غامبيا، حجة الله على المتخاذلين!

غامبيا دولةٌ أفريقية صغيرةٌ تقع أقصى غرب القارّة الأفريقية، ربما لا يعرف السّواد الأعظم من المسلمين موقعها على الخريطة، وقد لا يعلمون أيضاً أن الغالبية السّاحقة من سكانها مسلمون بنسبة 95 %. وفي خبر آخر، لا بدّ أن معظمنا قد تناهى إلى علمه ما تعانيه أقلية الروهينغيا المسلمة على يد عصابات ميانمار المجرمة في السنوات الأخيرة.

قد يسأل سائل، ما العلاقة بين الخبرين؟ وماذا يمكن أن يجمع أمةً في أقصى غرب أفريقيا، بأمةٍ أخرى في أقاصي الشرق الآسيوي؟!

بتاريخ 11 ديسمبر 2015، أعلنت السلطات الغامبية في خطوةٍ جريئةٍ إطلاق صفة “الجمهورية الإسلامية” على البلاد رسمياً، وأكد رئيسها آنذاك “يحيى جامع” أن هذه الخطوة إنما جاءت لإحداث القطيعة مع ماضٍ استعماريّ أليم، وتماشياً مع الهوية والقيم الإسلامية للشعب الغامبي المسلم. كما سبق لهذه الدولة وأعلنت انسحابها من عُضوية الكومنولث سنة 2013، واصفةً إياه بالحِلف الاستعماري الجديد! ولأننا في زمنٍ أصبح فيه الاتّصاف بالإسلام والانتساب له سُبّة وجريمة، فقد أعلن الاتحاد الأوروبي تعليق المساعدات المالية لغامبيا بدعوى سوء سِجلّها في حقوق الإنسان!

أنظر يا رعاك الله كيف يتحكّمون بمصائر الشعوب بتصنيفاتٍ فارغةٍ وتهمٍ جاهزةٍ لتطويعها وقهرها! ولاحظ كيف تسقط دعاوى الإنسانية ويتكشّف زيف شعارات حقوق الإنسان أمام أوّل امتحان!

هي ذي غامبيا تصنع الحدث مجدداً، حين تقدمت لمقاضاة ميانمار أمام المحكمة الدولية وطالبت بفتح تحقيقٍ إزاء ما تتعرض له أقلية الروهينغيا المسلمة على يد العصابات الإرهابية بقيادة “سان سوتشي” التي مَثُلَت أمام المحكمة وفُضِحت على مرأى العالم المنافق الذي منحها يوماً جائزة نوبل للسلام!

مع الإقرار المسبق بعبثية التّحاكم للمنظمات الأممية والهيئات الدولية، وبغضّ النظر عن مدى إلزامية قرارات محكمة العدل ومجلس الأمن الدوليين، ومع التأكيد على أنّ الانتصار لقضايا أمتنا لا يكون باستجداء النصرة والعون من أعدائها وممّن شرْعَن واقعها المأساوي، إلا أن معرض حديثنا هنا عن حجم التخاذل العربي والإسلامي، فما قامت به دولة غامبيا وإن لم يحقق الشيء الكثير، إلا أنه يعرّي الأنظمة التي تجثم على صدور المسلمين ويفضح عجزها حتى في حدود الممكن، وضمن إطار منظومتهم الدولية التي يفاخرون بنيل شرعيتها ويصدحون بالالتزام بعهودها ومواثيقها الظالمة! ويفضح للمرة الألف أنظمة طالما تباهت بخدمة الحرمين الشريفين، وأخرى تفاخر باحتضان الأزهر وغيرها!

ورغم أن تجربة الأمة الإسلامية مع الهيئات الدولية كحال المستجير من الرّمضاء بالنار، إلا أن ما بذلته السلطات الغامبية من جهودٍ لمقاضاة ميانمار وعصاباتها المجرمة أمام المحكمة الدولية، وما نتج عنها من استجابة غير مسبوقة، يضاعف الشعور بالتخاذل والعجز الذي بات سِمة الأنظمة العربية والإسلامية ويضعها أمام واقعها الطافح بالخذلان، وهي التي كانت إلى زمنٍ قريب محطّ أنظار المسلمين عبر العالم، بالنظر إلى المكانة الدينية والروحية التي كانت تتمتع بها!

