لقد كان الإنسانُ في حالته الأولى -التي سبقت على المجتمعات- حرًّا سعيدًا يعيش، يركض في البرية ركض النجيب في الرياض، والحائمِ بذات أنواط، فينال منها مَنال الوحش من الصُّوَار، ويأخذ أخذ السابح من اللِّوى والإكام: يقوم فجره، ويحمل فأسه ونابله، فيصطاد، ويجمع الحصاد، ويجمع من الزاد ما كفاه، دون سَفَهِ الإسراف، أو إيثارِ البلادة، لم يتعلم أن يدخرَ لغدِه، وهو مُعدِم؛ لأن شعورًا كان يغمره بأن الطبيعة مُلكُه، ولا يخشى مستقبله؛ لأن أشغلَ ما شغله إدارةُ يومه، وسلامةُ حصنه ومأواه، ولم يكن حيوانيَّ النزعة، وهو يحيا بين الحيوانات، حتى إذا تحضر؛ فغلبت عليه خصائص الحيوان، وتأنَّسَ؛ فتوحَّش، وانقاد؛ فاتسم بما يوسَم به القطيع في الحظير، وأصبح يلملم الزاد، وإنه عنه في غنى، ويستزيد، ويحمل اليومَ عبء ما قد لا تظله شمسه في حينه؛ لكأنه فقد في المجتمع المدني المتحضر أمانًا كان لا يفقده -إذَّاك- في عراء البرية بين الوحش والضواري، ودون السُجُفِ والصواري!

الحرية والحياة البدائية

في ضوء ما افترضه جان جاك روسُّو في فلسفته المتأبية على التحضر الصناعي -والاصطناعي- والتمدن الآلي؛ نجد الإنسانَ في طَوره الطبيعي خَيِّرًا طيبًا، يحيا الفطرة الصالحة التي فطر الله عليها آدم، ولكن نشوء المجتمعات أدى إلى ذريعة المصالح الفردية، وتأصيل القوانين الوضعية التي تحدد للفرد دورَه، وتُقوِّض عليه حريته، وتُقيِّض له عبوديته، بدواعٍ ذات وجهين؛ فالظاهرُ أن يتخلَّق الفرد بما لا يؤذي الجماعة، وأن يؤثر مصلحة الجميع على مصلحة الواحد، وذلك نظير ما يجنيه من قوة الاجتماع في مواجهة مخاطر العراء، وكذلك من أُنْسِ الصُحبة، وأن يجدَ ذلك في المقابل من جميع أفراد الجماعة، لكنَّ ذلك -وإن بدا أساسًا متينا لقيام الحضارة الإنسانية- يمثل في باطنه تقييدًا لحرية هذا الفرد بالانقياد، ويأكل من مَلَكاته الطبيعية أكل الثور اللاهي، فيقيِّد خصوصيته وقوته، ويوفر خَبَثَ السيطرة للأقوى بشرعية القانون المتفقِ عليه.

وقد كان الإنسانُ قديمًا -كسائر الخلائق- يعيش أيضًا في جماعاتٍ، لكنها جماعات لا تربطها روابط ولا قوانين؛ أي إن الفرد لا سيادةَ لغيره على ذاته، إلا أنه يأتنس بالصحابة، ويواجه معهم الخطر الذي يتهدد النوع، ويرتحل معهم إلى حيث يوجد الزاد ويتوافر الغذاء، ورغم ذلك كان يُضْطَر بحكم غريزتَي البقاء والأنانية، أن يحميَ قُوتَه ويؤصِّلَ بقاءه بالقوة الظاهرة إذا ما كان الأقوى، أو بالحيلة والحِنكة، إذا ما كان الأقلَّ هيمنةً وقوة؛ فكان حرًا وإن حوصِر، مقاتلًا وإن ضعُف، سيدًا وإن هان.

نشأة المجتمع وعبودية السلطة

إن التطور الصناعي أدى بالإنسان إلى عبودية هي أشد من عبودية المجتمع والسيادة؛ فقد أضحى الإنسان عبدًا للمادة، وعابدًا لما يوفر له بقاءه، ولكنه لم يستخدم ذلك استخدامَ السيدِ خَدَمَه، بل تركها حتى أخذت منه مأخذ السيادة، وتحكمت في طرائق عيشه، وزيادة، حتى نسي الفطرة الأصيلة، وماتت فيه غريزة الحرية الطليلةِ، التي سلَّمها يومَ استسلمَ للرفاه، وشاء أن يُطْعَمَ بلا مواجهةِ تحدياتِ الطبيعة، وانقاد لأفراد مثله، ثم لظروف لم تكن لتعجزه في البدائية حُرًّا، وهو الذي كان يتنقل كالطير المحلق في سماء الوجود بين مَحلَّةٍ ومَحلَّةٍ ليوفر القوت والماء، فحتى التصحر وحتى أقسى المناخات لم تكن لتُعييَه.

