من أهم المشاريع التي يحتاجها عالمنا الإسلامي اليوم؛ إعداد المُربِّين والكفاءات للقيام بمهمة التربية. وليس المقصود هنا أي تربية، إنها التربية الإسلامية. وبسبب نقص المربين، وغياب التربية الإسلامية عن كثير من صروحنا التعليمية؛ كان لازمًا علينا كمسلمين أن نعيد طرح ومناقشة والتفكير في معالم هذه التربية ومؤهلات المربي القائم عليها من تراثنا التربوي وديننا. وما ذلك إلا لإخراج خير أمة ابتعثها الله للعالمين.

وإن واقعنا المعاصر وما يحيط به من تحديات كبرى، تحيط بالإنسان المسلم، تتطلب منَّا جهودًا كبيرةً في إعداد المربي؛ فيدرك ما يحتاجه ليمكّن نفسه في هذا المجال، ويبلغ ما ينبغي له أن يكون عليه في هذا المقام. وإن هذا ليحفظ الكثير من الوقت والجهد في الوصول لأهداف التربية الإسلامية الكبرى، وإعداد الأجيال المسلمة المتمسكة بدينها.

وللمربي في واقعنا احتياجات لا ينفك عنها. وهي تختلف من بيئة لأخرى، فتكون إحداها أكثر ضرورةً من الأخرى، ويعود الأمر إلى تقدير المربي وواقعه. ويمكن أن نقسم مؤهلات المربي في واقعنا المعاصر إلى: ما يحتاجه المربي (خصائص معرفية)، وما ينبغي أن يكون عليه (خصائص وجدانية). ولعلنا نبدأ في هذا المقال بما يحتاج إليه المربي.

الخصائص المعرفية للمربي

وهي مجموع المعارف التي يحتاج إليها المربي، وتمثل القاعدة التي يبني عليها وينطلق منها في ممارسة التربية. فيحتاج المربي إلى مجموعة من المعلومات والمعارف التربوية قبل الانطلاق في الممارسة العملية.

ومن القِيم التربوية التي يحتاج أن يعرفها المربي[1]:

أولًا: أن التربية تدرُّجٌ وإنماء

أن يعرف المربي أن التربية تدرج وإنماء، وأنه كما ينمو جسد الإنسان، فيكبر وينمو ويتغير تدريجيًّا، فكذلك الأمر في التربية وغرس القيم. فهي بحاجة إلى الرجل المَكِيث الصبور، الذي لا يستعجل النتائج، ولا يغضب إنْ رأى عكسها أو رأى وقوع المتربين في الأخطاء، أو علم ذنبًا ما وقع فيه أحد طلابه، بل يكون مستعدًا لذلك، متوقعًا لحدوثه. فغرس القيم لا يأتي في يوم، ولا يومين، ولا من إلقاء كلمة، بل هي عملية شاقّة مستمرة.

وقد يعتقد بعض المربين أنه بمجرد أن يعطي المعلومة للطالب؛ فإنه يجب أن يأتي في اليوم التالي وهو متمثل لها في نفسه وحياته. ولا يعلم كمْ أن تربية النفس أمر شاق، وغرس القيم أولى من إعطاء أكبر كمّ من المعلومات عن القيم الإسلامية التي قد لا يستفيد منها الطالب إلا حِفظها في أحسن الأحوال، دون واقع حقيقي ملموس لها في حياته.

إذن فالمربي بحاجة إلى الصبر، الصبر على النتائج فلا يستعجل نضوج الثمرة، ولا يُخرج من لم يتأهل، ولا يخرّج المتربين كدفعات، دون النظر في حال كل مُتَربٍّ بعينه؛ فيعرف ما يحتاجه هو وحده، ويدرك جوانب ضعفه وجوانب قوته، ولا يتعامل جُملةً مع المتربين، فيفترض فيهم تأهُّلًا بانتهاء شرح معين، أو مواد معينة، ضمن برنامج قد وضع سابقًا. فذلك التخريج بالجملة لا يرى فيه المربي الأفراد كلًا بتفرُّده وبما أفاده، فالمُخرَجات تختلف من شخص لآخر.