موقف دولة غامبيا المجهرية، حجّة على تخاذل ذوي الثقل الدينيّ والإرث التاريخيّ، ممن يَسبحون فوق أنهارٍ من الثروات الظاهرة والباطنة، وخاصة إذا علمنا أن هذه البلدان تضمّ أعداداً هائلةً من العمالة الآسيوية من صينيين وهنود وغيرهم، كان بالإمكان اتخاذهم ورقة ضغطٍ دبلوماسيّ واقتصاديّ من شأنه أن يكفّ يد البطش عن المسلمين المستضعفين ويدفع في اتجاه حقن دمائهم، وذلك أضعف الإيمان! حتى لا نقول ضمان حقوقهم الإنسانية وصيانة كرامتهم المهدورة، لكن ما حدث هو العكس تماماً!

مشاهد من الخيانة والخذلان

إنّ ما تعيشه أقلية الروهينغيا المسلمة التي يتجاوز تعدادها المليون نسمة، يعد من أبشع وأفظع الجرائم التي ارتكبت في التاريخ ولا تزال، فقد ذاقوا شتّى صُنوف العذاب وعاينوا ألوان الاضطهاد، من جرائم القتل الجماعيّ والحرق والنّهب والاغتصاب، ثم حملات الطّرد والتهجير من ديارهم، اضطهادٌ دينيّ وتطهيرٌ عرقيّ أعاد للأمة صور المذابح الوحشية التي طالت إخواننا في البوسنة والهرسك مطلع التسعينات من القرن الماضي، في ظل صمت دولي رهيب بلغ درجة التواطؤ!

ولأنّ من أمن العقوبة أساء الأدب، نسج الهندوس الحاقدون على منوال جيرانهم، وشجّعهم التخاذل والصّمت العربيّ والإسلامي والدوليّ، على المُضيّ قدماً في جرائمهم البشعة ضد إخواننا في إقليم كشمير، فأعلنوا رسمياً إنهاء الحُكم الذاتيّ الذي كان يتمتّع به الإقليم وضمِّه لسلطة الهند، ثم تلى ذلك إرسال تعزيزاتٍ عسكريةٍ هنديةٍ  فرضت حصاراً جائراً بدأ بحظر التجوّل وانتهى بقطع خطوط الاتصالات، فيما يشبه التمهيد لإجراءاتٍ قمعيةٍ تستهدف مسلمي الإقليم!

على نفس الموجة، بادرت الصين لاستئناف خطتها الإرهابية ضد مسلمي الأويغور في إقليم تركستان المحتل، وحشدت ما لا يقلّ عن مليون من الأويغور في معسكرات الاعتقال الإلحادية، في مشهدٍ يعود بنا لمحنة محاكم التفتيش في الأندلس قبل أكثر من 500 عام! والأويغور ليسوا أقلية صينية كما يدعي المتخاذلون، وما أرادوا من هذا إلا إيهام الرأي العام بأنّ ما يحدث في الصين شأنٌ داخليّ محضٌ، فتنأى الأمم عن نُصرة التركستان بحُجة عدم التدخل في الشؤون الداخلية!

ولأن الخيانة أصبحت وجهة نظر، فلا تعجب إذا رأيت قيادات إسلامية تبادر لزيارة “مودي” رئيس وزراء الهند، معلنة إبرام صفقاتٍ تجاريةٍ ضخمةٍ مع حكومته بقيمة مليارات الدولارات! (شركة أرامكو السعودية تشتري حصة 20% من شركة ريلاينس الهندية في صفقةٍ تعد الأضخم في تاريخ الاستثمارات الأجنبية في الهند!)، في عزّ الاضطهاد الممارس على إخواننا في كشمير، وكأنها عبارةٌ عن مكافأةٍ نظير ما تقوم به سلطات الهند الحاقدة!

ثم رأينا دولا عربية تستقبل نفس السّفاح الهندي وتغدق عليه بالأوسمة والنياشين، ثم تحابي البوذيين بإنشاء معابدهم ونصب أصنامهم في جزيرة العرب! فور القرار الهندي الجائر، وفي ذروة المذابح التي ترتكب في حق إخواننا الروهينغيا، في مشهدٍ مُخزٍ ومهين يضرب رابطة الدين، ولا يُقيم وزناً لولاءٍ ولا لبراءٍ، فضلاً عن دعاوى التسامح والإنسانية التي يُروّج لها حُدثاءُ الأسنان في جزيرة العرب، مهبط الوحي الإلهيّ ومعقل الرسالة المحمّدية.

