بين روسيا شمالًا والصين جنوبًا، تقع منغوليا؛ الدولة غير الساحلية التي تصنف تارة بين دول وسط آسيا، وتارة بين دول شرق آسيا. عاصمتها هي “أولان باتور” يعيش فيها نحو 45% من إجمالي عدد سكان البلاد. ويتحدث المنغوليون لغتهم المعروفة بـ”الخلخا”.

يمتد تاريخ منغوليا عبر مختلف الإمبراطوريات، التي من بينها “شيونغ نو”، و”شيانبي”، و”روران خاقان” وغيرها. إلى غاية عام 602هـ (1206م) حيث أسس تيموجين “جنكيز خان” إمبراطورية المغول، بكل ما اشتهرت به من بطش ونشر للرعب، وتوسع كبير في العالم حتى بلغت عمق العالم الإسلامي، وهي تعد أكبر إمبراطورية بكتلة قارية واحدة، وثاني أضخم إمبراطورية مساحة في التاريخ بعد الإمبراطورية البريطانية.[1]

فبدأت تحت حكم جنكيز خان في عام 602هـ (1206م)، واستمرت في الغزو والتوسع إلى أن بلغت أقصى مدى لها عام 808هـ (1405م) من حوض الدانوب حتى بحر اليابان، ومن فيليكي نوفغورود بالقرب من الحدود الروسية الفنلندية حتى كمبوديا؛ حيث حكمت ما يصل إلى 22% من مساحة اليابسة على الأرض.

ودخلت الإمبراطورية المغولية “العظمى” مرحلة الانهيار عندما بدأ التنازع على الحكم بين ورثتها، تحديدًا ما بين عاميّ 658 و662هـ (1260 و1264م) ما بين القبيلة الذهبية وخانات الجاكاطاي؛ مما أدى إلى انقسام الإمبراطورية إلى أربعة خانات، حيث احتفظ “قوبلاي خان” بأغناها، وهو حفيد “جنكيز خان” من ابنه “تولي خان”. وكان يطمح إلى أن يصبح إمبراطور الصين، فهاجم دولة سونغ التي كانت تحكم آنذاك البلاد، مستعملًا أسلوب حصار المدن وقصفها بالمنجنيقات حتى فتح العاصمة «لِن آن» (هانغتشو الحالية) في عام 675هـ (1276م)، وبفتحها سقطت سلالة سونغ. وأعقبه انتصاره الكبير في عام 678هـ (1279م) في معركة بحرية عظيمة عند يايشان (يامن) قرب ماكاو حاليًا فسيطر على الصين وأعلن قوبلاي نفسه إمبراطورًا لها في عام 669هـ (1271م) واستهل حكم سلالة “يوان” في الوقت الذي تعمق الانقسام بين الخانات الأربعة التي بقيت تربطها علاقات سياسية واقتصادية رغم كل شيء.

وبعد هذا الانقسام حملت خانات أسرة يوان، لقب “أباطرة الصين”، وقاموا بنقل عاصمتهم من “قراقورم” إلى “خان بالق” وهي بكين حاليّا.

وبقيت الخانات الثلاثة الغربية تتمتع باستقلال تام تقريبًا، وبنهاية القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) كانت معظم خانات الإمبراطورية المغولية قد تلاشت وانهارت، بينما استمرت أسرة يوان شمالًا بحكم الصين ومنغوليا منذ 669 ـ إلى 769هـ (1271 إلى 1368م). وتحولت منغوليا إلى البوذية التبتية بشكل رسمي بقيادة أباطرة يوان. 

ومع أن إمبراطورية يوان أعلنت البوذية التبتية كدين رسمي لها، إلا أن غالبية المغول خاصة أولئك الذين كانوا يعيشون في منغوليا، حافظوا على ديانة الشامانية لذلك بعد تراجع سلالة يوان، أصبحت الشامانية الديانة السائدة.

