ما الذي يقع في خلدك ما إن يُذكر لفظ “فيلدز”؟ …  إن كنت من المتابعين للفعاليات العلمية وأخبار العلوم فسيخطر ببالك تلك الجائزة المكافئة لنوبل التي تُمنح كل أربع سنوات لأحد المتميزين في مجال الرياضيات. وإن بحثت أكثر فستجد مؤسسة كاملة تجعل اسم هذا العالم عنوانًا لها. وفي جميع الأحوال ستنتظر شيئًا له علاقة بالرياضيات، لكن ماذا إن أُخبرت أن هذه المؤسسة قد نسيت دورها في رعاية الرياضيات وبدأت تتزعم الناس إلى الجنون، هل ستتقبل الأمر؟ ألن تجد في هذا “الادعاء” نوعًا من البهتان؟

مؤسسة فيلدز والشذوذ

دعنا لا نطيل عليك ولننقل لك ما كتبته في موقعها: “مؤسسة فيلدز تفتخر بتقديم أول يوم رياضي للشواذ. هذه المناسبة هي الأولى من نوعها في كندا، وهي تستهدف باحثي الرياضيات الشواذ وكذا الطلاب والمنخرطين في مرحلة ما بعد الدكتوراه في تخصص الرياضيات وحلفائهم.” [1] -وإنَّا لا نرضى أن إلا استعمال مصطلح الشواذ ترجمة لمصطلح homosexual-.

ما رأيك؟ ألم تستغرب من هذا الربط؟ ألا ترى أن الرياضيات لا دخل لها لا من قريب ولا بعيد بهؤلاء الشواذ! فما بال القوم؟ قد نبرر مثل هذه المناسبات في العلوم الطبيعية أو الفيزيائية نظرًا لأنها تخدم مصالحهم وتوجد لهم مزاعم “علمية” تبرر أفعالهم، لكن ما علاقة الرياضيات بكل هذا؟ إنها في حد ذاتها لا تخدمهم لا من قريب ولا من بعيد، بل فيها من الأدوات المنطقية التي تساعدنا على محاربة خرافات هؤلاء الذي سماهم ربنا في كتابه بالمجرمين [الذاريات، 32]!

وهنا لك الحق في التساؤل: ما الذي أدى بالمجرمين إلى تسلق سور أشهر مؤسسة في الرياضيات؟ ما الهدف من هذه المناسبات؟ هل للرياضيات دخل بهؤلاء المجانين؟

سنحاول بحول الله وقوته الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال مقالنا، ونحتاج لفهم الحاصل إلى العودة بالزمن قليلًا واستعراض بعض الأفكار قبل بسط الأجوبة، لذلك اصبر معنا لعلنا نستوعب إن شاء الله ما الذي أدى إلى هذه الكارثة.

واقعة ستونوول

تحكي صفحات التاريخ أن حركة الشواذ قد قويت في واقعة ستونوول سنة 1969 حينما هاجمت شرطة نيويورك ناديًا لهم في قرية كرينوتش يوم 28 يونيو، حيث كانت سببًا لاندلاع مظاهرات دامت ستة أيام جراء “العنف” الذي لحقهم، فكانت دفعة قوية لانتشار تحركاتهم وفرض آرائهم على المجتمع [2]. لكن كانت تفتقر حركتهم إلى تنظيمٍ وأسسٍ لتوحيد صفهم، حيث قال مارشال كرك وهانتر مادسن في كتابهما “ما بعد الكُرة: كيف ستتغلب أمريكا على خوفها من الشواذ وكراهيتهم في التسعينيات”:

ثورة الشواذ قد فشلت. ونحن نكتب هذه السطور قد مرت عشرون سنة -يعني على حادث ستونوول-. خلال هذه السنوات تضافرت الجهود وفاز مجتمع الشواذ ببعض الامتيازات هنا وهناك. ألغي بعضها وبقي البعض. كان من المفترض أن يكون العمل أفضل بكثير. [3, ص. xiii]

لكن مَن هذان اللذان يحكمان على فشل هذه الحركة وما الهدف وراء هذه السطور؟

إن هذا الكتاب يعد القاعدة الأساس التي نظمت برنامج الشواذ ووحدت قوتهم، حيث وضع مُؤَلفيه خطة عملية لنفوذ الشواذ وإعلاء كلمتهم [4]، وكان هذا واضحًا في المقدمة حيث قالا: “هذا الكتاب يقترح خطة عملية -بعد طول انتظار- لإنهاء أزمة الشواذ التي كانت تبدو وكأنها لن تنتهي في أمريكا”. [3, ص. xiii] ويقولا: “الحملة التي نخطط لها في هذا الكتاب، رغم تعقيدها، ترتكز أساسا على الدعاية الوقحة، وبحزم على مبادئ راسخةٍ في عِلمَيْ النفس والإعلان”. [3, ص. XXVL]

ولنا وقفة مع بعض صفحات الكتاب لنصل إلى الجواب عمَّا طرحناه من قبل، لكن لا بد من ذكر أن كاتبيه لهما مكانة علمية لا يُستهان بها، فمارشال كرك تخرج من جامعة هارفارد وهو باحث في مجال الطب النفسي العصبي ومتخصصٌ في المنطق، وينظم الشعر. أما مشاركه في التأليف فهو أستاذ متخصص في التواصل العام، قد درَّس في هارفرد، وصمم إعلانات شارع ماديسون، وخطط من قبل لأول جهد إعلاني لأصحاب الشذوذ في أمريكا. [3, ص. 400]

قدم هذين كتابهما بعرض الواقع الأمريكي آنذاك وما يظنه العامة في شواذ، أي أنهما حاولا وصف نظرة الأمريكيين كما هي في زمنهم [3, ص. xiv] ثم أعطيا حلولًا -على حد زعمهم- لإرساء حقوقهم في مواجهة للمجتمع الأمريكي الذي كان يرفض هذه الفاحشة حيث قالا:

على الشواذ إطلاق حملة واسعة النطاق -سميناها حملة شن السلام- للوصول للمستقيمين عن طريق وسائل الإعلام الرئيسية. إنَّا نتحدث عن الدعاية. [3, ص. 161]

وقد وضعا خطة عملية من ثمان نقاط لإقناع “المستقيمين” -كما يصفونهم- عبر وسائل الإعلام مسترشدين بأهدافهم العديدة التي خطَّاها من قبل [3, ص. 173]. وفي النهاية، ختموا كتابهم بتوصيف المجتمع الشاذ من الداخل وما يعتريه من مشاكل مع نصهم على نصائح لتنظيفه [3, صص. 275–276].

إن هذا الكتاب رغم أهميته لفهم تحركات الشواذ وخططهم إلا أنه لا يمكننا ان نعرض كل الأفكار التي وردت فيه، لذلك ننصح من يسعى لمحاربة هذه الفاحشة أن يرجع إليه [5]، وهنا سنكتفي بشرح النقاط العملية لأنها المرتبطة أساسًا بهدف مقالتنا.

وسنعرض بشرح مجمل هذه المبادئ الثمانية، وهي كالآتي [3, ص. 191]، [3, ص. x]:

خطة المبادئ الثمانية

المبدأ الأول: لا تعبر عن نفسك فقط بل تواصل

يرتكز هذا المبدأ على التفريق بين التعبير عن النفس والتواصل مع العامة، حيث أن التعبير عن النفس هو إظهار ما تريده أنت بغض النظر عن المتلقي، مما ينتج هوة بينك وبينه. أما التواصل مع العامة يحتاج نوعًا من التقبل الأولي من الآخر، بمد الجسور انطلاقًا من المظهر الخارجي الطبيعي، واللغة المشتركة.

وهكذا يظن المخاطب أنك تشاركه الكثير من المعايير والأفكار فيسمح لك باستمرارية النقاش، آنذاك يمكنك أن تصل إلى هدفك. وعليه لا تبدأ بما قد قررت سابقًا أنك تريد إيصاله لهم، إنما بادر بالحديث عما يحتاجه الآخرون سماعه منك. [3, صص. 174–175]

المبدأ الثاني: لا تَسْعَ بين المحافظين والمتعنتين بل ناشد المشككين المتناقضين

بعد معرفة قيمة التواصل ينبغي تحديد المتلقي، ولذلك قسم المؤلفان الناس في علاقتهم مع الشذوذ إلى ثلاثة أقسام:

  1. المتعنتون (وهم بالأحرى المصلحون): وهم الرافضون لفكرة الشذوذ من جذورها، ولن يقبلوا أن يُتكلم بلفظ واحد عنها في مجتمعاتهم.
  1. الأصدقاء: وهم أغلب الشواذ وبعض الجمهور، حيث لا يكرهون الشذوذ في ذاته ومستعدون للدفاع عن حقوق ممارسيه.
  1. المتشككون المتناقضون: بين الأعداء والأصحاب هناك المتشككون المتناقضون الذين يَشُكُّون أساسًا في الشذوذ لكنهم غير مستعدين لعقاب الممارسين وتعنيفهم.

