“إذا طلع نجمُ الهمة في ليل البطالة، وردفه قمر العزيمة؛ أشرقت أرض القلب بنور ربها”.[1] هذه العبارة البليغة، والأوصاف المهيبة، خطَّها أحد فرسان العلم وعلماء الأمة الأفذاذ؛ الذي لطالما نبضت خلاصاته بالمعاني العميقة والإحاطات الوافية والغيرة على حرمات الدين والفضيلة! ولعل أبرز ما ميَّز كتاباته وتفردت به مصنفاته؛ تلك المعرفة الملهمة بما يتعلق بالنفس البشرية، وذلك الاهتمام النجيب بسُبُل فهمها وقيادتها أحسن قيادة. ثم نبض الصدق الذي تعرفه من وقع الكلم وأثره في قلب القارئ!

إنه العلامة الإمام، ابن القيم، الذي ما أن تقرأ له حتى تلفت انتباهك غزارة علمه وشدة اهتمامه بمعرفة الله -جل جلاله-، وتعظيمه ومحبته -سبحانه-، وقوة استمساكه بمنهج النبي ﷺ وصحابته الكرام -رضي الله عنهم-. يجتهد في الاقتداء بهم في كل أطروحات مؤلفاته؛ فتنساب كلماته حنينًا وشوقًا ووفاءً عند الحديث عنهم، وعن وعد الله للمؤمنين في الجنة. كل تلك المشاعر الجميلة والعاطفة النبيلة ترافقها شدة وغلظة على المبتدعة والمنافقين، فيصول ويجول في ساحات المناظرة كأنه المقاتل بسيف الحق البتار، بطلًا في ساحات الوغى والنزال.

حين عزمت على كتابة سيرة ابن القيم، واجهت مشكلة كبيرة، هي الاختصار! فالحديث عن مثل هذا العالم، يتطلب التفصيل والاسترسال، خاصة لمن أحب القراءة له، وتعود على أسلوبه وفهم منهجيته! ولعلني تأثرت فعلًا بأسلوب ابن القيم المعروف بطول السرد والتفصيل، وكأن في ذلك دفعًا لسيل من الحروف والكلمات يضخها القلب بنية الإتقان واستفراغ الجهد في الإيضاح واستيفاء حق التبيان! 

إن أبرز ما دفعني للكتابة عن هذا العالم الجليل، أني أرى في التذكير بسيرة ابن القيم، توصية لكل مدرسة ومؤسسة تعليمية، برسم القدوة في أذهان الطلبة والأجيال المتعاقبة. فإن التعرف على سير وترجمات العلماء من أكثر ما يختصر المسافات بين التنظير والواقع، ونحن بأمس الحاجة للقدوات والنماذج الملهمة والمؤثرة في حياتنا.

وسيرة ابن القيم من أجمل السير التي يليق بطلبة العلم استلهام عوامل القوة والنبوغ منها؛ إنها سيرة رجل، ذاع صيته محدّثًا وفقيهًا وأصوليًا ومفسرًا ونحويًا ولغويًا وأديبًا! جمع كل هذه المهارات والملكات ونبغ فيها، ونثر من انسجام كل ذلك مؤلفات لا يزال عطاؤها مستمرًا لا ينضب منذ القرن الثامن الهجري! فقد عاش ابن القَيِّم في الشام في أواخر القرن السابع ومنتصف القرن الثامن الهجري (691 – 751هـ) (1292-1350م) في عصر المماليك، في مرحلة حرجة بعد محنة التتار والهجمة الصليبية.

ثم إن الهدف من تخليص سير العلماء الأفذاذ؛ إنما هو للإحاطة بأسباب النبوغ والتفوق في حياتهم، واستشفاف النموذج الحيّ لصناعة الإسلام للعالم الرباني، والأهم من ذلك، التعلم من مراحل نمو رصيده العلمي والخلقي، كيف تتطور النفس البشرية وتستفيد من أخطائها وضعفها، وتتجاوز العقبات في طريقها، من حصار الواقع لها وعداوة القريب والبعيد! وكيف يمتد أثر بذلها لقرون طويلة ممتدة في عصور بعيدة جدًا عن عصر العالم نفسه!

الكتب التي تناولت سيرة ابن القيم

لا شك أن اسم ابن القيم أشهر من علم، وقد كتب عنه الكثير من الكتاب وتناول سيرته العديد من الرواة، لما لسيرته ومؤلفاته من أثر كبير بلغه في وسط أهل العلم والعامة. ولعل من أشهر من كتب عنه الشيخ بكر أبو زيد -رحمه الله-، في كتابه “ابن قيم الجوزية حيَاته آثاره موَارده” الذي تناول سيرة ابن القيم منذ طفولته إلى وفاته، وذكر آثاره وكتبه ومصادره ومنهجيته العلمية، كما فرَّق بين ما ينسب إليه وما لا تصح نسبته إليه من مؤلفات.