ثم هو استسلم للآلة، وأصبح -إن طالَب- يطالب بالحرية المسلوبة زعمًا، وهو يطالب ببسط العُقُلِ عن نَحْره عَفوًا، وبتفريج السلاسل عن جِيْدِه يسيرًا، كمثل الواحد من الحُمُرِ الأهلية: يفك صاحبُه عن هادِيه الحبلَ ليرعى، فإذا فرغ انكب في الحظيرة، حتى إذا كان يومٌ لم يُخرجه فيه، فطالبَ بحريته التي ظَنَّها كذلك، فلما أن وضع له ما يَقتات، قنع بذلك وانحسر عنه السخط، حِسبانًا أنما ذاك هو أقصى ما يحق له.

لقد أصبح الإنسان في المجتمع فاسدًا لا يسعى إلى زادٍ يكفيه، بل يستجني ما يؤمَّن له رفاهةَ غده، ويستزيد من الاستهلاك وسط غاب الرأسمالية المادية التي يحيا في غَبْنها العالَمون، أو عفن الاشتراكية التي تجمع الثروات في يد من يفسدها ولا يحسن توزيعها، أو تحصر العدل والمساواة فيما يرتأيه بنظرِه الواحدِ وعقلِه الفردِ، أو سلطة الواحد على الجميع باسم الملكية المطلقة، والأنظمة الدكتاتورية الناشئة على مر التاريخ البشري، والديموقراطية الديماجوجية الكاذبة كالآل في الفلاة.

وهكذا بات الإنسان في هذه الأنظمة الفاسدة يصارع من أجل البقاء، ولكن ليس البقاء في وجه وحش ضوارٍ من وحوش البرية، وإنما بقاءُ جهْوَرَة صوته، وتأثيره في المحيط وتأثره به، يصارع ليجد لنفسه في قطيع العبودية مكانًا، وليقول (للموتى بقيدها) أنا بينكم موجود، ولمَّا أفكُكْ قيدي ولا أنزعْ عني العُقُل. وهو في ذلك يغدو أكثر حيوانية، وأشد وحشية؛ إذ لا يتوانى في أخذ قوت غيره وهو لا يحتاج، وذاك بدافعٍ غير دافع البقاء الطبيعي الذي كان يدفع البدائيَ إلى صيانة ما يكفيه ويكفل وجوده، وإنما بدافع المحافظة على طبقته الاجتماعية، أو تحديثها، ورباح معركته المجتمعية.

المادية وفساد الفطرة الإنسانية

لقد أفسد المجتمع على الإنسان معتقداته الطبيعية -وإن كان ادُّعِيَ أنه قبل نشوئه لم تكن المعتقدات- فقد شوَّه مفهومه عن الخيرية والشر، والحرية والعدالة، والكرامة والإنسانية، والمادة والاستهلاك؛ فأضحى الإنسان يسعى إلى الشر، والقتل، والهتك، والهد، والحرب، والعداء -باسم ابتغاء الخير والنفع- وأسس له مفهوم «الغاية تبرر الوسيلة»، فكبَّله حتى كاد يُخلي رقبته باسم الحرية التي باعها، والرفاهية المكذوبة الزائفة التي في أمانيِّه شراها، ثم يلوح رهط ينشد توزيع ثرواتٍ كانت هي مُلكه وفي حوزته، لا يحوشها عنه أحد.

ويسأل عدالةَ الحقوق وكانت لا تسلبهموها قوة، وشوَّه مفهومه عن الكرامة؛ فأصبحت في لقمة قليلة، ونَومة كسيرة، وعن الرفاهية فظن أنها في الحضارة، وهو محرومٌ جنانَ الطبيعة باستعباد الآلة، ومقيد في دروب المجتمعات الصناعية: يجد نفسه متحولًا بدوره إلى آلة؛ ليواكب العصر، ويلزم حدود الجماعة، ثم لتتكسب سلطة الأفراد من إنتاجه الوافر، فتلقي إليه بفتاتٍ مما أنتج، كلفَّةِ برسيم تُلقى إلى عجل في ساقية يدور ولا ينهل، فأصبحت المادة إلهَه، ونَيلُها مرادَه، وحكمت تفكيرَه وسعيَه، وغريزتُه.

