل؛ فإنك لا تصل أولًا، ثم تصل الى ما تريد”. [7]

وحين نفسر منهج جابر على أساس مراحل منفصلة واضحة سنجد أنها ثلاثة مراحل رسمت معالم المنهج العلمي الذي اعتمده جابر بن حيان:

  • المرحلة الأولى: وهي مرحلة مشاهدة التجربة أو الظاهرة الكونية ومن ثم وضع الفروض التي تفسر تلك المشاهدة.
  • المرحلة الثانية: وهي مرحلة استنباط نتائج من الفروض.
  • المرحلة الثالثة: وهي مرحلة اختبار تلك النتائج على مشاهدات أخرى من الطبيعة فإن صدقت تحولت الفروض إلى قوانين علمية يمكننا من خلالها التنبؤ بما قد يحدث إذا توافرت ظروف مشابهة.

فمرحلة المشاهدة الأولى والاختبار الأخيرة هما عمليتا استقراء حسب وصف علماء المنطق لما بهما من تأمل وتفسير لظواهرِ ومشاهدات خارجية، أما المرحلة الثانية فهي عملية استنباط النتائج من الفروض وهي عملية ذهنية تتم داخل العقل، وهنا فقد قرر جابر بن حيان منهجًا علميًا جديدًا يعتمد فيه كلتا عمليتي الاستنباط والاستقراء معًا وهو منهج لم يهتدِ لمعالمه سوى علماء النهضة الأوروبية في العصر الحديث بعد أن كان منهج الاستنباط العقلي هو المنهج الوحيد المعتمد لدى علماء القرون القديمة والوسطى.

جابر وتصنيف العلوم

ولجابر بن حيان تصنيف خاص للعلوم حيث قسمها إلى قسمين رئيسيين، فالعلوم عنده إما دينية وإما دنيوية؛ العلوم الدينية تلك التي ينتفع بثمرتها في الآخرة، أما الدنيوية فالانتفاع بثمرتها إنما يكون معجلًا في الدنيا. وقسم العلوم الدينية إلى قسمين؛ إما علوم شرعية تقوم على النص مباشرة إما بفهمه على ظاهره أو بتأويله، أو علوم عقلية تقوم على الأحكام العقلية معتمدة على القياس في استخراج الأحكام.

العلوم الدنيوية محورها عنده العلوم الكيميائية حيث قسمها إلى علم الصنعة وتمثل الجانب النظري وعلم الصنائع وتمثل الجانب العملي وتقصد الوسائل التجريبية اللازمة لعلمِ الصنعة.

وغير التصنيف السابق فإننا نجد له تصنيفًا آخرًا قام فيه بتقسيمِ العلوم إلى سبعة أصناف هي علوم (الطب- الصنعة- الخواص- الطلسمات- الكواكب العلوية- الطبيعة- الصور ويختص بتكوين الكائنات).

جابر ومنهجه في التربية والتعليم

كان جابر يضيء ظلام غرفته بنور علمه وشمس معرفته، فهذه الجدران تخلو من تلك الأخاديد والأنفاق التي نستخدمها نحن لتغذية أسلاك الكهرباء في عصرنا الحاضر، لا شيء غير مصباح زيت بسيط يغازل الليل ببصيص من ضوء خافت كما هو العهد في ذلك الزمان، وكأني أراه وهو يمد يده بين كتبه وملفاتهِ ليخرج بحزمة من الورق فيشرع في كتابة مؤلف جديد، يبدو أنه عاقد العزم هذه المرة على كتابة مقالة تربوية عن علاقة الأستاذ بتلميذه.

فقد كان جابر طالبًا للعلم قبل أن يكون معلمًا، عاش التجربتين بعمق ومن المنتظر أن يخرج الحبر من قلمه ممزوجًا بعصارة تفيض بالخبرات تؤكد على تمرّس صاحبها وعمق تجربته، فهو يخاطب التلميذ ويوصيه بأن يكون لينًا لمعلمه قبولًا لأقواله كتومًا لسره ويؤكد له أن طاعة التلميذ لأستاذه هي المفتاح الذي سيُمَكِّنه من فتح أبواب العلم والمعرفة وإلا فلن يصيبه من ثمارها إلا القشور، وينصح المعلم بامتحان قريحة تلميذه وقياس مدى قدرته على التعلم والتذكر فلا يزيد له في العلم إلا على قدر احتماله ويكون القدر المعطى موافقًا لقدرة تلميذه على الاستيعاب، حتى إذا تدرج وبلغ مراتب الأساتذة ذكره بوجوب تعليمه لهذا العلم ونقله إلى غيره.

ويختصر جابر بن حيان فلسفته التي تصف العلاقة بين الأستاذ وتلميذه في قوله:[8]

إن سبيل الأستاذ والتلميذ أن يكونا متعاطفين بعضهما على بعض تعاطف قبول، وأن يكون التلميذ کالمادة، والأستاذ له کالصورة.

