الأندلس شبه الجزيرة التي تقع في الجنوب الغربي للقارة الأوروبية، تحيطها المياه من كل الجوانب عدا الشمال الشرقي يوجد به جبال البرانس التي تفصلها عن فرنسا. إسبانيا والبرتغال كانتا تعرفان قديماً باسم “شبه جزيرة إيبيريا”؛ نسبة إلى الإيبيريين الذين سكنوها. وعندما حكمها الرومان أطلقوا عليها “إسبانيا” من تعبير فينيقي يعني شاطئ الأرانب؛ حيث يقال أنهم عند نزلهم لشاطئ الجزيرة وجدوا كثير من الأرانب. ولكن كان يسمى الجزء الجنوبي “بتيكا”، وبعد أن أغارت قبائل الوندال عليها، سموها “وندلس”، ولما دخلها المسلمون سنة 711م وضموها للدولة الأموية، قاموا بهمز أول الكلمة، فصارت “أندلس” بدلاً من “وندلس”. وبعد خروجهم سنة 1492م بسقوط غرناطة، بقى الاسم كما هو، ولكن حدثت فيه بعض التغييرات، فأصبح “أندلثيا” لا “أندلس”، وكان يلق على الجزء الجنوبي فقط وليس شبه الجزيرة كلها.

 

 ما قبل الفتح:

بعدما وصل المسلمون في عهد الوليد بن عبد الملك إلى المغرب الأقصى -المواجه لشبه جزيرة أيبيريا-، وحققوا تقدم واسع في شمال أفريقيا، بقيادة “حسان بن النعمان” –فاتح أفريقيا-، تم استبداله بالقائد “موسى بن نصير”، بعد أن غادر مصر مع أبنائه الأربعة، وقام بعدة أعمال لتدعم وجود الجيش الإسلامي في المنطقة استعداداً لفتح الأندلس. فعمل على تثبيت عقيدة الإسلام في نفوس البربر-الذي جاء منهم “طارق بن زياد”-، وجعل منهم حلفاء له وأكثر غيرة على الإسلام من العرب أنفسهم، واعتمد تقوية البحرية الإسلامية، ومن ثم جعل القيروان قاعدة له في أفريقيا. وفي خلال هذا قام ببعض الفتوحات واستولى على القلاع والحصون، ولكن عصت مدينة “سبتة” على المسلمين؛ ومن أهم المدن التي استولى عليها المسلمون مدينة “طنجة”، وأصبحت تمثل مركز عسكري للحملات ومنها حملة أرسلها “موسى بن نصير” بقيادة “طارق بن زياد” بجيش من البربر والعرب.
مدينة سبتة كانت تتبع الإمبراطورية البيزنطية إلا أنها فقدت تأثيرها عليها؛ بسبب بعدها عن العاصمة، وهذا جعل حاكمها “يوليان” يستقل بها ويلجأ إلى مملكة القوط –ممتدة عبر إسبانيا والبرتغال وجزء من فرنسا-، وكان على صلة حسنة مع ملوكها السابقين، عدا “لذريق” الذي يكن له حقد وعداوة؛ بسبب اعتداء “لذريق” على ابنة “يوليان” واغتصابها بعد أن أرسلها إلى طليطلة لتتربى تربية الأميرات. ولما وصل المسلمون على حدود سبتة، وجد “يوليان” فيهم خير من يساعده لينتقم من “لذريق”، فاتصل بـ “طارق بن زياد” وعرض عليه مساعدته بغزو “أيبيريا”، فبادر “طارق بن زياد” بالاتصال بـ “موسى بن نصير” ليبلغه بالعرض، ولكن لابد أن ينال موافقة الخلافة في دمشق؛ لذا كتب “موسى” إلى الخليفة “الوليد بن عبد الملك”، وكان رده بالتروي ويختبر هذه البلاد بالسرايا ليعرفها. بناءً على ذلك، أرسل “موسى” قوة عسكرية في مهمة استطلاعية على ساحل أيبيريا الجنوبي بقيادة “طريف بن مالك المعافري”، وتقدم فيها وعاد بالغنائم، وذلك حمس “موسى بن نصير” فأرسل قوة عسكرية ثانية بقيادة “طارق بن زياد”، وسيطر على الجبل الذي حمل اسمه إلى الآن “جبل طارق”، وكذلك “مضيق جبل طارق”. أقام عدة أيام فيه؛ لينظم خلالها الجيش ويعد خطته للتوغل في عمق الجزيرة الأيبيرية، ونجح في ضم القلاع والحصون حتى وصل إلى “وادي لكة” وعسكر فيه. وعلم عن طريق جواسيسه بحجم الحشود التي أعدها “لذريق”، فطلب النجدة من “موسى بن نصير” بعد أن بدا الفرق واضحاً بين الجيشين، فأمده بخمسة آلاف مقاتل.
التقى الجيشان وجرت بينهم معركة طاحنة انتهت بانتصار المسلمين والقضاء على جيش القوط والملك، وفتح الانتصار على المسلمين أبواباً كثيرة للدخول إلى عمق الجزيرة، وفتحت:

“قرطبة، مالقة، إلبيرة، طليطلة، أريولة، والعاصمة القوطية”

وطارد الهاربين، لتنتهي عملية فتح أيبيريا. وكتب “طارق بن زياد” إلى قائده “موسى بن نصير” ليخبره بما حقق من انتصارات، فأمره بألا يتجاوز مكانه إلى أن يلحق به. وتحرك في رمضان سنة 93هـ، بجيش يقدر بثمانية عشر ألف مقاتل، وسلك طريقاً غير التي سلكها “طارق بن زياد”؛ ليفتح مدناً غير التي فتحت، مثل “قرمونة، إشبيلية، برشلونة، أربونة، قادش، وجليقية”. وعندما اقترب من “طليطلة” –التي يعسكر فيها “طارق بن زياد”- خرج لاستقباله، وجدد له إمرة الجيش واشتركا في حملة عسكرية على “سرقسطة”، وتم فتحها وفتحوا من ورائها من كثيرة إلى أن وصلوا إلى مدينة “ليون”، جاءه أمر من الخليفة الأموي بأن يتوقفا ويعودا أدراجهما إلى دمشق، وهكذا انتهت فتوحات الأندلس الأساسية.

معارك الأندلس

 

الإمارة الأموية في الأندلس:

أصبحت بعد الفتح تابعة لولايات الدولة الأموية حتى عهد “هشام بن عبد الملك”، عندما ضعفت الحكومة المركزية في دمشق وانهمك الولاة بشؤونهم الداخلية. فأصبح مسلمي الأندلس في حاجة للدفاع عن أنفسهم بأنفسهم، فحصلت بينهم وبين الإفرنج عدَّة وقعات انتصر المسلمون في بدايتها، ثم اشتبك المسلمون والفرنجة في معركة عنيفة انهزم فيها المسلمون، وتوقَّف المد الإسلامي باتجاه أوروبا. وفي 11 جمادى الآخرة سنة 132هـ، انهارت الدولة الأموية بعد ان انهزموا في معركة الزاب أمام العباسيين، ودخلوا إلى دمشق وقضوا على من تبقى من أمراء بني أمية، لكن أحدهم نجا من هذه المذبحة وتوجه ناحية المغرب ليستقر فيه بعيداً عن نفوذ العباسيين، وهو “عبد الرحمن بن معاوية” الذي كان يخطط لإنشاء دولة أموية في إفريقيا، لكن والي المغرب “عبد الرحمن بن حبيب الفهري” تشدد في معاملتهم وضيق الخناق عليهم وقتل بعضهم وصادر أموالهم، فآثر “عبد الرحمن بن معاوية” التوجه إلى “الأندلس” التي كانت تتعرض في ذلك الوقت إلى هجمات المسيحيين في الشمال، ولم يكن من السهل أن يجتمعوا حول أحد، فاستغل “عبد الرحمن بن معاوية” هذا وأرسل مولاه ليعرض عليهم مأساة الأمويين ويشيد بمواصفات أميره كحفيد لـ “هشام بن عبد الملك”، ووافق اليمانية على هذا واحتشدوا لنصرته. وعندما دخلها أحدث رد فعل إيجابي من جانب أنصاره وتوافدوا للسلام والبيعة. وبلغ هذا مسامع “يوسف الفهري” آخر ولاة الأندلس، فحاول التفاوض معه، ففشل، فدخل الطرفين في معركة حاسمة انتهت بانتصار “عبد الرحمن بن معاوية” وتقدم نحو “قرطبة” وتربع في قصر الإمارة وأعلن قيام الدولة الأموية أثناء تأديته لصلاة الجمعة في المسجد الجامع.
عرف باسم “عبد الرحمن الداخل” لأنه دخل (هاجر) إلى الأندلس، ومنذ ذلك دخل المسلمون في عهد جديد وبدأت الأندلس تسير في طريق الحضارة، وبات الأندلس بعيداً عن الخلافة العباسية التي لم تحاول السيطرة عليها إلا بمحاولات عابرة لم تحقق شيء. وتوقفت حركة الفتوح لينظم المسلمون أوضاعهم، فظهر منصب الحجابة والوزارة، والبرحية الأندلسية، وتطورت التنظيمات العسكرية والاهتمام بالثغور والأساطيل. اتبع سياسة حكيمة مع الدولة العباسية، بوصفها صاحبة السيادة على العالم الإسلامي. فدعا للخليفة العباسي “أبي جعفر المنصور”، ولكن لمدة قصيرة حيث قطع الدعاء للعباسيين وأعلن الانفصال عن الدولة العباسية.
ولكن إلى جانب هذا، شهدت عدد من الثورات، ذات طابع عرقي وبعضها طابع ديني واجتماعي. وعاود الفرنجة الهجوم على الأندلس وتمكنوا من السيطرة على “برشلونة”، وصارت قاعدة للاستيلاء على المدن الأخرى، فكانت ضربة قاسية للمسلمين، وفشلت محاولاتهم في استعادتها. كما حاول النورمان غزو الأندلُس عبر مدينة “أشبونة”، فصدَهم والي المدينة، لكن غاراتهم استمرت لمدة شهرين إلى أن هزمهم المسلمون وطلبوا الصلح منهم. كذلك شهدت هذه الفترة ثورة –من أشهر الثورات في تاريخ الأندلُس- ثورة “عُمر بن حفصون” التي استمرت بعد وفاته بعشر سنوات. ومن أواخر القرن الثاني الهجري، زادت حركة المجاهدين الأندلسيين ضد الإمبراطورية الكارولنجية، وأصبح نفوذهم بنهاية القرن يمتد من “لانجدوك” إلى الأراضي السويسرية شمالاً، وإيطاليا شرقاً، فتحكموا في معظم الممرات في جبال الألب، وطريق المواصلات بين فرنسا وإيطاليا.