من هو ابن القيم؟

ابن القيم

صورة تعبيرية مصنوعة بالذكاء الاصطناعي.

اسمه محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حَرِيز[2]، الزُّرَعِي الأصل، ثم الدمشقي، الحنبلي، المشهور بابن قَيِّم الجوزية، شمس الدين، أبو عبد الله. وذُكر اسم جد رابع له، بحسب ترجمة أخي ابن القيم عبد الرحمن في “الدرر الكامنة”؛ حيث ذكر اسمه قائلًا: “… ابن حريز بن مكي زين الدين”.

ينسب ابن القيم إلى قرية تسمى: “زرع” وهي قرية من حوران. واشتهر عالمنا الزرعيّ بلقب “ابن قيم الجوزية”، نسبة لأبيه الذي كان قيّمًا على مدرسة الجوزية التابعة للحنابلة بدمشق[3]. ويبدو أن أبا بكر والد ابن القيم كان أشهر من تولى منصب قيّم المدرسة الجوزية، فاشتهر ابنه بها، أو أن والده اشتهر بابنه الذي ذاع صيته في زمانهم. وهذا ليس بجديد على أهل العلم أن ينسب العالم لعمل أبيه؛ فقد عرف الحافظ الذهبي بـ “ابن الذهبي” نسبة إلى صنعة الذهب التي مارسها أبوه.

وكنية ابن القيم هي “أبو عبد الله”، باسم أصغر ولديه عبد الله. كما لقّب بـ “شمس الدين”، وهي عادة منتشرة أيضًا بين أهل العلم في عصره. وبغض النظر عن سبب هذه التسمية ومن اختارها فقد كان ابن القيم بالفعل شمسًا بين أقرانه -رحمه الله-. واليوم يشتهر ابن قيم الجوزية بين أهل العلم وطلابه، بـ “ابن القَيِّم” اختصارًا[4]. ولا يجوز قول “ابن القَيِّم الجوزية” بالجمع بين (ال) والإضافة، لكونهما لا يجتمعان في التعريف.

مولده ونشأته

ولد ابن القيم سنة (691هـ)، وقال الصفدي:”مولده سابع صفر سنة إحدى وتسعين وستمائة”. واتفق معه في ذلك غيره. ولم يتبين على وجه الدقة أين ولد ابن القيم إلا أنه منسوب إلى “زرع” ثم “دمشق”. ولا يمكننا الجزم على وجه التحديد؛ إن كان ولد في زرع ثم سافر دمشق، أو أنه ولد في دمشق من والديه أو أجداده الذين قدموا إلى دمشق من زرع. ويبقى ابن القيم زرعيًا دمشقيًا. وإن كان جزم بعض الباحثين بأنه مولود في دمشق -والله أعلم-.

ومن المهم النظر في البيئة التي نشأ فيها ابن القيم لنبصر معالم النبوغ التي تهيأت له مبكرًا؛ فقد كان لأسرة ابن القيم الدور الكبير في تكوينه العقدي والخلقي، والعناية بعلو همته وتوجيه اهتماماته للعلم والعمل؛ فنشأ ابن القيم في أسرة يغلب عليها الصلاح والالتزام بشريعة الله. ومع أن ابن القيم لم يتحدث في كتبه عن أسرته؛ إلا أن أخبارها وردت في بعض الكتب التي تُعنى بالحوادث والتاريخ، منها كتاب “البداية والنهاية” لتلميذ ابن القيم وصاحبه المحبّ، ابن كثير -رحمهما الله-.

يقول ابن كثير عن والد ابن القيم في “البداية والنهاية” (وفيات سنة 723 هـ): “الشيخ العابد: أبو بكر” ويصفه فيقول: “كان رجلًا صالحًا، متعبدًا، قليل التكلف، وكان فاضلًا”. وكان لهذه الاستقامة أثرها في شخصية ابن القيم. وزاد من قوة تأثير أبيه عليه، طبيعة عمله قيّمًا لمدرسة الجوزية واحتكاكه الدائم بأكابر العلماء وأفاضلهم، يقول ابن كثير عن والد ابن القيم: “سمع شيئًا من دلائل النبوة على الرشيدي العامري”.

