السلطان العثماني سليم الأول، أو كما يعرف أيضًا باسم السلطان الغازي أو سليم القاطع أو سليم شاه. هو سليم بن بايزيد بن محمد العثماني، تاسع سلاطين الدولة العثمانية والخليفة 74 للمسلمين. وأول سلطان عثماني يطلق عليه لقب أمير المؤمنين، والذي استمرت فترة خلافته 9 سنوات فقط، منذ عام 1512م حتى عام 1520م. لكنها كانت فترة عظيمة امتلكت فيها الدولة العثمانية أهم طرق التجارة البرية، وتحولت فيها الفتوحات من أوروبا والغرب إلى المشرق العربي، وقد عرف سليم الأول بالعديد من الألقاب، مثل القاطع أو الشجاع بسبب شجاعته وبسالته في المعارك، كما لقب أيضًا بالعابس، وهو الاسم الذي أطلقه عليه الإنجليز لكونه دائمًا عابسًا أو متجهم الوجه. وبفضله امتدت رقعة الدولة العثمانية أكثر، وأصبحت تضم تحت سيادتها العديد من الدول الآسيوية والأوروبية والإفريقية.

نشأة السلطان سليم الأول وحياته قبل الخلافة

سليم الأول

ولد السلطان سليم الأول عام 1470م في مدينة أماسيا الواقعة على ساحل البحر الأسود، والده هو السلطان بايزيد الثاني بن محمد الفاتح ووالدته هي السيدة عائشة كلبهار خاتون. مال منذ صغر سنه للحرب والمعارك عكس أخوته الآخرين، لذا عينه والده على ولاية طرابزون، وفي أواخر عهد والده بايزيد اشتعلت نار الفتنة والحروب الداخلية لأسباب عديدة، ولم تهدأ هذه الفتنة إلا بوفاة بايزيد؛ حيث كان سليم حينها غير راضٍ عن منصبه، فتركه وطلب من والده تعيينه واليًا على إحدى الولايات الأوروبية، لكن السلطان بايزيد رفض وأصر على بقائه واليًا على طرابزون.

وفي هذا الوقت خاف الأمير أحمد أخو سليم من كون الأخير يسعى للسيطرة على العرش، لذا ذهب إلى القسطنطينية ليستعرض قوته العسكرية أمام والده السلطان وباقي أخوته، بعد أن انتصر على جيش التحالف التركماني الصفوي في آسيا، فقام سليم بالرد على أخيه بإعلان العصيان على والده، ولما وجد السلطان بايزيد الإصرار من سليم على موقفه، قام بتعيينه واليًا في أوروبا كما كان يرغب، وقام بدعوة الديوان للانعقاد واختيار أحد أولاده ليكون خليفة له، واتفق الجميع على تولي الأمير أحمد للخلافة، لكن ما إن وصل الخبر لسليم حتى غضب غضبًا شديدًا وأعلن العصيان مرة أخرى، فذهب إلى مدينة أدرنة وسيطر عليها وأعلن نفسه سلطانًا، لكن والده استطاع ردعه عام 1511م ففر هاربًا إلى بلاد القرم.

السلطان سليم الأول على العرش

قام السلطان بايزيد بمسامحة ابنه سليم على ما فعله وسمح له بالعودة إلى ولايته، وقد أتى سليم مع عدد من الانكشارية الذين ذهبوا لقصر السلطان وطلبوا منه التنازل عن العرش لابنه سليم، وقبل السلطان بايزيد التنحى عن عرشه في 1512م وتولية ابنه سليم بدلًا منه، الذي تولى العرش في الخامس والعشرين من شهر إبريل عام 1512م الموافق الثامن من شهر صفر عام 918 هجرية. وأول ما فعله السلطان سليم الأول بعد توليه العرش هو القضاء على الفتن الداخلية التي نشبت ضده على يد أخوته الذين كانوا يتطلعون للحكم مثله.

السلطان سليم ما بعد توليه العرش

سليم الأول

توسع الدولة العثمانية.

بعد القضاء على الفتن الداخلية، كان على سليم الأول النظر في أمرين مهمين للغاية، أما أولهما فهو زيادة نفوذ الشيعة في العراق وإيران وتهديد الدولة الصفوية الشيعية لاستقرار الدولة العثمانية. والدولة الصفوية نشأت في إيران عام 1502م الموافق 907 هجرية على يد إسماعيل الصفوي، والذي كان متطلعًا لتوسيع رقعة دولته فقام بالاستيلاء على العراق وأرسل الدعاة التابعين له لنشر المذهب الشيعي في الأناضول، الأمر الذي أدى لاستياء الدولة العثمانية السنية، فبدأت المناوشات العسكرية بين الطرفين في أواخر عهد السلطان بايزيد، ووصل التصادم بينهما لمرحلة خطيرة في عهد سليم الأول، الذي استطاع الفوز عليهم في الرابع والعشرين من أغسطس عام 1514م في معركة وادي جالديران.

أما الأمر الثاني فكان ازدياد الخطر البرتغالي في منطقة الخليج العربي وتهديد الأراضي المقدسة؛ لا سيما بعد الضعف والانحلال الذي أصاب دولة المماليك في مصر والشام، وعجزها عن صد خطر البرتغاليين على منطقة الخليج العربي، حتى وصل بهم الأمر لإعلان عزمهم على قصف مكة المكرمة والمدينة المنورة، لذا كان الهدف الثاني للسلطان سليم الأول هو القضاء على الدولة المملوكية في مصر، ومحاولة نقل ممتلكات الدولة العباسية لآل عثمان، الأمر الذي كان يعلم أنه سيحقق للدولة العثمانية قوة كبيرة وهيبة بين المسلمين والمسيحيين في أوروبا، فانتصر السلطان سليم على المماليك بالفعل عام 1516م الموافق 922 هجرية، وسقطت الشام (حلب وحماه وحمص ودمشق وفلسطين وغزة) في يد الدولة العثمانية، ثم دخل السلطان سليم لمصر وانتصر على السلطان طومان باي آخر سلاطين الدولة المملوكية، وذلك في معركة عرفت باسم الريدانية عام 1517م الموافق 922 هجرية، وبهذا قضى على دولة المماليك في مصر.

الحجاز تحت السيادة العثمانية

بعث الشريف بركات أمير مكة المكرمة ابنه أبوغي على رأس وفد؛ حاملًا رسالة للسلطان سليم الأول، يخبره فيها أنه يقبل أن تكون الحجاز تحت السيادة العثمانية. وقد أعطى السلطان سليم مفاتيح الكعبة المشرفة وعددًا من الآثار المباركة مثل العلم النبوي وبعض شعيرات من لحية الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقوسه وسهمه. وبعدها دخلت بعض مناطق اليمن تحت السيادة العثمانية أيضًا. ومع دخول الأقاليم الإسلامية الأربعة المهمة (مصر والشام والحجاز وجزء من اليمن) تحت السيادة العثمانية؛ أصبح البحر الأحمر تابعًا للدولة العثمانية الأمر الذي أوقف محاولات البرتغال السيطرة عليه، وحينها عم الأمان على المنطقة بعد أن أغلق المسلمون منافذ البحر الأحمر أمام المسيحيين، وأجبروهم على تفريغ شحناتهم في ثغر المخا باليمن، وإعادة شحنها مرة أخرى على سفن إسلامية يعمل عليها قباطنة وبحارة مسلمون، ولأن الدولة العثمانية أصبحت تضم الحجاز وفلسطين بما يحتويان عليه من أماكن مقدسة، فقد أطلق على السلطان سليم الأول لقب “حامي الحرمين الشريفين” أو “خادم الحرمين الشريفين”، وهو اللقب الذي أطلق على كل من جاء بعده.

وفاة السلطان العثماني سليم الأول

سليم الأول

بعد عودة السلطان العثماني سَليم الأول إلى إسطنبول بعد كل ما حققه من انتصارات وفتوحات مكنته من توسيع رقعة الدولة العثمانية، قامت فتنة شيعية في منطقة طوقاد في الأناضول عام 1519م الموافق 625 هجرية. فأرسل السلطان إليهم أحد قاداته لإخمادها، ونجح بالفعل في القضاء عليها وعاد الهدوء والسكون للمنطقة، وبعدها بعام واحد توفي السلطان سليم الأول، بعد أن كان يتجهز للخروج في حملة كانت إلى بلاد المجر في الغالب.

والسبب في وفاته -حسب ما يقال- هو ظهور دمل بين كتفيه أهمله في البداية، لكنه ازداد سوءًا حتى اشتد عليه الألم وأصبح لا يحتمل. فجاء الأطباء لمحاولة التخفيف عنه لكنهم لم يستطيعوا. وظل السلطان يتألم حوالي شهرين قبل أن تفيض روحه لبارئها ليلة السبت الموافق الثاني والعشرين من شهر سبتمبر عام 1520م / التاسع من شهر شوال عام 926 هجرية، عن عمر يناهز الحادية والخمسين عامًا.

وقد أخفى طبيبه الخاص خبر وفاته عن الحاشية، وأبلغ الصدر الأعظم بيري محمد باشا الجمالي فقط، الذي اجتمع مع مصطفى باشا وأحمد باشا وقرروا إخفاء الأمر حتى حضور ابنه الشاهزاده سليمان؛ بسبب خوفهم من ثورة الانكشارية إذا علموا. وبعد حضور سليمان استلم التابوت الذي يحتوي على جثة والده عند أسوار القسطنطينية، ودفنه -بعد أن صلى عليه الجنازة في مسجد الفاتح- في أحد مرتفعات المنطقة. ولم يدفن أي من العثمانيين الآخرين مع السلطان سليم الأول، وبقى في قبره وحيدًا مثله مثل جده السلطان محمد الفاتح.

152

المصادر
الكاتب

سارة سعد

كاتبة محتوى حصري منذ 2016م. حاصلة على ليسانس الآداب، دبلومة التربية ودورة في اللغة العربية. أقوم بتحضير الماجستير في الفلسفة أحب القراءة، السفر، وألعاب التفكير.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.