كل فكرة أو مذهب تحمل في ثناياها توترات بيئتها، وعوامل مناخها الفكري والتاريخي. وبالرغم من إنسانيتها، فإنها ترتبط بنظرة صاحبها الضيقة، كما تعاني في داخلها من المؤثرات الحضارية، وصراعات الفكر، وأعراف ما تواضع عليه مجتمعها. ومع أنها تمثل نمطًا من أنماط بيئتها تظل الفكرة داخل مجتمعها تتردد بين الرفض والقبول (الفيومي، 1983: 41). وهذه المقولة تنطبق على مذهب الوجودية التي هي نتاج السياق الاجتماعي والسياسي للمجتمعات الغربية.

ظهرت الوجودیة المعاصرة كتیار فلسفي بعد الحرب العالمیة الثانیة في فرنسا، وقد أعطاها فیلسوفها الأشهر جان بول سارتر زخمها الذي جعلها تنتشر كموضة ثقافية في شوارع باریس وعواصم أوروبیة أخرى، ورغم اختلاف أفكار الفلسفة الوجودیة من فیلسوف إلى آخر، إلا أنها تتفق على مبدأ الانطلاق من الإنسان إلى العالم.

على الرغم من أن هذا يعكس الصورة التي تروج لها وسائل الإعلام اليوم ويجسد – بلا شك – روح العصر؛ فإنه يخفي الدلالة الفلسفية للفكر الوجودي، مصورًا إياه كظاهرة ثقافية مرتبطة بفترة تاريخية معينة. ربما يكون هذا هو الثمن الذي يدفعه أسلوب فكري يميل إلى النظر إلى الفلسفة نظرة مادية بدلًا من نظرة مجردة وخالدة. كانت رغبة الوجوديين في الارتباط بالعصر سببًا في التزامهم الاجتماعي والسياسي، لكنها ربطتهم أيضًا بمشكلات زمانهم، ودعت الأجيال اللاحقة إلى النظر إليهم كظاهرة عفى عليها الزمن ( ماكوري، 1982: 9).

حاول الوجوديون إعادة قراءة الواقع الإنساني من منطلق أن الوجود الإنساني هو الحقيقة اليقينية الوحيدة، فلا يوجد شيء سابق عليه ولا يوجد شيء لاحق له. لذلك فإن هدف الإنسان في هذه الحياة يتمثل في تحقيق الوجود ذاته. ويتم ذلك من خلال ممارسة الحياة بحرية مطلقة. كما يعتبر اتجاهًا فلسفيًّا، هدفه التركيز على الفرد وإهمال الجماعة. على اعتبار أن الإنسان كفرد يقوم بتكوين جوهر ومعنى لحياته للإفلات من قبضة وقيود وممارسات الوعي الجمعي.

تتطلب أي دراسة جادة من الباحث وضع إطار تحليلي يساعد على فهم وتحليل المتغيرات والتفاعلات المتعلقة بموضوع الدراسة، لأن هذا الإطار هو السبيل الذي يحدد لنا كيفية الوصول إلى تحقيق الهدف العام للدراسة. “ولأنه يعمل بمثابة المصباح الذي ينير الطريق للباحث في استكشاف المفاهيم الأساسية التي سيُبنى في ضوئها البحث، وتحديد العلاقات بين تلك المفاهيم” (السعدي وآخرون، 2010: 197). لذا نقترح في هذا السياق أن يكون الإطار التحليلي للدراسة مكوّنًا من عدة قضايا محورية، يتم فيها الالتزام بالإجابة على المحاور التالية:

1- مفهوم الوجودية: تعبّر الوجودية عن اتجاه فلسفي يغلو في قيمة الإنسان، ويبالغ في التأكيد على تفرده، وأنه صاحب تفكير وحرية وإرادة واختيار ولا يحتاج إلى موجه. وهي فلسفة عن الذات أكثر منها فلسفة عن الموضوع. وتعتبر جملةً من الاتجاهات والأفكار المتباينة؛ التي تتعلق بالحياة والموت والمعاناة والألم، وليست نظرية فلسفية واضحة المعالم. ونظرًا لهذا الاضطراب والتذبذب لم تستطع إلى الآن أن تأخذ مكانها بين العقائد والأفكار (الجهني، 1418ه: 818).

الوجودية

يمكن تعريفها بأنها فلسفة نظرية ومزاج وطراز سلوكي (حمد، 2017: 143) يتلخص في تقديس الإنسان لنفسه، ظهر في أوروبا إثر صراعها مع الكنيسة. تقوم في جوهرها على الحرية المطلقة, غير المحددة بأية مسؤولية، أو قيود في التفكير والممارسة. بذلك تمثل الوجودية مذهب الفوضوية بأكمل صورها. فهي “فلسفة تدور حول الفرد بكيانه المادي الملموس، وهذه نقطة قوتها ونقطة ضعفها في الآن ذاته” (آرفلين، 2014: 10).