بعد انهيار يوان، حلّت أسرة مينغ الحاكمة[2] محل أسرة يوان في منغوليا عام 769هـ (1368م)، وبعد فترة طويلة من النزاع، تأثرت منغوليا بعملية الانتقال من حكم مينغ إلى حكم تشينغ، والمعروف أيضًا باسم “غزو المانشو للصين”؛ حيث استلم المانشو الحكم بعد اجتماع أسباب انهيار حكم مينغ.[3] وعاشت منغوليا تحت حكم المانشو لأكثر من 200 عامًا حتى تمكنت مع نهاية عام 1329هـ (1911م) من الإعلان عن استقلال البلاد الأولي في ثورة أنهت حكم مملكة تشينغ التي قادها المانشو في المنطقة. لكن قصة كفاح منغوليا استمرت حتى عام 1339هـ (1921م) لتنال استقلالها الفعلي من الصين، ولم تحصل على الاعتراف الدولي إلا في عام 1364هـ  (1945م).

وانتقلت منغوليا بعد ذلك إلى النفوذ السوفياتي، وحكمتها الشيوعية إلى أن انهارت في أوروبا في عام 1410هـ (1989م) فتحولت منغوليا إلى الثورة الديمقراطية في بداية عام 1411هـ (1990م) واستمرت عليها إلى اليوم.

المسلمون في منغوليا

تصل نسبة المسلمين في منغوليا بحسب إحصاءات 1441هـ (2020م) إلى حوالي 5% من سكان البلاد، أي أكثر من 160 ألف مسلم يعيش في منغوليا. أغلبهم من القزخ في مقاطعة بيان-أولغي ومقاطعة خوفد. وينتشر المسلمون في عدة ولايات أخرى من منغوليا كولاية كبنتاي ونالاي خان.

وسجل عدد المسلمين في منغوليا ارتفاعًا ملحوظًا بين عامي 1376 و1410هـ (1956 و1989م) إلا أنه سرعان ما انخفض في الفترة ما بين عامي 1411 و1414هـ (1990-1993م) بسبب عودة عدد كبير من الكازاخستانيين المسلمين إلى كازاخستان، وذلك بعد تفكك الاتحاد السوفياتي.

تاريخ الإسلام في منغوليا

الإسلام في منغوليا

خريطة توضح حدود منغوليا الحالية.

وصل الإسلام منغوليا عن طريق التجار المسلمين وأيضًا عن طريق القزاق والأيغور لكون منغوليا تقع بجوار تركستان الشرقية المسلمة.

وتذكر بعض المراجع أن تاريخ الإسلام في منغوليا يعود لعام 652هـ (1254م)، يدل عليه زيارة “الفرنسيسكان وليام روبروك” محكمة “خان مونغكا” العظيم في “قراقورم” للاحتفال بعيد الفصح في كنيسة نصرانية، حيث أشار إلى سبعة معابد للمثاليين (لعله يقصد الديانات المنتشرة آنذاك كالبوذية والهندوسية والطاوية)، ومسجدين للمسلمين.

وهذا ما يفسر لماذا يذهب بعض المؤرخين لاعتبار أول ظهور للإسلام في منغوليا حصل ما بين العامين 619 و652هـ (1222 و1254م) بعد غزو جنكيز خان لأفغانستان في عام 619هـ  (1222م)، حيث زار القائد المغولي بخارى (أوزبكستان حاليًا) في طريق عودته إلى منغوليا، وسأل عن الإسلام ومعتقدات المسلمين بدافع الفضول، ثم أخذ منه ما يعجبه وترك الباقي وانتهى أثره في كتابه الياسق الشهير. وهو كتاب اشتمل على بعض الأحكام من المجوسية واليهودية وبعض الأحكام اقتبسها من الشريعة الإسلامية، وأحكام أخرى وضعها من عنده فجمع وغيَّر وبَدَّل كما يشاء بحسبما اتفق عليه العديد من المؤرخين.

الإمبراطورية المغولية العظمى

بدأ المغول كقبائل رعوية تعبد الأوثان والشمس، ويتبعون ديانات تؤمن بالخرافة والآلهة والشياطين والسحر، في مقدمتها الديانة الشامانية.

وظهر بين المغول قائد فذّ ومتميز بصلابته وقوته هو “تيموجين” ويعرف باسم “جنكيز خان”، فعمل في بداية القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)، على جمع قبائل المغول والترك وغيرهم لتأسيس إمبراطوريته التي قضى حياته في توسيع نفوذها في الأرض، بالتزامن مع تواجد دولة إسلامية بطموحات توسعية أيضا بالقرب، هي الدولة الخوارزمية، تحت حكم السلطان محمد شاه خوارزم.

