إذا سألنا أنفسنا لماذا قرَنَ الإمام النووي في كتابه “رياض الصالحين” بين اليقين والتوكُّل في باب واحد؟ ولماذا لمْ يُفرد لكلٍّ بابًا؟ وجدنا أنَّ الصواب مع الرجل؛ فاليقين مَقرون بالتوكُّل، بل ليس أقرن منهما. فإنَّ مُشابهة التوكُّل باليقين كالعِلَّة التي تدور مع المَعلول وجودًا وعدمًا. فأينَمَا كان اليقينُ مُثمرًا في قلب عبد وجدتَ زهرة التوكُّل مُتوِّجةً حاله وشعوره.

ما اليقين؟

اليقين

اليقين هي الدرجة الأعلى للشعور أو الفكرة من حيث ثبوتها عند الإنسان؛ متى وُصف بها حال الشخص علمتَ أنَّ هذا الشعور أو الفكرة أو الخبر ثابت في ذمَّتِه لا يتزعزع. وغالب هذا اليقين يكون في المَحسوسات -أيْ ما تستطيع أنْ تحسَّه بحواسِّك المُباشرة كالعين مثلاً- لأنَّ الاختلاف فيها قليل -وكذلك لأنَّ التأكُّد منها يكون بالأداة نفسها من الجميع وهذا أمر يطول شرحه-. فيسأل إنسانٌ آخر: أين الكعبة؟ فيقول: هي في الحجاز، يقول العارفُ هذا القول عن يقين لأنَّ هذه المعرفة مُثبتةٌ لديه بالحسّ والإخبار وإمكان التأكُّد.

فكما علمنا اليقينُ درجة علم وإدراك، وهذه الدرجة من صفاتها أنَّها تُورِث الطُمأنينة للمُتيقِّن بسبب التأكُّد التامّ واستقرار الأمر الحاصل لديه. فصاحبنا جزَمَ أنَّ الكعبة في الحجاز دون أنْ يتزعزع أو يُدانيَه شكٌّ فيما يقول. هذه هي صفة اليقين الملازمة له “الطُمأنينة والارتياح”. واليقين كذلك يحصل للإيمان بالغيب -أيْ بالذي لا يُدرَك بالحواسّ- (والتي في إسلامنا هي الله والملائكة والجنة والنار والجِنّ). وعلى حسب “يقين” المُسلم في إيمانه بالله -تعالى- يقترب من الله ويكون من الصالحين.

وما التوكُّل؟

أمَّا التوكُّل فهو الاستناد على الله في كلّ حياة المُؤمن، وترك هَمِّ التوفيق في الأعمال إلى الله مع الاقتصار على فعل المطلوب منه في العمل؛ فليس مطلوبًا منك يا عبد الله أنْ تُنجِح العمل، بل مطلوب منك أنْ توفِّر أسباب النجاح (تذكَّرْ غزوة أُحُد مثلاً وما حدث فيها). لذلك فالتوكُّل هو علامة اليقين؛ فمتى علمتَ يا عبد الله أنَّ الله -تعالى- موجود مُدبِّر الخلق والخلائق، يعلم ما بين يديك وما خلفك زمانًا ومكانًا، ومتى وصل علمُك هذا إلى درجة اليقين لزِمَك أنْ تكون مُتوكِّلاً على هذا الإله الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، وعلى هذا الإله الحكيم العليم السميع الذي لا تخفى عليه خافية، والذي لا يُصيبك شيءٌ إلا بإذنه وبما شاء. بل يكون خللاً في يقينك أنْ تكون غير مُتوكِّل على الله؛ فكيف تؤمن بكلّ المُعتقدات السالفة حقًّا ثمَّ تتوكَّل في أمرك على غير الله؟ ثمَّ ترتجي نفعًا ورزقًا من غير الله؟ ثمَّ تتوسَّل إلى غير الله؟ فهذا يكون من الخطأ البالغ الواضح.