ولقد كان جابر حريصًا على كتم علمه وإخفائه عن غير أهله فلا يفضي به إلا لمستحقيه، وله في ذلك حكمة تلوح لنا أسرارها من بين كلماته، فهذا تلميذ قد جاءه طالبًا لعلمه فلم يأذن له إلا بعد أن وجد منه إصرارًا ورغبة وتأكد من أهليته لقبول أسرار ذلك العلم حينئذ توجه إليه قائلًا له: “إنما أردت أن أختبرك وأعلم حقيقة مكان الإدراك منك، ولتكن من أهل هذا العلم على حذر ممن يأخذه عنك؛ واعلم أنه من المفترض علينا كتمان هذا العلم وتحريم إذاعته لغير المستحق من بني نوعنا، وألا نكتمه عن أهله، لأن وضع الأشياء في محالها من الأمور الواجبة، ولأن في إذاعته خراب العالم، وفي كتمانه عن أهله تضييعًا لهم”. [9]

ويظهر ترويجه لذلك المبدأ أيضًا في قوله: “ولولا أنني أمرت أن أعطي الناس بقدر استحقاقهم لكشفت من نور الحكمة ما يكون معه الشفاء الأقصى، ولكني أمرت بذلك لما فيه من الحكمة لأن العلم -يا أخي- لا يحمله الإنسان إلا على قدر طاقته وإلا أحرقه، كما لا يقدر الإناء والحيوان أن يحمل إلا بقدر طاقته وملئه، وإلا فاض، ورجع بالذل والعجز”. [10]

جابر والفلسفة

كان جابر فيلسوفًا، له اجتهادات وله آراء، ونظريات فلسفية ينصب حولها الأدلة والبراهين، ويزاحم بها علماء الفلاسفة ويبارزهم بأفكاره داخل ميادينهم الفكرية والجدلية. فها هو جابر يرى أن الأسماء بالفعل تكون دالة على مسمياتها ولابد أن يشترك المسمى مع الاسم في طبيعته بحكم خصائص نابعة من الرمز اللغوي تجعله ملائمًا للشيء المرموز إليه به، فيدافع جابر عن هذا الرأي حين يتجاذب الفلاسفة أطراف النزاع في قضية نشأة اللغة ويؤكد على ذلك بقوله: “إن تركيب الكلام يلزم أن يكون مساويًا لكل ما في العالم من نبات وحيوان وحجر”. [11]

معارضًا بذلك الرأي الآخر والذي يقول بأن الأسماء تكون بداية بالاتفاق على اصطلاح للشيء بين الناس ثم تكتسب بعد ذلك قوتها الدلالية بحكم هذا الاتفاق.

يشتبك جابر مع الفلاسفة في قضية مصدر العلم حين تميز منهم فريقان الأول يعتقد أن العلم بالفعل كامن في الإنسان بالفطرة ينتظر من يحركه ويخرجه فهو داخلي نابع من الفطرة، واعتقد القسم الآخر أن العلم كله آتٍ من الخارج بالتحصيل والتلقين، فكما يصوره الفيلسوف الإنجليزي “جون لوك” أن العلم إنما يكون بالتلقين فما فطرة الإنسان إلا صفحة بيضاء تأتي عليها العوامل الخارجية والتي من أهمها المعلم والوالدان من خلال الحواس فتخط عليها آثارها فيتكون علم الإنسان، وجابر بينهما يروج لمذهب ثالث مفاده أن يكون في نفس المتعلم الاستعداد للتلقي ثم تستخدم العوامل الخارجية هذا الاستعداد الفطري، أي أن الفطرة ليست علمًا وإنما تهيُّؤ لقبول العلم، ويؤكد ذلك قوله: “إن العلم لا يكون بالبديهة، ولا بالتعليم من الصغر ولكن يكون على البديهة”. [12]

ولقد أدلى جابر بدلوه في العديد من القضايا الأخرى مثل قضية إثبات الوحدانية لله تعالى وإبطال مذهب التعدد وقضية القديم والمحدث، وهكذا استفاض جابر بفكره واجتهاداته في العديد من القضايا الفلسفية الأخرى وأقام لها نقاشات جدلية على صفحاته وبين مؤلفاته.

اتخذ جابر من سقراط مثلًا أعلى له فوصفه بأنه أبو الفلاسفة وسيدها كلها، ومن أقواله عن الفلسفة:

أنه ليس براق من أغفل صناعة الفلسفة، ولكنه راسب مضمحل إلى أسفل دائمًا.

جابر في عيون التاريخ

انتهت رحلة جابر بن حيان في تلك الحياة تاركًا وراءه المئات من الرسائل والكتب وإن كان قد فقد أكثرها ولم يتبقى منها سوى ثمانون كتابًا في المكتبات، واستحق العديد من الشهادات من كبار العلماء ثمَّنت جهوده ومسيرته العلمية، فلقد وصفه أبو بكر الرازي بأنه أول رائد للكيمياء، وأنصفه الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون حين قال عنه أنه أول من علّم الكيمياء للعالم معتبرًا إياه أبو الكيمياء، أما مارسيلان بيرتيلو العالم الكيميائي الفرنسي فشهد أن لجابر بن حيان في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق، وكان الرازي يعتبره أستاذه وينص على ذلك في كتبه، ووصفه ابن خلدون في مقدمته بأنه إمام المدونين في الكيمياء، والعديد من الشهادات والإطراءات التي استحقها بعدما استطاع أن يخلد بعلمه ومسيرته حضورًا قويًا على مسرح العلم والعلماء.

226

المصادر
الكاتب

محمد يوسف

في درج مكتبي ال‍خشبي الصغير مازلت أحتفظ بنسخة ورقية قديمة من سيرتي الذاتية، تشفّ ع‍نّ‍ي الكثير من التفاصيل وكأنها مرآة، بداية من مولدي بمصر ومقامي بها ومرورًا بحصولي على شهادة البكالريوس في العلوم الزراعية، وأنا الآن أمارس عملي بعيدًا عن تخصصي الجامعي كمصمم للجرافيك والمواقع الكترونية. رحلتي مع الكتابة السردية بقيت صفحة بيضاء خالية حتى وقت قريب قبل أن تراودني المعاني وتعبث بذهني الأفكار، وهي الآن تتزين بال‍حروف والكلمات وتتجمل لأعين القراء.

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.