وفي الوقت الذي بسط فيه جنكيز خان سيطرته على كامل منغوليا في عام 602هـ (1206م) سيطر السلطان الخوارزمي على أفغانستان، ثم على سمرقند، ووقع الاصطدام بين الدولتين، ليبدأ جنكيز خان غزوه للدولة الخوارزمية إلى أن قضى عليها. سبق أن تناولنا أحداث تلك الحقبة في قصة آخر سلاطين الدولة الخوارزمية.[4]

تمكن جنكيز خان من توسيع نفوذ دولته بالبطش والقوة حتى أصبحت مساحتها أكبر أربع أضعاف من الإمبراطورية الرومانية، وقبل أن يتوفى في عام 624هـ (1227م) قسّم ملكه بين أبنائه الأربعة: “جوجي خان” و”جغطاي خان” و”أوقطاي خان” و”تولي خان”.

وعند وفاة جنكيز خان كانت الإمبراطورية المغولية تمتد من المحيط الهادئ حتى بحر قزوين، أي أنها كانت تبلغ في حجمها ضعفي حجم الإمبراطورية الرومانية ودول الخلافة الإسلامية. ثم ازدادت اتساعًا تحت يد ورثة جنكيز خان.[5]

تولي خان

الإسلام في منغوليا

رسم للإمبراطور تولي خان وحاشيته.

حكم “تولي خان” خراسان وتمكن من بسط سيطرته على كافة الإمارات الفارسية إلى غاية حدود العراق، وخلفه ابنه هولاكو بعد وفاته في عام 626هـ (1229م). فسطر القائد المغولي الابن المتعطش للدماء المجازر في عصره، وكان فيه سقوط بغداد وأجزاء من الشام ووصول جيشه إلى أبواب مصر، وكان ما كان من أحداث مهولة ضربت عمق العالم الإسلامي وأسقطت الخلافة العباسية في بغداد وأذلّ فيها من أذلّ من الأمراء والملوك، حتى تمكن سيف الدين قطز من هزيمتهم في معركة عين جالوت في عام 658هـ (1260م) وكان نصرًا عظيمًا للمسلمين وبوابة لانتصارات متتالية على المغول.

جوجي خان

أما الابن الأكبر “جوجي خان” فحكم بلاد الروس وبلغار والقوقاز، وما يمكن ضمه من غرب المعمورة -شرقي أوروبا وغربي سيبيريا-. وأطلق على أسرة جوجي أسرة مغول الشمال أو القبيلة الذهبية[6]. وكان لهذا القائد المغولي ابن يدعى “بركة خان” وكان زعيم القبيلة الذهبية، ومنه بدأ الإسلام ينير ظلام المغول. حيث بإسلامه أسلمت كل القبيلة. وكانت عاصمة هذا القسم مدينة “ساراي باتو”.

إسلام بركة خان

أسلم بركة خان عام 650هـ (1252م)، ويرجع السبب الأول لإسلامه لكونه تأثر بزوجة أبيه جوجي وهي الأميرة رسالة بنت علاء الدين خوارزم شاه، التي كانت في الأسر رفقة أخت السلطان جلال الدين منكبرتي، فعاشت مع أسرة جوجي، وتركت أثرًا عميقا في نفس كل من باتو وبركة وغيرهما. وحمل بركة الشغف للإسلام وأما باتو فحمل العاطفة للمسلمين بالرغم من أنه لم يعتنق الإسلام ولذلك كان يحسن معاملتهم عندما استلم الحكم، وأعلن بركة خان عن إسلامه في بخارى على يد علماء المسلمين فيها، ثم أسلمت زوجه “ججك خاتون” وأسلم القادة والأفراد من القبيلة الذهبية تباعًا حتى أعلنت كل القبيلة الذهبية إسلامها.

وكان “بركة خان” شجاعًا لا يبالي بعداء المغول له على إسلامه فقد أظهر شعائر الإسلام علنًا في قبيلته، وأرسل بيعته للخليفة العباسي “المستعصم” ببغداد، وشيّد مدينة سراي[7] لتصبح عاصمة القبيلة الذهبية، وبنى بها المساجد وبرع في تشييدها حتى أصبحت من أرقى دول العالم وأكبرها في زمانه، تزدان بسمت إسلامي خاص.

وشكّل اعتناق “بركة خان” للإسلام انعطافة كبيرة في واقع المغول وسببًا في تراجع عدوانهم على العالم الإسلامي، ففي الوقت الذي كان فيه ابن عمه هولاكو خان يهاجم بلاد المسلمين، كان “بركة خان” يدعو بني جلدته من المغول لدين الله ويقوي الوحدة الإسلامية بين صفوف المغول.