ولعلَّنا هنا نعلم أمرًا هامًّا أنَّ ما يُقال لنا في خُطُب الجُمُعة، وما نقرأه في كتب الإسلام ليس مواعظَ تُقال من دون حساب، بل هي كلام مُؤسَّس على صحيح العقل كما طالعنا سويًّا. وهذا أمر في غاية الخطورة؛ فعندما يقرأ المُسلم أو يسمع كلامًا عن التوكُّل أو اليقين أو ما شابه يُسلِّم بالكلام ثمَّ يطويه وكأنَّه غير مُجدٍ، أو غير قائم على أساس عقليّ، أو غير مُبرهَنٍ عليه. فاعلم يا عبد الله أنَّ الإسلام وعقائده مُوافقة تمام الموافقة لصحيح العقل.

الذين جمع لهم الناسُ

ولننظُرْ معًا إلى قوَّة الآية الكريمة التي أدرجها الإمام النووي في أوَّل الباب، وتحكي موقفًا عن الرسول قبل “غزوة بدر“. تقول (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) -آل عمران 173-. وتأمَّل معي يا عبد الله كيف هو الشعور والمُسلمون جماعة لا دولة، ضعفاء لا أقوياء، مُغامرون بكلّ ما لديهم، أقلّ عددًا وعُدَّةً أمام عدوِّهم. فكلُّ ما في المشهد يدلُّنا على ضعف المُسلمين.

ولنُحرِّك الصورة قليلاً لنرى أناسًا يأتون لهؤلاء المُستضعفين في الأرض يقولون: إنَّ الناس قد جمعوا لكم الجموع الكثيرة ليُهلكوكم فاخشوهم. ولتلتمِعْ أعينُنا في تصوُّر هؤلاء الذين زادتهم جموع الناس إيمانًا. وليس المقصد هُنا أنَّهم لمْ يخشوا جمع الناس، بل المقصد أنَّهم خشوهم؛ فلمَّا حدثتْ الخشية التجأوا إلى الإيمان “فزادهم إيمانًا”. ثمَّ قالوا كلمة الإيمان واليقين “حسبُنا الله ونعم الوكيل”. فإذا أتاك أمر تخشاه فدخلَك الخوفُ فليس هذا نقصًا في إيمانك، بل خفِّفْ من خوفك والتجأ إلى الله وافعل الصواب.

كلمة اليقين وعنوان الثبات

“حَسبُنا الله ونِعم الوكيل” هذه الكلمة التي صرَّح بها سيِّدنا “محمد” -صلَّى الله عليه وسلَّم- ونقلتْ عنه الآية السابقة ذلك هي إعلانٌ صريحٌ واضحٌ من أيّ مُؤمنٍ أنَّ الله يكفيه دون جميع الخلائق، وأنَّ الله يقوِّيه دون جميع القوى، وهي استدعاء منه لعياذ الله وجنابه ومَلجَئِهِ. فاعلم ذلك يا عبد الله وداوِمْ عليها في حياتك.

لماذا قرنتْ الأحاديث بين المؤمن وبين الطَّيْر؟

اليقين

نقل النووي حديثَيْن، كلاهُما تشبيه لحال المؤمن بحال الطير. أحدهما قد يشكل في فهمه وهو حديث:

يدخل الجَنَّةَ أقوامٌ أفئدتُهم كأفئدة الطَّيْر.

فقد يسأل السائل: ما معنى هذا الحديث؟ وهُنا ندعو إلى تعلُّم العربيَّة وأساليبها التي ستهديك إلى أنَّ المقصد أنَّ عِلَّة دخول هؤلاء الجنَّة هو أنَّ قلوبهم كقلوب الطير، فالحديث يُخبر عن خبر وهو دخول بعض الناس الجنَّة، ويخبر عن سبب دخولهم وهو مُشابهة قلوبهم لقلوب الطير، وفيه أمر بالإشارة إلى تهذيب القلب كي يصير كقلب الطير.

