الشيخ محمد أبو زهرة عالم دين وباحث ومفكر مصري. يعرف بأنه واحد من أهم وأقوى علماء الشريعة والقانون الذين عاشوا في القرن العشرين. عرف عنه التقوى والورع، وحبه للخير، ووقوفه مع الحق في وجه الباطل، إذ كان لا يخشى فيه لومة لائم، ولا سلطان جائر، ولا يغره منصب ولا مال ولا جاه. ظل حتى آخر يوم في حياته يدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا يترك محتاجًا للعلم أو النصح إلا وأخذ بيده حتى النهاية.

نسب الشيخ محمد أبو زهرة

الشيخ محمد أبو زهرة، هو محمد أحمد مصطفى أبو زهرة، الشهير باسم أبو زهرة. تعود أصوله إلى مدينة مصرية تعرف باسم المحلة الكبرى، وهي إحدى المدن التابعة لمحافظة الغربية. ولد لعائلة متوسطة الحال تشتهر بالتدين والالتزام، يعود نسبها إلى الشيخ مصطفى أبو زهرة الذي اشتهر باسم الششتاوي، وهو ابن الشيخ أحمد أبو زهرة، رجل الدين الذي اشتهر بالصلاح وحسن الخلق والالتزام.

أما والدته فكانت من حفظة القرآن الكريم، وهي من ساعدت ولدها على حفظ القرآن، فكانت تراجع له ما يحفظه في الكتاب كل يوم. فحفظ القرآن بينما كان لا يتجاوز التاسعة من العمر. وقد كان الشيخ محمد سريع البديهة قوي الذاكرة ذكيًا مثل أسرته، فشقيقه الأستاذ الدكتور مصطفى أحمد أبو زهرة هو من أنشأ قسم هندسة الطيران بكلية الهندسة في جامعة القاهرة (جامعة فؤاد الأول سابقًا) وترأسه، كما أنه كان أستاذًا في كلية الهندسة بجامعة لندن الإنجليزية.

ميلاده ونشأته

 محمد أبو زهرة

ولد الشيخ محمد أبو زهرة في التاسع والعشرين من مارس عام 1898م، الموافق السادس من ذي القعدة لعام 1315هـ. وألحقته أسرته التي كانت تحب العلم والدين بأحد الكتاتيب لكي يتعلم القراءة والكتابة ويحفظ القرآن الكريم. وبعد أن حفظ الطفل كتاب الله وتعلم مبادئ القراءة والكتابة التحق بالجامع الأحمدي في طنطا، والذي كان يشتهر بأنه ساحة تقام فيها حلقات العلم ويحضرها كبار العلماء، لذا كان يعرف باسم “الأزهر الثاني”. 

وظل يدرس فيه على مدار ثلاث سنوات، انتقل بعدها إلى مدرسة القضاء الشرعي عام 1916م -وهي المدرسة التي أنشأها محمد عاطف بركات باشا، الذي كان واحدًا من كبار التربويين والمربين المؤثرين في مجال التعليم بمصر في العصر الحديث-؛ حيث تمكن أبو زهرة من اجتياز اختبار القبول الصعب والدقيق الخاص بها. وكان أول متقدم إليه بالرغم من حداثة سنه، وظل في هذه المدرسة لمدة 8 سنوات يدرس بكل جد وشغف حتى تخرج منها عام 1924م، وحصل على عالمية القضاء الشرعي، ليتجه بعدها لدار العلوم ويحصل على المعادلة الخاصة بها عام 1927م.

حياته العملية

بعد التخرج عمل الشيخ محمد أبو زهرة في مجال التعليم، إذ إنه درس اللغة العربية في المدارس الثانوية. وبحلول عام 1933م تم اختياره للتدريس بكلية أصول الدين، حيث كان يدرس فيها مادة “الخطابة والجدل”، وعُرف بمحاضراته الرنانة والمميزة، ثم ألف كتابًا في الخطابة كان الأول من نوعه على الإطلاق، فذاع صيته واشتهر ببراعته رغم صغر سنه.

وهذا ما جعل كلية الحقوق تختاره لتدريس مادة الخطابة فيها، ولما أثبت جدارته جعلته الكلية يدرس مادة الشريعة الإسلامية كذلك. وهناك كون صداقات مع مجموعة من أهم العلماء، على رأسهم: أحمد إبراهيم، علي قراعة، فرج السنهوري وأحمد أبي الفتح. وبمرور الوقت أثبت أبو زهرة جديته وبراعته، وتدرج في المناصب حتى أصبح رئيسًا لقسم الشريعة، وظل في المنصب حتى تقاعد منه عام 1958م. ثم اختير عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية عام 1962م بعد أن صدر قانون تطوير الأزهر. وشارك في تأسيس معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة، وكان يلقي فيه المحاضرات المجانية عن الشريعة الإسلامية.

صفاته وعلمه ومبادئه

كان الشيخ محمد أبو زهرة أبيض الوجه، ذا صوت عال لا سيما في قول الحق، شديد الذكاء، راجح العقل، حر الإرادة. يتمتع بقدر كبير من الإيمان والوقار والجدية مع حس الدعابة. وكان رجل ذا مبادئ يكافح من أجلها ويموت في سبيلها، كما كان ينادي بأهمية تطبيق الشريعة الإسلامية، وضرورة اختيار سلطان صالح بطريقة عادلة، كما أنه حارب قضية الربا بكل قوته، وأكد أنها نظرية فاسدة وأن العالم لا يحتاج إليها حقًا.

مؤلفاته

للشيخ محمد أبو زهرة العديد من المؤلفات التي تطرق فيها للحديث عن العديد من المواضيع، مثل الملكية، نظرية العقد، الوصية وقوانينها، التركات، الأحوال الشخصية، الوقف وأحكامه. كما قام بتفصيل جهود 8 من كبار أئمة الإسلام في الفقه وهم: الإمام مالك، أبو حنيفة، الشافعي، أحمد بن حنبل، ابن حزم، ابن تيمية، جعفر الصادق وزيد بن علي. هذا بجانب مؤلفاته في التفسير والسيرة، لا سيما كتاب المعجزة الكبرى الذي تناول فيه قصص نزول القرآن الكريم وطريقة جمعه وتدوينه وقراءته ورسم حروفه وترجمته للغات الأجنبية. وقد ألف الشيخ أبو زهرة طوال حياته أكثر من 30 كتاب، على رأسها:

  • كتاب خاتم النبيين في ثلاث مجلدات.
  • كتاب المعجزة الكبرى في القرآن الكريم.
  • كتاب تاريخ المذاهب الإسلامية في جزأين.
  • كتاب العقوبة في الفقه الإسلامي.
  • كتاب الجريمة في الفقه الإسلامي.
  • كتاب أبو حنيفة (حياته وعصره – آراؤه وفقهه).
  • كتاب الإمام مالك (حياته وعصره – آراؤه وفقهه).
  • كتاب أحكام التركات والمواريث.
  • كتاب الدعوة إلى الإسلام.
  • كتاب مقارنات الأديان.
  • كتاب الولاية على النفس.
  • كتاب الملكية ونظرية العقد.
  • كتاب الخطابة (أصولها – تاريخها في أزهى عصورها عند العرب).
  • كتاب العلاقات الدولية في الإسلام.
  • كتاب الميراث عند الجعفریة.
  • كتاب زهرة التفاسير.

الانتقادات التي وجهت للشيخ محمد أبو زهرة

كانت هناك بعض المآخذ على الشيخ محمد أبو زهرة. فعلى الرغم من أنه كان واحدًا من كبار العلماء لا سيما في الفقه وأصوله؛ إلا أنهم قالوا عنه إنه اشتهر ببغضه للسلفيين، حيث وضع الوهابية في كتاب له تحت عنوان “تاريخ المذاهب الإسلامية” بين البهائية والقاديانية، وقال عنهم إنهم في بداية ظهورهم حرموا شرب القهوة، ثم تراجعوا عن الأمر. إلا أنه في حقيقة الأمر قد أورد الوهابية بجانب المذهبين المذكورين لأنه كان يتناول المذاهب الحديثة، ولم يكن يتعمد على الإطلاق إقران الوهابية بالقاديانية أو البهائية.

وقد قال في الكتاب نفسه عن الوهابية: “وقد اتسمت العصور التي جمد فيها العقل بتقديس آراء الأئمة كما أشرنا. وكان من مظاهر ذلك التقديس تقديس الصالحين في حياتهم وبعد مماتهم، وزيارة أضرحتهم، والطواف حولها بما يشبه الطواف حول البيت الحرام. وكان من أثر ذلك أن قامت طائفة تحارب هذا، وتشدد في محاربته”. كما أنه اختلف معهم في عدد من الفروع والنقاط.

كما أن الشيخ أبو زهرة كان معتدلًا في نقده للآخرين حتى وإن خالفهم، حيث يقول في مقدمة كتابه عن ابن تيمية: “وعندما اتجهت ذلك الاتجاه، برز إلى الخاطر إمام شغل عصره بفكره ورأيه ومسلكه؛ فدوَّى صوته بآرائه في مجتمعه، فتقبَّلتها عقول واستساغتها، وضاقت عنها وردَّتها. وانبرى لمُنازلته المخالفون، وشدَّ أزره الموافقون. وهو في الجمعين يصول ويجول، ويجادل ويناضل. والعامة من وراء الفريقين قد سيطر عليهم الإعجاب بشخصه وبيانه، وقوة جنانه وحدَّة لسانه”.

وفاة الشيخ محمد أبو زهرة

توفي الشيخ محمد أبو زهرة في مغرب يوم الجمعة الموافق الثاني عشر من شهر أبريل عام 1974م، بينما كان يهبط الدرج ظهرًا ليلقي خطبة في مؤتمر شعبي أقامه أمام منزله بضاحية الزيتون، لمناقشة العديد من أمور الدين، حيث تعثر الشيخ وسقط أثناء نزوله، وكان يحمل في يده مصحفه وأوراق تفسير سورة النمل التي كان قد بدأ فيها. وبعد عدة ساعات انتقلت روحه إلى بارئها، تاركًا إرثًا عظيمًا وذكرى طيبة لا تنسى.

84

المصادر
الكاتب

سارة سعد

كاتبة محتوى حصري منذ 2016م. حاصلة على ليسانس الآداب، دبلومة التربية ودورة في اللغة العربية. أقوم بتحضير الماجستير في الفلسفة أحب القراءة، السفر، وألعاب التفكير.

التعليقات

  • محمد المصري منذ أسبوع واحد

    جزاكم الله خيرا وبارك الله بكم على هذا المقال

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.