ولم يمض وقت طويل حتى تدخل “بركة خان” لكفّ عدوان المغول على إخوانه المسلمين، واستمر الحال حتى تراجعوا على يد الظاهر بببرس، أحد سلاطين المماليك الذين حكموا الشام ومصر بعد سيف الدين قطز، وطاردوا المغول ولقنوهم دروسًا ثقيلة. فحصل تقارب بينه وبين “بركة خان” أعقبه التعاون بينهما في قتال المغول، وبفضل ذلك دخل العديد من المغول للإسلام كما كفّ الله شر الكثيرين منهم.

ومنذ عام 660هـ (1262م) اشتدت الصدامات بين هولاكو أخي قوبلاي الأصغر، وابن عمه بركة خان المسلم، وأثناء ذلك اضطرت الوحدات القبلية الذهبية تحت لواء هولاكو، للهروب من سلطته؛ فمنها من فر إلى سهوب القبشاك، ومنها من اجتاز خرسان، ومنها من لجأ إلى سوريا تحت حكم المماليك، حيث رحب بهم السلطان الظاهر بيبرس. أمّا البقية ممن لم يتمكن من الفرار فكان مصيره العقاب الشديد على يد هولاكو.

جاء في دراسة عن التتار والمغول: “اعتنق “كورجز” حاكم فارس من قبل “أقطاي خان” الديانة الإسلامية في أواخر عهده، بعد اعتناق بركة خان القبيلة الذهبية 654هـ – 666هـ للعقيدة الإسلامية في أول نصر حقيقي للإسلام، خاصة بعد أن تبعه السواد الأعظم من رعيته، حتى إن كل رجال جيوشه كانوا مسلمين وهم مغول. وتبع ذلك توثيق الروابط السياسية بين بركة خان وبيبرس سلطان مصر، وتحالف كليهما ضد أسرة هولاكو في فارس”[8].

استمر تحالف بركة خان مع بيبرس ضد المغول، ويقال إنه تحالف ضم العديد من القادة المسلمين الذين تضرروا من الغزو المغولي، مع استمرار الصراع حتى أخذت مناطق النفوذ المغولية تستقل سياسيًا عن بعضها البعض وتتفكك.

إسلام تكودار أحمد

إسلام المغول

لم يتردد بركة خان في خوض الحرب الشرسة مع ابن عمه هولاكو الذي تحالف معه الصليبيون لكن ما أن توفي أباقاخان، وتولى أخوه تكودار أحمد السلطة -وهو أحد أبناء هولاكو- حتى أعلن الأخير عن إسلامه، عام 680هـ (1281م)، وكان أول قائد مغولي يعلن إسلامه في الفرع الثاني لأسرة جنكيز خان.

ثار المغول على تكودار أحمد حتى انتهى الأمر بمقتله في عام 683هـ، ويرجع ضعف أحمد إلى أنه دخل وحده في الإسلام، ولم يستطع أن يجذب إليه أتباعه ولا أمراء المغول من حوله، فاستمر منفردًا ضعيفًا، وهذا ما يفسر سرعة القضاء عليه. وخلال فترة حكم غازان بن أرغون الذي خلفه، (683- 690هـ) (1284- 1291م)، شن عملية اضطهاد لجميع من أسلم من المغول.

واستمر الحال كذلك حتى أعلن غازان سابع الإيلخانات (أي الحاكم الأعظم) الذي خلف أحمد، اعتناقه للإسلام في عام 694هـ (1295م)، وأعلنه دين الدولة الرسمي في فارس.

قال العمري في هذه السنة :”وفيها دخل ملك التتار غازان بن أرغون في الإسلام، وتلفظ بالشهادتين بإشارة نائبه “نوروز”، ونثر الذهب واللؤلؤ على رأسه، وكان يومًا مشهودًا، ثم لقنه “نوروز” شيئًا من القرآن، ودخل رمضان فصامه، وفشا الإسلام في التتار”[9].

الإسلام الشكلي لقادة المغول

لكن للأسف إسلام غازان وإن كان يرافقه الإعلان الرسمي للإسلام كدين للدولة، إلا أنه رافقه الكثير من الظلم والطغيان فقد هاجم الشام مرات واقتتل مع سلاطين مصر في معارك كبيرة، وعاث جيشه فسادًا في الأرض.