ويخبرنا الحديث الآخر السرّ في قلب الطير: “لو أنَّكم تتوكَّلون على الله حقَّ توكُّله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا” فالطير لا تفعل إلا ما هو مطلوب منها، وهي هُنا -كأنَّها- رمز على الامتثال لأمر الله. الطير لها حاجة، كما أنَّك يا عبد الله لك حاجة في طعام وشراب وملبس وغيره، والطير مؤمنة كما أنَّك يا عبد الله مؤمن، والطير تتوكَّل على الله كما الأساس أنْ تفعل.

فما الذي تقوم به الطير بعد حصر التشابه؟ تفعل ما عليها من أسباب الرزق وتتوكَّل على الله في إنجاح هذه الأسباب للرزق. هذا هو سبب التشبيه بالطير في عدَّة أحاديث. إنَّها لا تفكِّر كأنَّها إله للكون يثقل على نفسه في “جلب” الرزق -وكأنَّه مَن يجلب-، ويثقل على نفسه في “حلّ” المُشكلات -وكأنَّ له قدرة على الحلّ أو الربط-. بل تفكِّر كعبد من عباد الله. فافعل مثلها وفكِّر كعبد لا كرَبٍّ، ولا تشغلْ نفسك إلا بأسباب الصلاح التي أمرك الله، مُتوكِّلاً عليه في إضفاء التوفيق على هذه الأسباب.

يقين الأنبياء وكيف نتعلَّم منه؟

ذكر النووي في أوَّل أحاديث الباب حديثًا يقصد به الأمر بالتوكُّل، لكنْ فيه ما نستفيد منه غير آخره. ففي أوَّل الحديث يخبر النبيّ برؤيته الأنبياء: “عُرضتْ عليَّ الأُمم فرأيتُ النبيَّ ومعه الرُّهَيْط (الجمع القليل)، والنبيَّ ومعه الرجُل والرَّجُلان، والنبيَّ وليس معه أحد….” هذا هو المقصد؛ فانظر إلى درجة هذا اليقين النبويّ عندما تظلّ في الأمَّة سنوات عُمرك تُنادي بأنْ آمنوا بالله ولا أحد يستجيب لدُعائك. يا لها من قُدرة عُظمى ويقين أكبر!

ولك أنْ تعلم أنَّ عدم الاستجابة لأيَّة دعوة سبيلٌ لقضائها، بل يحتاج النبيّ إلى قوَّة هائلة لإكمال الطريق مع تواليّ الصدّ -لذلك نقل الحديث دُعاء الأنبياء على أقوامهم- بل يُورث هذا الصدودُ من الناس حسرة في قلب الداعي، وكأنَّه يحرث في البحر -والبحر لا يُحرث- كما يقولون في المثل. ومن هُنا لا تيأس إنْ لمْ تنجح في أمرك، لا تيأسْ إنْ تأخَّر الله في استجابة دُعائك، لا تيأس من تأخُّر إدراك النجاح. فأنتَ لستَ إلهًا يا عبد الله، بل عبدٌ لله. ليس عليك إلا فعل الصواب، لا تحقيق النتائج.

نماذج من يقين النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-

ذكر الإمام “النوويّ” حديثَيْن في يقين النبيّ بالله. منهما حديث الغار عندما قال له “أبو بكر” -رضي الله عنه-: “يا رسول الله لو أنَّ أحدهم نظر تحت قدَمَيْهِ لأبصرنا”. فاستبشر يا عبد الله وأدخل البشاشة على وجهك وأنت تسمع الجواب من النبيّ:

ما ظنُّك يا أبا بكر باثنَيْنِ، اللهُ ثالثُهما.

وما ظنُّك يا عبد الله بعبدٍ لله في كون الله ما يفعل؟ .. فاستقِم كما أُمرتَ، وتوكَّل على الله، وتيقَّنْ به.

129

الكاتب

عبد المنعم أديب

كاتب مصريّ، درس اللغة العربيَّة وتخصص في الفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، وأكثر من مائة وثلاثين مقالاً، وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.