لطالما مثَّلَ التاريخُ -إذا ما اختلط بالإيمان- المحركَ للشعوب في طريقها نحو استرداد حقوق سُلبت أو تحرير أرض اغتصبت، يذكرها من فترة لفترة وفي كل عهد بأمجاد كانت، ورجال قاوموا، وإرادة رفضت الخنوع؛ يدفعها نحو الكفاح في كل مرة من جديد، ينفض عنها الأوهام و يوقظها من الخدر العميق.

وفي تونس تاريخ مجيد من الجهاد، وفرسان كثر من المقاومين، الذين زلزلوا الأرض من تحت المحتلين، على اختلاف الحقب التاريخية. لكن -وفي غفلة من الزمن- وقع كل هذا التاريخ تحت يد المحتل الفرنسي، ليعيد كتابته بنسخة توافق مصالحه ومخططاته. كتبه المحتل بيده الغربية تارة، وبيده المحلية في مرات كثيرة، ولازال نزيف التزييف تجري به الأقلام الى يومنا هذا.

ولعل أخطر لحظة فارقة وقع فيها تزوير التاريخ المعاصر، هي لحظة سرقة بورقيبة -أول رئيس لتونس في عهد الاحتلال غير المباشر- لتاريخ الجهاد ضد الاحتلال المباشر، بل لتاريخ تونس الإسلام؛ ليعيد توجيه العقول بوجبات تاريخية تمجد شخص الرئيس، وتصنع له صورة المجاهد الأكبر والوحيد، الصورة التي انطبعت في العقول لعقود، وتأسس عليها واقع مزيف، في مقابل طمس آثار المجاهدين الذين أذاقوا فرنسا الويلات، والتي اختارت تقديم استقلال كاذب على رأسه أحد المتيمين بها والمتوافقين مع مناهجها، والراضين باستمرار حالة التبعية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية لها. 

ضمن هذا السياق وقع تغييب بطولات ممتدة، منذ دخول فرنسا لتونس حتى مسرحية خروجها، من بينها الجهاد الذي قاده الشيخ علي بن خليفة النفاتي. وتكمن أهمية تناول حركة المقاومة التي قادها النفاتي أنها كانت منذ أوائل أيام الاحتلال، كردة فعل على معاهدة الخيانة التي أمضاها الباي مع فرنسا في باردو 1881، ودخول عساكر الرومي لأرض عقبة. كما تكمن أهمية قصة النفاتي في كونه أحد العاملين في صُلب منظومة الباي، بل ومن المخلصين لها؛ لكنه خرج على المنظومة بالسلاح، بعد أن انكشفت عمالتها للعموم وقد كانت قبلها مستترة.

نبذة عن تاريخ علي بن خليفة قبل خروجه على المنظومة

علي بن خليفة

ولد علي بن خليفة سنة 1807 على الأرجح، لعرش نفات وعائلة أولاد خليفة التي تعود أصولها لقبيلة بني سليم العربية النجدية؛ التي انتشرت في الجنوب التونسي مع الزحف الهلالي. وقد تركز انتشار قبيلة نفات بين منزل بورقيبة وبين منطقة الصخيرة (منطقة بين قابس وصفاقس) وهذا القسم الأخير هو الفرع الكبير و المعروف من قبيلة نفات لدى العامة. عرفت قبيلة نفات بتولي أبنائها للمهام المخزنية (المهام الإدارية والعسكرية في الإيالة التونسية)، كمناصب العمال والكواهي والخلفاوات ورؤساء الأوجاق، كما تم تولية مسؤولين من نفات على جهات أخرى خارج القبيلة. 

ولم يخرج علي بن خليفة على ما اعتادته العائلة؛ فقد شب في مناخ يراوح بين البدو والحاضرة، بين الفروسية ومشاركة الشيوخ في المجالس، وقد دخل سلك الخدمة المخزنية، وتدرج فيها من خليفة إلى كاهية إلى عامل على جهات محدودة  أو على جهات متعددة .

وفي سنة 1864 قامت ثورة علي بن غذاهم الملقب بباي الشعب، حاملة شعار (لا جباية لا مماليك لا دستور) [1]؛ حيث كانت أسبابها الظاهرية اجتماعية لمضاعفة الجباية المفروضة على الفقراء، لكن كانت الأسباب أكثر عمقًا بشعار رفض الثورة لدستور عهد الأمان؛ الذي أسقط الاعتبار الديني في التعامل بين الأفراد لأول مرة في تونس. وكانت الثورة رافضة لسياسة المماليك أصحاب النفوذ في القصر والذين كرس بعضهم الفساد والنهب.