 

 الخلافة الأموية في الأندلس:

بويع الأمير “عبد الرحمن بن محمد”، وتولى منذ ذلك اليوم إصلاح أحوال الأندلس، فأعلن في منشور التأكيد على التسامح وإسقاط كافة الجرائم التي ارتكبت بحق الدولة، وهذا ما أعلن الثائرون موافقتهم عليه ودخلوا تحت لواء السلطة المركزية في قرطبة، عدا جماعة “عمر بن حفصون” فاضطر الأمير لسحقه وتطويع الأقاليم والحصون له. وبعد ذلك، اتخذ قراراً لم يتجرأ أحد من أسلافه عليه، وهو تلقيب نفسه بلقب الخليفة، ولقب أمير المؤمنين، وأضاف اللقب الشرفي “الناصر لدين الله” إلى اسمه، وأمر بتضمين ذلك في خطبة الجمعة. واستمر ذلك حتى اختفاء دولة الأمويين من الأندلس.
وبذلك خرج عن الأصل النظري للمذهب السني للخلافة، ولكن العلماء والفقهاء السنة أجازوا بتعدد الخلافة في حال وجود مصلحة عامة للمسلمين. ومن الأسباب التي دفعته لإعلان الخلافة:

-ضعف الدولة العباسية.

-وأن الإمام “عبيد الله المهدي الفاطمي” بويع بالإمامة في إفريقيا لينافس عدوه في بغداد. وهذه الحادثة كانت الأخطر لأنهم أعلنوا الخلافة على أساس شيعي إسماعيلي، وهو ما مثل تهديد عسكرياً ودينياً.

ولمواجهة هذا، حصن الموانئ الجنوبية للأندلس وضم لها موانئ المغرب في “سبتة ومليلة وطنجة”، ودعم البربر المعادين للفاطميين. واستطاع التصدي لأطماع الممالك المسيحية، ونجاح حملاته عليها وكانت تعود محملة بالغنائم والأموال. ووصلت الأندلس إلى حالة كبيرة من الاستقرار وتحسنت أحوال البلاد الزراعية والصناعية حتى بلغت جباية الأندلس من الكور والقرى خمسة ملايين وأربعمائة وثمانين ألف دينار، ومن ضريبة الأسواق سبعمائة وخمس وستين ألف دينار، بالإضافة إلى ما كان يدخل خزائن الدولة من أخماس الأغنام. بنيت مدينة الزهراء شمالي غرب قرطبة، لِتكون قاعدة ملكيَّة جديدة بعدما ضجَّت قُرطُبة بساكنيها وازدحموا بها. وفي هذا العهد، تقدم المسلمون تقدماً كبيراً وملحوظاً في عمق القارة الأوروبية؛ وبهذا نهض الملوك والأُمراء والأباطرة لدفع المسلمين إلى الجنوب، فتمكَن “هيو” ملك إيطاليا بالتعاون مع الإمبراطور البيزنطي “رومانوس الأوَّل” من هزيمة المسلمين، وكاد يقضي على سلطانهم في تلك الأنحاء لولا اضطراب الأوضاع الداخلية في بلاده، فاضطر أن يعقد صلحًا مع المسلمين مقابل أن يتمركزوا في رؤوس الألب ويغلقوا الطُرق بوجه خصومه. وبذلك استعاد المسلمون بعض قلاعهم. أما في الشمال، فقد أنشأ المسلمون في الأراضي التي سيطروا عليها سلسلةً من القلاع القويَّة لِتكون مركزًا لغزواتهم في “سويسرا”.
واصل “المستنصر بالله” سياسات أبيه، فكان عهده ثقافة وعمران، إلا أنه أخطأ حين اختار ابنه الوحيد الطفل “هشام المُؤيَّد بالله” لولاية عهده، فاستغل بعض رجال الدولة صغر سنِه وعدم قدرته على الحكم، وفرضوا على الخلافة وصاية أُم الخليفة “صُبح البشكنجيَّة”، واستأثروا هم بكل السلطات. ثم انفرد “محمد بن أبي عامر” بكل السلطات بعد أن تخلَّص من كل شركائه في الحكم، وأصبح الحكم الفعلي له الذي تلقب بلقب “الحاجب المنصور”. واستطاع أن يؤسس دولة داخل الدولة حتى أن بعض المؤرخين سماها الدولة العامرية. سيطر البربر على المناصب القيادية في الجيش واختفاء القيادة العربية، واستمر ذلك حتى تولية “عبد الرحمن شنجول” ولم يمض شهر حتى أجبر الخليفة إعلانه ولاية العهد لشنجول، وهذا أثار غضب الأمويين ما دفعهم بانقلاب عليهم بقياة “محمد بن هشام” الذي حرض على التنكيل بكل من كان في جيش “الحاجب المنصور” من العامريين والبربر، وهذا دفع العامريين للفرار إلى شرق الأندلس وتأسيس إمارة لهم، بينما التف البربر حول أمير أموي آخر، لتدخل الأندلس في صراع بين الأمويين والبربر والحموديين على السلطة، واستمرت الفتنة إلى أن سقطت الخلافة في الأندلس نهائياً وتفتت إلى دويلات صغيرة عرفت باسم “دولة الطوائف”.

 

 دولة الطوائف:

من أكثر عهود الأندلس تشابكاً واضطراباً، انفرط فيها عقد البلاد وقسمت على 26 دولة، وكان لكل مدينة حاكمها المستقل، ودبت الحروب بينهم فالقوي انقض على الضعيف وسلب أملاكه، فلجأ الضعيف إلى التحالف مع جاره القوي. وكانت الممالك المسيحية تتزايد في القوة وتتدخل في شئون البلاد. وفي دولة الطوائف قسم المؤرخون الأسر حسب الحالة الاجتماعية إلى أربع فئات: الأرستقراطية العربية، موالي بني أمية، بقايا أسرة الحاجب المنصور، والبربر وهم ثلاث مجموعات: البربر المستعربون، البربر حديثي الوفود، والعرب المتبربرين.

تكونت سبع دول رئيسية غلبت جميع الدويلات الأخرى، وهي:

دولة بنو جهور في قرطُبة وما يجاورها من المدن والأراضي الوسطى.
دولة بنو عباد في إشبيلية.
دولة بنو ذو النون في طليطلة.
دولة بنو زيري في غرناطة ومالقة.
دولة بنو هود في سرقسطة.
دولة بنو الأفطس في بطليوس.
دولة بنو عامر في بلنسية ومرسية.
وهذه التجمعات الأسرية لم تسترشد بسياسة إسلامية في تعاملاتها، وكانوا في نزاع مستمر فيما بينهم، فلم تكن دولاً بالمعنى المعروف ولكنها كانت أقرب إلى وحدات الإقطاع، ومن ثم لم تكن بها حكومات منظمة تعمل لشعبها وإنما تعمل لمصلحة الأسر الحاكمة. ومن أمثلة تهاونهم تجاه أمتهم ما فعله “محمد المعتمد بن عباد” صاحب إشبيلية عندما تعاهد مع ملك قشتالة على غزو مملكة طليطلة. وما فعله “يحيى القادر بن إسماعيل” عندما تنازل لـ “ألفونسو السادس” عن بعض الحصون مقابل دعمه ضد ملوك الطوائف الأخرى، وكان ألفونسو يطمح للاستيلاء على طليطلة نفسها، فحاصرها ثلاث سنوات انتهت بتسليم “يحيى القادر” المدينة للقشتاليين. وكان لسقوطها أثر في حماس الممالك المسيحية.

 

1417

الكاتب

دعاء عمر

أسعى لأرتقي دينياً، أخلاقياً، وفكرياً "مقدسية العقيدة، شامية الأندلس".

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.