ومما يُروى عن جهاد ابن تيمية ضد التتار، ذهابه مع وفد من العلماء في زمانهم، ليتحدثوا مع غازان من أجل إيقاف هجماته على المسلمين لما قدم التتر إلى أطراف البلد. ولم يجرؤ أحدٌ منهم أن ينبس ببنت شفة لديه إلا ابن تيمية وبقي الخلق في شدة عظيمة. فوقف أمامه ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، وقال له: “أنت تزعم أنك مسلم، ومعك مؤذنون، وقاض، وإمام، وشيخ على ما بلغنا، فغزوتنا، وبلغت بلادنا على ماذا”؟، وقرب إلى الجماعة يعني المسلمين طعام فأكلوا منه إلا الشيخ، فقيل له: ألا تأكل؟، فقال: “كيف آكل من طعامكم، وكله من مما نهبتم من أغنام الناس، وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس” يعني المسلمين، ثم أن قازان قائد التتر طلب من الشيخ الدعاء، فقال الشيخ في دعائه:

اللهم إن كان هذا عبدك إنما يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا فانصره، وأيده، وإن كان إنما قام رياءً، وسمعة، وطلباً للدنيا، ولتكون كلمته هي العليا، وليذلّ الإسلام وأهله، فاخذله، وزلزله، ودمره، واقطع دابره.

قال الراوي: وقازان يؤمن على دعاء الشيخ، ويرفع يديه، وقد ألقى الله تعالى في قلب التتر مهابة شيخ الإسلام، فكانوا يخافونه. ثم أنه بعد ذلك حدثت موقعة شقحب المشهورة التي انتصر فيها المسلمون على المغول[10].

وقد بقيت الأمور من الاعتداء على ديار المسلمين من مغول يدّعون الإسلام على حالها إلى ما بعد وفاة غازان سنة 703هـ (1303م). ويرجع سبب هذا الفساد لاستمرار المغول في التحاكم لدستورهم المقدس، الذي وضعه جنكيز خان وهو الياسق، والذي لم يتخلوا عنه حتى بعد إعلانهم عن اعتناقهم الإسلام.

وتولى الحكم بعد وفاة غازان أخوه “أولجاتيو خدابنده”، وجعل اسمه محمد بن أرغون، وذلك سنة 703ـ إلى سنة 716هـ (1303 – 1316م)، ومع أنه بادر بإظهار حسن نواياه لمماليك مصر بمراسلتهم ومحاولة كسب ودهم؛ إلا أنه ما لبث بعد عام من توليه سلطة المغول أن أعلن عن اعتناقه للمذهب الشيعي متأثرًا بأحد كبار الرافضة، وهو ابن المطهر الحلي، فعمل على نشر مذهبه في كل مكان في دولته. ثم هاجم الشام سنة 712هـ (1312م). وابن المطهر وهو صاحب كتاب “منهاج الكرامة” الذي رد عليه ابن تيمية -رحمه الله- بكتابه المتين: “منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية”.

ومات القائد المغولي على تشيّعه. وخلفه ابنه أبو سعيد الذي ما لبث أن أعلن العودة لمنهج السنة.

ولابد من الإشارة في هذا المقام إلى أن أكثر المغول الذين أعلنوا إسلامهم قادةً وجندًا، لم يعرفوه حق معرفته، ولم يطبقوه حقيقة في حياتهم، فاستمروا في غزو بلاد المسلمين وتسطير الجرائم فيها، ولم يسجل تغيير كبير في سياستهم مقارنة مع سلفهم منذ عصر جنكيز خان. ولذلك اشتهرت فتوى ابن تيمية التي قال فيها:

إذا رأيتموني من ذلك الجانب -يعني الذي فيه المغول- وعلى رأسي مصحف فاقتلوني.[11]

وهذا يدل على معرفته بحالهم واستتارهم بالإسلام وهو براء من فعالهم. وهذا لا ينفي صدق إسلام شريحة كبيرة منهم كما شاهدنا مع بركة خان والقبيلة الذهبية.

جغطاي خان وأوقطاي خان

الإسلام في منغوليا

خريطة توضح الغزو المغولي لبلاد المسلمين.

لم تذكر المراجع التاريخية الكثير من التفاصيل عن الإسلام في الفرع الثالث من أسرة جنكيز خان، “جغطاي خان” الذي بسط نفوذه على المنطقة الوسطى من إمبراطورية المغول. لكن جغطاي كان يضيق على المسلمين ويمنعهم من إظهار شعائرهم، وكان يعتبر من ألد أعداء المسلمين بين جميع خانات المغول.

وضم هذا الفرع مغولستان، وامتد حكمه حين بلغ أوج السيطرة، من جنوب بحر آرال إلى جبال ألطاي على الحدود الحالية بين منغوليا والصين.

ومما يذكر عن الإسلام في هذا الفرع أن زوجة حفيد جغطاي وخليفته ويدعى قراهولاكو، ربت ابنها على الإسلام، ولكنه حين منازعته الحكم سرعان ما خلعه ابن عمه براق خان. وتعثر انتشار الإسلام في هذا الفرع إلى غاية القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي)، بعدما أسلم طرما شيرين عام 726ه (1326م).

وأما الفرع الرابع بقيادة أوقطاي خان فقد اشتهر بعدد من الملوك والقادة أمثال منجوخان، وقوبيلائي خان وغيرهما. وكان أوقطاي خان أول خليفة لجنكيز خان حكم الإمبراطورية المغولية بعد وفاته، وكان له الدور الكبير في استمرار توسعها.

قال أحد المؤرخين: “ولا بد أن يكون هناك كثير من أنصار النبي محمد قد انتشروا في طول إمبراطورية المغول وعرضها، مجاهدين في طي الخفاء لجذب الكفار إلى حظيرة الإسلام؛ ففي عهد أوقطاي (626- 639هـ) (1229 -1241م) نقرأ عن إسلام بوذي يدعى كاجوز وكان حاكمًا على بلاد الفرس من قبل المغول، وفي عهد تيمور خان (1223- 1228م) كان إنندا حفيد قوبيلاي (1294- 1257م) مسلمًا متحمسًا، كما دفع كثيرًا من أهل تانجوت إلى اعتناق هذا الدين”.[12] وأضاف “وعلى الرغم من استدعائه إلى بلاط تيمور وبذل الجهد في ارتداده إلى البوذية، أبى إلا التمسك بدينه الجديد، فألقى به في غياهب السجن، ولكنه لم يلبث أن أطلق سراحه بعد قليل خشية ثورة أهالي تانجوت الذين كانوا شديدي التعلق به”.

وهكذا فقد دخل الإسلام إلى المغول من الأفرع الأربع لورثة جنكيز خان وبحلول الثّلاثينات من القرن الثالث عشر الميلادي (السابع الهجري)، أصبحت ثلاثة من الخانات الأربعة الرئيسيّة للإمبراطورية المغولية مسلمة. فبحلول عام 730هـ (1330م) كانت خانية القبيلة الذهبية والدولة الإلخانية وخانية الجاغاطاي. قد أسلمت كما احتضنت إمبراطورية أسرة يوان أيضًا الشعوب المسلمة مثل الفرس.

نهاية الإمبراطورية المغولية

الإسلام في منغوليا

خريطة توضح أقصى اتساع للإمبراطورية المغولية.

بعد تأسيس قوبلاي خان أسرة يوان[13] في الصين عمق الانقسام المغولي الذي شمل الفروع الأربعة: أسرة يوان، القبيل الذهبي، خانية جاكطاي وإلخانات.

وتم التوقيع في عام 704هـ (1304م) على معاهدة سلام بين الفروع المغولية إلا أن النزاعات استمرت بينهم والاشتباكات تواصلت على المناطق الحدودية، إلى أن سقطت كل دولة منها بشكل منفرد في وقت مختلف.

وهكذا دامت الإمبراطورية المغولية “العظمى” منذ العام 602 إلى 693هـ  (1206م إلى غاية العام 1294م)، أي منذ أن ترأس جنكيز خان الحكم ولغاية موت قوبلاي خان الذي تفككت بعده الدولة وضعفت. وقد كانت معركة عين جالوت أحد الأسباب التي ساهمت في إنهاء تمدد هذه الإمبراطورية.

ويجدر الذكر أن خمس مناطق بالعالم نجت من الغزو المغولي الوحشي وهي: الهند الصينية، وجنوب آسيا اليابان، وأوروبا الغربية، والمنطقة العربية، وأهم مدينتين نجتا بأعجوبة، هما فيينا والقدس حيث كان الغزو على أسوارهما، وذلك بسبب موت الخان العظيم، مما أدى إلى سحب معظم الجيوش المغولية إلى العاصمة قراقورم.