تُصنَّف الوجودية بأنها مذهب إلحادي، وتيار فلسفي إباحي، يقوم على فكرة خادعة (الحمد، 2006، 394). وهي من أشهر المذاهب الأدبية التي استقرت في الآداب الغربية في القرن العشرين المنصرم. وترى أن الوجود الإنساني هو الحقيقة اليقينية الوحيدة، فلا يوجد شيء سابق عليه ولا يوجد شيء لاحق له؛ لذلك فإن هدف الإنسان في هذه الحياة يتمثل في تحقيق الوجود ذاته، ويتم ذلك من خلال ممارسة الحياة بحرية مطلقة. كما يعتبر اتجاهًا فلسفيًّا؛ هدفه التركيز على الفرد وإهمال الجماعة. على اعتبار أن الإنسان كفرد يقوم بتكوين جوهر ومعنى لحياته.

يبدأ هذا اللون من فلسفة الوهم من الإنسان، الإنسان بوصفه موجودًا لا بوصفه ذاتًا مفكرةً. والتركيز على أهمية الوجود يعني أيضًا أن المرء لا يستطيع أن يضع طبيعة أو ماهية للإنسان، ثم يبدأ في استنتاج ما يترتب على هذه الطبيعة الإنسانية من نتائج. وربما كانت هذه الرؤية هي التي تعطي لهذه الفلسفة طابعها الهلامي (غير المحدد) (ماكوري، 1982: 18). وبالتالي على الإنسان في هذا المذهب, أن يتخلص من كل موروث عقدي، أو أخلاقي يؤثر على رغباته وطموحاته الذاتية، كي يمارس حياته بحرية مطلقة دون أي قيد.

وتعني الوجودية من اتجاه آخر, أن وجود الإنسان الفرد يسبق ماهيته الإنسانية كمجموع أو ككتلة اجتماعية مهما كانت مرجعياتها دينية أو عرقية أو سياسية… إلخ. فماهية وقيمة الكائن الفرد هي ما يحققه فعلاً عن طريق وجوده؛ ولهذا هو يوجد أولًا، ثم تتحدد ماهيته ابتداءً من وجوده. ولكن هذا التأكيد في الوجودية ليس أكثر من دعوة خادعة، كي يجد الإنسان نفسه أو يؤكد وجوده. ولكي يجد أو يؤكد الإنسان نفسه في الفهم الوجودي؛ عليه أن يتحلل من القيم، وينطلق لتحقيق رغباته وشهواته دون شرط أو قيد.

وعلى هذا الأساس، يبدأ فهم معنى الوجود عبر الدخول بالتجربة الوجودية؛ الفردية الداخلية القائمة على التخيل والأحاسيس الداخلية المشبعة بعواطف ورغبات ذاتية بحتة، من خلال معايشة الواقع وجدانيًّا أكثرَ من معايشته عقليًّا. ومن خلال هذه المعايشة مع الواقع للذات المقهورة والمُشيَّئة والمُستَلَبة أصلًا؛ يبرز عنده اكتشاف المعاني الأساسية في الوجود الإنساني. وهي معانٍ تمثل: العدم، والفناء، والموت، والخطيئة، واليأس، والعبثية، والعنف، ثم القلق الوجودي. إنها بتعبير آخر: فلسفة العدم. ويطلق على الوجودية عدة أسماء أشهرها ما يلي: (فلسفة العدم- وفلسفة التفرد- والفلسفة الانحلالية- فلسفة التمرد). أما عن أوصافها، فقد وصفت بأنها: مرض العصر، ومرض الإنسان في منتصف القرن العشرين (الحمد، 2006، 399).

سميت الوجودية بهذا الاسم؛ لأن فلاسفتها يعتبرون أن الوجود الإنساني مقدَّمٌ على ماهيته (أي الوجود مقدم على الماهية). فالوجود الحقيقي هو وجود الأفراد، أما النوع فهو اسم لا وجود له في الخارج. فمثلًا زيد من الناس موجود حقيقي لا شك في وجوده، ولكن (الإنسان أو النوع) كلمة غير حقيقة في الخارج كما يزعمون (الحمد، 2006، 398).

– المرجعية الفكرية والفلسفية: تنحصر المرجعية الفكرية والفلسفية لهذا التيار بمجموعة من المبادئ الفكرية والفلسفية وأحداث السياق الاجتماعي وتفاعلاته. وهي كالآتي (الجهني، 1418ه: 820):

  1. الوجودية جاءت كردِّ فعل على تسلط الكنيسة وتحكمها في الإنسان بشكل متعسف باسم الدين.
  2. تأثرت بالعلمانية وغيرها من الحركات التي صاحبت النهضة الأوروبية ورفضت الدين والكنيسة.
  3. تأثرت بسقراط الذي وضع قاعدة “اعرف نفسك بنفسك”.
  4. تأثروا بالرواقيين الذين فرضوا سيادة النفس∙ (ولكن بطريقة سلبية).
  5. كما تأثروا بمختلف الحركات الداعية إلى الإلحاد والإباحية.

2- أسباب نشأة وانتشار الوجودية: ترجع بذور الوجودية -كحركة أو تيار أو حتى مذهب- إلى الكاتب الدانماركي (سورين كيركجارد) 1813-1855. وتعمق فيها فيما بعد الفيلسوفان الألمانيان (مارتن هايدجر) و(كارل ياسبرز)، ومن ثَمَّ الفرنسيون: جان بول سارتر، سيمون دي بوفوار، وغابريل مارسيل، وألبير كامو، وغيرهم. ويمكن القول: إنها ظهرت في أوروبا عقب الحرب العالمية الأولى 1914 – 1918، ابتداءً بألمانيا، ثم فرنسا، وأخذت فيما بعد تنتشر في بقية المجتمعات الأوروبية، وبعدها في العالم بوجه عام. ليبدأ وجودها بالانحدار مع نهايات السبعينيات وبدايات الثمانينيات من القرن العشرين.

وفي النهاية تعتبر الوجودية إلى حد كبير ثورة ضد فلسفة أوروبا التقليدية، التي وصلت ذروتها لدى الفيلسوفينِ الألمانيَّينِ: (إيمانويل كانط، جورج فيلهلم فريدريك هيجل) الذيْنِ مالا إلى اعتبار الفلسفة عِلمًا، وحاولا أن يضعا مبادئ المعرفة الموضوعية الصحيحة بصفة عامة ومؤكدة. في حين يرى الوجوديون أن المعرفة الموضوعية العامة والأكيدة هي مَثَلٌ أعلى لا يمكن الوصول إليه. وهم يؤكدون حقيقة أن كل فرد -حتى الفيلسوف أو العالم الذي يبحث عن المعرفة المطلقة- هو كائن بشري محدود فقط.

لذا عبّر المفكرون الوجوديون عن آرائهم في إنتاجهم الأدبي؛ وفي اعتقادهم أن الفلسفة تشبه الفن أكثرَ من شبهها العلم. وأدخل الوجوديون أنفسهم في المنازعات الاجتماعية والسياسية، معتقدين أن مسؤولية كل الأشخاص تفرض عليهم أن يشتركوا في هذه المنازعات وأن يتخذوا منها موقفًا.

– وفيما يتعلق بانتشارها: نجد أن هناك مجموعة من العوامل والأسباب ساهمت في انتشار وتعزيز أفكار الوجودية. من أبرزها: تسلط الكنيسة وطغيانها؛ فقد مارس رجال الكنيسة الطغيان الديني في أبشع صورة، ففرضوا عقيدة التثليث على الناس قهرًا، وأضافوا لها عقائد أخرى مثل العشاء الرباني وعقيدة الخطيئة الموروثة، وعقيدة الصلب والفداء. وكان قمة طغيان الكنيسة وتحريفها؛ حينما أوهمت الناس بما يسمى (صكوك الغفران) وهي بذلك تدعى لنفسها حقًّا لا يملكه إلا الله (الحوالي، ب.ت، 128).

كما ساهمت بشاعة الحربينِ العالميتَيْن (الأولى والثانية) وخطورتهما على الإنسان وما ترتب عليهما من نتائج سلبية في تعزيز انتشارها في المجتمعات الغربية التي تنظر للإنسان باعتباره مركزًا للكون. “فلقد كان لهذين الحادثين أثر بالغ في إشعار الإنسانية بالمعاني الكبرى التي تؤلف نسيج وجودها، وفي وضعها بصورة كلية أمام أكبر مصدر من مصادر قلقها، ونعني به الفناء الشامل الذي ينتظر الشعوب بأسرها” (بدوي، 1980-1400: 19).

ناهيك عن إطلاق العنان للشهوات والغرائز البهيمية؛ مما أدى إلى انتشار الفوضى الجنسية والإباحية التي لا حدود لها ضاربين بكل القيم والمُثل الدينية والاجتماعية عرض الحائط. هذا البأس الذي عاشه ويعيشه المجتمع الأوروبي، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة والاستغلال الجشع من قبل أصحاب الأموال، مع جهل مطبق بالدين الحق؛ كل هذه كانت روافد لتقبل المحرومين والمترفين -على حد سواء- للأفكار الوجودية للتعبير عن سخطهم على واقعهم الاجتماعي.

كما أنها ردة فعل على الفلسفة الماركسية التي ترى أن الإنسان قطعة في الآلة الكبيرة التي هي المجتمع، فليس للفرد عندها أي قيمة. ناهيك عن الخواء الروحي الموجود في كثير من بلدان العالم؛ مما يجعل الناس يقبلون أي نِحلة. فهُم كلما خرجوا من نفق مظلم دخلوا في نفق أشد حلوكةً وظلمة منه. وأخيرًا نرى أن غياب المنهج الصحيح الذي يُعنى بجميع جوانب الحياة -سواء كانت اجتماعية أو فردية أو غير ذلك- وهو الإسلام الذي أفَلَتْ شمسه في أوروبا، مما جعل الناس يتخبطون عن الحل، فلا يجدونه (الحمد، 2006، 411).

وفي نهاية المطاف نعتقد أن الانطلاقة الحقيقة للتيار الوجودي يعود إلى ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بقليل حين ألقى سارتر محاضرة عامة بعنوان “هل الوجودية فلسفة إنسانية؟” هزت الحياة الثقافية في فرنسا، وكانت بمنزلة بيان رسمي بإطلاق الحركة الوجودية (ماكوري، 1982: 10)؛ التي أخذت بالتمدد والزخم والتشعب، وصولًا إلى التأثير على الحياة الاجتماعية والسياسية في فرنسا وكافة أنحاء أوروبا، خاصةً في الثورة الطلابية في عام 1968 التي شكلت النواة الأساسية لبلورة أفكار اليسار الجديد، الذي انتشرت بين صفوف مؤيديه الفلسفة الوجودية.

