عندما نشبت الحرب العالمية الأولى كان على الولايات المتحدة الأمريكية التزامات تجاه الحلفاء يجب أن تؤديها، ولكن حال بين الحكومة الأمريكية وتلك الالتزامات توجه الشارع الأمريكي الذي كان رافضًا خوض حرب لا تعنيه، وكالعادة فالحكومات لا تقف مكتوفة الأيدي أمام الشعوب؛ فكونت الحكومة لجنة أطلقت عليها “لجنة كريل” تتلخص مهمتها في تغيير رأي الشعب الأمريكي تجاه الحرب. وفي غضون ستة أشهر نجحت اللجنة فيما أُسنِد إليها، وتحول الشعب الأمريكي إلى داعٍ للحرب وليس فقط موافقًا عليها!

تُرى… ماذا فعلت لجنة كريل لكي تستحوذ على الرأي العام الأمريكي، وصناعة قوالب من الفكر تبناها معظم الشعب الأمريكي؟

كيف يتم الاستحواذ على الوعي العام؟

هناك ثلاث مراحل يقوم عليها الاستحواذ على العقول، أو محاولة تغيير الأفكار، ولسهولة مناقشة تلك المراحل سنوردها على هيئة قصة نعرفها جميعًا: ألا وهي قصة “آدم في الجنة”.. إليك الخطوات التي اتبعها الشيطان ليصل بنبي إلى أن يأكل مما نُهي عنه: –

  • التشويش:
    كان الشيطان ذكيًا جدًا؛ فلم يبدأ مع أدم-عليه السلام-بالأكل من الشجرة، بل حاول تشويش وزعزعة أفكاره تجاه ما تلقاه؛ فقال له “مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ“، قام بلبس أفكاره عليه وترك للنفس البشرية العمل؛ فهي تجيد خلق الأفكار والتفاعل مع الأطروحات الجديدة ومحاولة التجريب. لم يترك الشيطان أدم وزوجته عند هذه المرحلة بل تابع معهما باقي خطواته ليتأكد من وصوله إلى غرضه.
  • التقبل:
    فبعد أن قام الشيطان بخلق حالة من التسارع داخل نفسيهما، بدأ معهما بالمرحلة الثانية وهي التقبل؛ لكي يقضي على ما بقي من فكرة عدم الاقتراب من الشجرة لديهما-أي ينسف وجود الفكرة الأصلية-، فحكي عنه رب العزة “وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ” فشرع في تأكيد أنه ناصح لهما، فهو إلى الآن لم يذكر لهما بديلًا، ولا يظهر أنه ذو مصلحة شخصية، هو فقط يدلها على الصواب-كما يزعم-
  • خلق البدائل:
    حتى في خلق البدائل كان ذكيًا في الطرح: فلم يقل لهما هذه الشجرة هي الأفضل فكلا منها وأوجب عليهما رأيه، بل قام فقط بالإشارة إليها، وكأنه مجرد ناصح لا يلزم أحدًا برأيه ” فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ” ألقى إليهما بالبدائل وتركهما. ونتيجة لمراحله الثلاثة التي انتقل خلالها بتسلسل وذكاء، خلق عندهما فكرًا جديدًا مخالفًا لفكرهما الأول ” فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ“.

هذه الخطوات هي ما يتبعها الإعلام تمامًا في تلقيننا لأفكاره الجديدة، وخلق صورة نمطية لدينا نسير عليها جميعًا، فنصبح كأننا مستنسخين عقليًا ليس لدينا جديد أفكار، فهي هي نفس الحجج ونفس البراهين ونفس أسباب القبول أو الرفض. الأخطر من تلك المراحل الثلاث هو كيفية تمريرها إلينا، أو بمعنى آخر الأساليب التي يتبعها الإعلام لإنجاح هذه الخطوات الثلاثة.

