أبو حنيفة، وما أدراك من أبو حنيفة! إمام أهل زمانه بالفقه والعلم، الذي وصفه الشافعي قائلًا: الناس في الفقه عيالٌ على أبي حنيفة، وقال فيه سفيان الثوري: ما مقلت عيناي مثل أبي حنيفة. فمن هذا الإمام العظيم الذي نال عظيم المدح من أهل زمانه؟ ومن هو أبو حنيفة الذي أكرم الله به الأمة وجعل مذهبه شديد الانتشار في بلاد المسلمين؟ ما هو وصفه؟ وما هو خُلُقه؟ وكيف سعى في طلب العلم لينال هذه المرتبة العالية في الاجتهاد والعلم؟

نشأة أبي حنيفة ونسبه

أبو حنيفة هو النعمان بن ثابت بن المرزبان من أبناء فارس الأحرار. أصله من كاظم -عاصمة أفغانستان اليوم-، حيث كتب الله أن يسلم جده المرزبان في عصر سيدنا عمر، ومن ثم أن ينتقل ويسكن في الكوفة. ولد أبو حنيفة في ثمانين للهجرة في عصر عبد الملك بن مروان -رحمه الله تعالى-.

نشأ أبو حنيفة في الكوفة ضمن أسرة مسلمة صالحة غنية كريمة. وكان وحيدًا لأبويه، وكان أبوه بائع أثواب في الكوفة، وهو ما عمل به أبو حنيفة بعد أبيه. كتب الله له حفظ القرآن الكريم في صغره، وكان ملازمًا لأبيه في الدكان من صغره، ولم يكن شديد التعلق بدروس العلماء وحضور حلقاتهم.

وقد روي أن أبا حنيفة مر ذات يوم بالشعبي، وهو تابعي فقيه ومحدث؛ وكان الشعبي جالسًا، فدعا أبا حنيفة، وقال له: إلامَ تختلف؟ فقال الإمام: أختلف إلى فلان. قال: لم أعنِ إلى السوق، عنيت الاختلاف إلى العلماء. فقال: أنا قليل الاختلاف إليهم. فقال له الشعبي: لا تفعل، عليك بالنظر إلى العلم ومجالسة العلماء، فإني أرى فيك يقظة وحركة. قال أبو حنيفة: فوقع في قلبي من قوله، فتركت الاختلاف وأخذت في العلم، فنفعني الله بقوله.

وكان أول ما اتجه إليه من العلوم علم أصول الدين، ومناقشة أهل الضلال. ولقد دخل البصرة أكثر من سبع وعشرين مرة، يناقش ويحاور ويجادل الملاحدة حتى أقرهم على الشريعة، ويناظر المعتزلة والخوارج فألزمهم الحجة، وحاور غلاة الشيعة، ولم يبلغ من العمر العشرين حتى أصبح عَلمًا يشار إليه بالبنان. واتخذ حلقة خاصة له في مسجد الكوفة، يجلس إليه فيها طلاب أصول الدين.

ومما يروى في صدد حواره مع أهل الشُبه والباطل، أنه كان يوجد رجل بالكوفة، يقول: “عثمان بن عفان كان يهوديًا”. ولم يستطع العلماء إقناعه أو إرجاعه عما يقول. فأتاه أبو حنيفة، وقال: أتيتك خاطبًا، قال: لمن؟ قال: لابنتك، رجل شريف، غني بالمال، حافظ للكتاب، يقوم الليل في ركوع، كثير البكاء من خوف الله تعالى، إلا أن فيه خصلة. قال: وما هي؟ قال: يهودي! قال: سبحان الله! أتأمرني أن أزوج بنتي من يهودي؟ قال: ألا تفعل؟ قال: لا، قال: فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قد زوج ابنته من يهودي (يقصد عثمان -رضي الله عنه- الذي يزعمه الرجل كذلك) قال: استغفر الله، إني تائب إلى الله -عزوجل-.

سبب طلب أبي حنيفة الفقه

رُوي عن زفر بن الهذيل، سمعت أبا حنيفة يقول: كنت أنظر في الكلام حتى بلغت فيه مبلغًا يشار إلي فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان، فجاءتني امرأة يومًا فقالت لي: رجل له امرأة أمة، أراد أن يطلقها للسنة، كم يطلقها؟ فلم أدر ما أقول. فأمرتها أن تسأل حمادًا، ثم ترجع تخبرني. فسألته، فقال: يطلقها وهي طاهر من الحيض والجماع تطليقة، ثم يتركها حتى تحيض حيضتين، فإذا اغتسلت فقد حلت للأزواج. فرجعت فأخبرتني، فقلت: لا حاجة لي في الكلام. وأخذت نعلي فجلست إلى حماد، فكنت أسمع مسائله، فأحفظ قوله، ثم يعيدها من الغد فأحفظها، ويخطئ أصحابه. فقال: لا يجلس في صدر الحلقة بحذائي غير أبي حنيفة.

شيوخ أبي حنيفة

أبو حنيفة

قد بلغ عدد شيوخ أبي حنيفة أربعة آلاف شيخ، فيهم سبع من الصحابة و93 تابعيًا والباقي من تابعي التابعين. ولا عجب من كِبر العدد، فقد عاش الشيخ 70 سنة وحج 55 مرة، أي منذ أن حج مع أبيه وعمره 16 سنة حتى توفاه الله، وكان يعتبر الحج مركز لقاء لكبار علماء العالم الإسلامي.

وقد روي في تاريخ بغداد 14/334، أن أبا حنيفة دخل يومًا على المنصور وعنده عيسى بن موسى، فقال المنصور: هذا عالم الدنيا اليوم، فقال: يا نعمان عمَّن أخذت العلم؟ قال: عن أصحاب عمر عن عمر، وعن أصحاب علي عن علي، وعن أصحاب عبد الله بن مسعود عن عبد الله، وما كان في وقت عبد الله بن عباس على وجه الأرض أعلم منه. قال المنصور: قد استوثقت لنفسك.

احترام أبي حنيفة لأستاذه

ورد من أدب واحترام أبي حنيفة لأستاذه العجب العجاب، فلقد كان يقصد أبو حنيفة الشيخ حمادًا في بيته، ينتظره عند الباب حتى يخرج لصلاته أو حاجته فيسأله ويصحبه، وكان إذا احتاج شيخه إلى شيء قام هو على خدمته.

صاحب أبو حنيفة شيخه حمادًا لثماني عشرة سنة، حتى مات حماد -رحمه الله-. واتفق أصحاب حلقة الدرس التي كان حماد يعطيها على أن يخلفه فيها أبو حنيفة، فكتب الله لأبي حنيفة أن يصبح بذلك خليفة شيخه حماد في حلقته.

طريقة أبي حنيفة في تقرير مسائل الاجتهاد وتدوينها

كان أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- يعتمد على الشورى في الفقه، دون أن يستبد بنفسه واجتهاده، فكان -رحمه الله- يلقي مسألة وراء مسألة على تلامذته في الحلقة، يسمع ما عندهم، ويقول ما عنده، ويناظرهم شهرًا أو أكثر، حتى يستقر على أحد الأقوال فيها، ثم يثبتها القاضي أبو يوسف في الأصول.

وكان رحمه الله إذا أشكلت معه مسألة، قال لأصحابه: “ما هذا إلا لذنب أحدثته”، وكان يستغفر، وربما يقوم ويصلي، فتنكشف له المسألة، فيقول: “رجوت أنه تيب عليّ”، ولما بلغ الفضل بن عياض ذلك بكى بكاءًا شديدًا، ثم قال: ذلك لقلة ذنبه.