كما أنه يذكر ببراعته في علم الفرائض؛ حيث تتلمذ ابن القَيِّم على يده في هذا العلم. وتوفي والد ابن القيم نهاية سنة (723هـ)، بالمدرسة الجوزية مقر عمله، وصُلِّيَ عليه بالجامع الأموي، ودفن بباب الصغير. ولحسن سيرته ومحبة الناس له، كانت جنازته حافلة، وشهد الناس له بالخير. كما نقل ذلك ابن كثير.

وكان ابن القيم يوم وفاة والده في الثانية والثلاثين من العمر. وبقي له من أبيه أخ يصغره بعامين، وكان مثله ممن يشتغل بطلب العلم فكلامها سقيا من معين واحد. وأخوه هو الشيخ أبو الفرج، عبد الرحمن بن أبي بكر بن أيوب. ذكره ابن رجب الحنبلي في قائمة مشايخه حيث قال: “سمعت عليه كتاب (التوكل) لابن أبي الدنيا، بسماعه على الشهاب العابر. وتفرد بالرواية عنه” (يقصد عن الشهاب العابر). وتوفي أبو الفرج سنة (769هـ) ، ودفن بباب الصغير. وهو في سن السادسة والسبعين من العمر، بعد وفاة ابن القَيِّم أخيه بحوالي ثماني عشرة سنة.

وكما نشأ ابن القيم في بيت علم وأدب أنشأ أولاده أيضًا في بيت علم وأدب؛ حيث رزق ابن القيم بأبناء علماء منهم عبد الله، الفقيه جمال الدين، الذي ولد سنة (723هـ)، وهي سنة وفاة جده أبي بكر. قال في ترجمته ابن كثير -رحمه الله-: “الشيخ … الفاضل المحصل، جمال الدين عبد الله بن العلامة شمس الدين … كانت لديه علوم جيدة، وذهنه حاضر خارق، أفتى ودَرَّسَ وأعاد وناظر، وحج مرات عديدة، رحمه الله وَبَلَّ بالرحمة ثراه”. وقال عنه ابن حجر في ترجمته: “…اشتغل على أبيه وغيره، وكان مفرط الذكاء، حفظ سورة الأعراف في يومين، ثم دَرَسَ (المحرر) في الفقه، و(المحرر) في الحديث … ومهر في العلم، وأفتى ودَرَّسَ، وحج مرارًا … قال ابن رجب: كان أعجوبة زمانه”.

وقد أتم حفظ القرآن، وهو ابن تسع سنين كما أشار إلى ذلك ابن حجر حين قال: “صلى بالقرآن سنة 731هـ”. وهنا لفتة مهمة لأثر تحفيظ القرآن على الأطفال منذ الصغر، فهو عامل نبوغ وتفوق لمن كان فضل الله عليه عظيمًا. وخلف عبد الله أباه ابن القيم بعد وفاته فدرَّس بالصدرية، يقول ابن كثير عنه في هذا العمل: “فأفاد وأجاد، وسرد طرفًا صالحًا في فضل العلم وأهله”. كما ذكر  ابن كثير والنعيمي في ترجمته على أنه أول من خطب بجامع سليمان. وتوفي عبد الله سنة (756هـ) عن عمر يناهز 33 سنة. ومثل حال جده ووالده كانت جنازته حافلة ودفن عند أبيه بالباب الصغير، رحمهم الله جميعًا.

ومن أبناء ابن القيم، إبراهيم العالم الفقيه برهان الدين، أبو إسحاق. قال الذهبي عنه: “قرأ الفقه والنحو على أبيه، وسمع وقرأ وتَنَبَّه وسَمَّعَه أبوه من الحجَّار”. وقال ابن كثير عنه: “كان بارعًا فاضلًا في النحو والفقه وفنون أخر على طريقة والده، رحمهما الله تعالى، وكان مدرسًا بالصدرية، والتدمرية، وله تصدير بالجامع، وخطابة بجامع ابن صلحان”. وتوفي هذا العالم ابن العالم سنة (767هـ). “وحضر جنازته القضاة والأعيان، وخلق من التجار والعامة، وكانت جنازته حافلة”. كما وصف ذلك ابن كثير. وهكذا نشأ ابن القيم في بيت علم وأنشأ أبناءه في بيت علم!