ولم تمر سنون عقد 751هـ (1350م) حتى كانت الخانات قد تفككت إلى دول وممالك منفصلة عن بعض كالإلخانات بإيران والقيتاي بآسيا الوسطى وسلالة يوان بالصين بما فيها منغوليا والقبيلة الذهبية التي انصهرت داخل روسيا.

أسرة يوان (658 – 769هـ) (1260-1368م)

إسلام المغول

نفوذ أسرة يوان علم 1294.

أسسها قبلاي خان، الذي بسط سيطرته على الصين الحالية، وكل منغوليا الحالية والمناطق المحيطة بها كجزء من الإمبراطورية المغولية حيث قامت أسرة يوان على أنقاض أسرة سونغ وخلفتها أسرة مينغ.

يشار في بعض المراجع إلى يوان على أنها إمبراطورية الخان الأعظم، ويحمل أباطرتها لقب “الخان الأعظم” لجميع خانات المغول.

وشهدت هذه المرحلة صعود المسلمين وزيادة نفوذهم، حيث تعاملت أسرة قبلاي مع المسلمين الصينيين معاملة احترام وامتنان لما تميّزوا به من الكفاءة والأمانة وحسن الأخلاق وصفات القيادة بصفات القوي الأمين، فكسبوا ثقة الحكام الذين بدورهم ترجموا هذه الثقة باستخدامهم على الولايات العامة وفي المناصب الرفيعة، فحكم القادة المسلمين 8 ولايات من أصل 12 ولاية تتكون منها الصين آنذاك. ومن أشهر أعلام المسلمين آنذاك “شمس الدين عمر” الذي تولى منصب حاكم ولاية يونان في سنة 673هـ (1274م).[14]

اضطهاد المسلمين في عصر الشيوعية في منغوليا

سيطرت الشيوعية على منغوليا، فأذاقت المسلمين من عدوانها ووحشيتها مثلما أذاقت الكثير من المسلمين في آسيا. واشتهرت جرائم الشيوعية بحق المسلمين بقتل أئمتهم وعامتهم، وإحراق كتبهم الدينية وهدم مساجدهم وتحريم أي ممارسة لشعائر إسلامية، وكذلك التعليم الإسلامي. وقبع المسلمون تحت الاضطهاد طيلة 70 سنة من تسلط الشيوعيين، لكن ما أن انفرجت وتلاشت القبضة الشيوعية، حتى رجع النشاط الإسلامي بحنين جارف، حيث أقبل المسلمون على شراء الكتب الدينية وخرج منهم للدراسة الإسلامية في خارج بلادهم كما استقبلت منغوليا بعثات من جماعة التبليغ من الهند وباكستان، فضلًا عن هجرة مسلمين من القزاق إلى منغوليا.

المسلمون اليوم في منغوليا

المساجد في منغوليا

يمكن للمسلمين ممارسة شعائرهم بحرية في منغوليا، حيث تشهد مناطق أولان باتور، وتوف، وسيلنج، وإردنيت، ودارخان، وبولجان، ومدن بيرخ، وشريانجول، حضورًا لافتًا للمسلمين يصل إلى نسبة 17% في بعض المدن.

وتحتضن منغوليا نحو 176 مسجدًا، أشهرها مسجد “هوهيهوت الكبير”، ومسجد “باوتو الكبير”. بني المسجد الأول في عهد أسرة كانغشي من أسرة تشينغ 1104هـ (1693م)، ويغطي مساحة حوالي 4000 متر مربع.

أما المسجد الثاني، فبني في حيِّ دونغ في مدينة باوتو. وتمَّ بناؤه في فترة غوانلوغ من سلالة كينغ، وكان أوّل مسجد أُنشئ في باوتو. على مساحة 1200 متر مربّع تقريبًا.

ويعتبر نشاط المسلمين في منغوليا ضعيفًا ولا يزال ينقصهم الكثير من الدعم والمساندة لإطلاق حملاتهم الدعوية في بلد يغلب عليه الإلحاد والبوذية. وهذا يتطلب توفير الكتب الإسلامية ووسائط الدعوة باللغة المحلية وتقوية الروابط مع المسلمين في البلاد.

210

المصادر
الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.