في الجزء الأول من مقالنا، تم التنبيه على المناسبة التي تقيمها مؤسسة فيلدز للاحتفال بالشواذ [1]، وقدمنا المبادئ الثمانية التي ترتكز عليها حَمَلات الشواذ الإعلانية، فهل يا ترى هذا مطبق حتى في هذه الفعالية؟

قبل الجواب عن هذا السؤال لا بد أن نذكر أن هذه المنظمة مقرها هو كندا، ومن يقول كندا فهو يعني دولة تقنين زواج الشواذ (زعموا) [2, فقرة 2]، أي تم تجاوز أشواط عريضة في إرساء قواعد تحمي القوم في هذه البلاد، بل تُعتبر كندا من الرواد في هذا المجال[3]. وهذا ينبهنا عن سبب إقامة هذه الفعالية في هذه المؤسسة، فإضافة إلى السمعة والرمزية التي تحملها في ذاتها، فوجودها في كندا له اعتبار لا يمكن إغفاله، فتسلق مثل هذه المؤسسات بين عشية وضحاها ليس بالأمر الهين.

وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال بريء: ما دمتم قد حققتم مطالبكم وقننتم أحوالكم فلم هذه المناسبات إذن؟ ما الهدف الذي تبغونه بعد هذا؟ ألا يكفي أهل الرياضيات ما هم فيه من مآزق لحل المسائل!

والجواب كالآتي: من جهة، هم يطبقون المبدأ الثالث الذي يقوم على الاستمرار في الكلام عن الشذوذ إلى درجة السآمة، فهذه الفعالية وإن كانت الأولى من نوعها في الرياضيات فقد سبقتها فعاليات قبل ذلك [4] [5]، إضافة إلى تظاهرات خلال شهر يونيو، الذي يعتبرونه شهرهم [6]، إلى درجة يحس المرء أنه لا وجود في الدنيا لجماعة إلا هم![7] ومن جهة أخرى لازالت هناك الثلة القليلة التي تتحرز منهم في كندا [8] التي يرغبون أن تقر بهم وتشوش عليهم كما ذكر في المقال السابق.

لكن يجب ألا نغفل أن هذه المناسبة ستقام عبر الإنترنت وتخص الباحثين في الرياضيات ابتداء ومحبي العلوم عامة، فهي ذات نطاق واسع لنشر أفكارها، فالجمهور الذي سيشاهد هذا اللقاء للتواصل حول الرياضيات سيكون من المتشككين المتناقضين، فأنت كمُعاد لهذه الرذيلة لن تحضر هذه اللقاءات بل وستُحَذِّر منها.

أما الأصدقاء فهم أول المساهمين والمُعِينين، فيبقى بذلك الطائفة التي لا ترى حرجًا في الشذوذ في ذاته، وما دموا يحبون الرياضيات والعلوم فحضورهم لهذه التفاعلية يكون بغرض العلم، فهم لا يرون تعارضًا بين الأمرين! فلِمَ لا يحضرون لقاء مجانيًا تقيمه مؤسسة فيلدز “الكبيرة”؟ وها نحن نرى أن المبدأ الثاني قد وَصف بدقة الفئة المستهدفة.

إضافة إلى أنه من الأهداف المسطرة آنفًا لنجاح الدعاية أن يتم احترام المبدأ الأول الذي يحُث على مواصلة التواصل (وليس فقط التعبير عن النفس)، ومادامت للمهتمين بالرياضيات فهي كالجسر الواصل بين هذه الطائفة وبين الشاذين.

ما هي الرسالة التي يريدون إيصالها؟

لقد تم تقرير هذا في المبدأ الرابع وهو: “الحصول على حقوقهم”… لكن أليست كندا هي من البلاد التي أغدقت عليهم بالحقوق [2]؟!

أيها القارئ الكريم، إنهم يتبعون ما سُطر لهم من قبل، إنهم يطبقون نصيحة الكاتبين: (كن أحادي التفكير). كما لا تنس أن الحصول على الحقوق هو إلا البضاعة الجاهزة التي يستعملها المساند في كل حِجاج وفق المبدأ السادس. والالتفاتة الأخرى التي سبق أن أشرنا لها وهي أنها فعالية تخاطب كل أنحاء العالم بنفس الطريقة.

بقي على أصحاب الحملة الالتزام بثلاث مبادئ فهل تم احترامها؟

أما فيما يتعلق بالمبدئين الخامس والسابع فهو يظهر جليًا في السِّيَر المختصرة للمتحدثين وملخصات العروض التي يقدمونها. [9]

فالمتحدث الأول عميد مشارك لشؤون المناهج الدراسية وأستاذ جامعي يدرس في الجامعة الشرقية (أوكسي) في كاليفورنيا، كما قُدمت أعماله ومركزه بأوصاف مطولة، وهذا يبين جليًا محاولة إظهار هؤلاء الشواذ بالصورة الجيدة النافعة للمجتمع كما قُرر في المبدأ السابع.

أما حديثه فسيبتدأ بعرض ما توصل إليه في مجال اختصاصه الدقيق في (الفروق المنتهية غير الاعتيادية) وهي أساليب رقمية لإعطاء حلول تقريبية للمعادلات التفاضلية، ثم سيقدم فروقاته الشخصية عن مختصي الرياضيات التي جعلته يسلك طريقًا أكاديمية مختلفة، وينتهي الحديث عن مدى تقبل وسط الرياضيين للفروقات. فعَنون ما سيقدمه بـ (الفروق المختلفة). وقد لا يظهر تطبيق المبدأ الخامس الذي يُظهر المظلومية بوضوح في هذا الوصف لكنه بارز فيما سيقدمه المتحدث الأخير الذي سيعرض تجربته كطالب خلال التسعينات وما واجهه من تحيز الزملاء إلى يومنا الحالي، حيث يقول:

كان لدي تحديات يجب التغلب عليها، وما زال هناك الكثير من التحديات الأخرى، إلا أن رسالتي هذه تبعث الأمل في الجيل القادم من باحثي الرياضيات من مجتمع + LGBTQ.

أما باقي المشاركين فهما امرأتان تم عرض سيرتهما بشكل مختصر، كما لا يظهر من ملخص عرضهما أنهما ستتحدثان عن موضوع الشذوذ في ذاته، وإن كان موضوع إحداهما يتحدث عن (تفرد الفضاءات المنقبضة) قد يوحي بمحاولة الإشارة إلى التفرد والتميز لكن لا وجود لشيء صريح. إذن مواضيع تتعلق بالرياضيات وفقط، مما يجعل الفعالية كأي فعالية بين أصحاب الاختصاص. ومع هذا نشير إلى أن صاحبي الكتاب ذكرا بأنه استعمال المرأة في حد ذاتها يضفي نوعًا من المقهورية والمظلومية. [10, ص. 184]

استكمال خطة المبادئ الثمانية

بقي علينا رصد تطبيق المبدأ الثامن، فهل تم إغفاله؟

عامة ذكر المبدأين السابع والرابع يستلزمان هذا المبدأ، فإن كُنت ستتحدث عن أشخاص يستحقون الاحترام والتقدير ثم ظُلموا رغم كونهم ذوي نفع على المجتمع، فأنت تحكم على ذاك المعتدي بالشر: تكرهه وترغب في الدفاع عن ذاك المقهور والانتقام له، لكن هل تركوا هذا لاستنتاج دون بيان شاف كاف؟ الجواب لا، وإليك الدليل: هذه الفعالية كانت ستقام أساسًا في الخامس من يوليو فتم تأجيلها، ولكن ما السبب؟

بالرجوع إلى صفحة الملتقى، في موقع الراعي الرسمي للفعالية [11]، نجد في استقبالنا هذه الكلمات: “[…] تغيير التاريخ كان نتيجة استطلاع مفتوح ونقاشات دامت شهورًا. إن هذا التاريخ يشكل رمزًا للذكرى الستين لمكافحة الفلكي الأمريكي والناشط الشاذ فرانك كاميني قرارات المحكمة العليا في الولايات المتحدة ضد التمييز في أماكن العمل، وهي معركة مستمرة حتى اليوم، ليس في الولايات المتحدة فقط، بل وأيضًا في العديد من الدول الأخرى في مختلف أنحاء العالم. نأمل أن يمثل يوم 18 نوفمبر جميع الأشخاص الذين يواصلون جعل عالم “العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات” (STEM) مكانًا أفضل وأكثر شمولاً!” [11]

كما أنهم يضيفون جوابًا لأي اعتراض على هذا التأجيل بالآتي [11]: “استمر في ذلك! في العامين الماضيين، تلقينا العشرات من رسائل الكراهية المناهضة للشواذ، والتي اشتكت من “أخذنا شهر يونيو بأكمله وكنا نحاول أخذ 5 يوليو”. إذا كانت لديك خطط جاهزة ليوم الخامس من يوليو، فقم بتحقيقها. نحن دائمًا بحاجة إلى مزيد من الاحتفالات العلمية للشواذ! نحن نؤيد بكل إخلاص انتزاع المزيد من التواريخ غير المعلن عنها من أجل القضية!”.

في هذه السطور تنتبه إلى هؤلاء “الأوغاد” الذين حاربهم كاميني “البطل الشهم” وأولئك الحاقدين البائسين الذين أرسلوا لهم رسائل الكراهية والشكوى! بل، في هذه السطور وحدها يظهر تطبيق بعض المبادئ الأخرى، ندعو القارئ أن يتتبعها.

ختامًا

ونختم مقالنا بتذكير مهم: إن كتابنا الكريم قد صوَّرَ لنا عقوبة آل لوط في آيات كثيرة لنستدل به منها قول ربنا: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ* إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ* وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ* فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ* وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (الأعراف 80-84).

مما يدل على منافاة هذا السلوك للفطرة السليمة، كما نعيد ونذكِّر أن الميل الشـاذ ابتلاء كغيره من الابتلاءات التي تصيب الإنسان وفي الابتلاء نُؤمر كمسلمين بالصبر ومجاهدة النفس، وأيضًا بالبعد عن مسبباته التي أدت لحدوثه! وعدم المجاهرة به بين الناس! فالحياة الدنيا فانية والآخرة باقية، وندعو من ابتلي به أن يلتمس العلاج ولا يقنط من رحمة الله فرحمته وسعت كل شيء فسيكتبها للذين “يتقون”، ويتذكر ما أنعم عليه في غيرها من أمور الدنيا وأنه عز وجل سيجزيه على صبره واحتسابه.
رحمنا الله وإياكم وعافى مرضى المسلمين ورزقكم الطمأنينة والرضا! [12].

479

الكاتب

مريم بنت أحمد

مسلمة مهتمة بدينها وبأمتها.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.