أخلاق ابن القيم وصفاته الشخصية

ابن القيم الجوزية

من أبلغ القواعد في حلية طالب العلم قول ابن المبارك -رحمه الله-:

طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة، وكانوا يطلبون الأدب قبل العلم .[5]

وكذلك عرف ابن القيم، بأدبه وأخلاقه، قبل علمه، يظهر لكل من عرفه أنه رجل يحمل رسالة وأمانة، ويبذل جهده في تبليغها بإدراك تام لثقل المسؤولية. يقول عنه ابن كثير:كان “الغالب عليه الخير والأخلاق الصالحة”.

ومن يتأمل وصف طلبته له يدرك جميل الخصال التي تحلى بها ابن القيم، ويفهم سر ذلك الجمال الذي كان يحدو كتاباته خاصة حين يتعمق في سبر أغوار النفس البشرية. لقد كان فارس الكلمة يخطها بنبل ورقي آسر، لا بد أنه نابع من قلب يدرك مراتب الإحسان والمسابقة! يقول ابن كثير: كان “حسن سن العشرة، وكثرة التودد إلى الناس والتَّحَبُّب إليهم، لا سيما أهل الفضل والصلاح منهم”.

اشتهر بحلمه على الناس وكَفّ الأذى عن الخلق. يقول ابن كثير عنه: “لا يحسد أحدًا، ولا يؤذيه، ولا يستعيبه، ولا يحقد على أحد”. وتلك هي أخلاق العلماء الربانيين، وتلك ثمرة العلم الخشية!. لقد كان شديد الحب للعلم والكتابة والمطالعة، كما يصفه تلميذه ابن رجب -رحمه الله-. شديد الجد والاجتهاد في ذلك حتى  وصف بـ “كثرة الطلب ليلًا ونهارًا”. شديد الصدع بما يعتقد أنه حق، لا يخشى في الله لومة لائم، وبذلك وصفه الشوكاني فقال: كان “صادعًا بالحق لا يحابي فيه أحدًا”.

ولا تزال آثار تجرده للحق وترفعه عن التعصب حاضرة في كتبه، يعتقد أن ما قرره اجتهاد منه يحتمل الصواب أو الخطأ. ومن ذلك: أنه صوّب إثبات (الواو) في قوله ﷺ: “إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم” ثم قال: “فهذا ما ظهر لي في هذه اللفظة، فمن وجد شيئًا فليلحقه بالهامش، فيشكر الله له، وعباده سعيه، فإن المقصود: الوصول إلى الصواب، فإذا ظهر وضع ما عداه تحت الأرجل”. ومع ما بلغه من مرتبة علمية وتقدير الناس له من حوله، كان شديد التواضع يكرر في كتاباته أن بضاعته قليلة وأن الفضل لله وحده وأن الخطأ من نفسه.

الإمامة في الدين

يقول أهل العلم إنما تنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين. وحين يذكر اسم ابن القيم لا بد أن نذكر ما تعرض له من الأذى والْمِحَن والابتلاء في الله -سبحانه-، فقد تعرض للسجن والأذى وصبر وصابر على ذلك، وواصل مسيرته بالمسابقة في ميادين العلم والعبادة. يقول ابن رجب: “كان في مدة حبسه مشتغلًا بتلاوة القرآن بالتَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ، فَفُتِح عليه من ذلك خير كثير”. وكان لذلك كبير الأثر في نفسه ومن حوله، بل وعلى نتاجه العلمي.

فالمطلع على نتاج ابن القيم يدرك أن ذكر هذه الفضائل في أخلاقه لا ينصف الرجل؛ فجولة في كتاب واحدة من كتبه، تجعل القارئ يدرك أي مبلغ فاضل وكريم بلغه ابن القيم بصدقه وتفانيه كما نحسبه. فمن قرأ لابن القيم كتابه “مدارج السالكين” يعلم أن كاتبه لم يكن رجلًا يتحدث لمجرد الحديث، بل أن كاتبه كان يحمل قلبًا ينبض بحب الله ورسوله ﷺ، وباليقين بالله والافتقار والعبودية والمعرفة بهذا الدين. يأسرك فيه ذلك الاطلاع الرائع على وصال النفس البشرية بخالقها سبحانه. فكانت أوصافه مهيبة عظيمة التأثير في النفوس، لذلك كانت كتبه من أفضل ما ينصح به لإصلاح القلوب والصحة النفسية، وضبط أداء النفس البشرية على الاستقامة كما كان حال السلف -رحمهم الله-.

وكان لهذا الاجتهاد من العلم ما يرافقه من عبادات القلب والجوارح؛ فعرف عن ابن القيم جدّه في العبادة ليلًا ونهارًا، حتى قال عنه ابن كثير: “ولا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه”. يصف ابن كثير صلاته فيقول: “يطيلها جدًا، ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان، فلا يرجع ولا يَنْزِع عن ذلك رحمه الله”. وقال ابن رجب عنه “كان ذا عبادة وتهجد”.

