تعيش بلاد كشمير ذات الأغلبية المسلمة صراع وجود وهوية منذ أكثر من سبعين سنة.

وتتميز كشمير بموقع استراتيجي هام بين وسط وجنوب آسيا حيث تشترك في الحدود مع أربع دول هي الهند وباكستان وأفغانستان والصين. مما أكسبها عمقًا أمنيًا إستراتيجيًا لجيرانها وخاصة للقوتين النوويتين الهند وباكستان.

وكانت كشمير وقت تقسيم شبه القارة الهندية تتكون من خمس مناطق هي وادي كشمير، جامو، لاداخ، بونش، وبلتستان وجلجت. وبعد عام 1947 سيطرت الهند على جامو ومنطقة لاداخ، وبعض الأجزاء من مقاطعتي بونش وميربور ووادي كشمير –أخصب المناطق وأغناها-، في حين بسطت باكستان سيطرتها على ما يسمى الآن بكشمير الحرة وهي مناطق بونش الغربية ومظفر آباد وأجزاء من ميربور وبلتستان. واتخذت الهند من مدينة سرينجار عاصمة صيفية للإقليم ومن مدينة جامو عاصمة شتوية له، في حين أطلقت باكستان على المناطق التي تسيطر عليها آزادي كشمير أي كشمير الحرة وعاصمتها مظفر آباد.

أمّا الصين فتحكم حاليًا منطقة ديمشوك، ووادي شاكسغام، ومنطقة أكساي شن، وتنازعها الهند على هذه الأقاليم التي تدّعي الصين امتلاكها منذ استيلائها على أكساي شن خلال الحرب الهندية الصينية عام 1962م.

ويعيش في كشمير نحو 13.5 مليون نسمة في إحصاء 2014 بحسب الوكيبيديا منها حوالي 77% مسلمين، وبقية السكان من الهندوس والسيخ والبوذيين ومسيحيين وأقليات أخرى.

وتقدر المصادر الكشميرية شبه المستقلة تعداد الكشميريين بواقع 8.5 ملايين نسمة في جامو وكشمير، و2.5 مليون نسمة في كشمير الحرة، ومليون نسمة في جلجت وبلتستان و1.5 مليون نسمة موزعين في الهند وباكستان ودول الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة الأميركية.

الهند تستولي على كشمير

كشمير : كل ما يجب أن تعرفه كمسلم عن قضية الإقليم المنسي 1

ورغم إقرار الهند بحق تقرير المصير للشعب الكشميري الذي أعلنته الأمم المتحدة في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 47 الصادر في عام 1948 أعلنت نيودلهي في 7 أغسطس 2019 ضم الإقليم لممتلكات الهند فيما اعتُبِر عدوانًا جديدًا بحق الكشميريين يحرمهم من حقهم السابق في الاستقلال في جميع المسائل باستثناء الشؤون الخارجية والدفاع والاتصالات.

وعلى إثر هذا القرار؛ أطبقت الحكومة الهندية الحصار على كشمير وفرضت حظر التجول على السكان وأغلقت خطوط الهاتف والإنترنت، ليحرم قرابة التسعة ملايين شخص في المنطقة من الاتصال بالعالم الخارجي ولم ترجع الخدمة إلا جزئيًا بحسب تصريحات مسؤولين في الحكومة الهندية.

كما نشرت عشرات الآلاف من القوات الهندية في شوارع البلاد وبدأت مرحلة من الاحتلال الهندي للبلاد المسلمة. وهو الاحتلال الذي أدى وفقًا للباحثين إلى ارتفاع حالات الانتهاكات لحقوق الإنسان والأعمال الإرهابية ضد السكان المدنيين بما في ذلك القتل خارج نطاق القضاء، والاغتصاب، والتعذيب، وحالات الاختفاء القسريّ.   

كشمير التي يضطر فيها الرجال للتسلسل من أجل أداء الصلاة وتخشى فيها النساء على أنفسهن من الاعتداء تشكو عدوان الهند منذ أكثر من 7 عقود يشتد في محطات ويهدأ في أخرى مما ولد حركات مقاومة داخلية تنشد الاستقلال.

ولا يمثل إعلان حكومة الهند إلغائها الحكم الذاتي للإقليم أمرًا جديدًا، ذلك أن الجيش الهندي لطالما انتهك حقوق كشمير والكشميريين ولكن التصعيد الأخير ينذر بمحاولة الهند التي يقودها حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي القومي المتطرف بأن يتعرض الإقليم لعملية إبادة ومحو وجود.

وكما في كل مرة أدى العدوان الهندوسي الجديد على كشمير لتوتر شديد مع الجارة باكستان وارتفعت معه احتمالية نشوب حرب جديدة بين دولتين تتمتعان بقدرات استراتيجية فائقة، ما زالت شراراتها تتوالى.

ويجدر الإشارة إلى أن كشمير ينبع من أراضيها ثلاثة أنهار رئيسية للزراعة في باكستان (السند وجليم وجناب) ويعد احتلال الهند لكشمير تهديدًا مباشرًا للأمن المائي الباكستاني.

تاريخ من العدوان الهندوسي

كشمير : كل ما يجب أن تعرفه كمسلم عن قضية الإقليم المنسي 3

وما يجري اليوم في كشمير ليس إلا حلقة ممتدة من مسلسل اضطهاد وظلم نال من الكشميريين قبل تاريخ 1947، تاريخ منح ولاية جامو وكشمير حق الحكم الذاتي مقابل انضمامها إلى الاتحاد الهندي بعد الاستقلال في نفس العام.

فمنذ صدور هذا القرار كشفت السلطات الهندية عن حقد دفين على الإقليم، وبدأت سلسلة من الإجراءات التعسفية والقمعية والعدوانية بحق سكانه.

وفي الواقع عانت كشمير كل أشكال المعاناة منذ سبعة عقود ارتفعت خلالها أصوات الكشميريين مطالبة بالحرية والاستقلال والكرامة وتطورت معها أساليب الكفاح للتحرر من الإرهاب الهندوسي دون تحقيق هدف الحرية المنشود.

ولو رجعنا قليلا في محور الزمن سنجد تاريخ كشمير حافلا بالأحداث والتغيرات والحروب والمواجهات.

فكشمير دخلها الإسلام منذ عهد الوليد بن عبد الملك (86-96هـ)، وامتد لقرون عرفت خلالها البلاد الاستقرار والأمن، وسمحت عدالة الإسلام بخلق نوع من التعايش بين جميع الأقليات الدينية والعرقية. وازدهرت خلال هذه القرون العديد من الصناعات والحرف.

ولكن الاحتلال البريطاني الذي كان يعتبر المنطقة من أهم مناطق التاج البريطاني، فتح باب معاناة الكشميريين واسعًا، بداية من خلال وجوده كمحتل يستنزف البلاد لمصالحه ويستعبد أهلها، ثم من بعد انسحابه الذي ترك خلفه توترًا لا زال مستمرا إلى اليوم.

فبعد انسحاب بريطانيا السريع تزامنًا مع نهاية الإمبراطورية البريطانية في شبه القارة الهندية. تم تقسيم شبه القارة إلى دولتين هما الهند وباكستان، وتركت كشمير معلقة تنتظر حسما لتقسيم أراضيها بين الدولتين الجديدتين وكان ذلك في أغسطس/آب 1947.

ولكن الهند أطلقت يد الهندوس المسعورة لتسطر المذابح الجماعية ضد أهالي كشمير  المسلمين مما أدى إلى مقتل نحو مليون شخص على الأقل فيما نزح أكثر من 12 مليون من مساكنهم يبحثون عن ملجأ آمن، فحفرت في صفحات التاريخ قصة مأساة لا تنسى.

ومنذ خروج الاحتلال البريطاني خاضت الهند وباكستان 4 حروب شاملة، انتهت الأولى عام  1949 بتقسيم كشمير وخضعت ولاية جامو وكشمير للسيادة الهندية.

بينما فشلت الثانية عام 1965 حيث امتدت المواجهة المسلحة بين الجيشين النظاميين الهندي والباكستاني لمدة 17 يوما لم يتحقق فيه نصر حاسم لأي من الدولتين، وانتهت الجهود الدولية بعقد معاهدة وقف إطلاق النار بين الجانبين في الثالث والعشرين من الشهر نفسه.

أما الحرب الثالثة عام 1971 فكانت المواجهة من جديد لكن هذه المرة كان الميزان العسكري لصالح الهند وتمكنت بفضل ذلك من تحقيق انتصارات عسكرية على الأرض مما أدى إلى تغير التفكير الإستراتيجي العسكري الباكستاني وأدخل البلدين في دوامة من سباق التسلح كان الإعلان عن امتلاك كل منهما للسلاح النووي أهم محطاته. وأسفر قتال 1971 إلى انفصال باكستان الشرقية وتأسيس جمهورية بنغلاديش ولم يستطع الرئيس يحيى خان الباكستاني مواجهة الغضب الشعبي، فقدم استقالته في 20 ديسمبر/كانون الأول 1971. 

واندلعت الحرب مرة أخرى في عام 1999 بعد أن تدهورت الأوضاع بين البلدين من جديد حيث استخدمت المواجهة بين الهند وباكستان الطائرات والأسلحة الثقيلة أعقبها سلسلة تجارب نووية أجراها طرفا النزاع، من باب التهديد بالقوة الفتاكة التي طورها كلا البلدان.

محاولة طمس الهوية الكشميرية

إعلان إلغاء الحكم الذاتي اليوم من قبل الحكومة الهندية كان وراءه تحركات أخرى فسرت بمحاولة مسح الهوية الكشميرية بالكامل، حيث تسعى الحكومة الهندية إلى تشجيع الهندوس على الهجرة إلى كشمير بهدف تغيير الهوية الديموغرافية للإقليم الوحيد ذي الغالبية المسلمة في الهند.

كما فصلت الحكومة الهندية الشخصيات المؤثرة في المجتمع الكشميري وعمدت لعزلهم بالإقامة الجبرية في وقت لعبت فيه الآلة الإعلامية الهندية دورًا رائدًا في تشويه تاريخ كشمير وعادات الكشميريين وتراثهم، كما شجع المسؤولون الهندوس الزواج من كشميريات لتذوب الهوية الكشميرية في مكونات المجتمع الهندي الكبير.

متآمرون مع الإجرام الهندوسي

كشمير : كل ما يجب أن تعرفه كمسلم عن قضية الإقليم المنسي 5

ويدعم الحكومة الهندية حكومات أخرى من أبرزها “إسرائيل” التي تقدم معلومات استخبارية عن حركات المقاومة الكشميرية، إلى جانب حضور مخابراتي إسرائيلي في الأراضي الهندية. وقد أشارت الباحثة الإسرائيلية المتخصصة في الشؤون الهندية في جامعة بارإيلان، نوهت بيرودكي، لهذا الدعم الإسرائيلي لحكومة الهند حيث قالت في تحليل نشرته صحيفة “يسرائيل هيوم”، في 23 يونيو 2019، إن حاجة الهند إلى تحسين قدرتها على مواجهة التنظيمات المتشددة دفعها إلى تعزيز أنماط تعاونها مع كل من “إسرائيل” والسعودية والولايات المتحدة. وتصف عادة “إسرائيل” كل مقاومة مشروعة بتنظيم متشدد.

وبدل التنديد والإقدام على تحركات جدية لردع العدوان الهندوسي بحق كشمير،سارعت حكومات غربية وعربية للإشادة بالحكومة الهندية، وكان أول المسارعين لدفع عرابين التقارب والتقدير للحكومة الهندية ولي العهد السعودي الذي وقّع على خمس اتفاقيات ومذكرات تفاهم ثنائية بين الجانبين  مما أثار غضب باكستان.

من جانبه دخل دونالد ترامب خلال تجمع كبير بأيد متشابكة مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، ليتقدم الزعيمان على صوت قرع الطبول لموسيقى البانغرا الهندية، وسط هتاف حضور يُقدر بـ50 ألف شخص. وليعلن ترامب عن تحالف أمريكي هندي لحرب ما يسمى الإرهاب الإسلامي. وهذا بعد تأييد سيد البيت الأبيض إلغاء الحكم الذاتي لكشمير الذي سطر معه الهنود أبشع مشاهد الإرهاب الهندوسي الحاقد.

المستقبل الغامض

وهكذا امتدت معاناة الكشميريين منذ عام 1947 إلى يومنا هذا بسجل حافل من العدوان الهندوسي بحق الكشميريين المسلمين تحت صمت وتآمر المجتمع الدولي. وفي وقت يمثل الجوار الصيني الذي انتهج نفس السياسة مع التركستانيين المسلمين حصارًا  آخر لا يقل خطرًا لأجل عير معلوم.

فهل ستشرق شمس الحرية يوما على كشمير أم ستبقى ضحية الإرهاب الهندوسي والتأمر الدولي؟ سؤال تحسمه عزيمة الكشميريين على انتزاع حريتهم من يد المحتلين وصدق أخوة باقي المسلمين في العالم بدعم مطالبهم لتحقيق العدالة واسترداد الحقوق المسلوبة.

139

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفٌة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي سبعة كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، وصفحات من دفتر الالتزام، وإليكِ أنتِ، وقبس من خاطر، وأمريكا التي رأيت، وقراءات مختصرات، والمختصر في الملاحم والفتن).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.