حتى إذا تقدَّمنا خطواتٍ في هذه الجِنان والبساتين والرِّياض التي بسطها الإمام النووي في “رياض الصالحين”؛ وجدنا بابًا لطيفًا أشدَّ اللُّطف، بابًا سمَّاه صاحبه باسم طويل هو “باب زيارة أهل الخير ومُجالستهم، وصُحبتهم، ومَحبَّتهم، وطلب زيارتهم، والدعاء منهم، وزيارة المواضع الفاضلة” هذا هو اسم الباب الذي بثَّ فيه الإمام رحيقًا له ضَوْعٌ وانتشارٌ حتى لتحسَّه في أنفك يتسرَّب إلى قلبك وأنت تقرأ. فتعالوا نسِرْ في صحبة الصالحين مع رياض الصالحين.

مفهوم الصحبة في الإسلام

إذا سألنا سؤالاً: لماذا هذا الاسم الطويل للباب؟ ولماذا أدرج النووي حديثًا عن الزواج في باب الصحبة؟ وهنا تأتيك الإجابة من إدراك النووي لفلسفة الصُّحبة في الإسلام. فالصُّحبة في الإسلام ليستْ هي الصُّحبة التي نعرفها في أوساطنا “حقل الأصدقاء” وحسب، بل الصُّحبة في الإسلام ربطتها المصادر -قرآنًا وسُنَّةً- بالاعتقاد والاتفاق الفكريّ الرُّوحيّ.

فقرنت هامان وفرعون لكُفرهما، وقرنتْ هارون وموسى لإيمانهما، وفرَّقتْ بين النبيّ وأهله وزوجه وابنه -رغم أنَّ الدم أعلى مراتب استيجاب الصُّحبة- للتفرُّق في الفكرة والعقيدة. هذا هو مفهوم الصُّحبة في الإسلام يا عبد الله الصالح. وهكذا جعل الإسلامُ الالتزام به عقيدةً وشريعةً معيارًا للصُّحبة والمُلازمة، وعلى هذا المعيار يوجِّهك لصُحبة صالحة مؤمنة أو تُرشِّدك عن صُحبة فاسدة أو كافرة.

وفي شأن “حيِّز الصحبة في الإسلام” أقصد هُنا أنَّ جميعنا يتعارَفُ على أنَّ الصحبة هي المُساوية للصداقة. لكنَّ حيِّز الصُّحبة في الإسلام يدلُّ على مُطلق الاقتران؛ فالصُّحبة -إذا عرَّفناها- فهي نوع اقتران ومُلازمة بين اثنين فأكثر تختلف درجته ونوعه زمانًا ومكانًا. ولأنَّ الصحبة في الإسلام مُقترنة بالإيمان نفسه، بل ليس بالإيمان المُجرَّد وحسب، بل بالخير والتزامه والعمل به فهي تشمل حيِّزًا كبيرًا. وهذا هو السرُّ في طُول عنوان الباب، وهذا هو السرُّ في إدراج حديث الزواج في باب الصُّحبة. فالصحبة -الصالحة- في الإسلام هي اقتران بين شخصَيْن فأكثر يجمع بينهما جامع الإيمان الخير والعمل الصالح.

ما أثر الصحبة؟ ولماذا يركِّز عليها الإسلام؟

وليس أبلغ في الردُّ على هذا السؤال من حديث أدرجه النووي في الباب. وقبل أنْ نتطرَّق إليه نلحظ أنَّ الحديث بصورته البلاغيَّة المُمتدة يتحدث عن “الجليس” أيْ الذي قد تجلس معه مرَّةً أو بعض وقت؛ فما بالُنا بالصاحب الذي يُلازمك! .. يقول فيه الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-:

إنَّما مَثَلُ الجليس الصالح وجليس السُّوء كحامِل المِسك ونافخ الكِير.

حامل المِسك هو شبيه الجليس الصالح الذي عملُه طيِّب الرائحة كالمِسك. ونافخ الكِير هو العامل الذي يستخدم الكِير في أعمال الحِدادة وهو شبيه الجليس السيِّء، والكِير آلة يستخدمها تتطاير من أثرها الشرر، وهو شبيه سُوء العمل الذي يعمله الجليس السيِّء. فما يفيدك الجليس الصالح؟ يُكمل الحديث: “فحامل المِسك إمَّا أنْ يُحذيَك، وإمَّا أنْ تبتاع منه، وإمَّا أنْ تجد منه ريحًا طيِّبةً” فكلُّ ما فيه نفع لك. وما يضرُّك جليس سيِّء الخُلُق والسِّيرة؟ يُكمل: “ونافخ الكِير إمَّا أنْ يُحرق ثيابك، وإمَّا أنْ تجد منه ريحًا مُنتَنَةً” فكلُّ ما فيه شرّ.

ولا شكَّ أنَّ الصحبة ودورها أمر شديد البيان والوضوح في تأثيره على الإنسان، ولا يحتاج إلى إيضاح. لكنْ بالعموم الإنسان يتلقى معارفه النظريَّة من الدرس أو الكتاب أو التأمُّل. لكنَّ هذه المعارف وكذلك منظومة أخلاقه تتغيَّر وتتشكَّل من حيث يدري أو لا يدري من خلال الاحتكاك بالبشر؛ وكم سمعنا عن فلان الذي فسدت أخلاقه من صحبة السوء! وكم قرأنا في الأخبار عن عُصبة الأصدقاء الذين قادوا صديقهم إلى الهلاك والضياع! وكذلك كمْ قرأنا في كتب الآداب الإسلاميَّة عن صُحبة الخير وأثرها! وكم عرفنا من صحابيّ تبدَّل حاله بصُحبة الأخيار حتى صار نقيض ما كان. وبالذكر فالإمام “ابن حزم” المشهور حكى عن نفسه كيف كان فتى مُدلَّلاً ناعمًا -فقد كان رَبيبَ القصور- وهو صغير بصحبة فاسدة أقلع عنها إلى طريقه الذي عرفنا وملأ الدنيا نورًا وعلمًا.

دستور الصحبة في القرآن

الصحبة

يذكر النووي في أوَّل الباب خبر صُحبة سيِّدنا موسى مع الرجل الصالح، وركَّز على الآية التي عرض فيها النبيّ الكريمُ نفسُه الصُّحبةَ على الرجل الصالح من سورة الكهف 66 (قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا). فانظُر كيف تكون صُحبة الخير على الرَّشاد والتعليم لا على الإفساد والتلهية.

وذكر أيضًا وصيَّة القرآن في الصُّحبة؛ فإذا سألنا القرآن الكريم: مَن نُصاحب؟ وجدنا آية الكهف 28 تجيبنا بدستور الصُّحبة كاملاً (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) وتقول: صاحِب مَن يدعون ربَّهم ويلتزمون بميثاقه دومًا، هؤلاء الذين يعرفون وجه الحقيقة في الدنيا وأنَّ الوِجهة الحقّ هي الله.

بل لا تقتصر الآية على محض الأمر بصُحبة هؤلاء بل بالصبر على صُحبتهم وفي هذا توجيه على عدم مُصاحبة غيرهم بالمُخالفة. وتنهى عن ذي الصفة المُخالفة “ولا تُطِع مَن أغفلنا قلبه عن ذِكرنا واتبع هواه” وهُنا حدَّدتْ معايير التصوُّر في الصُّحبة؛ فمَن ظلَّ غافلاً عن الله رغم التنبيه عليه، ومَن اتَّبع هواه رغم التنبيه عليه وأصرَّ على فعله فليس أهلاً للصُّحبة بل هو أهلٌ للترك.

ونضيف على إمامِنا النووي قصَّة سيِّدنا “يوسف” مع صاحبَيْ السجن اللذَيْنِ لمْ يجمعهما به إلا المكان وها هو يدعوهما إلى الإيمان بالله كيْ تكون صُحبة خير فيقول: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) -يوسف 39-.

خطورة محبَّة أهل الباطل

الصحبة

وفي أحاديث الباب ما يحذِّرُك أنْ تحبَّ أهل الباطل أو تميل إلى الفاسدين بدوام المودة رغم فسادهم ورغم نُصحك إيَّاهم -ومن أهمّ واجبات الصحبة التناصُح بين الصاحبَيْن في الخير-. فيقول الحديث:

الرجل على دين خليله؛ فلينظُرْ أحدُكُم مَن يُخالل.

وهو كلام يُحسب على جانبَيْ الصحبة الصالحة والسيِّئة لكنَّه يدلُّ على أنَّ الصُّحبة تأشيرة سفر تجعلك على جانب مُعيِّن فاختَرْ إلى أيَّة وجهة ستسافر.

وأحاديث تثبتُ موقف المحبَّة يقول فيها الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-: “المَرءُ مع مَن أحبَّ” وهُنا قد تتوجَّه في تفسيرك عدَّة وجهات: أهو معهم في الدنيا حقيقةً؟ أهو معهم في الآخرة مكانًا؟ أهو معهم يقصد نفسيًّا وشعوريًّا حتى لو خالفهم المكان؟ ثمَّ يضيف “النوويّ” حديثَيْن يُرجِّحان التفسيرَيْن الأخيرين. الأوَّل: “قِيلَ للنبيّ: الرجُل يحبُّ القوم ولمَّا يلحقْ بهم. فقال النبيّ: المرء مع مَنْ أحبَّ” وهنا يقصد شعوريًّا ونفسيًّا حتى لو اختلف المكان. أمَّا الآخر: “أنَّ أعرابيًّا قال لرسول الله: متى الساعة؟ (يقصد يوم القيامة) فقال: ما أعدَدتَ لها؟ قال: حُبّ الله ورسوله. قال -أيْ النبيّ- أنتَ مع مَن أحببت”. وفي هذا دلالة على أنَّ المقصود في الآخرة.

فهل هذا هو المُحدِّد الوحيد لمكانك في الآخرة حسب نصّ الحديث؟ لا بالقطع، بل يقصد الحديث أنَّ المحبَّة من الأعمال التي ستحاسَب عليها وستحدِّد محلَّك من الآخرة. فضلاً عن التصوُّر الآخر في الحديث؛ ففي الحديث كان المَحبوب هو الله ورسوله، فما بالُنا بمَن يحبُّ ظالمًا مُتجبِّرًا في الأرض قاتلاً لعباد الله؟! أو شخصًا مُتهتِّكًا يدعو إلى الفجور بقوله أو فعله؟ .. فكلُّ هذا ستُحاسب عليه يا عبد الله فاحذر.

ماذا فعلتَ يا أُويس؟

وبصُحبة الصالحين بدأنا، وبصُحبة الصالحين نختم. ففي حديث ذكر النووي له روايات يُطالعُنا اسم رجل صالح “أُوَيْس بن عامر” وهو رجُل بحث عنه سيِّدنا “عُمر بن الخطَّاب” بعدما صار خليفةً للمسلمين بين وُفود اليمن ليُقابله. ولمَّا قابله بدأ يتأكَّد من اسمه ويسأله عن أمِّه وعن علامة في جسده. فلمَّا سأله “أويس” مُتعجِّبًا عن سبب السؤال. أجابَه “عُمر بن الخطَّاب” أنَّ النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أخبره أنَّ رجُلاً من اليمن يُقال له “أويس” ووصف حاله إنْ أقسم على الله لأبرَّه -أيْ لأنفذ ما أقسم عليه-، وها هو “عُمر بن الخطاب” يطلب أنْ يستغفر “أويس” له الله، فاستغفَرَ الرجلُ له الله ومضى.

ولنا أنْ نسأل: ماذا فعلتَ يا أويس؟ كي يُخبر عن أمرك رسول الله مُوجِّهًا أصحابه للقاء الرجل وطلب استغفاره الله لهم. أمَّا روايات الحديث فقد ذكرتَ أنَّ أويسًا كان بارًّا بأمِّه، فيا لهذا الفعل الذي قد تصتغره من شأن لا تعلمه! لكنَّ رواية الحديث الأخرى فيها أنَّ “عُمر بن الخطاب” سأله أنْ يكتب له لعامله على الكوفة لإكرامه. فردَّ عليه “أويس”: أكون في غبراء الناس أحبُّ إليّ. يقصد أنَّه يفضِّل ألا يتميَّز عن بقيَّة خلق الله، بل هو في غِمار الناس ماضٍ. وهنا نتذكَّر الآية الكريمة التي تقول -القصص 83- :

(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).

فها هي عاقبة الصلاح أمامك، وها هُم الصالحون وسيرتهم فالزمْهم يا أيُّها العبد الصالح.

283

الكاتب

عبد المنعم أديب

كاتب مصريّ، درس اللغة العربيَّة وتخصص في الفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، وأكثر من مائة وثلاثين مقالاً، وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.