وأدركت الثورة علي بن خليفة وهو في منصب خليفة، إلا أنه وقتها كان عاملًا داخل المنظومة، ولم تكن إرهاصات سياسات الباي وتوجهاته نحو التبعية قد تجلت بوضوح، لذا كأحد عمال الباي عمل بن خليفة على تنفيذ الأوامر بقمع الثورة، بينما كان إخماد الثورة وكسر بأس الأهالي من العوامل التي تنبني عليها خطوات الباي لاحقًا نحو تسليم البلاد للاحتلال الفرنسي. 

معاهدة باردو، انكشاف وجهة منظومة الاحتلال للعلن

كانت السياسات التي انتهجها الباي -خاصة ما جاء في دستور عهد الأمان سنة 1861-؛ من مقدمات للتبعية التشريعية للغرب، ثم البطش الذي تعامل به مع ثورة علي بن غذاهم وفرج بن دحر سنة 1864، وما تلاها من حملات عسكرية على المدن التونسية في ما عرف بحملة الزجر، وفرضه العقوبات المثقلة على الشعب، ورهن كثير من مقدرات الأعيان عند اليهود، والتعويل على اقتراض الأموال من الدول الغربية في حين يذهب الجزء الكبير من تلك الأموال على مصاريف القصر وترف الحاكم. ما أدى بالدول المقرضة الى تأسيس ما عرف بـ الكومسيون المالي سنة 1869؛ وهو لجنة مالية ضمت كلًا من إيطاليا وإنجلترا وفرنسا لتفرض رقابة خارجية وتدخل في المالية التونسية، وغيرها من السياسات التي عملت على كسر بأس الأهالي من جهة ومهدت لمناخ التبعية من جهة أخرى. ثم كانت معاهدة باردو يوم 12 ماي 1881 كتتويج لسلسلة من خطوات التبعية، والتي وضعت بموجبها البلاد تحت الاحتلال الفرنسي.

حين يصبح الإيمان في عدم الاعتراف بشرعية المنظومة

ما إن ذاع خبر إبرام معاهدة الاحتلال بين الباي وفرنسا، حتى تصاعد الغضب الشعبي في المدن والقرى التونسية، التي لا ترى في تلك المعاهدة غير ردة وموالاة للكافرين. وقد عبرت الأشعار الشعبية عمَّا كان يجيش به وجدان الشعب، وانتشرت القصائد باللهجة العامية المعلنة للتمرد وسقوط شرعية الباي، والمحرضة على جهاده وجاد أعوانه وعساكره مع جهاد فرنسا وعساكرها. ومن بين أبيات تلك القصائد :

يا باي تونس نعزيك … في دين بدر التمامه
وخطاك واعواج كرسيك … ودخلت دين الروامه [2]

ويقول الشاعر في أبيات تليها:

يا سعد من جاهد نهار … في مخالفين الشريعه
يرتاح من عذاب النار … ورحمة الله وسيعه [3]

وشهدت الأوساط الشعبية تحفز للقتال ضد المحتل “إن إمضاء معاهدة الحماية تحت تهديد القوات الفرنسية قد تسبب في تأثير الأوساط الدينية بالخصوص، تأثيرًا عميقًا”[4]. “كان الشعب ينظر للمحتلين في تلك الفترة، نظرة دينية بحتة ويعتبرهم كفارًا أعداءً للإسلام، تجب مقاومتهم شرعًا. ومن رضي بحُكمهم فقد رضي بالكفر، والراضي بحكم الكافر كافر، وقد أخل بفريضة الجهاد في سبيل الله. فإذا عجز عن الجهاد فقد وجب عليه أن يهاجر لبلاد الإسلام فرارًا بدينه.”[5]

ومن بين أوائل المواقف التي نادت بسقوط شرعية منظومة الاحتلال غير المباشر، ووجوب الخروج عليها؛ تمرد علي بن خليفة النفاتي الذي ” أدركته الحماية الفرنسية وهو عامل على الأعراض، ينزل بداره الموجودة آثار جدرانها إلى اليوم، بقرية (شنني) بواحة (قابس) وتسمى إلى اليوم بدار الفريك (الفريق) “ [6]

وقد أطلق علي بن خليفة العبارة المشهورة عنه:

الآن أصبحت طاعة الباي كفرًا.

