الصدمة هي شيء سيء يحدث لنا، يفقدنا الوعي والتركيز، ونحن في هذه الحالة المتردية، يستطيع عدونا أن يستغل تلك الحالة، ويمارس أفعال بالغة الضرر علينا، ليربح هو مكاسبًا هائلة. هذا هو بالضبط ما تفعله مدرسة شيكاغو الاقتصادية، التي تهدف إلى اعتماد النظام الرأسمالي في العالم كله. يقوم نظام رأسمالية الكوارث على استغلال أو صنع كارثة، سواء كانت انقلابًا، أو حربًا، أو انهيارًا اقتصاديًا، أو حتى كارثة طبيعية، وهنا يظهر صبيان مدرسة شيكاغو ليعرضوا الحل على البلد المنكوب، وهو ما يعرف بـ “المعالجة بالصدمة”، والمعالجة دائمًا تكون في تطبيق النظام الرأسمالي.

أصل الفكرة

في أحد المصحات النفسية في خمسينيات القرن العشرين، خضع المرضى لتجارب حرمان من الحواس الخمسة، كانت في أول الأمر بموافقة المرضى، ثم أصبحت التجارب إجبارية، وكان لهذه التجارب أثرًا بالغًا على صحة المرضى، عانوا بعدها من الاضطرابات وفقدان للذاكرة، يقول Dr: Donald Hebb

لم يكن لدي فكرة عندما اقترحت هذا البحث، عن إمكانية التوصل لسلاح شرير ورهيب هكذا.

ثم توقف Hebb عن العمل على البحث، وبالرغم من خطورة ما قاله إلا أن الدكتور “أيوين كاميرون” واصل البحث. تطور الأمر على أيدي كاميرون، وأصبح الهدف هو محو أدمغة المرضى وإدخال أفكار جديدة، ركز كاميرون على تدمير شيئين مهمين في عقل المرضى، وهما البيانات الحسية، والذاكرة، فحاول إلغاء الذاكرة بواسطة الصدمات الكهربائية والمهلوسات، وحاول إلغاء البيانات الحسية بواسطة العزل التام. استفادت الـ CIA من أبحاث كاميرون، فعرضت المعتقلين للصدمات، حتى يكون المعتقل قابل للتعاون أو التخلي عن أفكاره، في سبيل ذلك استخدمت الضرب والتعذيب والصعق الكهربائي والكلاب لصدم المعتقلين.

تطور الفكرة

كانت الفكرة في إطار التطبيق على الأفراد حتى ظهر “ميلتون فريدمان”، “دكتور اقتصاد في جامعة شيكاغو” فنادى ميلتون بممارسة الصدمة على الشعوب، كان يؤمن بفكرة معالجة الاقتصاد عن طريق صدمة الشعوب عبر الكوارث، ثم تطبيق النظام الرأسمالي، برفع يد الحكومات عن السيطرة على أسعار السوق. ظلت أفكار فريدمان محط للسخرية، حتى صعود ريغان وتاتشر في الثمانينيات إلى السلطة في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، وكانت التجربة الأولى من نصيب تشيلي.

جمهورية تشيلي

أوغستو بينوشيه.

كانت تشيلي في الخمسينيات والستينيات، جمهورية تقدمية، ومثال يحتذى به، استثمرت الحكومة في مجالات الصحة والتعليم والاقتصاد، أمام هذا التقدم والاقتصاد المزدهر، شعرت الشركات الأمريكية بقلق شديد وتهديد حقيقي لمصالحها. ولكي تتمكن أمريكا من ضرب الاقتصاد التشيلي، أبرمت جامعة شيكاغو اتفاقية مع الجامعة الكاثوليكية في تشيلي، وعلى أثر الاتفاقية جاء عدد كبير من طلاب تشيلي للدراسة في شيكاغو، عاد الطلاب لبلادهم ليعلموا غيرهم، وهكذا يتم محو النظام الاقتصادي القائم واستبداله بالرأسمالية بالتدريج.

في هذه الأثناء خاض سلفادور انتخابات تشيلي، وبالرغم من محاولات الـ CIA عرقلة فوزه إلا أنه فاز. كان صاحب عقلية تحررية، تهدف لتأميم اقتصاد بلاده، فعملت أمريكا بكل طاقتها على زعزعت الاقتصاد، تارة عن طريق طلاب فريدمان التشيليين، وتارة بدعم الإضرابات العمالية، وخلق الاضطرابات في البلد، وانقلابات عسكرية فاشلة.