ثانيًا: معرفة حاجات المُتربين

ومما يحتاج أن يعرفه المربي، أن يعلم خصائص وحاجات المتربين. فيعلم أن ما يصلح في بيئة لا يصلح في أخرى، وما يصلح مع طالب لا يصلح مع آخر، بل حتى ضمن الأبناء في الأسرة الواحدة. فيدرك اختلاف البيئات والنفوس، وألَّا يسعى لقَوْلَبَة مَن تحت يديه ليكونوا على شاكلته، فإن هذا من التحجيم لطاقات الناس وما جبلوا عليه من مهارات وميزات مختلفة، وأن يدرك الخصائص النفسية لكل مرحلة عُمرية وهي من المعرفة التي تقوم عليها ممارسة التربية.

ثالثًا: ما تدخله البيئة المحيطة هو الأهم

ومما يحتاج أن يعرفه المربي، أن ما تدخله البيئة المحيطة في المُتربين هو الأهم. وما يقوله المجتمع أو الأصحاب هو أشد تأثيرًا. فمُعلِّم المَحضَن التربوي -على سبيل المثال- ليس المؤثر الأكبر بالنسبة لما يتعرَّض له أبناء هذا المحضن في خلال مُمارستهم المُجتمعيَّة. ومعنى ذلك أن المربي لا يملك القدر الأكبر من التأثير على المتربين، فهو الحلقة الأضعف في التأثير. ومعرفة المربي بذلك تجعله في تذكر دائم لحاجته أن يسعى في بذل جهد أكبر، ويحاول -قدر جهده- أن يكون صاحب تأثير أكبر؛ من خلال أن يبدع في وسائل تأثيره وجذبه للطلاب وألَّا يكون تقليديًّا.

رابعًا: كما نكون تكون تربيتنا

ومما يحتاج أن يعرفه المربي، أنه كما نكون تكون تربيتنا. فالقدوة العملية وما تفعله أبلغ عند المتربي مما يقوله المربي. وللمُتربين نباهة وقدرة على إدراك والتقاط سلوك المربي، لا كلماته ومواعظه.

ومما يحتاجه المربي من تكوين معرفي يمكن أن يقسم لأربعة جوانب: شرعي، وفكري، وثقافي، وتربوي.

أولًا: الجانب الشرعي

التربية في الإسلام إعداد للمرء للعبودية لله -تبارك وتعالى-. وذلك لا يُعرف إلا بالعلم الشرعي. والعلم الشرعي يعطي المرء الوسيلة للإقناع والحوار، ويعطيه القدرة على مراجعة المسائل الشرعية وبحثها، وهو يمنعه من الانزلاق أو الوقوع في وسائل يمنعها الشرع.[2]

ويحتاج المربي إلى قدر من العلم الشرعي في كل من (العقيدة والفقه وأصول الفقه والحديث وعلوم القرآن واللغة العربية). ولا يحسن بالمربي أن يجهل هذا القدر من التأصيل الشرعي؛ فدراسة قدرٍ من هذه الأبواب هو من ضرورات العمل التربوي. يحتاجه في إلقاء الدروس، وفي إجابة أسئلة المتربين، وفي العبادات الموسمية واليومية وفي النشاطات والفعاليات. وكذلك في فقه بناء الإنسان المسلم، وفي فقه التسيير العام للمَحضن التربوي.

ويحتاج أيضًا إلى دراسة السيرة النبوية والفقه فيها، وطول الملازمة لها. ويدرك بها التربية من خلال سيرة ومواقف النبي -صلى الله عليه وسلم- وهديه، كما يحتاجه في تعزيز الهوية الإسلامية لدى المتربين وإلقاء الدروس في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وإجابة أسئلة الطلاب.

ويحتاج المربي كذلك إلى التزكية، وقراءة الكتب السلوكية التي تعينه على التزكية والتحلي بخلق الإسلام في نفسه. فالمربي لا ينفك عن كتب “ابن قيم الجوزيَّة” في التزكية والسلوك، يصحبها خلال رحلته في بنائه وتكوينه التربوي. وهو كذلك يحتاجها في عمله التربوي.