إن سياسة المجتمع تختار للإنسان قبل أن يكون، وتحدد له قبل أن يتحدد، فإن صلح السائر صلح الفرد، وإن فسد فسد؛ فالإنسانُ يولد في بيئة وحضارة وديانة لم يختر، وبلسان لا يبين، ويقبع تحت سياسة وظروف لم يتورط في وجودها، ويرث أعباء وتوجُّبات لم يقررها وتقررت عليه، دون أن يبذر لها ولا يشترك في طلحها، ذلك الإنسان الذي قوَّض الطبيعة وما فيها -لخدمته وصيانة دوامه- بالأمس البعيد هو الذي سيطرت عليه اليومَ المادةُ، وتلك الموارد التي لم تحرمْه حريتَه نُدرتُها استعبدته اليومَ وفرتُها، والحيوان الذي تغلبَ عليه وحيدًا في البرية وسخره لحاجاته أصبح اليوم هو سيدُ حضاراته وأسوة سلوكه؛ بالبهيمية المُعلنةِ والمقتداة في سلوك الماديين والنفعيين، وغرائزِه الحاكمةِ مبادئه.

بين الإنسان الحقيقي والكائن الحديث

كان القديمُ إنسانًا فأصبح مجرد بشر، وكان له قلبٌ فأماته لينقاد إلى المادة، وعقلٌ استطاع أن يستغله كي يبني به ما بنى من حضارة وتقدم حتى إذا كانت قُلَّةُ ذلك ألغاه وتعبَّده، فاستَرَقَّ الشجرةَ الثَمَرُ، كمثل الذي اتخذ إلهه هواه، فاليوم أضحى الحيوان أكثر إنسانية من الإنسان وهو لا يدعو بها، وعاد الإنسان أشد وحشية من الحيوان في البرية وهو الداعي إليها، حتى كأنه لما تنازل عن أخلاقه ومبادئه الفطرية أصبح للحيوان عليه فضلُ الجهل، ودنا عنه بمعرَّة تغفيل العَقل، وإنما ذلك قوله تعالى: (وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبࣱ لَّا یَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡیُنࣱ لَّا یُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانࣱ لَّا یَسۡمَعُونَ بِهَاۤۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ كَٱلۡأَنۡعَـٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡغَـٰفِلُونَ) [سورة الأعراف 179].

وختامًا، لم يخلق الله تعالى البشر ليهيموا في البرية أو يعيشوا فرادى، وإنما كان مراده من إيجادهم خلافة الأرض وإعمارها، ولا يكون ذلك بغير الاجتماع والتعارف، وذاك قوله تعالى: (یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَـٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَـٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤىِٕلَ لِتَعَارَفُوۤا۟…) ولكن الذي نسلط عليه الضوء -من خلال ما سلف من نقد اجتماعي- إنما هو تتمة الآية الكريمة، وهو قوله: (… إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ) [سورة الحجرات 13] فلولا كانت البشرية سابحةً تحت ظلال القِيَم، ولم تحِد ولم تَصُر صَوَرَ الشيطان وتَحدو غوايته، لما لقيَت ما لقيَت من فساد، ولكان المجتمع مُصلِحًا مفيدًا للفطرة –فطرة الله التي فطر الناس عليها- لا مُغيِّرًا لها.

(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). صدق الله العظيم

521

المصادر
الكاتب

أحمد محمود القاضي

أحمد بن محمود القاضي المصريُّ الهاشميُّ القُرَشيُّ: كاتب وشاعر ومترجم، حائزٌ إجازة الألسن- جامعة عَين شمس- أكتب في مجالات الأدب، والفكر، والفلسفة، والنقد الاجتماعي، وتستهويني الكتابات السردية الذاتية الصادقة. أرسم بالكلمات شِعرًا صادق التجرِبة، أعشق اللغة العربية الثقيلة الراقية، وأذهب في ذلك مذهب المحافظين، لي أربعة كتب وديوانان.

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.