فكان ما يكتبه في باب الصلاة والتهجد والمسابقة بالعبادات ترجمة لما يعيشه ويحرص عليه في حياته، لذلك كان لوقع كلماته الأثر الكبير في النفوس. ولذلك استمر وامتد هذا الأثر كما نحسبه، لقرون بعد وفاته -رحمه الله-. فالصدق يطيل من أعمار المعاني التي تُخط في الكتب حين تكون انعكاسًا لواقع المجاهدة في ميدان العمل. لقد كان ابن القيم -بشهادة من حوله- كثير الدعاء والابتهال لله سبحانه. يقول ابن كثير عنه:  كنا شديد “الافتقار إلى الله، والانكسار له، والاطِّراح بين يديه على عتبة عبوديته”. وشديد الذكر لله -سبحانه- يلهج لسانه بالذكر.

 وعلم عنه أنه كان إذا صلى الفجر يجلس مكانه يذكر الله حتى يشرق النهار، فكان كما يصف هذه العبادة عن شيخه ابن تيمية رحمه الله: “هذه غَدْوَتِي، ولو لم أَتَغَدّ هذه الغدوة سقطت قواي”. ولا يمكن لمثل ما خطه ابن القيم إلا أن يستقى من الرباط على القرآن الكريم ولذلك كان يعرف بشدة المواظبة على كتاب الله سبحانه لا يشغله أحد عنه، يقول ابن رجب عنه أنه لم ير “أعرف بمعاني القرآن … منه”.

وحج ابن القيم عدة مرات وجاور مكة كثيرًا، حتى إن أهل مكة كانوا “يذكرون عنه من شدة العبادة، وكثرة الطواف أمرًا يُتَعَجَّب منه”. وقد بارك الله في وقته وجهده؛ فكان غزير التأليف رغم ازدحام وقته بالعبادات والتعليم والإفتاء، قال ابن القيم عن تأليفه لكتابه “مفتاح دار السعادة”: “كان هذا من بعض النزل والتُّحف التي فتح الله بها علي حين انقطاعي إليه عند بيته، وإلقائي نفسي ببابه مسكينًا ذليلًا، وتعرضي لنفحاته في بيته وحوله بكرة وأصيلًا”.

وكان لكل ما نراه من مسابقة بالعبادات والخيرات شعور الوجل في قلبه. تعكس ذلك أبياته المؤثرة:

بُنَيُّ أبي بكرٍ كثيرٌ ذُنُوبُهُ … فَلَيْسَ عَلَى مَنْ نَالَ مِنْ عِرْضِهِ إِثْمُ

بُنَيُّ أبي بكر جَهُولٌ بِنَفْسِهِ … جَهُولٌ بِأَمْرِ الله، أَنَّى له العِلْمُ؟!

بُنَيُّ أبي بكر غدا مُتَصَدِّرًا … يُعَلِّمُ عِلْمَاً وَهُو لَيْسَ ُلهُ عِلْمُ

بُنَيُّ أبي بكر غَدَا مُتَمَنِّيًا … وِصَالَ الْمَعَالِي وَالذُّنُوبُ له هَمُّ

أزهد أصحاب ابن تيمية

ابن القيم

عرف ابن القيم بأنه أزهد أصحاب ابن تَيْمِيَّة -رحمه الله-. ولعل من أعجب ما ذكر في ذلك أن سبب تأليف كتابه “تحفة المودود”، هو: أن الله -عز وجل- قد رزق ابنه إبراهيم مولودًا، ولم يكن عند والده -ابن القيم- في ذلك الوقت ما يقدمه لولده من متاع الدنيا، فصنف هذا الكتاب وأعطاه إياه، وقال له: “أُتْحِفكُ بهذا الكتاب إذ لم يكن عندي شيء من الدنيا أعطيك”.

إن الحديث عن شخصية ابن القيم ومكارم أخلاقه وعمق أطروحاته، يقودنا دائمًا للحديث عن عباداته ومجاهدته، وهذا يلخص سر قوة طرحه حين يتعلق الأمر بإصلاح القلوب وصناعة الهمة؛ فقد لخص في كتبه -ولا أبالغ- أسباب التوفيق الأهم، مما يجدر بكل مسلم ومسلمة الوقوف عليها والتتلمذ!