ثانيًا: الجانب الفكري

ويحتاج المربي في بنائه إلى الجانب الفكري؛ فالبصيرة بالتحديات الفكرية المستجدة والعمل على مجال تثبيت اليقين لدى المتربين وتعزيز الثوابت؛ بل العمل على تخريج نُخب من الطلاب ممن يمتلكون تمكنًا فكريًّا يخدم أمتهم في المحاضن المُعدَّة لتخريج النخب؛ مما يؤكد أهمية هذا الجانب. فيحتاج المربي إلى دراسة دلائل أصول الإسلام، ومصادر التلقي وتثبيتها، وعلاقتها بأصول الشريعة. ودراسة أبرز الكتب والمواد المتعلقة بالاتجاهات الفكرية المنحرفة، وتأثيرها على الشاب المسلم. فيكون على وعي مثلًا باتجاه المشككين بالسنة، ووعي بالعالَمانية والإنسانوية، والاتجاه النسوي مثلًا لمربية في محضن نسائي، فتدرك أهم رموزه، وكيف تشكل هذا الاتجاه.

ثالثًا: الجانب الثقافي العام

ويحتاج المربي إلى قدر من الثقافة الإسلامية، ومعرفة بالتاريخ الإسلامي فيدرك الشخصيات الإسلامية والأعلام، ويدرك المحطات التاريخية في تاريخنا الإسلامي، كما يحتاج إلى إدراك التاريخ الحديث وتأثيراته في الواقع المعاصر. وأهمية ذلك للمربي أن يعرف واقعه الذي يتعامل معه، وأن يكون مدركًا لما يدور في عصره، كما أنه بحاجة إلى إبراز الرموز الإسلامية لطلابه فتكون موضع إقتداء.

رابعًا: الجانب التربوي

ويحتاج المربي إلى معرفة بالجانب التربوي فيحتاج إلى فهم الإنسان وحركته وسلوكه وإرادته، وكل ما يدخل في فهم شخصية الإنسان، وما الذي أثر وأسهم في تشكيل الإنسان المعاصر. ويساعد في هذا تدارس القرآن وحديث الله عن الإنسان في القرآن، وهو أعظم شيء يمكن أن يفهم به الإنسان. ويحتاج إلى فهم الجيل الصاعد ومشكلاته والتحديات التي تحيط به ومستجدات الإشكالات المتعلقة به. الوعي بالمنهج التربوي النبوي، وما يتعلق بالأساليب التربوية النبوية. ويدرك أخيرًا القضايا التربوية المختلفة والمُثارة في واقعه.[3]

الخصائص الوجدانية للمربي

المربي

للتربية جزء معرفي ضروري -وهو القاعدة والأساس لهرم بناء شخصية المربي-، وجانب وجداني وهي المشاعر والقيم لدى المربي، وتمثل أهميةً بالغةً تكمل بناء دوره. وهي مجموع المشاعر والقيم التي يحملها المربي ويتصف بها والتي تؤهله لممارسة التربية.

ويمكن أن نجمل أهم تلك الخصائص الوجدانية فيما يلي:

أولًا: أن يكون المربي أعلى من المتربي. وهي البدهية الأولى في عالم التربية. يقول محمد قطب في كتابه “منهج التربية الإسلامية”[4]: “إن المربي ينبغي أن تكون فيه صفات معينة تؤهله لهذه المهمة الخطيرة، فينبغي أولًا أن يحس الشخص الذي يتلقى التربية أن مربيه أعلى منه، وأنه منه -بالطبيعة- في موقف الآخذ المتلقي، لا في موقف الند، ولا في موقف أعلى من موقف المربي! وتلك حقيقة نفسية تعمل عملها تلقائيًّا في النفوس! فأنت لكي تتلقى، لا بد أن تقتنع أنك في موقف المتلقي. وإلا فلو أحسست أنك أنت في الموقف الأعلى فما الذي يدفعك أن تتلقى من شخص بعينه من الناس؟ والعلو أمر شامل، يشمل مسائل كثيرة في وقت واحد، ويختلف من وضع إلى وضع. وقد يكون علوًّا رُوحيًّا، أو يكون تفوقًا عقليًّا، أو يكون تفوقًا أخلاقيًّا، أو نفسيًّا، أو عصبيًّا .. أو حتى جسديًّا في بعض الأحيان. وتلك كلها من عناصر “الشخصية” الإنسانية، تزيد أو تنقص في كل شخص، وتكوِّن في مجموعها ما نطلق عليه “شخصية الإنسان”.