في 29 يونيو 1973 نجح الانقلاب العسكري بقيادة “بينوشيه“، وتم قتل سلفادور وألقى الفاشي “بينوشيه” بيان، لخداع الشعب بأنه أنقذ البلد من خطر سلفادور، وأن البلاد تخوض حربًا ضروسًا.

وأن كل ما يفعله بدافع الوطنية وإنقاذ بلاده من سلفادور، بعده انتشرت دبابات الجيش في كل مكان، وقاموا باعتقال 13000 من معارضين الانقلاب وتم تعذيبهم في إستاد تشيلي. في ظل الأجواء القمعية وصدمة الشعب بعد الانقلاب، قام “بينوشيه” بتطبيق أفكار فريدمان، فأزال الرقابة عن الأسعار، وباع الشركات المملوكة للدولة، وأزال حواجز الاستيراد وخفض الإنفاق الحكومي. أشاد فريدمان بتجربة تشيلي، التي تحولت عبر أفكاره من النظام الشيوعي إلى الرأسمالي.

ظهر فشل التجربة جليًا فبعد عام واحد بلغ التضخم 375%، وهو أعلى معدل في العالم، زاد النظام الرأسمالي الأغنياء غنى والفقراء فقرًا، أما الأسر متوسطة الدخل فهي تنفق 74% من دخلها على الخبز فقط، كما ألغى “بينوشيه” توزيع الحليب المجاني في المدارس، وازداد أجر الحافلات والسلع. حتى يقبل الشعب تلك الإجراءات الفاشية الظالمة، التي لم يتعود عليها، كان لابد وجود عدو للخوف منه، قال “بينوشيه” في أحد خطاباته:

أنا لا أعتقد أن هذا انتصارًا حقيقيًا على الماركسية، فالماركسية تبدو كالشبح، من الصعب الإمساك به، بل حتى الكشف عنه يبدو مستحيلًا.

ولأن البلاد تخوض حالة حرب فمن حق السلطة الديكتاتورية الحاكمة أن تنتهك حقوق المواطنين كما يحلوا لها، فقاموا باعتقال 100000 معتقل خلال 3 سنوات فقط!، ليبدو لرجل الشارع العادي أن الخطر كبير، ظل الديكتاتور العسكري “بينوشيه” يحكم تشيلي لمدة 17 سنــة! بعد هذه التجربة الأولى المريرة لأفكار فريدمان، تم منحه جائزة نوبل!

تجربة الأرجنتين

خورخه فيديلا.

كما حدث في تشيلي حدث بالضبط في الأرجنتين، في 24 مارس 1976 وقع انقلاب عسكري بقيادة ثلاث ضباط على رأسهم “فيديلا”، استغل فتيان شيكاغو الصدمة، لتطبيق رأسمالية الكوارث، في غضون عام من الانقلاب انخفضت الأجور بنسبة 40%، وأغلقت المصانع وتفاقم القفر، وكما حدث في تشيلي، لابد من وجود عدو ونشر ثقافة الخوف، فانتشرت حالات الاختفاء القسري في وضح النهار، وكالعادة برر الفاشي “فيديلا”، بأنهم يدافعون عن المجتمع الأرجنتيني، وفي سبيل ذلك تنتهك الحرمات ويعتقل الأفراد!

تلقى عسكريو تشيلي والأرجنتين تدريبات أمريكية لقمع الثوار، لقمع كل من يعارض النظام الرأسمالي، فقاموا باعتقال الآلاف من بينهم نساء، مورس ضدهم أبشع أنواع التعذيب، منها التعذيب بالآلات الحادة، والتعري والصعق الكهربائي، كسر الأظافر، فقع العينين، وغيرهم، كان من بين المعتقلين نساء حوامل بعد الولادة تم خطف أبناءهن! سقط النظام العسكري في الأرجنتين، وحكم على “فيديلا” بالسجن طيلة الحياة.

تجربة مارجريت تاتشر

ارتكز برنامج مارجريت على؛ خفض الإنفاق الحكومي، الحد من ملكية الحكومة للصناعات وتنظيمها، بعد تطبيق نظرية فريدمان، زادت معدلات التضخم والبطالة، سادت الاضطرابات في البلاد، لكن تاتشر رفضت التراجع عن سياستها الكارثية، وبكل وقاحة قالت:

عودوا أنتم للوراء إذا كنتم تريدون، فبريطانيا لا تعود للوراء.