تلامذته الأعلام

أكرم الله الأمام أبا حنيفة بتلاميذ عظام، يُقرر معهم المسائل ويضع بينهم القواعد. وقد روي في تاريخ بغداد للخطاب، أن وكيع بن الجراح (شيخ الشافعي) قيل له: إن أبا حنيفة أخطأ، فقال: كيف يقدر أبو حنيفة يخطئ ومعه مثل أبي يوسف، وزفر في قياسهما، ومثل يحيى بن أبي زائدة، وحفص بن غياث، وحبان، ومندل في حفظهم الحديث، والقاسم بن معن في معرفته باللغة العربية، وداود الطائي، وفضيل بن عياض في زهدهما وورعهما؟ من كان هؤلاء جلساؤه لم يكد يخطئ؛ لأنه إن أخطأ ردوه.

صفات أبي حنيفة وخُلُقُه

أبو حنيفة

 كان أبو حنيفة أسمر اللون مع الميل إلى البياض، ليس بالطويلِ البائنِ ولا بالقصيرِ، جميل الصورة، مهيب الطلعة، طويل اللحية، وقورًا. يتأنق في ثوبه وعمامته ونعله، وحسن المنطق، حلو النغمة فصيحًا، كثير التطيب.

وكان في خُلُقه طويل الصمت، كثير التفكر، لطيف الاستخراج في العلم والبحث، لا يطلب على تعليمه، وإن كان الطالب فقيرًا أغناه وأجرى عليه وعلى عياله حتى يتعلم، فإذا تعلم، قال له: قد وصلت إلى الغنى الأكبر، معرفة الحلال والحرام، وكان كثير العقل قليل المجادلة لهم.(1)

وذكر الكردي في مناقبه بسنده إلى أبي يوسف -رحمه الله تعالى-، قال: كنت أطلب الحديث وأنا مقل المال، فجاء إليّ أبي وأنا عند الإمام، فقال لي: يا بنيّ لا تمدنّ رجلك معه، فإن خبزه مشوي وأنت محتاج، فقعدت عن كثير من الطلب، واخترت طاعة والدي. فسأل عني الأمام وتفقدني، وقال حين رآني: ما خلفك عنا؟ قلت: طلب المعاش، فلما رجع الناس وأردت الانصراف دفع إليّ صرة فيها مائة درهم، فقال: أنفق هذه، فإذا انتهت أعلمني والزم الحلقة. فلما مضت مدة دفع إليّ مائة أخرى، وكلما تنفد كان يعطيني بلا إعلام كأنه كان يعلم بانتهائها، حتى بلغت حاجتي من العلم.

جوده وسخاؤه

إن أجمل مظاهر الجود والسخاء، هو الإنفاق على من لا ترجو منه عوضًا ولا شكرًا، وكذلك كان إنفاق الإمام -رحمه الله تعالى-. كان أبو حنيفة إذا اشترى لعياله شيئًا أو جاءت له الباكورة من الفواكه؛ اشترى لشيوخ المحدثين أجود مما اشترى لعياله ولنفسه، وأنفق عليهم أكثر مما أنفق على عياله، وكان يسامح في المبايعة والمعاملة.(2)

صبر أبي حنيفة على أذى الناس

قد صبّر الإمام -رحمه الله تعالى- نفسه على ما يكره في سبيل إيصال العلم والهدى إلى الناس. وقد ذكر لنا عبد الرزاق إحدى القصص التي تروى في صبر الإمام، فقال: ما رأيت أحدًا أحلم من أبي حنيفة، كنا جلوسًا معه في مسجد الخيف، فسأله رجل عن مسألة فأفتاه، فقال الرجل: قال الحسن البصري: كذا وكذا، فقال أبو حنيفة: أخطأ الحسن، فجاء رجل أحمر الوجه، فقال: يا ابن الفاعلة تقول أخطأ الحسن؟ فهمَّ الناس به، فقال أبو حنيفة: أقول أخطأ الحسن وأصاب ابن مسعود.(3) وقد روي أن رجلًا همَّ بشتم أبي حنيفة واستطال عليه، وقال له: يا كافر يا زنديق، فقال أبو حنيفة: غفر الله لك، هو يعلم مني خلاف ما تقول.

ما أحسن من قال:

شهدت لنعمان الأنام بسبقه .. في العلم والتقوى مدى الأيام

وتألفت وتظاهرت في مدحه .. فرق الهدى وأئمة الإسلام

أهل الحجاز مع العراق بأسرهم .. مدحوه قبل مديح أهل الشام

بل أهل كل الأرض قد مدحوا .. الرضا مدحًا يجد على بلى الأيام

نادوا بأن أبا حنيفة للتقى .. والعلم صار إمام كل إمام

وصف عبادة أبي حنيفة

روي عن عبادة الإمام أبي حنيفة العجب، فكان يقرأ القرآن الكريم ويجعله ديدنه وأنيسه، فلربما قرأه في ركعة، ولربما قرأه في ليلة، ولربما في ثلاث. يقوم به الليل لله تعالى خائفًا وجلًا، يتخفى بذلك كيلا يراه الناس، ويصوم الأيام الكثيرة، ويحج كل عام منذ حج مع والده حجة الإسلام، ويتصدق كل يوم بصدقة.

مؤلفات أبي حنيفة

لم يكن عصر أبي حنيفة عصر تأليف وتدوين بالمعنى الذي عُرف فيما بعد. وكان الإمام هو أول من دون العلوم الدينية، وأتقنها بقواطع البراهين اليقينية. ولقد نسب أن الأمام ألف: الفقه الأكبر والفقه الأوسط، وكتاب العالم والمتعلم، وكتاب الرسالة إلى مقاتل بن سليمان صاحب التفسير، وكتاب الرسالة إلى عثمان البتي فقيه البصرة، وكتاب الوصية وهي وصايا عدة لأصحابه -رحمهم الله تعالى-.

وقد دوّن الإمام أبو حنيفة الفقه؛ فجعله أبوابًا مبوبة وكتبًا مرتبة، فبدأ بالطهارة ثم بالصلاة ثم سائر العبارات، وإنما ابتدأ بالطهارة ثم الصلاة لأن المكلف بعد صحة الاعتقاد أول ما يخاطب يخاطب بالصلاة؛ لأنها أخص العبادات وأعم وجوبًا. وأخّر المعاملات لأن الأصل براءة الذمة منها. وختمه بالوصايا والمواريث لأنها آخر أحوال الإنسان. ثم جاء الأئمة من بعده، فاقتبسوا من علمه، واقتدوا به، وفرعوا كتبهم على كتبه.

وقد ورد في فقه أهل العراق وحديثهم، أن الامام كان يملي مسائل الفقه وكان أبو يوسف يكتبها. وقد بلغت تلك المسائل المدونة على قولٍ خمسمائة ألف مسألة، وقال الأمام الكوثري: وأقل ما يقال في مسائله إنها تبلغ ثمانين ألفًا.

انتشار مذهب الإمام

كان الإمام -رحمه الله تعالى- صادقًا مع الله -تعالى- في أخذ العلم وبذله، مُخلِصًا لله -تعالى- في تبليغ الفقه والعلم إلى الناس في كل مكان. فقد كان يقصده من طلاب العلم والفقه من كل حدب وصوب؛ ليغترفوا من علمه وفقهه، ثم يعودوا إلى بلادهم يعلمون الناس ويفقهونهم. وما هي إلا القليل من الوقت حتى انتشر مذهب الإمام كالضياء المشرق من الكوفة إلى سائر العراق وفارس، والافغان وباكستان، والهند والصين، واليابان وتركستان، والشام ومصر والمغرب، والأندلس وأوروبا كلها من شمالها إلى جنوبها، من القوقاز والقرم وبولندا ورومانيا وبلغاريا والنمسا وتركيا واليونان، ويوغوسلافيا وألبانيا، حتى بلغ نسبة عدد المسلمين الذين يتعبدون لله -تعالى- على مذهبه شطر عدد المسلمين. وقد أصبح مذهب الحنفي مذهب الخلافة العباسية من أيام هارون الرشيد، وكان مذهب آل الليث والسلاجقة والدولة الغزنوية، ومن ثم مذهب الدولة العثمانية.

قصص من حياة الأمام

أبو حنيفة

عندما تولى عمر بن هبيرة ولاية الكوفة في العصر الأموي، ظهرت الفتن بالعراق، فجُمع فقهاء العراق عند عمر بن هبيرة، وفيهم ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود بن أبي هند، فولى كل واحد منهم صدرًا من عمله، وأرسل إلى أبي حنيفة فأراد أن يجعل الخاتم في يده، ولا ينفذ كتاب إلا من تحت يد أبي حنيفة، ولا يخرج من بيت المال شيء إلا من تحت يد أبي حنيفة. فامتنع أبو حنيفة، فحلف ابن هبيرة إن لم يقبل أن يضربه. فقال له هؤلاء الفقهاء: إنا ننشدك الله أن تهلك نفسك، فإنا إخوانك، وكلنا كارهٌ لهذا الأمر، ولم نجد بُدًّا من ذلك، فقال أبو حنيفة: لو أرادني أن أعد له أبواب مسجد واسط لم أدخل في ذلك، فكيف وهو يريد مني أن يكتب دم رجل يضرب عنقه، وأختم أنا على ذلك الكتاب؟ فوالله لا أدخل في ذلك أبدًا.

فقال ابن أبي ليلى: دعوا صاحبكم، فهو المصيب وغيره المخطئ، فحبسه صاحب الشرطة وضربه أيامًا متتالية. فقال ابن هبيرة: قل له: تخرجنا من يمننا؟ فسأله، فقال: لو سألوني أن أعد له أبواب المسجد ما فعلت، ثم اجتمع الضارب مع ابن هبيرة، فقال: ألا ناصح لهذا المحبوس؟ أن يستأجلني فأؤجله، فأخبر أبو حنيفة بذلك، فقال: دعوني أستشر إخواني وأنظر في ذلك، فأمر ابن هبيرة بتخلية سبيله، فركب دابته وهرب إلى مكة، وكان هذا سنة مائة وثلاثين، وأقام بمكة حتى صارت الخلافة العباسية، فقدم أبو حنيفة في زمن أبي جعفر المنصور.

وكان الإمام -رحمه الله- ينتقد قضاة الكوفة إذا خالفوا رأيه، ويصرح بخطئهم في أوقات صدورها، فقد روى الخطيب في تاريخه بسنده أن أبا العباس الطوسي كان سيء الرأي في أبي حنيفة وكان أبو حنيفة يعرف ذلك. ودخل أبو حنيفة على أبي جعفر، فقال الطوسي اليوم أقتل أبا حنيفة، فأقبل عليه فقال: يا أبا حنيفة، إن أمير المؤمنين يأمر الرجل منا بضرب عنق الرجل لا يدري ما هو، أيسعه أن يضرب عنقه؟ فقال: يا أبا العباس، هل يأمر أمير المؤمنين بالحق أم بالباطل؟ قال: بالحق، قال: أنفذ الحق حيث كان ولا تسل عنه. ثم قال أبو حنيفة لمن قرب منه: إن هذا أراد أن يوثقني، فربطته.(4)

وقد همَّ أبو جعفر المنصور ليعرض القضاء على أبي حنيفة -رحمه الله تعالى-، فيجعلها مكيدة على أبي حنيفة، فإن قَبل أبو حنيفة القضاء كان ذلك إعلانًا لولائه للدولة، وضمانًا لطاعة جماعة كريمة من العلماء لسلطان الخلافة، وإن رفض كان ذلك ذريعة إلى التخلص منه.

أن أهل الموصل كانوا قد نقضوا عهدًا لهم على المنصور، وقد اشترط المنصور عليهم أنهم إن انتقضوا -نقضوا عهدهم بالخروج عليه- تحل دماؤهم. فجمع أبو جعفر المنصور الفقهاء وفيهم أبو حنيفة، فقال: أليس صح أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: “المؤمنون عند شروطهم”، وأهل الموصل قد شرطوا ألا يخرجوا عليّ، وقد خرجوا على عاملي، وقد حلت لي دماؤهم. فقال رجل: يدك مبسوطة عليهم، وذلك مقبول فيهم، فإن عفوت فأنت أهل العفو، وإن عاقبت فبما يستحقون.

فقال لأبي حنيفة: ما تقول يا شيخ، ألسنا في خلافة نبوة وبين أمان؟ قال: إنهم شرطوا لك ما لا يملكونه، وشرطت عليهم ما ليس لك؛ لأن دم المسلم لا يحل إلا بأحد ثلاث، فإن أخذتهم أخذت بما لا يحل، وشرط الله أحق أن توفي به. فأمرهم المنصور بالقيام، فتفرقوا، ثم دعاه وقال: يا شيخ، القول ما قلت، انصرف إلى بلادك ولا تفتِ الناس بما هو شَيْن على إمامك فتبسط أيدي الخوارج.(5)

قال الشيخ المحقق محمد أبو زهرة -رحمه الله تعالى-:

دعا أبو جعفر أبا حنيفة ليتولى القضاء فامتنع. فطلب إليه أن يرجع إليه القضاة فيما يشكل عليهم ليفتيهم، فامتنع، فأنزل به العذاب بالضرب والحبس، أو الحبس وحده على اختلاف الروايات.

وفاة أبي حنيفة

وأما كيف توفي الإمام فقد ذُكرت الكثير من الروايات، منها ما قال فيه الشيخ أبو زهرة (نحن نميل إلى هذه الرواية)(6)، أنه بعد أن حُبس وضيق عليه مدة، كلم المنصور بعض خواصه، فأخرج من السجن، ومنع من الفتوى والجلوس للناس، والخروج من المنزل؛ فكانت تلك حالته إلى أن توفي.(7)

غسل الحسن بن عمارة أبا حنيفة، فقال: “كنت أصب الماء عليه، فرأيت جسمه جسمًا نحيفًا قد أذابه من العبادة والجهد، فلما فرغ الحسن من غسله مدح أبا حنيفة وذكر بعض خصاله، وتكلم بكلمات أبكى الجميع فقال: “رحمك الله وغفر لك، لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسد يمينك بالليل منذ أربعين سنة، وقد أتعبت من بعدك وفضحت القراء””.

وكان الإمام -رحمه الله تعالى- قد أوصى أن يدفن بأرض الخيزران؛ لأن أرضًا من أراضي بغداد كانت قد غُصبت. فحمل إلى أرض الخيزران وحضر جنازته جمع غفير، قدر بخمسين ألف رجل، وصُلي عليه ست مرات، آخرها صلاة ولده حماد، وجاء المنصور فصلى على قبره، ومكث الناس يصلون على قبره أكثر من عشرين يومًا.

ولما بلغ المنصور أن أبا حنيفة أوصى بأن يدفن في أرض خيزران خارج بغداد، وليس في بغداد؛ خوفًا أن يدفن في الأرض المغصوبة، قال: “من يعذرني منك حيًا وميتًا”.

مات أبو حنيفة في النصف من شوال سنة خمسين ومائة -رحمه الله تعالى-. وكتب الله أن يكتب اسمه ويرسخ علمه في الأمة جيلًا بعد جيل، فتنتفع الأمة بعلمه واجتهاده. رحمه الله وجزاه عنا كل خير.

222

المصادر
الكاتب

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.