العلم ودوام التجدد المعرفي: “وينبغي أن يحس المتلقي ثانيًا أن مربيه -بالإضافة إلى أنه أكبر شخصيةً منه-، عنده ما يعطيه .. فلا يكفي أن تكون شخصية المربي أكبر من شخصية المتلقي، إنما ينبغي كذلك أن تكون عنده حصيلة يعطيها للآخرين في صورة تجربة واقعية. وهناك شخصيات كبيرة لا تستطيع أن تعطي، ومن ثم لا تستطيع أن تربي”.

الرفق والحلم: وينبغي ثالثًا أن يكون المربي -بالإضافة إلى كبر شخصيته بالنسبة للمتلقي- ينبغي أن يكون حَسَن الإعطاء رفيقًا عطوفًا جوَّادًا. فمجرد أن يكون لديه ما يعطيه ليس كافيًا في شئون التربية، إنما ينبغي أن يعطيه بطريقة حسنة كذلك، وإلا ضاع الأثر المطلوب أو انقلب إلى الضد، حين يعطي المربي ما عنده بطريقة مُنفِّرة.

ومن ذلك قول الله: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)، وقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- :

إنَّ اللهَ تعالى لم يَبْعثني مُعنتًا ولا مُتعنِّتًا، ولكن بَعثَني مُعلِّمًا مُيسِّرًا.

نعم ينبغي أن يكون التقديم في صورة تُرغِّب المتلقي في أن يتلقى، لا في صورة تنفره من التلقي. والضمان الأول لذلك هو الحب. ومن صور الرفق: الرفق في مراعاة الفروق بين المتربين؛ فلا يعاملهم بالجملة في تحقيق الغايات والأهداف، والرفق في التوازن بين حاجات النفس والوصول للهدف بالنسبة للمتربين. ومن الرفق عدم الوصاية الزائدة عليهم. فقدر من الحرية ينطلق فيها المتربي أمر ضروري.

الصبر: ينبغي للمربي أن يتصف بالصبر في ذاته؛ فالتوجيه والمتابعة وغرس القيم تتطلب شخصًا صبورًا، فيصبر على تحقق النتائج، ويصبر على أخطاء المتربين. ويصبر على فتن الدنيا وقواطع الطريق أن تحول بينه وبين الثبات على عمله، ويصبر على الأذى؛ إما من كارهي الخير وإما من جحود الطلبة سعيه وجهده بعد سنين، أو من المنافسين وشركاء الطريق.[5]

الرسالية والحماس ودوام استحضار الغايات: والحماس صفة ضرورية للعامل في مجال التربية؛ فالعمل التربوي اهتمام لدى المربي قبل أن يكون عملًا يتقاضى عليه أجر. ودوام استحضار الغايات مما يعين المربي ألَّا يغرق في الوسائل أو تنسيه الإجراءات التنفيذية المقاصد النهائية لعمله، ويكون في نفسه متبنيًا لقضية استصلاح النشء، وعنده من الحماس ما يستشعره المتربي في أدائه فلا يكون خاملًا روتينيًّا في دوره.

المعايشة للمتربين: المعايشة تقطع أشواطًا لا تقطعها التوجيهات التربوية المباشرة.

والمعايشة هي جلوس المربي مع المتربين في لقاءات متكررة ودائمة، لا لقاء عابر أو لقائين أو جلسة أسبوعية. يمضي فيها الوقت مع المتربين، يدرك أحوالهم وما يهمهم، ويعرف من خلالها رغبتهم في الاستمرار أو الانقطاع. يدرك ما يميز كل فرد منهم وما يشغل تفكيرهم ومدى تطورهم واستجابتهم لما يتلقونه. وتجمعه بهم علاقة قريبة يستفيد فيها المتربون من شخصية المربي وخلقه. وفي ذلك يحتاج المربي أن يكون قادرًا على معايشة المتربين، دون تصنع هيبة، أو خشية قرب المتربين، ويكون قادرًا على التجاوب مع معطيات جيلهم، قادرًا على جذبهم والتعرف عليهم وتحبيبهم والتأثير فيهم وإقناعهم. فتلك خصيصة لا بد أن تتوفر في المربي، وهي النزول إلى أعمار المتربين ومخاطبتهم بما يناسبهم، والتفاعل مع فئتهم العمرية واهتماماتهم وأسئلتهم وإعطائهم ما يناسبهم.

