تعودنا على أن ندع أطفالنا لساعات طويلة أمام الشاشات ظانین أن كُل ما یعرض فیھا آمن لھم وأنه مجرد كرتون! لكن ھل سألنا أنفسنا؛ بأي قدر یمكن لتلك المشاھد أن تؤثر على عقول أطفالنا؟

وكيف أن المؤسسات الإعلامية الشھیرة المُنتجة للمحتوى الطفولي تخضع وتستجيب للنظام العالمي الغربي والحركات النسوية؟ في ھذا المقال نضع كرتون الأطفال في خانة الاتھام، ونوضح لك عزيزي القارئ كيف تتغير وتؤثر الرسالة التي تطرحھا المؤسسات الإعلامية. 

أميرات ديزني من حیاة البیت إلى التمرد

كرتون

أسس والت ديزني أشھر إمبراطوريات الكرتون عام 1923م، وطُرح أول فيلم لديزني عام 1928م بعنوان “ستیمبوت ویلي”، وبعد نجاح الفیلم الكبیر حاولت شركات ھولیوود الأخرى تتبع خُطى ديزني؛ فابتكرت شركة “إم جي إم” شخصيات “توم وجيري”. 

أما “یونیفیرسال” فقدّمت الأرنب “أوزوالد” ونقار الخشب “وودي”، وظھر الأرنب “باغز” والبطة “دفي” لصالح شركة “وارنر بروس”، واحتدمت المنافسة لإنتاج ما یُسمّى بالمحتوى الترفیھي للأطفال. 

صدر أول أفلام الأميرات لدیزني عام 1937م، وھو فیلم “سنوایت والأقزام السبعة”، تبعه بعد ذلك عددٌ من أفلام الأمیرات مثل: سندريلا والجميلة النائمة والجميلة والوحش، كانت ھذه الأفلام تحمل قصصًا مختلفة. 

لكن القاسم المشترك بينها وما ارتكزت علیه دیزني ھو عرضھا لشخصية البطلة كفتاة جميلة بيضاء تقع في مشكلة أو مكيدة شريرة لتنتظر الأمیر الوسیم القادم لإنقاذھا ثم الزواج منھا. 

مع أن التمرد النسوي ضد نمط الأسرة التقلیدیة ودور المرأة في المجتمع في الغرب أخذ حیّزًا كبیرًا في القرن العشرين، لكن يبدو أنّ استجابة دیزني للانتقادات تأخرت قلیلًا. 

ولكن في عام 1992م غیرت دیزني رسالتھا فأنتجت فیلم “علاء الدین” الذي كان لأمیرة أیضًا؛ لكنھا أمیرة عربیة سمراء تعترض على أن یتم تزویجھا بطریقة الزواج التقلیدیة من قبل أبیھا، ولا تتزوّج في النھایة من أمیر بل مِن اللِّص علاء الدین. 

ثم ظھر فلم “مولان” عام 1998م؛ الذي طرح صورة جديدة للمرأة؛ فمولان فتاة صینیة تخالف العادات والتقالید الصینیة وتدخل الجیش مكان والدھا العجوز، لتستطيع بحنكتھا وقدرتھا أن تفوق الرجال في التصرف وتنقذ الصین. 

ثم ھناك فیلم الأميرة ميريدا عام 2015م؛ الذي كانت بطلته أمیرة تملك شعرًا أحمر مُجعّدًا وطویلًا، تنتمي لعائلة ملكية اسكتلندية، ولا ترغب في أن تعیش الحیاة التقلیدیة التي تریدھا لھا والدتھا، ولا تقف القصة ھنا! إذ تجید ميريدا أعمال الرجال مثل: رمي السھام وركوب الأحصنة والمغامرة وتسعى لإثبات ذاتھا عبرھا. 

أما الفيلم الشھیر “فروزن” والذي حقق عائدات ضخمة؛ فھو أكبر صور تأثر دیزني بالموجة النسویة؛ إذ طرح قصة أمیرتین “إیلسا وآنا”، ترى إیلسا أنّ إثبات ذاتھا یكون عبر إبراز قوتھا الخارقة وشخصیتھا، ولیس عبر الزواج والحياة التقلیدیة فتھرب بعیدًا. 