الأساليب المتبعة لتزييف الوعي العام

  • الوعي المتناقض: لكي يظهر الإعلام بمظهر الحياد يقوم كلامه الظاهري على ما لا نختلف فيه من الفضائل فيدعي الصدق والأمانة ومكارم الأخلاق، وعلى جانب الأفعال تراه يهاجم من حارب الفساد، وترى الإعلامي المشهور يكذب ويدنس الحقائق، وهذا البطل في العمل السينمائي لم يكن أكثر من بلطجي حاول مواجهة بلطجي أكبر، فترى أنك غارق في حالة من التشوش نتيجة استقبالك كل تلك التناقضات.
  • المصطلحات غير الواضحة: يقوم الإعلام بصناعة مصلحات فضفاضة، في حقيقتها لا تعني شيء لكنه يُلبِسُها ما يريد من الأفكار، ويدعي نسبتها إلى مجموعة معينة أو فصيل معين. كمصطلح الإسلاميين: في الحقيقة لا يوجد هذا المصطلح لا في كتاب ولا سنة، ما وجد فقط هو “مسلم” حتى أننا لا نجد في عهد النبوة ولا عهد الخلافة ما نُسِب إلى ذلك المصطلح؛ فكانوا يقولون “بيت مال المسلمين” ولم يقولوا “بيت المال الإسلامي”، ولأن الإعلام هو من صنع ذلك المصلح أدخل تحته ما يريد من بعض الفضائل وكثير مما يحمل على التنفير من ذلك المصطلح، وبعد رسوخ ذلك المصطلح بمفاهيمه لدى الناس؛ ألصق الإعلام ذلك المصطلح لمن يعمل في مجال الدعوة والجهاد، وبعد تأكده من أن المصطلح ارتبط بهذه الفئة؛ هاجم من يعمل في الدعوة والجهاد لا لجرم ارتكبوه، ولكن هاجمهم بما نسبه هو إليهم.
  • إخفاء القصد: يضعون لك مجموعة من المقدمات الصحيحة والمنطقية، ثم يقولون: طبقا لتلك المقدمات تكون النتائج التالية صحيحة. وبين تلك النتائج يذكرون ما أرادوا إيصاله، ولأن أغلب تلك النتائج كانت صحيحة؛ يُسلِّم عقلك بصحة كل النتائج. كأن يقولوا هذا البرج يتكون من ثلاثين طابقًا؛ إذًا: هو شاهق الارتفاع، ويصعب الوصول إلى آخر طابق فيه بواسطة السلم، والتهوية فيه ممتازة، وهو أعلى بنايةً في الحي. لو أعدنا التفكير فيما قيل سنرى أن المبنى المكون من ثلاثين طابقًا ليس شرطًا لأن تكون التهوية ممتازة، فالتهوية تعتمد على موقع المبنى وتصميمه وليس على عدد طوابقه؛ فهذه النتيجة ليست معتمدة على المقدمة التي سبقتها.
  • تغيير المسميات: إذا ما أرادوا لنا قبول ما نرفض، أو رفض ما نقبل فهذه هي لعبتهم المفضلة، يغيرون الاسم فقط ليحصلوا على ما أرادوا. فمثلًا قد حرم ديننا الربا، ولكنهم يرون أنه يحمل مصلحة كبرى لهم، والمسلمون يرفضون التعامل بالنظام الربوي، فأطلقوا عليه الفائدة؛ فأقبل الناس على نظام الفائدة الذي هو بالأساس النظام الربوي، ونفس الشيء مع الخمور فأطلقوا عليها مشروبات روحية ليتقبلها الناس، وقد كان، وتمَّ لهم ما أرادوا.
  • التشخيص: ويقصد بها إلصاق الأفكار أو القيم بالأشخاص، إما بهدف إسقاط الفكرة بسقوط الشخص، أو حتى يتمسك الناس بالشخص لتبقى القيمة. كمثال ربط فكرة السياسة الإسلامية أو ما أطلقوا عليه الإسلام السياسي بأحد الجماعات أو الأشخاص، ثم الدفع بالجماعة للسقوط فتسقط معها فكرة السياسة الإسلامية من قلوب الناس. وأما التمسك بالشخص من أجل بقاء القيمة: فخير مثال لها ربط صورة مصر بالحاكم، فدائمًا ما نجد اللافتات الدعائية “مصر بتفرح، مصر ترحب بالرئيس الضيف، مشروعنا القومي” مقترنة بصورة الرئيس حتى يتوهم الناس أنه بسقوط الشخص-الرئيس-ستسقط القيمة-مصر-فيحافظوا على وجدود الشخص من أجل بقاء القيمة.
  • التكرار: أكذب… وكرر كذباتك مرة تلو الأخرى؛ ستجد أن الناس اعتادوا كذبتك تلك ثم صدقوها، فكم سمعنا في الإعلام من وصف الجهاد بالإرهاب وكم قاموا بتكرار هذه الكذبة حتى صدقها الكثير!
  • تحكيم المصلحة: يلعب هذا الأسلوب على الأهواء البشرية، وتفضيلها لمصلحتها الخاصة، فيخبرك أن: هذا النظام فاسد ولكن مصلحتك معه، كما أن فساده هذا لا يطالك، فلماذا تثور عليه؟ فيفضِّل المستمع مصلحته الخاصة على العقل ويقوم بتغليب تلك المصلحة من وجهة نظره حتى وإن طال الفساد أخاه.
  • ثوب الدعابة: ما أكثرها تلك الأفكار التي تُمرر خلال الدعابة ونوبات الضحك، فكما شاهدنا في السنوات الأخيرة أن عددًا من البرامج والأفلام يصنف على أنه فكاهي وهو في الحقيقة يبث السم في العسل.
  • صحيح نظريًا خاطئ عمليًا: هذه الحيلة متعلقة دائمًا بالقيم المتأصلة لدى المتلقي والمرتبطة بعقيدة ما، فلا يستطيعون معها الهجوم المباشر لأنهم بذلك لا يهاجمون فكرة، لكنهم يهاجمون معتقد. كموضوع إقامة الشريعة: هم لا يستطيعون التصريح برفضهم إقامة الشريعة، فيقولون: الشريعة-نظريًا-صالحة للحكم لأنها شرع الله الذي خلقنا، ولكن-عمليًا-نحن غير مستعدين الآن لتحكيمها، أو أن النظام الجديد للعالم لا يمكن مجاراته بتلك القوانين التي مر عليها أربعة عشر قرنًا من الزمان.
  • التعميم من خلال حالة خاصة أو استثناء: وهذا ما يوضحه ذلك الفيديو