ورأينا كيف صوّتت دول عربية وإسلامية لصالح الصين، تأييداً لسياساتها القمعية ضد الأويغور المسلمين بذريعة مكافحة الإرهاب ومحاربة التطرّف! وما خبر ترحيل السلطات المصرية عدداً من طلبة الأزهر الأويغور عن الأذهان ببعيد! وصولاً لمشهد السّباق العربي المحموم نحو التطبيع مع كيان صهيون الغاصب، وما كان من مباركة ما سُمي بصفقة القرن التي أعلن عنها ترامب ونتنياهو، بحضور سفراء كلّ من عُمان والإمارات والبحرين.

وفي صيف 2019، شاهدنا كيف وافقت السّلطات التركية على إعادة العشرات من المهاجرين التركستان، ومن ضمنهم عائلة طاجيكية تم ترحيلها إلى الصين وزُجّ بأفرادها في السّجن. قبل أن يبادر أردوغان لزيارة الصين في عزّ الانتهاكات التي طالت الأويغور قائلا في موقف يقطر خذلاناً: “ثمة جهات تستثمر مسألة الأويغور لزعزعة العلاقات مع الصين!”. ولا تعجب إذا علمت أيضا أن البرلمان التركي رفض مقترحاً لمناقشة مَظلمة تركستان وفتح تحقيق في جرائم الصين فيها، بأغلبية أصوات حزب أردوغان الحاكم!

نعم، هذا ما يحدث حين تَرجحُ كفّة المصالح الاقتصادية والسياسية على كفّة الولاء والبراء وأخُوّة العقيدة. إياك أن تصدق بأنها خطوات معزولة أو منفردة، بل هي نغمةٌ نشاز تُعزف على أوتار الخيانة والعمالة، تُبطئ أحياناً وتًسرع أحياناً أخرى، لكنها ما فتِئت تُعزف وبانتظام!

روح الجسد الواحد، ما زالت متأصلة!

صورة لُمشارك في احتجاجات العاشر من ديسمبر 2019 بهولندا، المُساندة للروهينغيا
صورة لُمشارك في احتجاجات العاشر من ديسمبر 2019 بهولندا المُساندة للروهينغيا

رغم كلّ المآسي والجراح التي تملأ جسد الأمة، والعوائق التي وُضعت بين أبنائها، وتوالي مظاهر الخيانة ومشاهد الخذلان، إلا أنّ روح الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى، كما قال المصطفى عليه الصّلاة والسّلام، لا تزال متقدة فيها، إنها رابطة الأخوة الإسلامية التي مازالت شعلتها مضيئةً في وجدان الأمة رغم الحرب الشّعواء التي استهدفتها في دينها وقيمها الإسلامية على مدى عقود طويلة، الأخوة الدينية التي لن يستوعبها من تلوّثت أدمغتهم وقلوبهم بسموم العلْمنة والتغريب، ولن يعِيَها من سجدوا طوعاً لأوثان الجاهلية المعاصرة، ولن يفقهها من ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا عبيداً لحدودٍ وهميةٍ ما أنزل الله بها من سلطان، اختطّها أعداء الأمة ونصّبوا عليها حراساً من بني جلدتها يقومون عليها ويكرسون الفرقة والتشرذم بين أبنائها، ونبذوا وراء ظهورهم القاعدة الربانية: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) – الحجرات 10 – وأحلّوا محلّها أفكاراً سقيمةً اختزلت الأخُوة والانتماء في رُقعة أرض، أخوةٌ تنتهي مع نهاية الحدّ الفاصل بين هذه الرقعة وتلك، فحلّت الشعوب محلّ الأمة، والأوطان محلّ بلاد الإسلام، والرّايات المتعددة محلّ الراية الواحدة، وانتماءٌ زئبقي عبثي يتلاشى مع أوّل خلافٍ ينشب بين هذا الوطن وذاك! وأصبح لسان الحال: (إنما المصريون إخوة، إنما الجزائريون إخوة، إنما السعوديون إخوة…)، أرادها ربُّ العِزَّة أمّةً واحدةً: (وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) – الأنبياء 92 – وأرادها عبيد الأهواء والشّهوات شِيَعاً وأحزاباً، كلّ حزبٍ بما لديهم فرحون!