ھذه الأمثلة لتبدل رسالة دیزني عبر السنین منذ انطلاقھا توضحُ تأثر الإعلام الغربي بالسیاسة والتحركات الاجتماعیة التي تدور في الغرب، وأن ما یُسمى بالترفیه لیس بریئًا من الرسائل كما نظُن، والمشكلة تأتي كون أن تلك القیم التي لا تُشبه مجتمعاتنا تُصدَّرُ إلینا عبر ھذه الأسلحة الإعلامیة الناعمة، یقول المخرج الأمریكي فرانسیتو فورد كوبولا: “إن أكثر الأفلام سیاسة في العالم یمكن أن نراھا وكأنھا لا تحوي على أي موضوع سیاسي”. 

في عام 2019م أصدرت والت دیزني فیلم “علاء الدین”؛ وھو نسخة جديدة حیة من فيلم الرسوم المتحركة الكلاسيكي الذي أنتجته عام 1992م، لكنه في ھذه المرة یصور صراحة تمرد یاسمین على الزواج والحیاة التقلیدیة وفكرة أن تصبح المرأة سلطانًا. 

ویُعد إصدار”علاء الدین” جزءًا من استجابة شركة والت دیزني لتوقعات المستھلكین المتزایدة في حقبة الحملة النسویة التي سمیت بحملة “أنا أیضًا” التي تُحمِّلُ قوى إعلامیة مثل دیزني المسؤولیة فیما یتعلق بالتمثیل النسائي العادل في وسائل الإعلام، وھي من إفرازات الموجة الرابعة من النسویة. 

أما الیوم ومع موجة التطبیع مع المثلية التي تجتاحُ العالم، فإن المؤسسات الإعلامية الطفولیة التابعة للنظام العالمي أخذت زمام المشاركة فیھا؛ إذ أن دیزني أعلنت في عام 2020م عن إطلاقھا لأول شخصية مثلية ستلعب دورًا رئیسیًا، كما أنھا منعت عرض أفلام كلاسیكیة شھیرة مثل “بیتر بان” بحجة أنھا باتت تُروج لأفكار عنصرية وتخرق إرشادات المحتوى التي وضعتھا مؤخرًا. 

مُدخلات كرتون الأطفال وأثرھا

كرتون

المدخلات ھي كل ما يتلقاه عقلنا عبر الحواس المختلفة ويؤثر في أفكارنا وشعورنا وسلوكنا، وقد وضع عدد من الباحثين نظریة الغرس في السبعينات من القرن الماضي، وھي تؤكد على أن وسائل الإعلام تقوم بغرس عالم وھمي في ذھن المتلقي، إذ يتقبل الصورة على أنھا تعبير حقيقي للواقع، فھو غير واع بعملية صنع ھذا الواقع؛ لأن وعيه لا يتعدى الشعور بالتسلية أثناء مشاھدته للبرامج والأفلام عدة ساعات كل يوم. 

استُخدمت الكثير من الأفلام منذ نشأتھا في بعض الدول لأھداف سیاسیة ودعائية موجھة للكبار، كما فعلت اليابان أثناء غزوھا للصین ثم صراعھا مع الحلفاء في الحرب العالمیة الثانیة، وكما فعلت ألمانیا أیضًا. 

أما الرسوم المتحركة الأمریكیة التي غزت العالم بعد العولمة كانت توجه غالبًا للأطفال، لكنھا حملت كثیرًا رسائل سیاسیة وأیدیولوجیة مثل زرع ثقافة العنصرية ضد الھنود الحمر والزنوج والیابانیین والعرب. 

ومن الطريف أن نحكي ھنا أن زوجة مخترع التلفزيون “فرانسوورث” الذي توفي عام 1971م صرحت أنه كان يرى التلفزیون وحشًا يتنكر على ھیئة أداة ترفيه وأنه خشي كثیرًا من أن یُضعف القدرات العقلية لابنه. 

لا بُد أنك حين تنظر للمجتمع ولفئة الشباب والأطفال سترى أثر الإعلام وأفلام الكرتون علیھم، فإذا أخذنا كمثالٍ جیل الشباب الحالي الذي تربى على قناة سبيس تون؛ نرى تعلقھم بأغانیھا ومسلسلاتھا رغم تقادم السنوات. 

وما زالت عائلة “طارق العربي طرقان” مؤلف ومغني شارات أغاني “سبيس تون” تُقیم الحفلات الغنائية السبیستونیة في العديد من الدول العربیة، ويكون روادھا بالآلاف من جیل الشباب. لیثبت ھذا أثر الغرس الذي ينغرس في الوعي الطفولي، ويؤثر على اختيارات الطفل ورغباته وحتّى غاياته في مُقبل حیاته، وقد كُتبت العديد من الكُتب حول الأثر الضار للتلفاز على الأطفال مثل كتاب The Plug-In Drug. 

ومع بروز شبكات مثل “نیتفلكس” وانتقالنا لعصر سھولة الحصول على كُل متعة، يمكن أن یحصل طفلك وابنك المراھق على برامج ومسلسلات عبر أجزاء عدة بضغطة زر فقط! ونذكُر ھنا حدیث الرئیس التنفیذي لشركة “نتفلكس” في إحدى المقابلات التلفزیونیة؛ إذ قال أن ھدفھم في نتفلیكس ھو تطبیع ونشر أسلوب الحياة الأمريكي، وتحدّث عن أنّه لو طُلب منھم حذف محتوى یحتوي على الشذوذ لما قاموا بحذفه. 

ما العمل لإنقاذ أطفالنا؟

كرتون

  • إدراكُك عزيزي القارئ لكون التلفاز لیس أداة ترفيه بريئة جزء من الحل، إذ أن ھناك الكثير من الأفكار التي تُمرر ویتم تطبیعھا في الوعي الجمعي للمجتمعات، ومثلما تھتم بمأكل ومشرب طفلك علیك الاھتمام بما يتلقاه عبر الشاشات، فلا تطلق له الحبل وتتركه دون توجیه.
  • كما أن ضعف التعليم الديني يؤدي إلى عدم القدرة على نبذ وإنكار ما يراه من مشاھد، أفضل ما یمكن أن تقدمه لطفلك ھو تربیة وفق الأسُس الإسلامية القويمة، وبيئة خالیة من الكرتون – إن أمكنك ذلك.
  • حاول استبدال التلفاز والھواتف وألعاب الفیدیو بقراءة القصص، خاصة التي تطرح حكايات الأنبياء والصالحين والتي تزرع قیمًا فاضلة في الطفل.
  • إن كان التخلي عن الكرتون أمرًا صعبًا؛ فعليك كمربّي انتقاء ما یشاھده أطفالك والتأكد من خلوه من الرسائل الخبيثة والقيم الفاسدة.
  • اجعل الأساس في الترفيه لأطفالك ھو الحركة والألعاب التقلیدیة، وتابع المربين وأھل الاختصاص لإرشادك ومساعدتك.
  • واعلم أن ھناك العدید من الأسر المُسلمة التي تعیش في عصرنا الحالي حیاة خالیة من التلفاز واشتراكات نتفلیكس وألعاب الفیدیو -فھو أمرٌ ممكِن- لكنه یحتاج لأبٍ وأمٍّ یعرفان دورھما في الحیاة ویفھمان أثرالمدخلات، ولا یتركان طفلھما فریسة سھلة لقیم وأفكار تھدم إنسانیته ودینه بحُجة الترفیه.

2444

الكاتب

د. إيلاف بدر الدين عثمان

إيلاف بدر الدين عثمان، خريجة صيدلة، باحثة في الدراسات الإسلامية والتاريخ وعلم الاجتماع.

التعليقات

  • يقين أمير عبد الرحمن حسن منذ 3 أشهر

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ان شاء الله ربنا يوفقك يارب ويسهل عليك ويبلغك مقصدك يديك الفي مرادك يا رب
    انا برضو بقرا كلية الصيدلة

    رد
  • عبير خوجلي منذ 3 أشهر

    فرحت جدا” عندما وجدت شخص .. مدون .. يوتيوبر معروف و سوداني يتحدث عن الأطفال وعما يقدم من محتوي اعلامي موجه للأطفال .. وفرحتي سببها انني من الأشخاص المهووسين بما يقدم للأطفال .. وحزينة جدا” لما يحدث في قنواتنا الفضائية من تهميش لدور الإعلام في تربية الأطفال فكانت النتيجة جيل مستلب بالكامل تقريبا” .. لهذا ارجوك ان لا تتواقفي عن لمس المواضيع المرتبطة بالأطفال .. و (ان شاااء الله لااا تفوتي لا تموتي ..)

    رد
  • مكرونه منذ 3 أشهر

    وااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااو😍😍😍😍😍😍😍😍😍😍😎😎😎😎😎😎😎😎😎😎😎🙃🙃🙃

    رد
  • ام عبدالله منذ شهرين

    موضوع مهم جدا و اغلب الآباء و منتبهين للحته دي 👏👏

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.