مُعلنًا وجوب التمرد على المحتل غير المباشر ومنظومة الاحتلال بكافة أوجهها، الفرنسية والتونسية.

بصيرة علي بن خليفة النفاتي في اختيار المقاومة المسلحة كسبيل للتحرر

علي بن خليفة النفاتي الخارج على المنظومة

ما أن بدأ التحريض على الجهاد وحمل السلاح في وجه جنود وأعوان منظومة الباي وعساكر فرنسا، حتى استنفر الشعب للدفاع عن الملة والبلاد، وبدأ الإعداد للثورة المسلحة. وقد ساهم العديد من الرموز الدينية والمسؤولين الذين خلعوا بيعة الباي وانضموا للشعب، وتحولوا إلى قائدين ومحرضين للأهالي في الجهاد. وقد كان علي بن خليفة النفاتي أنشط من تحرك، وعمل على إحياء وجوب دفع الصائل الفرنسي عن تونس ومحاربة جند الباي الموالي لفرنسا. وسنقسم الجهاد الذي شارك فيه النفاتي إلى ثلاث مراحل حسب تقدم الأحداث:

  • مرحلة التحريض والإعداد.
  • مرحلة حرب العصابات ومعارك الداخل.
  • مرحلة الهجرة والحرب بطريقة الاغارة.

مع الإشارة الى أن التقسيمات السابقة بينها تداخل في كل المراحل.

مرحلة التحريض والإعداد

يمكننا القول إن هذه المرحلة بدأت منذ انتشار خبر إبرام معاهدة الاحتلال، عندما أعلن علي بن خليفة خروجه على المنظومة، وقال عبارته المشهورة “الآن أصبحت طاعة الباي كفرًا”. ثم بدأ في التواصل مع رؤوس القبائل والأعيان لتوحيد الموقف والالتفاف حول الجهاد المسلح، ونشر الوعي لضرورة خوض حرب ثورية يشارك فيها الشعب بكافة إمكانياته، والوعي بعدم الانسياق وراء محاولات المنظومة ممثلة في الباي وجنوده؛ لإثناء الشعب عن الجهاد والثورة وإدخال سموم التوافق والصلح والخضوع عن طريق وسائط الباي، ونشر الوعي بحقيقة الصراع الذي يشمل المحتل الأجنبي والمحتل المحلي، وضرورة توحيد الصفوف وتجاوز الخلافات القبلية، ووضع حرب المحتل وأذنابه كأولوية تحتاج حشد كل الجهود الممكنة.

ففي بداية شهر جوان 1881 بدأت تحركات القبائل، ونشطت الاتصالات فيما بينها. ولعل أنشط من عمل على ربط قنوات التواصل هو علي بن خليفة النفاتي؛ إذ انتقل في منتصف شهر جوان إلى جهة صفاقس، واجتمع بالشيخين الحاج محمد كمون والحاج محمد الشريف، وأرسل عدة رسائل إلى باشا طرابلس، وحوالي العشرين من شهر جوان انتقل إلى القيروان، واجتمع مع أعيانها ورؤساء القبائل في جامع عقبة بن نافع، للتحريض على الجهاد والمقاومة، ومن جامع عقبة أرسلوا ثلاثة رسل إلى باشا طرابلس ممثل الخلافة العثمانية لمعرفة موقفه.

مرحلة الثورة المسلحة وحرب العصابات ومعارك الداخل

علي بن خليفة النفاتي الخارج على المنظومة

لقد أدرك علي بن خليفة أن الاحتلال هو احتلال مركب من واجهتين، واجهة محلية يقودها الباي وأجهزته؛ التي تعمل كأداة لتثبيط التونسيين وتركيعهم لفرنسا لكن بلسان عربي، وواجهة غربية تنزل بقوتها العسكرية مستعينة في المقدمة بالواجهة المحلية. لذلك كانت الثورة على طريقة حرب العصابات المنهكة للعدو في بعض الأحيان، والتي يمكن أن تتحول في أحيان أخرى إلى رباط خلف أسوار المدائن الكبرى خاصة المطلة على البحر، والتي عملت فرنسا على قصفها وإنهاكها قبل محاولات دخولها.

وفي 25 جوان، أي بعد خمسة أيام من اجتماع القيروان، وصل النبأ إلى علي بن خليفة أن سنجقًا عسكريًا من الحامية التونسية (عسكر الباي) يوجد في أرض المهاذبة في طريقه إلى قابس؛ نجدةً لحمايتها وليساعد الفرنسيين على الارتكاز بالمدينة. فركب علي بن خليفة في فرسانه واعترض طريق الحامية وأرجعها على أعقابها مانعا إياها من التقدم إلى الجنوب”[7].

“وفي النصف الأول من شهر جويلية، كانت أولاد عيار متجمعين في مكثر، والفراشيش في سبيطلة، وأولاد رضوات في قفصة، وكانت كل هذه القبائل متصلة بعلي بن خليفة، لكنها لا تدخل تحت قيادته رغم أنه انتصب ممثلًا للسلطان العثماني، ولم يكن معه إلا جلاص، والسواسي، والمثاليث، وبني زيد، والحزم، وبواسطة جلاص كان متصلا بالقيروان، وكان مجاهدو صفاقس الذين شعروا بسيطرته على البدو يقبلون سيادته”[8].

وقد بدأت المناوشات والمعارك والثورة الجهادية بين المجاهدين من جهة، وبين قوات الباي عساكر فرنسا من جهة. وكانت من المعارك الكبرى التي شارك فيها علي بن خليفة، معركة صفاقس ثم  ومعركة قابس. على ما كان أثناءهما من مشاركات فرعية أخرى.

معركة صفاقس

علي بن خليفة النفاتي الخارج على المنظومة

نظرًا لأهمية مدينة صفاقس من جهة وكونها البوابة البحرية الحامية للطريق نحو المدينة المقدسة القيروان -التي يمثل جامع عقبة بن نافع فيها مركزًا للإشعاع الحضاري في البلاد-؛ توجهت البوارج البحرية الفرنسية لسواحل صفاقس المدينة التي أعلنت ثورتها بصفة رسمية يوم 25 جوان. وبدأت البوارج في قصفها انطلاقًا من البحر، واستمرت في رمي القنابل من يوم 5 جويلية إلى يوم 11 بلا توقف. لكن على عكس المتوقع لم يؤثر ذلك في بأس وعزم الأهالي في صفاقس. وقوي هذا العزم بالتفاف المجاهدين من قبيلة جلاص والهمامة والمثاليث مع مئتي فارس من نفات، يقودهم علي بن خليفة  بنفسه صحبة ابنه راشد وأخيه صالح وابني صالح (محمد والعوني)[9].

ركز الأسطول الفرنسي على قصف المدينة وأسوارها. وكان الأهالي يشيدون ليلًا البنيان الذي هدمته القنابل نهارًا. وأظهروا دفاعًا شرسًا عن المدينة كاد يقلب المعادلة لصالح المجاهدين؛ ما دفع فرنسا لطلب إنجاد أسطولها بقوات جديدة يوم 11 جويلية، ليقع استئناف القصف يوم 13 جويلية. 

وبعد مضاعفة القصف على المدينة، نزل يوم 16 جويلية ثلاث فرق من المشاة وفرقتان من الرماة البحريين؛ ليصطدموا بمقاومة عنيفة من الأهالي والمجاهدين من رجال القبائل. وبلغت شدة المقاومة لدرجة اضطرار عساكر المشاة احتلال المساكن الواحد تلو الآخر في بعض الشوارع، ما يبرز تمسك السكان لآخر رمق ببلادهم.

لقد قاومت صفاقس بالبنادق والسيوف، واشتبك المجاهدون -حتى بالأيدي- مع جنود الاحتلال. فاستشهد من استشهد، وانسحب عدد من المجاهدين والجرحى. وكان من بين الجرحى علي بن خليفة النفاتي وأفراد عائلته، لتبدأ صفحة جهاد جديدة في قابس وما حولها من مدن.

معركة قابس

علم المجاهدون أن الجيش الفرنسي قرر الزحف على قابس وجزيرة جربة لاحتلالهما. فقام علي بن خليفة بتحويل مقر القيادة إلى ودران؛ وهي منطقة بين صفاقس وقابس اشتهرت بمراعيها وجودة أغنامها، لكون نقطة اتصال بجلاص والقيروان وجهة الساحل.

وقد كان بن خليفة قد أعد حملة خاصة من المجاهدين تتكون من 500 فارس و2000 من المشاة، وصلت يوم 17 جويلية على بعد 4 كلم من العاصمة تونس. استطاعت في بهتة من قوات الباي وفرنسا، أن تنتزع 1000 بعير، وعددًا من محاصيل الضيعات كانت على ملك الباي، وعادت من هناك غانمة.

في وقت اتخاذ بن خليفة لودران والشعال؛ كنقطة قيادة توجه أخيه صالح ورؤساء قبيلة بني زيد والحزم إلى قابس للدفاع عنها. وشرع أهالي قابس في الإعداد للذود عن المدينة، فأرسلوا النساء والأطفال إلى الدواخل، ورفع من عزمهم وصول فرسان بني زيد والحزم ونفات لهم يوم 19 جويلية. 

“وراجت إشاعات أن فرقة فرنسية شوهدت زاحفة في طريقها إلى قابس؛ فتحمس المجاهدون للدفاع وخفت فرقة من الفرسان إلى نجدة المطوية الثائرة عن بكرة أبيها، وفي المطوية أحرق المقاومون مستودعًا لشركة (ترانز اتلانتيك Transatlantique) الفرنسية”[10].

ورست سفينة حربية فرنسية على شاطئ قابس يوم 22 جويلية، نزل منها عون تونسي ليستعلم عن موقف أهل المدينة من القوات الفرنسية. فاجتمع الأعيان ورجال السلطة الادارية والشرعية في المنزل، واحتدم بينهم النقاش على أن الأغلبية كانت مع المقاومة وعصيان الباي، وانتهى الاجتماع بتأييد عارم للمقاومة؛ خاصة بعد انتشار خبر وجود قوات عثمانية في طريقها لنجدة المدينة. ويقال إن هذا الخبر حيلة قام بها شرف الجين زعيم بني يزيد؛ لإبطال خطة الباي والفرنسيين في تثبيط المجاهدين.

ألقت السفن الحربية يوم 23 جويلية بعض القنابل على حي المنزل. وفي مساء ذات اليوم نزلت فرق عسكرية من السفن واتجهت إلى جارة الدخلانية، ثم احتلت منزل العامل. وركزت فيه حامية مسلحة وعادت حاملة بعض الأسرى. ووصل يوم 24 جويلية تعزيز إلى السفن البحرية، التي نزل منها العساكر على الأرض وتقدموا خلالها بصعوبة، وأطلقت على المنزل نيران المدافع، وبقيت الحامية التونسية التي فيها جيش الباي على طرف المنزل لا تحرك ساكنًا، بل أعلنت الاستسلام برفع العلم الأبيض للجيش الفرنسي. بينما رد المجاهدون بطلقات نارية تجاه القوات الفرنسية، فتقدم الجيش الفرنسي إلى الحامية، وأخذ الجنود فيها كأسرى ودمر ما في البرج من عتاد، ما عدا خزانة البارود.

وتوغلت القوات الفرنسية لكن بصعوبة كبيرة؛ لشراسة المقاومة التي واجهتها، إذ تحولت نيران الجهاد إلى الواحة والغابة؛ ما أنهك القوات الفرنسية التي اضطرت لطلب الدعم بأعداد جديدة. وركزت المدفعية التي وضعها الفرنسيون براس الوادي على قصف (دار الفريك) منزل علي بن خليفة في شنني التي كان المجاهدون يدافعون عليه يوم 31 جويلية. وقد كان صالح أخ بن خليفة قد تحول صحبة فرقة عسكرية إلى قابس، وشارك مع محمد بن شرف الدين في محاصرة القوات الفرنسية التي نزلت بالشاطئ، واستشهد في المعركة حول (دار الفريك) 50 مجاهد.

انتقل علي بن خليفة في منتصف شهر أكتوبر إلى الشمال، على مسافة تبعد 70 كلم عن مدينة القيروان؛ للوقوف على وضع الجهاد فيها والاتصال بالمقاومين. وشارك أثناءها في المعارك الدائرة بالساحل خاصة بين الوردانين وجمال. ثم عاد إلى الجنوب ونصب مقر قيادته في وذرف يوم 12 نوفمبر؛ حيث قاد آخر المعارك في قابس والمناطق المحيطة.