وهناك عشر استراتيجيات أخرى وضعها تشومسكي ويرى أنها النظريات التي تُستخدم في التحكم في توجيهات الشعوب وهي كما يلي: –

  • الإلهاء
  • ابتكر المشاكل
  • التدرّج
  • المؤجّــَـل
  • مخاطبة الشعب كمجموعة أطفال صغار
  • استثارة العاطفة بدل الفكر
  • إبقاء الشّعب في حالة جهل وحماقة
  • تشجيع العامة على الرضا بجهلهم
  • تحويل مشاعر التمرّد إلى إحساس بالذّنب
  • معرفة الأفراد أكثر من معرفتهم لذواتهم

يمكنك الاطلاع على ترجمة مقال تشومسكي وشرح تلك الاستراتيجيات من خلال هذا الرابط

عن قصد وعمد دفعونا إلى الخواء الفكري والتبعية العقلية لما يُبث عبر وسائلهم الإعلامية؛ أرادوا لنا أن نكون ترسًا في مجتمعهم يخدم مصالحهم الخاصة ولا يستكين ولا يمل، لكننا نعلن تمردنا على إعلامهم وتوصياتهم وحيلهم، فهم يعلمون أننا وقود المعركة، ونحن المحرك الأساسي للدفة، وبدوننا لن يستطيعوا الحراك. مهمتنا لا تنتهي بالتمرد على منظوماتهم التي حكمت علينا بالشلل الفكري، مهمتنا تكمن في خلق بدائلنا الخاصة، وتكوين رأيتنا الفريدة التي تمكننا من مواجهة بطش آلتهم الإعلامية.


مصادر

1300

الكاتب

دينا راغب

مهندسة حاسبات ونظم تحكم، كاتبة لمقالات رأي، ومحررة للأخبار، أهتم بقضايا المسلمين والمستضعفين، وأهوى القراءة والتدوين. ببساطة: أحلم خارج المسارات.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.