والخلاصة: هي كل ما يظهره المربي من استعداد ليكون قريبًا من تلاميذه لتربيتهم، والعناية بحاجاتهم، وحل مشكلاتهم فهو من خاصية المعايشة.[6]

والمعايشة صورة بارزة في تربية النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه، ومن صور المعايشة في السيرة النبوية:

ذكر الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا الليث، عن سعيد هو المقبري، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أنه سمع أنس بن مالك، يقول: “بينما نحن جلوس مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في المسجد، دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد ثم عَقَلَه، ثم قال لهم: أيُّكُم محمد؟ والنبي -صلى الله عليه وسلم- متكِئٌ بين ظهرانَيْهِم”. وعندما سأل عبد الله بن شفيق -رضي الله عنه- عائشة -رضي الله عنها-: “هل كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلّي وهو قاعد؟ قالت: نعم، بعدما حطمه الناس”.[7]

التجدد الإيماني والإخلاص: وينبغي للمربي أن يتصف بدوام التجدد الإيماني في نفسه. فهو موضع القدوة، والتزكية والإخلاص في عمله لله، وانتظار الأجر من الله، لا يبتغي بعمله ثناء الناس عليه. يقول 

“ابن جماعة” عن الإخلاص: “أن يقصد بتعليمهم وتهذيبهم وجه الله تعالى، ونشر العلم، وإحياء الشرع، ودوام ظهور الحق، وخمول الباطل، ودوام الأمة بكثرة علمائها، واغتنام ثوابهم، وتحصيل ثواب من ينتهي إليه علمه من بعدهم، وبركة دعائهم له وترحمهم عليه، ودخوله في العلم بين رسول الله وبينهم، وعداده في جملة مبلغي وحي الله تعالى وأحكامه؛ فإن تعليم العلم من أهم أمور الدين وأعلى فرجات المؤمنين.”

المهارات التي يحتاج إليها المربي

المربي

ويمكن أن نقسمها إلى مهارات اكتساب المتربين، ومهارات التوجيه والبناء.

ويندرج تحت الكسب: الجاذبية والإقناع والقدرة على بناء العلاقات. فالمربي الناجح هو من يجذب لا من يفرض. وكذلك الحماس والهم التربوي الذي يحمله المربي له تأثير على جاذبيته للطلاب. ومرحلة الكسب تسبق مرحلة التوجيه والبناء.

ولأجل ذلك عُني من كتب في أدب العالم والمتعلم من الأسبقين بالتأكيد على حسن الخلق وجميل الرعاية. فيوصي “ابن جماعة” المربي بذلك، فيقول: “وينبغي أن يعتني بمصالح الطالب، ويعامله بما يعامل به أعز أولاده من الحنو والشفقة عليه، والإحسان إليه، والصبر على جفاء ربما وقع منه نقص لا يكاد يخلو الإنسان عنه، وسيّئ أدب في بعض الأحيان، ويبسط عذره بحسب الإمكان، ويوقفه مع ذلك على ما صدر منه بنصح وتلطف، لا بتعنيف وتعسف، قاصدًا بذلك حسن تربيته، وتحسين خلقه، وإصلاح شأنه، فإن عرف ذلك لذكائه بالإشارة فلا حاجة لصريح العبارة، وإن لم يفهم إلا بصريحها أتى بها وراعى التدريج في التلطف”.[8]

أما التوجيه: فهي مرحلة تأتي بعد مرحلة الكسب، وفيها توجيه للسلوكيات، أو توجيه لميول واهتمامات المتربين.

ختامًا

صح عن نبينا -عليه الصلاة والسلام-: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”. ومعلم العلم يجمعها كلها. ونقول ما قاله “ابن جماعة”: “واعلم أن الطالب الصالح أعود على العالم بخير الدنيا والاخرة من أعز الناس عليه، وأقرب أهله إليه. وكذلك كان علماء السلف الناصحون لله ودينه يلقون شبك الاجتهاد لصيد طالب ينتفع الناس به في حياتهم ومن بعدهم. ولو لم يكن للعالم إلا طالب واحد ينتفع الناس بعلمه وعمله وهديه وإرشاده لكفاه ذلك الطالب عند الله تعالى، فإنه لا يصل شيء من علمه إلى أحد فينتفع به إلا كان له نصيب من الأجر”.[9]

606

المصادر
الكاتب

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.