مرحلة الهجرة والحرب بطريقة الإغارة

انتقل علي بن خليفة إلى وادي الزاس انطلاقًا من يوم 20 نوفمبر، ليلتحق به أخوه صالح بعد ثلاث أيام. وبقي في انتظار وصول القبائل ليكون منهم نواة جهادية جديدة يشدد بها الإغارة على الاحتلال في قابس، لكن تأخر القبائل ووصول أنباء استسلام بعض رموز القبائل دفع علي بن خليفة إلى الانسحاب يوم 29 نوفمبر للحدود الليلبية.

“دخل علي بن خليفة إلى التراب الطرابلسي مع نحو ثلاثين ألفًا من الأتباع في موفى 1881، هذا عدا أتباع الزعماء الآخرين. وقد بلغت جملة المهاجرين 120000، إلى 140000” (صراع مع الحماية صـ 197). وشرع بالاجتماع مع رؤساء القبائل المهاجرة لإعادة تنظيم الجهاد، وقد كان نشاطه منقسمًا على قسمين:

  • قسم الجهاد بالسلاح؛ إذ كان يقوم بتجميع الحملات وتنظيمها وإرسالها إلى الداخل التونسي كي تقوم بالإغارة والنهب وإقلاق الفرنسيين. ولم تقتصر هذه الحملات على الجنوب بل وصلت لنقاط بعيدة.
  • قسم النشاط الإعلامي والسياسي؛ إذ نشط في الاجتماع بباشا طرابلس وإرسال الرسل إلى الأستانة لطلب الدعم والعتاد، والتصدي إلى الإشاعات التي كانت تطلقها الصحف حول استسلام المجاهدين، ومحاربة الجواسيس التي كانت فرنسا ترسلهم بين المجاهدين لتغريهم بالاستسلام والرجوع. وقد كانت جريدة الجوائب الصادة بالأستانة قد نشرت خبرًا أذاعته الاستعلامات الفرنسية يفيد استسلام الثوار، فكتب لهم علي بن خليفة رسالة يقول في آخرها: “كم من رجال منا يخوضون المعارك الحربية كالأسود، ويرون الموت في ساحة الوغى أهون من الاستسلام للأعداء. وعندما يحين الوقت الذي يتحقق فيه أملنا، سترون إذا كان تحتي جواد أو حمار”[11].

وترجل الفارس المجاهد علي بن خليفة النفاتي حين حضرته المنون مريضًا سنة 1885؛ حيث دفن في الزاوية الغربية التي تبعد 40 كلم على طرابلس. وقد عاش منذ خروجه المسلح على منظومة الاحتلال المباشر وغير المباشر حاملًا سلاحه رافضًا الاستسلام والتسليم إلى آخر لحظات حياته. وبعد وفاته عادت عائلته إلى تونس وعاد أغلب المهاجرين.

بين سياسة المعركة ومعركة السياسة

لقد كان في إمكان علي بن خليفة النفاتي اختيار طريق الانضواء تحت الاحتلال المباشر؛ المستترة بمنظومة الاحتلال المحلية ممثلة في الباي وعماله؛ خاصة وأنه بلغ فيها من الترقي في مناصبها. لكنه لم يختر الدخول في معركة السياسة داخل منظومة ويكون أحد تروسها مبررًا لوجودها ومناضلًا عن شرعيتها الزائفة،

بل اختار طريق العزة خارجها بالعمل على سياسة المعركة وتنظيم جهادها، والصدام بكل أطرافها -فرنسيًا كان أم تونسيًا-، وإسقاط شرعيتها في قلوب وعقول الشعب، وتحريك العزائم لإسقاطها على أرض الواقع.

خاتمة

لقد بدأ الجهاد المسلم منذ أوائل أيام إعلان الاحتلال الفرنسي لتونس. وكان علي بن خليفة النفاتي أبرز قيادييه. وبما أن الاحتلال دائمًا يعمل على طمس بطولات المجاهدين وتشويه صورهم؛ فقد أنسى التونسيين رموزهم وأبطالهم، ودماء شريفة سالت، وأبرياء اغتالتهم اليد الفرنسية؛ مدعومة بأذيالها من منظومة الاحتلال المحلي. لكن تبقى قصص المقاومة زادًا وشعلة ستضيء الكفاح أينما وجد الاحتلال والاستبداد في هذه الأمة.

62

المصادر
الكاتب

مؤمن سحنون

أرجو أن أكون من الساعين لأن ننال يوما الحرية، الحرية بمعناها الشامل لأمة تعرف رسالتها.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.