ومن جميل ما خطه ابن القيم  للتنبيه بعظمة الذكر ووصال الله -جل جلاله- في كل حركة وسكون؛ قوله: “إن الذكر يعطي الذاكر قوة، حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يطق فعله بدونه. وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية فى مشيته وكلامه وإقدامه وكتابته أمرًا عجيبًا؛ فكان يكتب فى اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعه أو أكثر،  وقد شاهد العسكر من قوته فى الحرب أمرًا عظيمًا وقد علم النبي ﷺ ابنته فاطمة وعليًا -رضي الله تعالى عنهما- أن يسبِّحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثًا وثلاثين، ويحمدا ثلاثًا وثلاثين، ويكبرا أربعًا وثلاثين، لمَّ سألته الخادم، وشكت إليه ما تقاسيه من الطحن والسعي والخدمة فعلمها ذلك وقال (إنه خير لكما من الخادم) (حديث صحيح رواه البخاري ومسلم).[6]

بداية طلبه للعلم

نشأ ابن القيم في بيت محب للعلم، فبدأ بطلبه وهو لا يزال في سن السابعة من عمره[7]. ولا شك أن الأسباب اجتمعت لتدفع بابن القيم التلميذ إلى مراتب الإمامة في الدين والعلم. ومن أبرز هذه الأسباب، أسرته، المحضن التربوي الذي تشكلت فيه شخصيته، وقوي معها شغفه بالعلم ومعالي الأمور، ورسّخت في مراحل تربيته محاسن الخلق والأدب.

ثم من أبرز هذه الأسباب، موطنه الذي نشأ فيه فقد كانت دمشق حاضرة العلم في زمانه، واجتمع له فيها كبار أئمة العلم في شتى فنونه. فاستفاد من كل ذلك، بفضل الله ثم شخصيته وقدراته العلمية المتفوقة.

ومع ذلك، لم تستقم انطلاقة ابن القيم تمامًا حتى لقي شيخه ابن تيمية، الذي وجهه توجيهًا قويًا لطريقة السلف. ولذلك نجد ابن القيم يحمد الله لنجاته من انحرافات تأويل الصفات، يذكر ذلك بنونيته ويثني فيها على شيخه ابن تيمية الذي أخذ بيده إلى طريق الجيل المتفرد.

يا قوم والله العظيم نصيحة من مشفق وأخ لكم معوان

جربت هذا كله ووقعت في تلك الشباك وكنت ذا طيران

حتى أتاح لي الإله بفضله من ليس تجزيه يدي ولساني

حبر أتى من أرض حران فيا  أهلًا بمن قد جاء من حران

فالله يجزيه الذي هو أهله      من جنة المأوى مع الرضوان

أخذت يداه يدي وسار فلم يرم   حتى أراني مطلع الإيمان

الاهتمام الشديد بالكتب

 قال ابن كثير -رحمه الله-: “واقتنى (ابن القيم) من الكتب ما لا يتهيأ لغيره تحصيل عُشْرِهِ، من كتب السلف والخلف”. وقال ابن رجب الحنبلي: “وكان شديد المحبة للعلم… واقتناء الكتب، واقتنى من الكتب ما لم يحصل لغيره”. وقال ابن حجر: “وكان مُغْرًى بجمع الكتب، فَحَصَّل منها ما لا يُحْصَر…”. ولعل أكثر ما يشير لضخامة مكتبته ما  حكاه ابن حجر: من أن أولادَ ابن القَيِّم ظلُّوا “يبيعون منها بعد موته دهرًا، سوى ما اصطفوه لأنفسهم”. كما اشتهر ابن القيم بكثرة النسخ بيديه،  قال ابن كثير: “وكتب بخطه الحسن شيئًا كثيرًا”. وقال ابن رجب: “وكتب بخطه ما لا يُوصَف كَثْرَةً”.

رحلات ابن القيم

لم يكن طلب العلم مهمة يسيرة في زمن مضى، بل كان محفوفًا بمشاق الترحال والتعب والمكابدة والسهر؛ ولذلك كان لابن القيم رحلاته، التي انتقل فيها مسافات طويلة من أجل السماع والتحصيل من علماء في بلدان أخرى. فقد خرج ابن القيم للاجتماع بالأئمة والعلماء للاستفادة من علمهم ومذاكرتهم في المسائل العلمية، حيث أشار المقريزي إلى أن ابن القيم “قدم القاهرة غير مرة” كما ذكر ذلك الشيخ بكر أبو زيد. وذكر ابن القيم -رحمه الله- في كتابه “هداية الحيارى” مناظرة جرت له بمصر مع أكبر من يشير إليه اليهود بالعلم والرِّيَاسَة.

وكان لابن القيم رحلاته داخل الشَّام، كبيت المقدس. وقد ذكر ذلك في أقواله بالإشارة إلى ما سمعه في بيت المقدس. كما ثبت سفره إلى بعلبك، وهذا ما وصلنا عن رحلاته التي لا نجزم بأن تكون الوحيدة. ولم يكن ابن القيم بحاجة ماسة للترحال -إلا لعلو همته- لكونه كان يعيش في دمشق وكانت آنذاك حاضرة للعلوم الإسلامية، خاصة وقد لازم فيها شيخه ابن تيمية، 16 عامًا (712-728هـ) في البحث والطلب والمذاكرة والصبر على الابتلاء!

شيوخ ابن القيم

ابن القيم

حظي ابن القيم بشيوخ أئمة جهابذة، تلقى على أيديهم العلم وكان لذلك كبير الأثر على جودة تحصيله العلمي.

ففي الحديث تتلمذ على يد الشهاب العابر أحمد بن عبد الرحمن، الحنبلي. وابن مكتوم: إسماعيل بن يوسف بن مكتوم، صدر الدين، أبو الفداء، الشافعي، المقرئ، الْمُسْنِد. وأيوب بن نعمة بن محمد، زين الدين أبو العلاء، المقدسي، الكَحَّال. وابن عبد الدائم: أبو بكر بن أحمد بن عبد الدائم، المُعَمِّر، مُسْنِدِ الشام في وقته. وعلاء الدين الكِنْدِي الوَدَاعي، الأديب، المحدِّث المفيد، المقري، كاتب ابن وَدَاعة، وكان يعرف بـ “الوَدَاعِي”. والبهاء بن عساكر: القاسم بن مُظَفَّر بن نجم الدين، بهاء الدين، أبو محمد، المعبِّر، الطبيب. والقاضي بدر الدين ابن جماعة: محمد بن إبراهيم بن سعد الله ابن جماعة، أبو عبد الله. والحافظ الذهبي: محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي، المؤرخ والمحدّث. ومحمد بن أبي الفتح بن أبي سهل البَعْلَبَكِّيِّ، الحنبلي، شمس الدين، أبو عبد الله، العلامة، المحدث. وابن الشِّيْرَازِي: محمد، شمس الدين، أبو نصر، الفارسي، المُسْنِد، الْمُعَمِّر. والمزي: يوسف بن عبدالرحمن بن يوسف،  الشافعي، أبو الحجاج، جمال الدين، الإمام، العلامة، الحافظ، محدث الشام.

أما شيوخه في اللغة العربية: فمحمد بن أبي الفتح البعلبكي الماضي ذكره. ومجد الدين التونسي: أبو بكر بن القاسم، المرسي، مجد الدين، شيخ القراءة والنحو.

أما شيوخه في الفقه: فابن تَيْمِيَّة: تقي الدين، أبو العباس، أحمد بن عبدالحليم، العالم، والفقيه، الحافظ، المفتي، شيخ الإسلام. والمجد الحرَّاني، إسماعيل بن محمد بن إسماعيل، مجد الدين، الحنبلي. وشرف الدين بن تيمية، أبو محمد، الحنبلي، أخو ابن تَيْمِيَّة. ومحمد بن أبي الفتح البعلبكي المتقدم ذكره.

أما شيوخه في الفرائض: فوالده، أبو بكر بن أيوب، قَيِّم الجوزية. وإسماعيل بن محمد الحراني الماضي ذكره. وابن تَيْمِيَّة.

أما شيوخه في أصول الفقه، فصفي الدين الهندي: محمد بن عبد الرحيم بن محمد، أبو عبد الله، الأرموي، الشافعي، العَلاَّمة، الأصولي. وابن تَيْمِيَّة. وإسماعيل بن محمد الحراني المتقدم ذكره.

أما شيوخه في التوحيد وأصول الدين: فابن تَيْمِيَّة،  والشيخ صفي الدين الأرموي المتقدم.

ومن شيوخه الآخرين: ابن سَيِّد الناس: فتح الدين، الأندلسي الأصل، المصري، الإمام، الحافظ. وابن الزَّمْلَكَاني: كمال الدين بن علي بن عبدالواحد، الأنصاري، الشافعي، شيخ الشافعية بالشام وغيرها. وابن مفلح: محمد بن مفلح المقدسي، الحنبلي، شمس الدين، أبوعبد الله، أحد الأئمة. وفاطمة بنت إبراهيم بن محمود بن جوهر، البطائحي، البعلبكي، أم محمد. وكانت امرأة صالحة محدثة، مسندة. طال عمرها، وروت الكثير.