وبعد شروح مفصلة عن هذه التقسيمات وضَّحا أن الإعلام ينبغي أن يوجه طاقته ويركز على المتشككين، وفق المخطط الآتي: [3, صص. 175–177]

المبدأ الثالث: اِستمر في الكلام عن الشذوذ

من خلال عرضهما لهذا المبدأ يمكننا تلخيص أفكارهما في محورين [3, صص.177–179]:

المحور الأول: الأهداف

  • إزالة حساسية المتشككين ضد الشذوذ (لكن مع تحذيرهما ألا يتم إظهار الممارسة نفسها أنها أمر حسن).
  • طرح القضية بطريقة حيادية -من وجهة نظرهم طبعًا!في الأوساط الاجتماعية.
  • الوصول إلى مرحلة الملل من الحديث عن الموضوع إلى درجة عدم الاكتراث.

ثم بعدها يمكن البدء في خوض المعارك القانونية والاجتماعية.

المحور الثاني: الوسائل

  • في المراحل الأولى للحملة لا يُرجى صدم الجمهور بإظهار حقيقة الممارسات.
  • الإكثار من الكلام الحر والمكرر لإعطاء انطباع عن كون الشذوذ أمرًا شائعًا ومألوفًا.

ويُعَلِلان ذلك بكون التصرفات الجديدة يتوقف استساغتها في مجتمع ما على نسبة تقبلها وممارسيها، فقد يتم الاستياء من التصرف أول الأمر، لكن ما إن يصبحُ السلوك شعبيًا يتحول إلى شيء معتاد لا غبار عليه، فتغدو اعتراضات المحافظين كقضايا فلسفية أقل عاطفية.

  • لسرعة الإقناع بالشذوذ ينبغي إيجاد الكثير من الناس يتحدثون عن الموضوع بشكل حيادي أو داعم.
  • النقاشات المفتوحة تجعل الشاذين أقل غرابة وأكثر قبولًا في مجتمعاتهم.
  • كثرة الكلام عن الموضوع يعطي إحساسًا أن الرأي العام منقسم حول المسألة وأن هناك عددًا لا بأس به يقبل أو يمارس الشذوذ.
  • إرباك المتدينين نظرًا لكون الدين أحد المُحَدِدَين (إضافة للإعلام) لرأي العام.

المبدأ الرابع: ركز على الرسالة: القضية هي الشذوذ

وهما يقصدان التحدث عن حقوق الشواذ وفقط، أي الاستمرار في الكلام المرة بعد المرة عن نفس الشيء لكن بترك الأمر عند حد الحقوق، ويعبران بلفظ: “كن أحادي التفكير”. [3, صص. 180–182]

المبدأ الخامس: صوّر الشاذين على أنهم ضحايا مقهورون وليسوا منافسين عدوانين

تصوير الشاذين بصورة الضحايا يؤدي إلى ردة فعل طبيعية لتبني المستقيمين دور الحماة، أما إظهار الشواذ أنفسهم بالأقوياء المتغطرسين سيجعل العامي يتخذ سبل الوقاية منهم، فهم آنذاك تهديد وخطر عليه. لكن يُنبهان على خيط رفيع يكمن وهو بين إظهار العدد “المهول” للشواذ من جهة وإشعال جنون العدائية من جهة أخرى.

والهدف من هذه الصورة جعل المستقيم يحس بالتشويش اتجاه الشواذ، والوسيلة هي استعمال هذه الحملة الفعالة رموزًا ومتحدثين رسمين للتقليل من مشاعر التهديد، والخفض من مستويات الوقاية. فهي توصل العامة إلى مستوى لن يجرؤوا على قول: (هم ليسوا مثلنا).

هؤلاء المُرَوجون لهذه الصورة هم أناس مثيرون لإعجاب المستقيمين، أو ممن يقدمون منافع يُحترمون لأجلها، فمظاهرهم العادية تشبه المستقيمين الذين تستهدفهم الحملة.

وللوصول إلى هذه الصورة ينبغي إيصال رسالتين:

  • الأولى: الشواذ ضحية الظروف

فهم لا يختارون توجهاتهم الجنسية كما لا يختارون لون جلودهم، إنما هي ملازمة لهم مع الولادة. وبهذه الحجة لن يستطيع المستقيمون تأنيبهم فهم مغلوبون على أمرهم. (هذه المزاعم قد تم الرد عليها في مقالات في مبادرة الباحثون المسلمون يرجى العودة إلى [6] [7] [8])

  • الثانية: الشواذ ضحية تحيز

وفيه السعي الحثيث لتنبيه المستقيمين بالأذى الذي يمارسونه على الشواذ، حيث يتم إظهار صور المعاملة الوحشية ودراما انعدام الأمن والمسكن وإهانة المجتمع.

بهذا يصل المستقيم لمرحلة تَقَبُّل حتى ذاك الشاذِّ ذي المظهر المشين غير الطبيعي ليرأف به ويعطيه الأمان والقبول. [3, صص. 183–187]

المبدأ السادس: امنح الحماة المحتملين سببًا عادلًا

لا ينبغي للحملة أن تطالب دعمًا للشذوذ بذاته كفعل، لكن هدفها الأساسي هو مناهضة التمييز، وذلك بالاستعانة بالمواثيق والمعايير القانونية الموجودة، وهي كذلك حجة دامغة لداعمي الشواذ أمام الحجج الأخلاقية للأعداء المخالفين. [3, ص. 187]

المبدأ السابع: أظهر الشواذ بصورة جيدة

لتفعيل المبدأ الخامس (إظهار الشواذ على أنهم ضحايا) لا بد أن تصوّر الشاذ كأنه شخص عادي تمامًا، بل إظهاره بصورة إيجابية ملائمة قصد التصدي للصورة النمطية المنتشرة وكذلك لتسريع تحول المستقيمين.

وهذا من خلال إعطاء الانطباع أن النساء الشاذات والرجال الشاذين هم “الأعمدة الحقيقية” للمجتمع، بدل الشائع عن كونهم الفاشلين، والمنعزلين، والواهنين، والضعيفين، والانتحاريين، وغير الأسوياء.

وكذلك من الوسائل المتبعة: تسليط الأضواء على الأبطال الماضين، الذين يكن لهم العوام احترامًا وتقديرًا، بإبراز انتمائهم لجماعة الشواذ، فيبدو كأن هؤلاء القوم هم الرِّكاز الحقيقي للحضارة الغربية -كآلان تويرين مثلًا-. ومما يساعد على ذلك أيضًا، عدم إغفال مشاركة المشاهير، المحبوبين والمحترمين من العوام، المؤيدين للشذوذ بغض النظر عن توجهاتهم الجنسية، فتسامحهم مع هذه الجماعة سيجعلهم قدوة مثيرة للإعجاب يُتحدى بها. [3, صص. 187–189]

المبدأ الثامن: أظهر الجناة -أي مناهضي الشواذ- بصورة الشرير المجرم

المتعنتون أنفسَهم ليسوا هم الهدف الرئيسي وإنما الهدف هو “كراهية الشواذ التي تدفعهم للاضطهاد”، فيكون بين نصب عينيك: جعل كراهية الشواذ فعلًا مقرفًا وسيئًا، يتسارع العامة في الانفكاك عنه. والوسيلة الناجعة لذلك هي تشويه المعتدين والحط منهم، إلى درجة يصل فيها العامي أن ينأى بنفسه عنهم وعن تصرفاتهم لكيلا يُنعت بالمعتدي. [3, صص. 189–190]

ختامًا

شذوذ

علم الشذوذ الجنسي.

إلى هنا نكون قد وضحنا الأسس التي بنيت عليها دعاية هذه الفاحشة، فهل هذه الدعاية حقًا طبقت المبادئ في الفعالية التي تقدمها مؤسسة فيلدز؟ لنتعرف جواب هذا السؤال وباقي الأسئلة ندعوك لقراءة الجزء الثاني من المقال إن شاء الله.

وقبل أن نوعدك، على أساس اللقاء بك في المقال القادم بحول الله وقوته، ننبهك أن هذه المبادئ قد تم صقلها بعد ذلك وتحسينها بحسب الظروف المحيطة والمجتمع وعوامل أخرى، يمكن مثلًا قراءة أحدث ما وصلوا إليه في هذا المقال [9] وننصح المهتمين بالقضايا الإصلاحية زيادة التعمق فيما يتعلق بـ (Homosexual agenda) فسيجد الطريق الأولى لفهم مخططات القوم.

وكرسالة الختام لهذا المقالة نزف إليك الخبر الحزين: هذه المبادئ نفسها تُستعمل لنشر الرذيلة بين المسلمين، لكن طبعًا مع البهارات اللازمة لهذه الطبخة، ولتعي الأمر نرجو منك مشاهدة فيديو [10]. لكن قال ربنا في كتابه العزيز [آل عمران (54)]:

(وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).

نتابع في المقال القادم بعنوان: جائزة فيلدز.. تطبيق حملات الدعاية للشذوذ الجنسي.

508

المصادر
الكاتب

مريم بنت أحمد

مسلمة مهتمة بدينها وبأمتها.

التعليقات

  • Amir Bn Moktar منذ 4 أشهر

    هذا الموقع نادر في محتواه و مضمونه استمروا و واصلوا فانتم شمعة ايمان في زمن الكفر و الخذلان

    رد

    اترك تعليق

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.