ظلت أوضاع إنجلترا ملتهبة، إلى أن حدثت كارثة حقيقية، وهي الحرب بين إنجلترا والأرجنتين على جزر الفوكلاند، لم تستغرق الحرب سوى ثلاثة أشهر إلا أن مارجريت استغلت الانتصار لكسب شعبية المواطنين، وأطلق عليها لقب (المرأة الحديدية)، زادت شعبيتها مرة أخرى وتولت السلطة مدة أخرى، اتخذت من شعبيتها ذريعة للتوغل أكثر في تطبيق السياسة الرأسمالية، فقامت بخصخصة أغلب مرافق الدولة، الحديد والصلب، الغاز، الماء، الكهرباء، واتسعت الهوة أكثر بين الأغنياء والفقراء، لم تكن هناك مقاومة قوية لهذه السياسة إلا من عمال المناجم، نظموا إضراب عن العمل استمر لعام، لكنه كسر بعد موجات عنيفة من القمع والاستبداد.

أما تجربة الولايات المتحدة، فهي لا تختلف عن غيرها، قبل تنفيذ مشروع فريدمان كان راتب المدير 34 ضعف راتب العامل، أما بعد التنفيذ أصبح أجر المدير 400 ضعف العامل!

تجربة العراق

تقول الكاتبة “ناعومى كلاين” عن أحداث العراق:

تعرض العراق لثلاثة أشكال من الصدمة، صدمة الحرب، تلاها مباشرة العلاج بالصدمة الاقتصادية، التي فرضها بول بريمر، ومع ازدياد المقاومة للتحول الاقتصادي، بدأت صدمة الإكراه متضمنة التعذيب.

الصدمة الاقتصادية

في مايو 2003، أمسك بول بريمر زمام سلطة الاحتلال في العراق، وبعد أسبوعين غير النظام الاقتصادي تمامًا، واعتمد نظام السوق الحر، أمضى الشهور الأربعة الأولى في تمرير قوانين مدرسة شيكاغو “الرأسمالية“، كانت من أهم قراراته، فصل 500000 من العاملين في الدولة. استفادت الشركات الأمريكية استفادة كبيرة من خراب اقتصاد العراق، من هذه الشركات، شركة “كرييتف أسوسياشن” تلقت عقودًا بقيمة 100 مليون دولار، لوضع مناهج جديدة وطبع كتب المدرسة، حتى يغتالوا تلاميذ العراق فكريًا، أما شركة “بيرنج بوينت” تلقت عقودًا بقيمة 240 مليون دولار، لبناء نظام السوق في العراق، معهد “أرتي آي” تلقى عقودًا ب 466 مليون دولار، لتقديم استشارات تدعم التحول الديمقراطي.

استخدم الاحتلال كل وسائل الإرهاب ضد العراقيين، فكانت الجثث تلقى على جانب الطريق لإثارة الرعب في النفوس، خلال في السنوات الثلاث الأولى من الاحتلال، حيث تم اعتقال 61.500 عراقي، وحدّث ولا حرج عن وسائل التعذيب في معتقلات الاحتلال، ففي أحد تقارير الصليب الأحمر يقول أن ما بين 70% إلى 90% تم اعتقالهم بشكل خاطئ، وفي كل أسبوعين كان يموت 1000 عراقي، وتسبب الاحتلال بنزوح أكثر من 4 مليون إنسان، وتحول العراق من دولة ذات اقتصاد مزدهر إلى ركام من خراب ودمار، فكان العراق يدل على فشل سياسة الاحتلال، ولم تكن المرة الأولى التي فشلت فيها أفكار صبيان شيكاغو!

خلاصة أفكار فريدمان هي استغلال أو خلق الكوارث حتى يطبق الرأسمالية، تلك الرأسمالية التي تستحق لقب رأسمالية “الكوارث” بامتياز، فالرأسمالية هي الحریة المطلقة لرأس المال، حریة السوق، حرية الاحتقار والاستغلال، في الرأسمالية مسموح الإتجار في أي شيء مادام مربح، حتى وإن كان الإتجار بالبشر أو التربح عبر وسائل غير أخلاقية، الرأسمالية هي السبب الأساسي في امتلاك حفنة من سكان العالم ثروات العالم كله وليذهب الباقون إلى الجحيم!

4348

المصادر
الكاتب

ليليان أحمد

كاتبة وباحثة في التاريخ والحضارة الإسلامية، وقضايا الفكر الإسلامي، أكتب من أجل إيجاد الوعي في طبقات هذه الأمة.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.