في الوقت الذي انشغل فيه العالم بسيل من الأحداث الكبرى التي أعقبت الربيع العربي فاستقطبت العدسات في تونس ومصر واليمن وسوريا وليبيا، وانشغلت عناوين الأخبار بتغطية الحرب التي يشنها التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية على ما يسمى الإرهاب على رأسه  تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، هناك في دولة مينامار وتحديدا في ولاية أراكان (راخين)، أمة مسلمة تباد وعملية تطهير عرقي تجري على قدم وساق لم تهدأ، والبوذيون بمساندة الحكومة المينامارية مستمرون في تسجيل أبشع الجرائم ضد الإنسانية مستفيدين من انكباب الاهتمام العالمي على الساحات الأخرى، ليبقى نداء الاستغاثة يتردد صداه في الآفاق ولا مجيب ..

المسلمون الروهينجا: الأقلية الأكثر اضطهادا في العالم 1

تهجير ممنهج وتواطئ دولي

لقد عكس مشهد وصول 500 لاجئ على الأقل من أقلية الروهينجا المسلمة من غرب بورما إلى بنجلاداش مؤخرا تحملهم قوارب مكتظة فرارا من الهجوم الذي يشنه الجيش البورمي والبوذيون منذ أكتوبر على ولاية راخين غرب بورما ، عكس درجة المعاناة التي يئّن منها المستضعفون المسلمين في هذه الأرض،والذين يلقون بأنفسهم في البحر للنجاة من مجازر دامية هي الأبشع على الإطلاق في العصر الحديث. في وقت رفضت الدول المجاورة توفير إقامة دائمة لهم، كماليزيا وإندونيسيا التي عمدت إلى إبعاد مئات من الروهينجا الفارّين إليهما بحجة عدم قدرتها المالية لتحملهم،  إذ صرّح نائب وزير الداخلية الماليزي مؤخرًا قائلا: “علينا إرسال رسالة واضحة أنهم غير مُرحّب بهم هنا”، وكذلك رفضت البحرية التايلاندية استقبالهم وبدأت تلوح الهند بالطرد! ليبقى الساحل الوحيد الذي يلجأ إليه المسلمون الروهينجا هو في بنغلاديش، وهي دولة ذات أغلبية مسلمة، والتي آوت الروهينجا لسنوات بشكل غير رسمي، لكن مؤخرا بدأ مسؤولوها يتحدثون عن نية الحكومة إجلاءهم عن المخيمات الحدودية التي نزحوا إليها منذ عقود، باعتبارها دولة تعاني اقتصادًا هشًّا وحكومة ضعيفة مع كثافة سكانية ضخمة لا تقوى على احتضانهم.

وتأتي حملة التهجير هذه وفق مخطط اضطهاد وتصفية عرقية للمسلمين الروهينجا عرف أقبح الانتهاكات لحقوق الإنسان التي قادها الجيش البورمي والبوذيون وشملت مصادرة الأراضي والسُخرة والاغتصاب والتعذيب وحرق الممتلكات وتدمير المباني والقتل العشوائي دون تفرقة بين المرأة والرجل ولا الشيخ والطفل الصغير انتهاءً بالإعدامات الجماعية دون محاكمة كما أوردت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في تقريرها عام 2013.

ورغم أن المشكلة ذات جذور قديمة إلا أنها ازدادت سوءًا بشكل واضح في السنوات الأخيرة؛ ويرى المراقبون أن انتقال ميانمار من حكومة يقودها العسكر  إلى أخرى أكثر ديموقراطية – نوعا ما- كان السبب وراء حدود أسوأ أحداث العنف التي تعرض لها المسلمون هناك.

أصل الاضطرابات في ميانمار

وبالرجوع إلى جذور الاضطرابات الحالية نجدها تتصل اتصالا مباشرا بالماضي الاستعماري للبلاد، ففي 1826، ضم الاحتلال البريطاني الجزء الشمالي الغربي الحالي من البلاد، إضافة إلى الإقليم الذي يسكنه حاليًا من تبقى من مسلمي الروهينجا في ميانمار ومكّن البوذيون من توسيع نفوذهم في البلاد والهيمنة.

وتسجّل حادثة قتل مجموعات بوذية متطرفة عشرة من دعاة مسلمي الروهينجا في شهر يونيو /حزيران 2012 م، حين عودتهم من رحلة العمرة. نقطة الانفجار التي أعقبتها حرب شاملة على المسلمين الروهينجا في إقليم أراكان (راخين) من قبل البوذيين المسلحين بأسلحة بيضاء وعصيّ والذين قاموا بأعمال قتل وتعذيب واغتصاب وحرق وهدم للبيوت في أبشع صورها المروعة.

فزاد هذا العدوان من معاناة ومأساة المسلمين الروهينجا وانضم لما يعيشونه من قمع وتقتيل وتهجير وتجويع منذ أكثر من ستة عقود، بحجة أنهم مهاجرين غير شرعيين، لقد حوصوروا اقتصاديا وطردوا من وظائفهم الحكومية فحلّت شبه مجاعة على أهاليهم واستمر العدوان إلى محاولة محو هويتهم الاسلامية بهدم المساجد والمدارس التاريخية والآثار الاسلامية ومنع ترميمها والحيلولة دون تطوير المدارس الاسلامية وعدم مصادقة الشهادات الصادرة عنها بل وصل الأمر إلى إأجبارهم على تغيير أسمائهم الاسلامية وغير ذلك من صور الاضطهاد والتطهير العرقي والتهجير.

رأس الإجرام

ويقود رأس هذا الاجرام مجموعة رهبان بوذيين ينتمون لحركة تسمى رقم 969، وهو رقم أضحى يثير الفزع وينشر الرعب داخل نفوس المسلمين المستضعفين، لأنه مقرون برائحة الغدر والدم وملطخ بمرارة اغتصاب النساء وحرق الأحياء. ورغم كل ما تم توثيقه من جرائم هذه الحركة لم يتم إدراجها في قائمة المنظمات الإرهابية في العالم، ذلك لأن ضحاياها مسلمون!

حركة 969 زعيمها الراهب البوذي المتطرف آشين ويراثو المسؤول المحرض الرئيسي لخطاب الكراهية وهيستيريا العداء ضد مسلمي الروهينجا. وهي حركة دينية قومية بوذية، تهدف إلى وقف انتشار الإسلام ومحاربته وجعل مينامار قبلة البوذيين في العالم وتدعو إلى حماية الهوية البوذية في البلدان البوذية.

وتقوم حركة 969 بشن حملات تحريضية وتحث على مقاطعة مسلمي الروهينجا تجاريا وعلى استخدام العنف ضدهم ما جعل الأمم المتحدة تصنف الأقلية الروهينجية كواحدة من أكثر الأقليات اضطهادا في العالم.

وأما دلالة الأرقام  969  ف9 ترمز لتسعة سمات خاصة لبوذا و6 تشير إلى تعاليم بوذا ما يسمى دارما و9 الأخرى تشير إلى السمات التسعة لـ السانغا (الرهبان) فبوذا والدارما والسانغا هي الجواهر الثلاثية لديانة البوذية واستعملت هذه الأرقام الثلاثة 969 لتشير إلى تلك المعاني الدينية المذكورة.

خطوات التخلص من مسلمي الروهينجا

وبحسب إفادات المراسلين الصحفيين الغربيين وما يشاهد على أرض الواقع فإن الحكومة المينامارية قامت بتقسيم مهمة التخلص من مسلمي الروهينجا على النحو التالي:

  • تتوالى عصابات مسلحة بتحريض ومشاركة مباشرة من الرهبان وتجارهم وقياداتهم عملية الاحراق والتدمير والقتل والاغتصاب والنهب والترويع والتخويف وغيرها.
  • تتولى الحكومة عملية الاعتقال والتفتيش والمداهمات وحظر التجوال والتغريم والتجريم والسجن وسحب الوثائق الرسمية القديمة ومصادرة الأملاك وغيرها مما يتعلق بالأمور الرسمية.

الإرهاب الذي يمارس بحق مسلمي الروهنجا

ويقول الباحث الروهنجي أيوب السعيدي : “إن المجموعات البوذية المتطرفة تتجول ليلا في المدن والقرى التي يعيش فيها الروهنجيون لتهديد أمنهم ونهب ممتلكاتهم وخطف بناتهم والقوات الحكومية في مينامار تكتفي غالبا بموقف المتفرج حيال تلك الأحداث في غالب الأحوال، وربما تتواطأ مع البوذيين وتشاركهم في أعمال النهب والسرقة وتهديد الأهالي المدافعين عن ممتلكاتهم بإطلاق الرصاص تجاههم”.

كما تمنع تلك الجماعات البوذية بتواطأ من الحكومة المينامارية من وصول الإغاثات الإنسانية للمسلمين المنكوبين، تجلى ذلك بالمسيرات والاحتجاجات العارمة في أراكان التي تطالب بطرد المنظمات الإغاثية العاملة في مناطق وجود اللاجئين الروهنجيين ومنع الوفود الدولية من زيارة مخيماتهم التي تزداد أحوالها المأساوية سوءا يوما بعد يوم.

 

ويمثل المسلمون في مينمار 15 بالمئة على الأقل من تعداد مينامار البالغ 60 مليون نسمة. ولكنهم شعب يباد أمام سمع العالم وبصره ولا مستجيب لنداءات استغاثته.

حملات التهجيير والقتل

لقد نجحت الممارسات البوذية القبيحة والعدوانية في تهجير حوالي من 3 إلى 4 ملايين مسلم حتى الآن وأسفرت عن مئات الآلاف من القتلى ولا زالت الأعداد في تصاعد دون أن يدون اسم هذه المجازر في سجل الإرهاب العالمي ودون أن تتحرك الجيوش الغربية لإحلال السلام في أراكان!

ما يعكس النفاق الدولي في التعامل مع القضايا الإنسانية خاصة عندما تتعلق بالمسلمين، وإن الحل الأمثل لإنقاذ المسلمين الروهينجا لن يكون بدون يقظة المسلمين واتحادهم ووقوفهم  معا لاسترجاع مكانتهم التي كانت تكسبهم الاحترام بين أمم العالم.

إن المجازر والمعاناة المستمرة لمسلمي الروهينجا ستبقى شهادة تدخر في ضمير الزمن لتشهد على خنوعنا وذلتنا وتهاوننا في نصرة إخواننا هناك، إن الواجب علينا أن نتحرك بحزم ونضغط بطريقة فعالة ونحرك القضية بقوة وبلا تسويف إعلاميا وسياسيا وبكل السبل المتاحة، لعلنا نستدرك بعض الأرواح ونرفع بعض الآلام عن مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، بات يقتل ويشرّد لا لسبب آخر إلا إيمانه بهذه العقيدة السامقة.


المصادر:

361

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي ثمانية كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، وصفحات من دفتر الالتزام، وإليكِ أنتِ، وقبس من خاطر، وأمريكا التي رأيت، وقراءات مختصرات، والمختصر في الملاحم والفتن، وخربشات على جدار الصمت).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.