لم يَطُف ببال فريديريك نيتشه صاحب فكرة “موت الإله” (1) أن يشهد العالم عَوْدًا قويًا للدِّين وانبعاثًا مُلفتًا للمقدَّس ما بعد فتوحات العقل ومستحدثات العِلم التي شهدتها أوروبا إبَّان حياته، خصوصًا وقد أفرغ الرجل وأقرانه الوسع في ازدراء الدين والترويج لفكرة: أن الكون خاضع في اتساقه وإحكامه إلى النواميس الفيزيائية لا العناية الإلهية. فالدِّين في نظر الفكر العدمي خرافة بُدائية؛ انقضى زمانها؛ وأفل نجمها؛ وفي القادم من الزمان سينمحي أثرها!

والواقع أن الدين في التجلي المسيحي قد تلاشى شيئًا فشيئًا خلف جدران الكنائس والكاتدرائيات؛ واخْتُزلت مبادئه الإيمانية في صور القديسين ومجسمات الأقانيم الثلاثة (الأب – الابن – روح القدس)، ولا عجب أن تتكلَّل بالنجاح مساعي المعتقدات المادية إلى مجافاة الإنسان الغربي لتعاليم الكتاب المقدس اعتقادًا وممارسة؛ بسبب هشاشة قواعده اللاهوتية واضطراب تفسيراته من جهة، ومن جهة ثانية؛ نتيجة المكابدة التاريخية للمسيحيين جرَّاء استبداد وتسلط البابوات والقساوسة باسم المسيح.

ومع ذلك؛ ولئن كان الطابع المهيمن على الغرب هو الانسلاخ عن الدين؛ فوجدان المرء هنالك لم يتحلَّل البتّة من دِثار المقدّس، ولا قدَر على التَّنكر للجوانب الروحية المركوزة في كيانه. بل حتى الفكرة الحداثية نفسها وأقنومها الأوحد والمتمثل في العقل المادي ورغم دعاوى قُدرتها على الانفكاك عن سطوة المُغيَّبات والماورائيات!

فمنطلقاتها الأبستمولوجية بقيت وفيّة لمشاعر التأليه؛ وطقوس التبجيل والتقديس، لكن -للأسف- في تعابير سلبية ومُخادعة، فقد قدّست غير المُقدّس؛ ونزَّهت غير المنزه، وأحلًّت الأيديولوجية المادية محل المعتقدات والقيم الدينية في أشكال انتقاصية وتحقيرية لهذه الأخيرة، مستندة في ذلك كله إلى أساسين؛ أولهما: تقديس منطق التشييء بدل منطق الأنسنة، والثاني: التَّماهي المُطلق مع العلم المادي في تفسير كل شيء.

ورغم هذه الاستعاضة المُتَكَلِّفة، فالأكيد أن أيديولوجية التشييء وحتى الراهن ظلّت عاجزة عن رَتْق الثقوب الروحية والوجودية في كيان الإنسان الغربي. وهذا جلي؛ فبدل أن تستصحب منظومة الفكر الأحادي المنبثق عن الفلسفة المادية معها المعارف والعلوم ذات المَنْزع والعمق الإنساني لإدراكٍ أكثر موضوعية للأنا ثُمَّ للآخر، فإذا بها تَجُر خلفها طائفة من الأطاريح الموغلة في كراهية الهُويات المخالفة، وتلهث بصورة متساوقة مع الرأسمالية المتوحشة في نَكَالِها بالمشاريع الاقتصادية والسياسية… للآخر.

ودون ريب؛ فالغارات العسكرية على الآخر تظل عملًا لا إنسانيًا، لكن غارة العولمة التي تنطلق من قاعدة ما يسمى بـ “الأفكار المادية المقدسة”، تبدو أكثر همجية وعدائية ليس لفكر الغير وثقافته فحسب؛ بل للثقافة الإنسانية برمتها.

إن الاختزال المُتعسِّف للإنسان في بعد واحد دون أبعاده الأخرى؛ ألا وهو البعد البيولوجي، هو صكٌّ بموت الإنسان في الحقيقة، وإعدام لمعناه الوجودي، وفي نفس الآن فسح للمجال أمام هيمنة العدمية، والتي تدور مع تقديس المادة وجودًا وعدمًا، نفيًا وإثباتًا.

فالكراهية التي تطوّق -ولاتزال- المجتمع الغربي، لم تكن لولا هذه السلطة التي يتمتع بها الفكر الفيزيائي -أقصد الفكر المادي- والهيمنة الشديدة لمشاعر النرجسية، وفي المجمل، فجميع المشاعر السَّلبية في الغرب تجاه الثقافات الأخرى ماهي إلا صدى في أبعادها النفسية والإبستمولوجية لأزمة الحضارة الغربية، أزمة الفكر المادي، أزمة الفلسفة العدمية، بل أزمة الحداثة وما بعد الحداثة بشكل عام.

معاناة الأنبياء في المخيال الغربي

المحبة لا تسقط أبدًا، وأما النبوات فستبطل، والألسنة لا ينتهي أمرها، والمعرفة تبطل لأن معرفتنا ناقصة ونبواتنا ناقصة. بولس شاوول(2).

ليس من اليسير التسليم بالخلاصات النقدية التي انتهت إليها المدارس النقدية للكتاب المقدس باتجاهاتها المختلفة (التاريخية، والنصية، والأدبية، والمصدرية) خصوصًا تلك المرتبطة بمبحث النبوة والأنبياء. فعدم القطع بين اليهودية والمسيحية بوصفهما ديانتين وبين نصوص العهد القديم والعهد الجديد باعتبارهما كتابين لهاتين الديانتين، وعدم التمييز بين النصوص الإلهية والبشرية؛ وبين التصرفات المقدسة والعادية، قد أفضى بالدارس الغربي إلى فقدان بوصلة الموضوعية العلمية في دراسة الأديان، بل في أحايين كثيرة كان رد فعله عدم الاعتراف بوجود نبي حقيقي أصلًا، وأن النبوة لا تعدو في الكتاب المقدس نسخة للنبوات الأسطورية المبثوثة في الميتولوجية القديمة لا غير!

هذا على الصعيد الأكاديمي، أما علاقة الوعي الجمعي الغربي بهذه القضايا اللاهوتية، فقد تخلَّفت معاني الإجلال ومنطق التوقير للأنبياء في الكتاب المقدس، بل في مواقف كثيرة تطفو تعابير شعبوية طافحة بتقبيحهم وكراهيتهم، في مناقضة صريحة لمقتضيات العقل ومستلزمات المنطق، والتي تواطأت جميعها على عصمة مؤسسة النبوة من الخطايا وطهارتها من الأرجاس والدنايا.

والخلاصة الواضحة أن المخيال الشعبي لم ينج هو الآخر من الصورة القدحية لأنبياء بني اسرائيل، ولم يتحرر من بشاعة ما تروج له الكتب اليهودية والمسيحية من زيف واختلاق، فصورة الأنبياء -للأسف- تتجذر في هذا المخيال مفتقرة إلى أدنى القيم والفضائل الإنسانية، موغلة في البوائق والرذائل والبهيمية، لأنهم -حسب نصوص الكتاب المقدس- جماعة من الأشرار السكيرين واللصوص والزناة والكاذبين والمخادعين والقتلة!(3).

كل ذلك ساهم إلى حد كبير في صناعة الشكوك والظنون داخل الوعي الجمعي الغربي حول موثوقية تعاليم المؤسسة النبوية وجدارتها في النهوض بالعملية الإصلاحية؛ بل أكثر من ذلك، فقد أقنعت هذه الافتراءات الإنسان الغربي بعدم الجدوى -أصلًا- من وجود الأنبياء والمرسلين ما داموا غير مؤهلين لأن يكونوا نماذج وقدوات!

لماذا يكره الغرب النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-؟

قد يَرْتَكِن المرء في الإجابة عن هذا السؤال إلى مسوغات تاريخية أو دينية أو فلسفية أو نفسية، وحتى السوسيولوجية منها…، ولا شك أن لكل واحدة منها شطرًا من المصداقية في الكشف والتعليل. إلا أن الأكيد أن تظافرها سينتج إجابات أقرب إلى مطابقة الحقائق. فمشاعر الكراهية لرسول الإسلام ضاربة بجذورها في الحضارة الغربية، وفلسفة الإساءة موغلة في نفسية الرجل الغربي.

والحروب الطويلة قد أجّجت مظاهر العداوة للإسلام ولنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-، فمن يوحنا الدمشقي صاحب كتاب “الهرطقة المئة” (5)، دانتي أليغييري مؤلف “الكوميدية الإلهية”، مرورًا بالباباوات سلفستر الثاني وغريغوي السابع وأوربان الثاني الصليبي وبنديكت السادس عشر المُفترِي، إلى جانب المستشرقيْن الفرنسيَين “مكسيم رودنسون” و”هامر بورجشتال”، و “جولد تسهير” اليهودي… وغيرهم، إلى المجلة الإلحادية الفرنسية “شارلي إبدو”. وبين يوحنا وشارلي فصول طويلة من الإساءة لمحمد -صلى الله عليه وسلم- تتجاوز ما تم ذكره إيجازًا.

وعود على بدء، فالمعلوم أن ثقافة الكراهية للنبي -صلى الله عليه وسلم- اليوم خصوصًا التي ترفع لواءها المجلة الفرنسية منذ سنوات، إنما تقتات على مضامين إلحادية وأطروحات عدمية، فمنذ العدد الأول وهي تناضل من أجل الـلادين، وتسخر من الغيب وتزدري الوحي.

ورغم القدر الهائل من التهكم على شخص الرسول -عليه الصلاة والسلام- على صفحاتها، فللبيان فتاريخ هذه المجلة يضيق بالإساءات لكل من ينتمي إلى دائرة المقدس والديني بغض النظر عن لون هذا الدين وصورة هذا المقدس، (موسى، عيسى، اليهود، البابا، والمسيحيون…)، بل الأدهى من ذلك كله، تجاوز المجلة السافر للأعراف الإعلامية الدولية؛ ولمسمّى حرية التعبير، لدرجة ان جعلت في مرمى السخرية حتى الذات الإلهية (6)، تعالى الله على ذلك علوًا كبيرًا.

إن ادعاء المجلة الفرنسية أن الرسوم الساخرة للذات الإلهية والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليست أيديولوجية بقدر ماهي فن طبيعي وإبداع بشري، وأن الفكرة الحرة لا تعترف بالأعراف ولا تؤمن بالحدود، فالراجح أن الأمر خلاف ذلك، لأن أيديولوجية الإلحاد، لا تقبل ابتداء كل ما هو روحي، وما تدركه الحواس -في نظرها- فقط هو الموجود حقيقة وانتهاء.

وبالتالي، فازدراء الأديان في نظر محرري المجلة ليس بالأمر القاسي كما يتوهم المتدينون! مادام موضوع الرسم الساخر يهم الأشكال اللامادية والظاهر أن هذا التبرير المخادع لا يعدو أن يكون شكلًا آخر من أشكال إقصاء الإنسان وإعدامًا لإنسانيته، وبالضبط إعدام كل ما هو متجاوز للنظام الطبيعي-المادي الذي تقدسه المجلة، وإن كان هذا الهُو هما الإله والأنبياء!

563

المصادر
الكاتب

د. بنداود رضواني

دكتوراة في الفكر الإسلامي ومقارنة الأديان باحث في قضايا الاستغراب

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.