تلاميذ ابن القيم

قال ابن رجب عن تلاميذ ابن القيم:

وأخذ عنه العلم خلق كثير من حياة شيخه، وإلى أن مات، وانتفعوا به، وكان الفضلاءُ يعظمونه ويتتلمذون له.

ومن أشهر تلاميذه، ولداه: إبراهيم بن محمد “برهان الدين”، وعبد الله بن محمد. والحافظ ابن كثير، الإمام، الْمُحَدِّث، المُفَسِّر، الحافظ، وكان يحبه حبًا كبيرًا طيلة سنوات صحبته التي دامت لأكثر من عشرين سنة، وعاش ابن كثير بعد وفاة شيخه وصاحبه. يقول في ترجمته لابن القَيِّم: “وكنت من أصحب الناس له، وأحبِّ الناس إليه”. ومن تلاميذه الصَّفَدِي، خليل بن أَيْبَك، صلاح الدين، العلامة، الأديب.

وابن رجب الحنبلي، زين الدين، أبو الفرج وعلي بن الحسين بن علي المقرئ، الحنبلي. وابن عبد الهادي، بن قدامة، المقدسي، الحنبلي، شمس الدين، أبو عبد الله. ومحمد بن عبد القادر بن محيي الدين، النابلسي، الحنبلي. ومحمد بن محمد بن محمد بن الخضر بن سمرى، الشمس، الشافعي. والمقري محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر، القرشي، التلمساني. والفيروزابادي محمد بن يعقوب بن محمد، الشافعي، مجد الدين.

وظائف ابن القيم

عاش ابن القيم حياة الإمام العالم الباحث، الذي يقضي عمره في الاشتغال بالعلم ونشره، وقد عمل في التدريس والإمامة والخطابة والإفتاء والتأليف والتصنيف. واسْتَمَرَّ ابن القيم في العمل بالعلم ونشره إلى آخر رمق، فقد ثبت أنه بقي في التَّدْرِيسِ بـ”الصدرية” حتى آخر حياته، كما أشار لذلك ابن كثير. ولم تكن مدرسة الصدرية مدرسته الوحيدة؛ فقد سبق أن درس في عدة مدارس لكن لم يحددها كتاب التراجم، كما كان ابن القيم يشغل إمامة مدرسة “الجوزية” التي كان والده قيّمها. ولذلك كان يطلق عليه الذهبي لقب “إمام الجوزية”.

وبحسب ابن كثير كان ابن القيم أول من خطب في الجامع الذي أنشأه نجم الدين بن خليخان، حيث قال عن أحداث سنة 736هـ: “في سَلْخِ رجب أقيمت الجمعة بالجامع الذي أنشأه نجم الدين بن خليخان، تجاه باب كيسان من القبلة، وخطب فيه الشيخ الإمام العلامة شمس الدين ابن قَيِّم الجوزية”. وإلى جانب قيامه بأعباء التدريس والخطابة والفتوى كان ابن القيم كثيرًا ما يعقد مناظرات بينه وبين خصوم السنة، وأعداء الإسلام الذين كانوا بكثرة في زمانه. ولا شك أن الحاجة تدعو إلى مثل هذه المناظرات فهي من سنة التدافع لحفظ منهج السنة وتمييز الحق من الباطل ورد الشبهات وتوجيه الناس للأصوب، وكل ذلك: “يشبه الجهاد وقتال الكفار”، كما يقول ابن القَيِّم رحمه الله. وكان لذلك ضريبة!

المحن التي تعرَّض لها ابن القيم

لقد عاش ابن القيم في زمن غلبت فيه الأفكار الدخيلة، وسيطرت على العقول والسلطان، وساد فيه أهل البدع، واشتدت فيه المبارزة والمواجهة. وكان ابن القيم يزدان بفروسية العلم، فظهر في زمانه بمثابة المصلح المجاهد. لكنها مهمة لم تكن باليسيرة، فقد كان قدر ابن القيم أن يتعرض لأذية حراس البدع وأمراء البلاد وسلاطينها، وحقد حساده وخصومه، فحيكت له المؤامرات وتربصوا به الدوائر! نلخص فيما يلي أسباب محن ابن القيم:

  • إنكاره شَدُّ الرَّحْلِ إلى قبر الخليل

تفشت في زمان ابن القيم بدعة شد الرحل إلى قبر الخليل إبراهيم -عليه السلام-. وتصدى لهذه البدعة ابن القيم مستدلًا بسنة رسول الله ