إنها صورة مقلقة وتستفز المشاعر بطرق مختلفة، وبخاصة أن لديّ حفيد بعمر الطفل السوري هذا ما أفكر به.

هكذا عبر جون كيري وزير الخارجية الأميركي عن مشاعره تجاه الصورة الشهيرة للطفل “إيلان شنو” في مقابلة صحفية مع موقع “هافينغتون بوست”.

جون كيري رجل الدبلوماسية الأميركية الأول في حديثه مع (موقع هافينغتون بوست) وصف أزمة اللاجئين السوريين بالفاجعة الاستراتيجية للمنطقة وللعالم، ولم ينس أن يذكر أن الولايات المتحدة تعد أكبر المتبرعين لدعم اللاجئين وأنها تود عودة اللاجئين إلى أوطانهم مرة أخرى.؟!

وقفت حقيقة متعجبًا أمام هذه الكلمات العاطفية والمسكنات الدبلوماسية التي ينثرها كيري والغرب عمومًا بخصوص الأزمة الإنسانية للاجئين السوريين تحديدًا والتي قفزت فجأة واحتلت صدارة الإعلام الدولي عبر الصورة الأشهر للطفل الغريق (إيلان شنو) من أكراد سوريا.

الإعلام الغربي

إيلان شنو

AFP/Getty Images

الأسوشايتد برس واليونايتد برس ووكالة الأنباء الفرنسية ورويترز هؤلاء تقريبًا هم الذين يقودون الإعلام العالمي ومن ثم ينقاد الآخرون لما يصدرونه من معلومات وانطباعات ليس هذا بالأمر الجديد لكنه مستمر منذ عقود ويمثل أحد أدوات الهيمنة الغربية الأميركية على العالم.

الاهتمام اللا مسبوق للإعلام الغربي بقضية المهاجرين (خاصة السوريين منهم) والتركيز على صورة الطفل (إيلان شنو) سحبت أنظار العالم أجمع تجاه البعد الإنساني لقضية المهاجرين وركزت عليه بشدة وأبرزت تصريحات الساسة الغربيين في هذا الصدد وغيبت الحقيقة التي يجب أن يعلمها العالم.

وبحكم أن الأعلام الغربي بشقيه الأميركي والأوروبي هو المتحكم في مصادر المعلومات والبث الإلكتروني والفضائي وغيره من المصادر نجده بين وقت وآخر يركز على قضايا بعينها لا يخلو التركيز عليها من المآرب المتعددة ليصنع الصورة الذهنية التي تُخدم على توجهات الغرب ومصالحه أولًا وأخيرًا وتبقى الشعوب المغلوبة على أمرها مغيبة عن الحقيقة وأسيرة الأفكار والانطباعات التي يرغب ساسة الغرب ونخبته أن يصدروها لاستمرار الهيمنة على المنظومة الدولية.

رعاية غربية أمريكية

لعل أهم نقطة يجب أن نضع أيدينا عليها -في قضية المهاجرين السوريين وغيرهم ممن اضطروا إلى الهجرة عن أوطانهم وغامروا بأرواحهم وأرواح أبنائهم للوصول إلى أوروبا التي تهيمن على خيرات العالم- هي أن ما يحدث في مناطق الصراعات في العالم وما يحدث من انتهاكات للشعوب العربية والإسلامية كل ذلك يتم تحت رعاية غربية أمريكية مباشرة أو غير مباشرة.

فالأسلحة التي تفتك بالشعوب وتمكن المستبدين والطغاة من رقاب شعوبهم هي من إنتاج المصانع الغربية والأميركية التي لن تجد مجالًا لتصريف منتجاتها من أسلحة الدمار في ظل السلام والاستقرار لذلك تسعى أميركا والغرب لتأجيج الصراعات دومًا هنا وهناك حتى تعمل آلة الصناعة الحربية وتمتلأ الخزائن الغربية والأميركية من دماء الشعوب ويظل الغرب مصدر القوة في المنظومة العالمية ويهيمن على خيرات الأمم والشعوب لا سيما العربية والإسلامية.

جون كيري الذي بدا متأثرًا بصورة الطفل السوري ويصف أزمة اللاجئين بالفاجعة الاستراتيجية وكذلك قادة الغرب اللذين يمنون باستضافتهم للمهاجرين في أوروبا (القارة العجوز) تناسوا أنهم من يدعمون بشار ونظامه الدموي مباشرة أو من وراء ستار ولم يهتز لأحدهم طرف للأطفال اللذين مزقت أجسادهم براميل البارود وجعلتها أشلاءً متفحمة متناثرة.

إذا كانت إنسانية الغرب وأميركا قد توجعت إلى هذا الحد من أزمة اللاجئين السوريين وصورة (إيلان شنو) فأين هي تلك الإنسانية مما يحدث في أرجاء العالم من فظائع يندى لها جبين الإنسانية فلم نسمع لهم صوتًا فيما يحدث من إبادة للمسلمين في أفريقيا الوسطى ولم يكلف أحدهم نفسه للتنديد بما يحدث من إبادة جماعية لمسلمي بورما.

بل إذا رجعنا لعقود قريبة سنجد الغرب وأميركا تركوا المجال مفتوحًا لجزاري صربيا ليفتكوا بمسلمي البوسنة والهرسك في أبشع جرائم عرفتها الإنسانية في النصف الثاني من القرن العشرين.

إذا كان السيد جون كيري قد آلمته صورة المهاجرين الغرقى وإذا كانت المستشارة الألمانية تمن على المهاجرين استضافتهم في بلادها وإذا كان القادة الغربيون يتخوفون من موجات الهجرة النازحة إلى بلادهم فإنهم بدون شك يدلسون على العالم بما يصدرونه.

في تقرير من 97 صفحة صادر في مارس 2015 أصدرته منظمة أطباء من أجل المسؤولية الاجتماعية (prs) ذكرت خلاصة التقرير أن التدخلات الغربية في العراق وأفغانستان منذ تسعينات القرن العشرين تسببت في وفيات نتيجة القتل المباشر وتأثير الحرب على المدى الطويل تقدر بحوالي 4 ملايين قتيل منهم 2 مليون في العراق في الفترة بين 1991- 2003 إضافة إلى 2 مليون من الحرب على الإرهاب وذكر التقرير أن العدد يمكن أن يكون مرتفعًا نحو 6 ملايين إلى 8 ملايين إذا تم اعتماد الوفيات التي تم تجنيبها في أفغانستان.

ثمانية ملايين مسلم قتلتهم أميركا والغرب في ثلاث عقود فقط عبر التدخل فما بالك بمن قُتلوا عبر دعم النظم المستبدة ومبيعات السلاح وتأجيج الحروب كما فعلت أميركا مع العراق وإيران في عهد صدام.

إن أكثر الدول مبيعًا للسلاح المدمر هي تلك الدول التي يتشدق ساستها بالديمقراطية وحقوق الإنسان، أميركا تحتل المركز الأول عالميًا في مبيعات السلاح تليها روسيا التي تنوب عن الغرب وأميركا في دعم بشار وتأتى ألمانيا في المركز الرابع وفرنسا في المركز الخامس.

إن هؤلاء جميعًا لم تزعجهم صور أطفال غزة الرضع اللذين قتلوا وتفحموا بيد ذراع الغرب الصهيوني في المنطقة ولم يزعجهم وفيات الأطفال العراقيين تحت سن الخامسة الذين بلغوا ما يزيد على السبعمائة ألف طفل مع بداية الاحتلال للعراق بينما توفي ما يقارب المليون ومئتا ألف طفل دون سن الخامسة خلال سنوات الحصار على العراق ما بين أعوام 1990- 2003.

وبحسب التقرير الذي نشره موقع “ألترنت” الأمريكي المعارض للحرب الأمريكية على العراق في الأول من فبراير 2009 فإن حرب بوش على العراق أسفرت عن مقتل حوالي مليون نسمة، وتشريد ما يقارب الأربعة ونصف مليون، وخلفت نحو اثنين مليون أرملة، وخمسة ملايين يتيم؟!

ختامًا

إن الغرب والأمريكان في قضية المهاجرين السوريين وغيرها يحاول أن يلعب دور الرجل الطيب بينما هو الرجل الشرير بعينه، إن الإعلام الغربي يحاول أن يسحب الانتباه إلى جانب التعاطف الإنساني مع اللاجئين وحصر القضية في البحث عن ملاذ آمن ليغطي على الحقيقة التي تستوجب إدانة المتسببين في هذه الفاجعة الاستراتيجية بحسب تعبير جون كيري ليتركز الاهتمام في التعاطف مع الضحية دون الاقتراب من إدانة الجاني ومن يقف وراءه ويدعمه ويغطى على جرائمه.

الكاتب: محمد الشبراوي

609

الكاتب

ضيوف تبيان

يمكن للكتّاب والمدونين الضيوف إرسال مقالاتهم إلى موقع تبيان ليتم نشرها باسمهم في حال موافقة شروط النشر، راسلنا على البريد: tahrir@tipyan.com

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.