يرى معظم المفكرين السياسيين والاجتماعيين أن اليسار الجديد ليس تنظيمًا واحدًا، بل هو عبارة عن جماعات متنوعة؛ بعضها مَحَلِّيّ، وبعضها قومي، وبعضها الآخر مؤقت تمامًا، والآخر دائم. وأنصاره في غالب الأمر من الشباب الراديكالي الجامعي وغير الجامعي، يتصف بأنه ديمقراطي تحرري، ومعارض يعاني كثيرًا من القلق إلى جانب أنه ليس معاديًا للشيوعية.

ويهتم هذا الشباب بإحداث تغيرات متنوعة في النظام السياسي والاجتماعي من خلال السلوك المباشر الذي يعتمد على الاحتجاجات والمظاهرات والمقاطعة، والعصيان المدني، كما أنه يتبنى في أشد صوره تطرفًا وسيلة العنف الفيزيقي (أبو زايد، 1994: 140-141). ويسعى أيضًا نحو تغيير القيم الثقافية، من خلال محاولته لإيجاد قيم أخرى بديلة تمثلت في اهتمامه بأدوار الفنانين وعملهم، باعتقاده أن عملهم يتضمن نقدًا حادًّا للقيم التقليدية السائدة.

وينبثق أيضًا اهتمامه بالفن والجوانب الجمالية بصورة عامة في إيمانه بأن ما يحتاج إليه المجتمع الأمريكي في ذلك الوقت قدرٌ كبيرٌ من التغيير الثقافي أكثرَ من التغيير المادي (جولدنر، 2004، 595). بهذا نجد أن شباب اليسار الجديد يعبّر عن جماعة مجال تنحصر جُلُّ مسلماتها الأساسية في نحو التطلع إلى بناء جديد من العواطف والواقع الشخصي الذي يتضمن الحرية ورفض الحروب، والتأكيد على التلقائية والكرامة والابتكار والمساواة. بعكس ما هو سائد في المجتمعات الغربية وبالأخص الولايات المتحدة الأمريكية” (جلبي وآخرون، 2006: 328). وهو الجوهر الذي تنطلق منه الوجودية في تجسيد أفكارها الفلسفية.

الوجودية

3- اتجاهات الوجودية: قبل أن ندخل في تفاصيل اتجاهات الوجودية سنحاول تعريف الوجود والعدم. فالوجود: هو تحقيق الشيء في الذهن أو في الخارج. كمصطلح فلسفي مقابل العدم. وهو الهوية قديمًا، والكينونة والكائن حديثًا. فالوجود هو الحقيقة الواقعية الدائمية. وهو في اللغة مصدر “وجَدَ” الشيء، يطلق على الذات وعلى الكون في الأعيان. الوجود كل ما هو موجود أو يمكن أن يوجد. كون الشيء واقعًا؛ وهو نوعان: ذهني وخارجي، عكسه العدم. خرج إلى الوجود أي أصبح ذاتًا كائنة في الكون (لمزيد من القراءة والاطلاع حول مفهوم الوجود (الوجود لفظاً وتعبيرًا) انظر: العشماوي، 1984: 11 وما بعدها).

أما مفهوم العدم فيعني الفراغ الهائل أو اللا مكان واللا زمان. إنه يصف حالةً نفسيةً فكريةً أو حسيةً ذات واقع ظلامي لا وضوح فيه. فلسفيًّا: هو موقف فلسفي يقول إن العالم كله بما في ذلك وجود الإنسان عديم القيمة وخالٍ من أي مضمون أو معنى حقيقي. هي فلسفة ملحدة لأنها لا تثق بشيء ولا تنفي أو تؤكد شيئًا. وهي تقول إن العدم هو الوجه الآخر للوجود بل هي نهاية الوجود، وبه نعرف حقيقة الحياة بعيدًا عن المثالية.

وبتتبع الموجودات يظهر لك أنها تنقسم إلى  قسمين (عواجي، 1427/2007: 858): الأول: موجودات مشاهدة ومحسوسة. الثاني: موجودات غير مشاهدة، وإنما هي في الأذهان تسمى الموجودات العقلية أو المنطقية. ويرى سارتر أن العدم لا معنى له، إلا من جهة ما هو نفي شيء أو فقدان شيء. فلا وجود للعدم بذاته؛ وإنما يعود إلى تصور الإنسان له. والقصد هو إنكار الحياة الأخروية وهذا ضد التصور الديني.

بناءً عليه تتفرع الوجودية إلى اتجاهين أساسيين، هما: الأول الوجودية المؤمنة مؤداها أن قلق الإنسان يزول بالإيمان بالله. ومن أبرز مؤسسي هذا التيار (سورين كيركجارد) (الميداني، 1412/1991: 361)، وله الكثير من الآراء في الوجودية المثالية أو الدينية. وهي وجودية أقرب إلى التصوف في حركتها وفهمها بالنسبة للدين وعالم الإنسان. “ولا تتحقق إلا عن طريق اليقظة العاطفية، وصحوة الضمير أو بضربات التجارب” (الحمد، 2006، 400). أما الآخر الوجودية الإلحادية: وهي وجودية تقر بالإلحاد وعدم الاعتراف بوجود الإله, وترى أن الإنسان إله نفسه, ولا بد أن يقدس ذاته، لأنه خالق لأفعاله ومحدد لمصيره. وغير مبرر له ارتكابه للأخطاء.

جاء هذا الاتجاه كرد فعل لما تعرض له الإنسان في المجتمعات الغربية إبان الحرب العالمية الأولى والثانية، وما ترافق معهما من ظلم وقهر ومعاناة واستغلال بسبب الدمار والخراب. مما ولّد لديه الشعور بغياب واضح لوجود الإله ورحمته –حسب زعمهم- في تحقيق خلاصه من هذه المتاهة التي وقع  فيها. لذلك حاولت الوجودية الملحدة الاعتماد بشكل مطلق على الفرد و وجوده وقدراته باعتباره خالقًا لماهيته في تحقيق خلاصه.

يذهب الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر (1905- 1979) في كتابه “الكينونة والعدم” إلى أن الدافع الأساسي للسلوك البشري هو الرغبة في تحقيق إرضاء الذات بصورة كاملة، وذلك بمحاولة أن يصبح الإنسان السبب في وجود نفسه. وفي هذا السياق يقول سارتر: إن هذا الهدف مناقض لنفسه، ومن المحال تحقيقه، ولذلك فهو يعد النشاط البشري كله بلا جدوى، والإنسان برأيه عاطفة لا فائدة منها.

ويذهب سارتر أنَّ فكرةَ الكائنات ذات القناعة الذاتية التامة -والتي هي السبب في وجود نفسها- الفكرةُ التقليديةُ عن الإله. وحسب ما يقول (سارتر) فإن كل فرد يريد أن يصبحَ الله! وأن الله لا يمكن أن يكون موجوداً!.. – حاشا لله عن هذا الزعم-. بذلك يكمن الوجود اليقيني للإنسان في تفكيره الذاتي، ولا يوجد شيء خارج هذا الوجود ولا سابق عليه. وبالتالي لا يوجد إله، ولا توجد مثل ولا قِيَم أخلاقية يقينية.

ولكي يحقق الإنسان وجوده بشكل حر؛ فإن عليه أن يتخلص من كل الموروثات، وبالتالي فإن هدفه يتمثل في تحقيق الوجود ذاته. ويتم ذلك من خلال ممارسة الحياة بحرية مطلقة “باعتبار الإنسان مقياس الخير والشر، وأنه ليس لأحد أن يوجه له النصح” (انظر… الميداني، 1412/1991: 366- 367).

الوجودية

4- مقولات الوجودية المفسرة للوجود الإنساني وللواقع الاجتماعي: يعني مفهوم المداخل النظرية من مجموعة من القضايا الفكرية، التي تتداخل مع بعضها البعض منطقيًّا، بغية تكوين النسق النظري لها؛ الذي يتم من خلاله تحليل وتفسير ونقد الواقع الاجتماعي. بمعنى آخر يمكن القول بأنها كيان نظري له مبادؤه وقضاياه الرئيسية التي توجب على أي بحث علمي -مستندًا إلى هذا الكيان- أن يشتق فروضه الرئيسية منه، ثُمَّ بعد ذلك استخدام المقولات الرئيسية للكيان النظري في عمليات أخرى: كالوصف والتحليل والتفسير والتنبؤ (ليلة، ب.ت، 36).

ويمكن القول أيضًا إن المداخل النظرية تتشكل من مقولات وقضايا نظرية؛ بناءً عليها يتم إدراك الواقع الاجتماعي، من خلال إعطاء تصورات متباينة وتنظيم محدد لمتغيراته، وطبيعة واتجاه التفاعل بين هذه المتغيرات (ليلة، ب.ت، 67).

تعتمد الوجودية الإلحادية في تفسيرها للواقع الاجتماعي والحياة الإنسانية على مجموعة من المقولات النظرية لتعطي الشرعية لنفسها. وهي أفكار باطلة واعتقادات مضطربة، وآراء متناقضة، جملةً وتفصيلًا. وهي كالآتي:

– مقولة الحرية: تعتبر من أهم مقولات الوجودية. تفهم عندهم بصورة واقعية، لأنها ليست شيئًا خياليًّا يمكن تصوره فحسب أو يمكن تحويله إلى صورة ذهنية، إنها شيء واقعي ملموس يمكن الإحساس به عند ارتطام الفكرة الخاصة بالمدى البعيد الذي يفصلها عن دائرة التحقيق. كما أنها لا تتوافر إلا بعامل الشعور وهو يتطاحن مع إمكانيات الموقف المعين (الديدي، 1985، 171). وهذا يعني أن الإنسان حر في اختياراته، وفي اختياره يقرر نقصانه أو عدم كماله؛ لأنه لا يملك الممكنات كلها.

بذلك يستنتج الوجوديون أن الاختيار البشري عملية ذاتية؛ لأن الأفراد في النهاية يجب أن يمارسوا اختياراتهم بدون تأثير من المعايير الخارجية كالقوانين، وقواعد الأخلاق، أو التقاليد. وهم بذلك أحرار. ونظرًا لأنهم يختارون بحرية؛ فإنهم “مسؤولون” تمامًا عن اختياراتهم. ثم يؤكد الوجوديون أن الحرية تقترن بالمسؤولية؛ ولكون الأفراد مُجبَرين على الاختيار لأنفسهم، فهُم بالضرورة أحرار.

وفي هذا الصدد يقولون -وعلى رأسهم سارتر-: ولما كان الشعور بطبيعته غير مستقر، كان محالًا أن تتحدد ماهيته، كما تتحدد ماهيات الأشياء الخارجية. ومن هنا كانت حرية الإنسان هي صميم وجوده الشعوري القلق، فهو حر لأنه يخلق نفسه بنفسه كل لحظة (الميداني، 1412/1991: 363).

تُعد المسؤولية من وجهة النظر الوجودية الجانب المظلم للحرية، وعندما يدرك الأفراد أنهم مسؤولون كليةً عن قراراتهم وأعمالهم ومعتقداتهم، يتملكهم القلق؛ فيحاولون الهروب بتجاهل أو إنكار حريتهم ومسؤوليتهم، أي إنكار موقفهم الحقيقي، وبهذا ينجحون فقط في خداع أنفسهم.

وينتقد بعضهم هذا الخداع الذاتي، ويصرون على قبول المسؤولية الكاملة من أجل سلوكهم مهما كانت هذه المسؤولية صعبة. “وفي النهاية تتسم الحرية عندهم بأنها حرية مطلقة ليس عليها ضوابط لذلك أدت إلى فوضى أخلاقية، والسقوط في مستنقع الرذيلة والانحلال. بل أصبحت تدل على كل وجودي يتمسك بهذه الأشياء” (عبد الرزاق، 2015).

– مقولة العزلة: تدعو الوجودية إلى التفرد والانطواء والعزلة الاجتماعية. وفي هذا الصدد يقول: “إننا منذ الآونة الأولى التي نشعر فيها أن إنسانًا ينظر إلينا إنما نشعر أيضًا بأن الآخر يسلبنا عالمنا على نحو من الأنحاء لهذا العالم الذي نمتلكه وحدنا حتى هذه اللحظة”. ويقول: “إنني ابتداءً من الآونة التي أشعر فيها أن أحدًا ينظر إلي، أشعر أنني سُلبتُ عن طريق النظر إلي وإلى العالم. إن العلاقة بيننا وبين الآخرين هي التي تخلق شقاءنا”.

ويقول أيضًا: “إن الآخرين هم الجحيم بعينه” ( فال، 1958، 176 ). حيث جعل العلاقة بين الأنا والآخر قائمةً على الصراع والهيمنة، والتاريخ البشري ما هو إلا حصيلة الصراع والتقاتل بين الأنا والآخر، وأن العلاقة الممكنة بينهما هي علاقة المنتصر والمهزوم. لتتجلى في النهاية دعوات الغيرية عند أصحابها؛ ما هي إلا نظرات طوباوية تنشد بناء مشاريع فكرية وهمية، تستمد قوتها من غواية الخير والرغبة اليوتوبية في بناء مدن فاضلة لا وجود لها على أرض الواقع الفعلي (علي، 2018، 284).

– مقولة الإلحاد: يكفُر الوجوديون بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر، وبكل الغيبيات، وكل ما جاءت به الأديان. ويعتبرونها عوائق أمام الإنسان نحو المستقبل. وقد اتخذوا الإلحاد مبدأً وعقيدةً، ودانوا بما يتبع ذلك من نتائج مدمرة (الحمد، 2006، 414). ويرون أن الأديان والنظريات الفلسفية والأخلاقية، التي سادت خلال القرون الوسطى والحديثة، لمْ تحلَّ مشاكل الإنسان؛ خاصةً فيما يتعلق بقيام الحروب والاضطهاد الإنساني.

– مقولة التشاؤم والقلق: يعاني أصحاب هذا المذهب من التشاؤم والقلق تجاه الحاضر والمستقبل؛ لأن نتائج فلسفتهم لا تمنح الإنسان فكرًا بنَّاءً يساعده على تغيير واقعه من خلال العمل والبناء؛ لتحقيق السعادة الإنسانية، بل تسعى فلسفتهم إلى الهدم وتكريس العجز واللامبالاة عبر تجرد الإنسان من قيمه وأخلاقه ومبادئه الجمعية؛ مما يؤدي تحطيم قدرته على تغيير واقعه نحو الأفضل، كونَهَا تعتبر الإنسان قد وُجِدَ في هذا العالم عبثًا وسط مخاطر تؤدي به إلى الفناء.

ورغم أن كل ما أعطته للإنسان من حرية ومسؤولية عن أفعاله عبر طاعته المطلقة لنفسه، إلا أن فكر أتباع هذه الفلسفة ظلَّ يتسم بالانطوائية والانهزامية وعدم القدرة على تحمل المسؤولية في مواجهة المشكلات والقضايا التي تواجه الإنسان، باعتبارها السبب الرئيسي في معاناته وشقائه الإنساني.

– مقولة الإنسان: يؤمن الوجوديون إيمانًا مطلقًا بالوجود الإنساني، ويتخذون منه منطلقًا لكل فكرة، ويعتقدون أن الإنسان أقدم شيء في الوجود، وما قبله كان عدمًا، وأن وجود الإنسان سابقٌ لماهيته. وهذا الإيمان بوجود الإنسان والإعلاء من شأنه جاء كردِّ فعل على تسلط الكنيسة وتحكمها بالإنسان بشكل متعسف (عبد الرزاق، 2015). لذا يحاولون حسب رأيهم إعادة الاعتبار الكُلِّيِّ للإنسان، ومراعاة تفكيره الشخصي، وحريته، وغرائزه، ومشاعره.

يأخذ معنى الإنسان في الفلسفة الوجودية ثلاثة أنماط. وهي كالآتي: “إنسان الجمال: الذي يعيش للمتعة واللذة ويسرف فيها، وشعاره (تمتع بيومك)، (أحب ما لن تراه مرتين) ولا زواج عند هذا الإنسان ولا صداقة، والمرأة عنده أداة للغزو وليست غاية. إنسان الأخلاق: الذي يعيش تحت لواء المسؤولية والواجب تجاه المجتمع والدولة والإنسانية، لكنْ كما يراها هو كفرد وليس ككتلة اجتماعية؛ لها هموم وطموحات ومصالح مشتركة. فهو مثلًا يؤمن بالزواج؛ لكنه الزواج الذي لا علاقة له بدين أو غيره.

إنسان الدين: الذي لا يحيا في الزمان، (ليس عند ربكم صباح ومساء) ولهذا فهو متجرد عن الدنيا، وأحواله في الجملة هي تلك الأحوال المعروفة عند الصوفية. وقد تجد هذه الأنواع والصنوف عند إنسان واحد، فيتدرج من المرحلة الجمالية إلى المرحلة الأخلاقية إلى المرحلة الدينية” (عوض، 2002).

ويستطيع الإنسان الوجودي -كما بينا سابقًا- أنْ يحل مشاكله بإرادته وحريته، فالإنسان مجبور أن يكون حرًّا. لذلك يطلب الوجوديون من الإنسان أن يكوّن نفسه. بمعنى أن يلتزم بطريقة يرضاها هو لإثبات ذاته. ويؤكدون على قيمة العمل الإنساني.

– مقولة الموقف الأخلاقي: لا يؤمن الوجوديون بوجود قيم ثابتة توجه سلوك الناس وتضبطه، إنما كل إنسان يفعل ما يريد، وليس لأحد أن يفرض قيمًا أو أخلاقًا معيارية معينة على الآخرين. وقد أدى فكرهم إلى شيوع الفوضى الخُلقية، والإباحية الجنسية، والتحلل والفساد. والوجودي الحق عندهم هو الذي لا يقبل توجيهًا من الخارج، إنما يسيِّر نفسه بنفسه، ويلبي نداء شهواته وغرائزه دون قيود ولا حدود. من هنا تأتي الوجودية تمردًا على الواقع التاريخي، وحربًا على التراث الضخم الذي خلّفته الإنسانية ( الشامي، 2014).

وهذا يعني أن الأخلاق الوجودية بصفة عامة ترفض أي ضرب من التقيد الحرفي بالقواعد؛ إذ ينظر إلى القوانين والقواعد على أنها أعباء مفروضة على الموجود البشري من الخارج تجبره على نمط من السلوك محدد سلفًا، وتمنعه من تحقيق ذاته الفريدة الأصيلة. ولهذا تميل الوجودية إلى تشجيع ما يسمى عادة “بالموقف الأخلاقي” ويتحد اتجاه الفعل في مثل هذه الأخلاق بالموقف الفريد الذي يجد فيه الفاعل نفسه؛ فكيف يكون صادقًا مع نفسه في مثل هذا الموقف؟ ونظرًا لأن الوجودية ترتكز على الذاتية الأصيلة التي لها بعد اجتماعي؛ فلن يكون المرء متسقًا مع ذاته إنْ فسَّر هذا المعيار الذي يربط بين الفعل وموقف الفاعل بطريقة تحصره في إطار الذات الفردية وحدها (كرم، 2020).

نستنتج مما سبق، أن الوجودية اتجاه إلحادي يمسخ الوجود الإنساني ويلغي رصيد الإنسانية من الأديان وقيمها الأخلاقية (الجهني، 1418ه: 820). كما أنه أفرز أمورًا عديدة منها: القلق واليأس نتيجة للإلحاد وعدم الإيمان، وهما من ركائز هذا المذهب. وقد حظيت الحرية الفردية في الفلسفة الوجودية باهتمام كبير عند كل فرد وجودي، وبأي اتجاه من اتجاهاتها؛ فالحرية عندهم ليست هي الحرية الملازمة للإنسان فحسب، بل هي جوهر وجوده أيضًا. فقيمة الإنسان في المحصلة هي حريته. بَيْدَ أن هذه الحرية في جوهرها عَصِيَّة على التفسير عند الوجوديين، ولا يُعبر عنها بالمفاهيم. وبالتالي ظلت الحرية عندهم رغبة جامحة لتحقيق ما تحركه الغرائز أكثرَ مما يحركه العقل.

فالحرية التي يعارضونها بالضرورة؛ هي التي تقوم على قوانين موضوعية وذاتية تفرضها البيئة الاجتماعية بكل مكوناتها التي يحياها الإنسان. وغالبًا ما تشترط هذه البيئة اختيارات الإنسان أي تحددها. بذلك تأتي حريتهم من خارج المحيط الاجتماعي؛ فهي حالة باطنية، ومزاج نفسي، ومعاناة ذاتية. وعلى هذا الأساس تكون حريةً بلا معنى أو قيمة، أو هي مبدأ شكلي فارغ ونداء عقيم لا فائدة منه.

وهذا يعني أن الحرية في الفلسفة الوجودية لا يهمها تحرير البشر من قسوة الطبيعة، ولا من ظلم الاستغلال الطبقي وصراعاته الدامية. كما أن الوجودية في مشروعها العام ليست أكثر من نصائح تقدم للفرد كفرد؛ كي يبحث عن حريته في أعماق وجوده الذاتي المنعزل والمتعالي عن تناقضات الواقع وصراعاته وقضاياه الجوهرية في أبعادها الإنسانية العامة. فتجعله -الإنسان- في عزلة مع الجماعة. وهذا يتنافى مع الفطرة الإنسانية.

الوجودية

ومن أهم الانتقادات التي وجهت للوجودية:

  1. الوجودية ذات اتجاه لا عقلاني غريزي تعتمد على المشاركة الوجدانية والعاطفية في توجيه مسارات الحياة الاجتماعية.
  2. أدى رفض الوجودية للمبادئ والقواعد الأخلاقية إلى الوقوع في مستنقع الرغبات والشهوات الغريزية والانحلال الأخلاقي.
  3. إن مبالغة الوجودية بالنزعة الفردية والحرية غير المسؤولة أدت إلى إشاعة الفوضى في الحياة الاجتماعية على اعتبار أن التجربة الإنسانية مقياس كل شيء.
  4. تشجيع الوجودية للإنسان على عبادة ذاته أدى إلى تعطيل قدرته على التعاون مع الآخرين في بناء الواقع الاجتماعي.

 وأخيرًا يمكننا القول إن “الوجودية هي الفوضى” لماذا؟ لأنها تدعو إلى التجرد التام من كل القيم والمثل والأخلاق والأعراف. فهي تتمثل في عبادة الإنسان لذاته؛ وذلك بأن يمتعها بكل ما يستطيع الوصول إليه من المتع الدنيوية (عواجي، 1427/2007: 866). كما أنها تدعو إلى اليأس المطلق والتشاؤم الكُلِّي، وتدعو إلى الانحلال. وتختلف نظرة الإسلام تمامًا عن نظرة الوجودية؛ إذ يقرر الإسلام أن هناك وجودًا زمنيًّا بمعنى عالم الشهادة ووجودًا أبديًّا بمعنى عالم الغيب. والموت في نظر الإسلام هو النهاية الطبيعية للوجود الزمني، ثم يكون البعث والحساب والجزاء والعقاب. كما أن الفلسفة الوجودية لا تسلم بوجود الروح ولا القوى الغيبية، وتقوم على أساس القول بالعدمية والتعطيل؛ فالعالم في نظرهم وجد بغير داع ويمضي لغير غاية، والحياة كلها سخف يورث الضجر والقلق، ولذا يتخلص بعضهم منها بالانتحار (الجهني، 1418ه: 820).

 ولا شك في أن الإسلام يرفض الوجودية بجميع أشكالها، ويرى فيها تجسيدًا للإلحاد، كما أن قضايا الحرية والمسؤولية والالتزام التي تدعو إليها الوجودية غيرَ مقيدة بأخلاق أو معتقدات دينية. وهي تنادي بأن الإنسان لا يدري من أين جاء؟ ولا لماذا يعيش؟ وهذه جميعها أمور محسومة في الإسلام وواضحة كل الوضوح في عقل وضمير كل مسلم آمن بالله تعالى ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- رسولًا ونبيًّا وقدوةً وإمامًا.

وتتحدد مقاصد الوجود الإنساني في الإسلام من خلال علاقة الإنسان المسلم بالحياة في ثلاثة مجالات رئيسية. وهي: العبادة والعمارة للأرض والخلافة، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (سورة الذاريات: 56)، وقال: هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا (سورة هود: 61)، وقال: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (سورة البقرة: 30). فعبادة الإنسان ربه، وعمارته للأرض وفق منهج الله هو طريق ترشحه للخلافة، وإقامة الحضارة وصناعة الحياة السعيدة الآمنة.

وهذه المجالات الثلاثة يكمل بعصها بعضًا، وتخلف أيٍّ منها عن قيادة الركب تراجع عن الحضارة، وإتاحة الفرصة للآخر ممن لا يعرف طريق العبادة ومقاصد العمارة أن يكون صانعًا للحضارة، وقائدًا للبشرية، جالبًا لها ألوان الدمار وصنوف الشرور التي أرهقت بني الإنسان، وألحقت الأذى بالأحياء والجمادات على السواء. ولقد أحسن الندوي حينما عنون كتابه بـ”ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين“، في إشارة إلى الدور المنوط بالمسلمين في قيادة البشرية عقيدةً ووجوداً وحضارةً إلى بر الأمان (النمر، 2019: 156).

وفي النهاية توصي الدراسة بما يلي:

  1. ضرورة تفعيل إجراءات التوعية الثقافية من خلال إقامة البرامج والندوات التي تدعو إلى التمسك بمرجعيتنا الدينية وهويتنا الثقافية.
  2. عدم انقياد شبابنا وراء التقليد الأعمى للأفكار الوجودية؛ لأن خصائص وسمات المجتمعات الغربية والأحداث التي مرت بها تختلف تمام الاختلاف عن خصائص وطبيعة الواقع العربي والإسلامي.
  3. تسليط الضوء على خطورة الوجودية المعاصرة بكل أفكارها وفلسفتها السلبية التشاؤمية.
  4. نشر المعنى الحقيقي للحرية الإنسانية؛ لأن الحرية مسؤولية.

141

المصادر
الكاتب

د. حسـام الـدين فـيـاض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- جامعة حلب سابقاً

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.