المطلع على حال العراق اليوم يلحظ تخلفًا ضاربًا أطنابه في شتى القطاعات، فمن تخلف في القطاعات الرئيسية كالقطاع الزراعي والصناعي إلى تدمير في البنية التحتية نتيجة للحرب، هذا بالإضافة إلى معدلات عالية من البطالة مع تفاوت كبير في توزيع الثروات بين الأفراد وبين الأقاليم، وانتشار الفقر بين أفراد المجتمع مع تردي الحالة المعيشية للسكان.

هذا رغمًا عن الإمكانيات الاقتصادية الهائلة التي يمتلكها العراق، فقد حبى الله العراق بمزايا جعلته ينفرد عن سائر الدول العربية اقتصاديًا، فهو يجمع بين وفرة المياه ومساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة، مع قلة نسبية في عدد السكان، إضافة إلى ثروات طبيعية هائلة أهمها النفط، ويمثل 95% من اقتصاد العراق، هذا بالإضافة إلى الثروة البشرية من عدد كبير من الرجال والنساء المتعلمين.

كل ذلك والبلد ما زال يعاني تدهورًا اقتصاديًا كبيرًا ويستشري الفقر بين أفراده متزايدًا حدة وانتشارًا، فأين يكمن الخلل؟ كيف تم توزيع تركة الفقر على الناس والتي توارثوها جيلًا بعد جيل؟ كيف أصبح من المقبول أن تجوع الشعوب رغم ثراء أوطانها؟ كيف نجمع بين غنى البلاد وفقر السكان، بين التناقض الصارخ في وفرة الثروات الطبيعية وضآلة المنجزات؟

يقال أن رأس المال والقوة العاملة هما أساس تحقيق التنمية إلى حد كبير في بلد ما، وسائر العوامل الأخرى الخارجة عن الاقتصاد تلقى في سلة المهملات، أما في العراق فمن المفارقات أن هذه المهملات هي التي تستطيع أن تفسر تعثر التنمية في العراق، تستطيع أن تفسر لنا ما أُبتلي به العراق من تناقض، بين الموارد الوفيرة والنتائج الهزيلة، فهذه المتغيرات الخارجية التي رافقت العقود الماضية للعراق هي التي بلورت الشكل الحالي للاقتصاد.

كان الاقتصاد العراقي أحد أهم الاقتصادات العربية في عقد السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، تجاوزت عوائده النفطية آنذاك (8) مليارات دولار سنويًا، تدعمه في ذلك توفر الموارد البشرية الكبيرة، والقوى العاملة المؤهلة والمدربة تدريبًا جيدًا، إضافة الى التنوع النسبي في قاعدة الإنتاج ولا سيما الإنتاج الزراعي، مما أدى لبلوغ الناتج الإجمالي المحلي للعراق عام 1980 الى 40 مليار دولار تقريبًا، وحيث أن عدد السكان في العراق آنذاك كان بحدود 13.25 مليون نسمة حسب الإحصائيات، نجد ان متوسط دخل الفرد سنويًا يتجاوز 3000 دولار تقريبًا، وهو ما يؤكد أن العراق كان في مقدمة الاقتصادات العربية.

أما الوضع المالي الخارجي للاقتصاد العراقي فكان أكثر من جيد، إذ قُدرت الموجودات الخارجية للبنك المركزي العراقي في ذلك الوقت بنحو 36 مليار دولار.

وتشير الأرقام إلى أنه لو تسنى لاقتصاد العراق النمو بشكل طبيعي فالسنوات العشرين الأخيرة من خلال استثمار الإمكانات الهائلة من الموارد المالية والمادية والبشرية، لكان الناتج الإجمالي المحلي للعراق قد وصل اليوم الى أكثر من 400 مليار دولار، ولكان متوسط دخل الفرد بحدود 15 ألف دولار سنويًا، اي ما يضاهي متوسط دخل الفرد في جميع دول مجلس التعاون في الوقت الحالي.

الآن نتساءل: ما هي عوامل هذا الانهيار الذي أدى إلى عشرة ملايين جائع في بلد من أغنى دول العالم؟ لنستعرض معًا هذا التحول المأساوي في العراق من بلد كان على أهبة الانطلاق في منحى النمو المستديم والدخول ضمن مجموعة الدول ذات الدخل المتوسط إلى بلد ذا اقتصاد مهدم وفقير:

حرب الخليج الأولى

صورة-صدام-في-ميدان-المعركة-في-الحرب-العراقية-الايرانية

أو الحرب العراقية-الإيرانية، وتعرف أيضًا بقادسية صدام، بدأت عام 1980 واستمرت طيلة ثمان سنوات لتكون أطول نزاع عسكري في القرن العشرين، وأول منزلق لاقتصاد العراق.

قرب قيام الحرب كانت صادرات النفط من العراق تبلغ 3.3 مليون برميل يوميًا في المتوسط خلال سنتي 1979 و1980 وبلغت إيراداته آنذاك (26.4) مليار دولار، إلا أن هذا انخفض كثيرًا خلال سنوات الحرب بسبب صعوبة تصدير النفط من الموانئ البحرية على الخليج العربي، حيث أنها كانت عرضة للاستهداف من قبل الطيران الإيراني وانخفضت إيراداته إلى (11) مليار دولار عام 1988، ووفقًا للإحصاءات الصادرة عن الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، قُدرت خسائر الحرب بـ (450) مليار دولار.

وخرج العراق بمديونية كبيرة إثر هذه الحرب بينما تحتم على العراق بدء فترة ما بعد الحرب بالفقر والعازة، مستقبل عهده الجديد بمنشآت تصدير نفطية إما مدمرة أو مغلقة أو محاصرة في المعظم، وصناعته الأساسية والثقيلة مخربة أو تستلزم الصيانة، والبنية التحتية متضررة بكثافة، كما إن شريحة واسعة من قوة العمل ما زالت تحت الإدارة العسكرية.

ونموه الصناعي أصبح مترهلًا، قطاع الزراعة راكدًا والعمالة الزراعية إما سُحبت للقوات المسلحة أو هاجرت إلى مراكز المدن، كما تزايد الاعتماد على استخدام المواد الغذائية، وتوقفت فعليًا عملية التخطيط، ولم يعد بالإمكان السيطرة على معدلات التضخم كما تعمقت تبعية الاقتصاد الوطني لقطاع النفط، إضافة إلى خدمة الدين العام الخارجي الذي أصبح عبئًا على البلد، ولمواجهة هذه القائمة الرهيبة من الصعوبات تصاعدت الحاجة لاعتماد اقتصاد البلد بأكمله على قطاع النفط.

غزو الكويت

54ece571c4

لم يكد يلملم العراق شعثه ويضمد جراحاته من حرب الخليج الأولى، حتى سعى نظام صدام لارتكاب الخطيئة الاستراتيجية بغزو الكويت في 2 أغسطس 1990.

كان لنظام صدام في العراق توجهًا عسكريًا واضحًا، فعلى الرغم من كمّ الخسائر الفادحة التي نجمت عن الحرب مع إيران وإضرارها بالبنية التحتية ومجال الزراعة والصناعة إضافة إلى الديون الخارجية التي ترزح تحت وطئتها البلد، إلا أن النظام العراقي لم يغير أو يخفف من إصراره على الاستمرار في الاستثمارات العسكرية، كما إن شحة الموارد المالية لم تقنع الحكومة بالإبطاء في مثل هذه الاستثمارات، وتوجهت نسبة كبيرة من الموارد المالية بالعملات الأجنبية الصعبة للصناعات العسكرية، على الجانب الآخر عانى الاقتصاد المدني والتنمية من إهمال الحكومة، فسادت البلاد مظاهر الفساد والرشوة، والمعاملات غير القانونية.

تأزم الاقتصاد العراقي وأخفق النظام في تحسين المستوى المعاشي للسكان بعد الحرب، وبدت موارد الكويت الاقتصادية من النفط وحجمها ومحدودية قدراتها الدفاعية أو انكشافها العسكري، من وجهة نظر النظام، هدفًا سهلًا وحلًا مناسبًا لمشكلاته الاقتصادية، تبددت هذه الأوهام الاقتصادية وتحولت إلى رماد عندما أخذ -على عاتقه- عدد من بلدان العالم بقيادة الولايات المتحدة إبطال ما قام به النظام، ففي يوم الاجتياح قررت الولايات المتحدة، وبريطانيا وفرنسا تجميد الأرصدة العراقية والكويتية.

كما قام الاتحاد السوفيتي بإيقاف امداداته العسكرية للعراق، واجتمع مجلس الأمن الدولي وأصدر قراره رقم (660) يشجب العدوان، مطالبًا العراق بسحب قواتها من الكويت، كما أصدر قرارًا آخرًا في 29 نوفمبر محددًا تاريخ 15 يناير من سنة 1991 موعدًا نهائيًا للعراق لسحب قواتها من الكويت، بمجرد انتهاء المهلة الممنوحة وفي 16 يناير، شنت طائرات قوات الائتلاف والمكون من 34 دولة أهمها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول الخليج الستة، حملة جوية مكثفة وواسعة النطاق شملت العراق كله من الشمال إلى الجنوب ممطرة اياه بحوالي 109 غارة جوية خلال 43 يوم، مستهدفة ليس فقط الاهداف العسكرية، بل أهدافًا مدنية أيضًا، كالبنية التحتية، محطات توليد الطاقة، شبكات النقل والمواصلات، مشاريع الأسمدة البتروكيمياويات، منشآت البترول، مصانع الحديد والصلب، الجسور، المستشفيات، منشآت التخزين، المصانع، المباني المدنية، إضافة إلى تدمير 96% من مولدات الطاقة الكهربائية لتعيد مستويات إنتاج الكهرباء في العراق لما قبل عام 1920، باختصار، لقد دُمرت مقومات حياة مجتمع متحضر كان يتمتع بدرجات عالية من استخدام التكنولوجيا الحديثة.

وقدرت خسائر الغزو العراقي للكويت بحوالي 230 مليار دولار بحسب احصائيات الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، كما فُرضت عليها تعويضات مستحقة للكويت بقيمة 100 مليار دولار.

الحصار الاقتصادي

العراق

ردًا على العدوان العراقي على الكويت، أتخذ مجلس الأمن قرارًا جديدًا رقم (661) بتاريخ (6 أغسطس 1990)، فرض بموجبه عقوبات اقتصادية على العراق للتضييق عليه وارغامه على سحب قواته من الكويت.

لكن قبل أن تصل الأمور إلى هذه المرحلة، قادت أميركا قوات التحالف، وأخرجت القوات العراقية من الكويت. بينما ظلت العقوبات نافذة بذريعة التأكد من خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل، وتطبيقه قرارات مجلس الأمن حتى استمر الحصار لمدة 13 سنة، أي حتى الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003.

قضت البنود الأصلية للحظر بتحريم كل أنواع المعاملات التجارية مع العراق وتجميد أمواله في الخارج، ونظريًا اُستثني الغذاء والمواد الطبية؛ لكن بدون عوائد التصدير، لم تستطع العراق دفع فاتورة الاستيراد لأنه لم تعد تملك الأموال، لذا أصبح هذا الاستثناء فعليًا لا معنى له.

وأدى الحصار إلى نتائج مخيفة في جميع مجالات الحياة العامة الصحية والبيئية والاجتماعية والتربوية والعلمية والاقتصادية، فقد بلغ حجم التضخم في عام 2003 حدًا كبيرًا إذ قد انهار سعر الصرف غير الرسمي للدينار العراقي بشكل غير مسبوق من 0.31 دينار مقابل الدولار الامريكي الواحد عام 1990 الى 2000 دينار مقابل الدولار الواحد!

وأدى الحصار إلى اعتماد نحو 60 % من السكان على نظام الإعانات الغذائية وتضاعفت نسبة الوفيات بين الاطفال منذ العام 1990 لتصل الى 100 وفاة لكل 1000 طفل. وتوقفت القطاعات الاخرى في العراق أيضًا، فكل قطاع في الاقتصاد العراقي كان يعتمد إلى حد ما على الاستيراد.

إذ أن أصغر مصنع للمنسوجات لم يعد باستطاعته النهوض دون الاحتياج إلى قطع الغيار الأجنبية، والزُراع يحتاجون إلى المضخات المستوردة لتشغيل أنظمة الري، ولم تستطع الحكومة إصلاح شبكات الهاتف والكهرباء والطرق والماء والصرف المتضررة دون استيراد المواد اللازمة لها من الخارج، وفي هذا إشارة إلى مدى فداحة اعتماد بلداننا على الاستهلاك الخارجي، فحصار لمدة ثلاثة عشر عامًا استطاع أن يعيد البلاد إلى عصور ما قبل الطاقة وذلك لأن جلّ اعتماد البلد كان على الاستيراد من الخارج فلم يتوفر لديها الإنتاج المحلي الكافي لسد حاجات سكانها.

ووصل الحصار الاقتصادي بالشعب الى وضعٍ بدأ فيه أبناؤه ببيع ممتلكاتهم المادية وحتى أثاثهم المنزلي الأمر الذي كان أقرب للمجاعة.

برنامج النفط مقابل الغذاء

العراق

اقترحت الأمم المتحدة، وجهات أخرى، تدابير للتخفيف عن الشعب العراقي من خلال بيع كميات محدودة من نفطه؛ وذلك من أجل تلبية احتياجات السكان، وهنا نشأ برنامج النفط مقابل الغذاء والذي بدأ تطبيقه عام 1996، أي بعد ست سنوات من بدأ الحصار. وقد ساهم البرنامج في رفع جزئي لمعاناة المواطن العراقي.

ولكن اكتُشف لاحقًا أن هذا البرنامج عانى كثيرًا من مشاكل الفساد الإداري حيث تورط موظفون كبار من الأمم المتحدة في قضايا رشوات واختلاس كانت نتيجتها وصول جزء بسيط من هذه الأموال إلى المواطن العراقي البسيط.

فقد كان نصيب الفرد العراقي من عائدات النفط العراقي، والبالغة (25) مليار دولار خلال الفترة من 1997- 2002 لم يتجاوز 120 دولارًا في السنة؛ أي (22) سنتًا في اليوم وذلك بسبب الأموال المستقطعة للتعويضات ونفقات الأمم المتحدة إضافة للاختلاس. وكانت الأمم المتحدة تستقطع رسميًا 28% من أموال صادرات النفط العراقية لحساب موظفي الأمم المتحدة والعمليات الإدارية المتعلقة ببرنامج النفط مقابل الغذاء.

وقد أثر برنامج النفط مقابل الغذاء سلبيًا على أوضاع المزارعين عندما تم استيراد المحاصيل والمنتجات الزراعية بأسعار رخيصة تنافس الأسعار الداخلية وهو ما أفقد المزارع العراقي القدرة على المنافسة فضلًا عن النقص الكبير في مستلزمات العملية الزراعية من آلات ومعدات.

2107

الكاتب

آلاء محمود

كن شخصاً إذا أتوا من بعده يقولون مر وهذا الأثر

التعليقات

  • Rawan Shamina منذ 6 سنوات

    مقال رائع جدا جدا جدا،جزاك الله عزوجل كل خير،نحن بانتظار الجزء الثاني،وياحبذا لو تعملي تقارير عن مآسي باقي دولنا المسلمة

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.