أمتنا الإسلامية تتفرّد بكونها ذات امتدادٍ تاريخيّ عقائديّ قبل أن يكون جغرافياً، منذ أول إنسانٍ موحِّد – سيدنا آدم عليه السلام – وصولاً لآخرِ موحِّدٍ على هذه البسيطة، وبهذا فإن ما يربط آخر هذه الأمة بأوّلها لا يحصُره إطارٌ جغرافيٌ ولا يحدّده انتماءٌ عرقيّ أو قوميّ، بل أشمل من ذلك، وحدة الدين والعقيدة التي تجمع بين أبناء الأمة الواحدة تماماً كما آخت الرسالة الإلهية بين الأنبياء والمرسلين على اختلاف أعراقهم وقومياتهم، كما أكّد على ذلك النبيّ الخاتم صلّى الله عليه وسلّم: (الأنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّات، أُمَّهَاتُهُم شَتَّى وَدِينُهُم وَاحِد) متفق عليه. وانظر رحمك الله كيف يصف النبيّ المصطفى علاقته بمن سبقه من الأنبياء رغم أنّ أقربهم إليه زماناً، يفصله عنه أكثر من 500 عام:

  • خطاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ليهود: (مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَخي مُوسَى وَصَاحَبه، بَعَثَهُ اللهُ بِمَا بَعَثَهُ بِهِ…) رواه البيهقي.
  • وقوله بأبي هو وأمي: (أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيم، وَبِشَارَة أَخِي عِيسَى) رواه الحاكم.
  • وقوله عليه السّلام: (عَجِبْتُ لِصَبْرِ أَخِي يُوسُف وَكَرَمِه) رواه الطبراني.
  • ونجد في قصة المِعراج المباركة، كيف خاطب الأنبياء الكرام، موسى وهارون وعيسى ويحيى وإدريس ويوسف عليهم السلام أجمعين، خاتم الأنبياء والمرسلين: (مَرْحَباً بِالأَخِ الصَّالِح، وَالنَّبيِّ الصَّالِح) متفق عليه.

ختاماً، لعلّ المثال الذي ضربناه بدولة غامبيا وموقفها مما يحدث للروهينغيا، وهي البعيدة عنهم بآلاف الأميال، وما نلمِسه لدى المسلمين من تَشَفٍّ وفرحٍ يُبدونه عقب هلاك كلّ طاغيةٍ متجبرٍ عاث في بلاد المسلمين فساداً، أو لكارثةٍ نزلت بأعداء الأمة في مشارق الأرض ومغاربها، لخيرُ دليلٍ وأصدق مثالٍ على توهّج هذه الرّوح التي أراد أعداء الأمة في الداخل والخارج إخماد جذوتها وإطفاء جمرتها، لكن هيْهات هيْهات! أنّى لهذه الرّوح أن تخمد، وقد غُذِيت بوقود الوحي الإلهيّ الخالد المحفوظ؟ (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِم لَو أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرِضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) – الأنفال 63.

هذا الرباط الوثيق يجعل المؤمنين أكثر قدرة على فهم حقيقة الانتماء ويعزّز روح الأخوة لديهم، ويبيّن لهم أنّ لحظات الانكسار عابرة، وأنّ الله ناصِرُ من ينصره والعاقبة للمتقين، ولهم في سِير الأنبياء وقصص الصّالحين العبرة والتبيين. (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغاَلِبُونَ) – الصافات 171.

المصادر

  • من ذخائر السنة النبوية – طه محمد الساكت.
  • البوسنة والهرسك، الحرب الصليبية الجديدة ضد المسلمين – دار الدعوة.

عمار أيمن

ما أنا إلا رجل من المسلمين، يهمني ما يهمهم ويؤلمني ما يؤلمهم، مجهول في أهل… المزيد »

مقالات ذات صلة

‫5 تعليقات

  1. ما تنفع لا رفع قضايا و لا دعاوي …. لو نفعتنا لرجعت فلسطين من زمان …. ما في غير الحرب الاقتصادية كبداية و المقاطعة و التبرع بالأموال والسلاح و فتح قواعد للمجاهدين. قلة من المجاهدين في أفغانستان هزمت الناتو شر هزيمة بدون اي دعم من المسلمين لا بمال ولا سلاح و نفس شيء المجاهدين في فلسطين سكتوا جيش الصهيوني و جعلوه اضحوكه …. لأنهم شعوب مسلحة …. اهم نقطة تسليح المسلمين في الثغور وأماكن الحروب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى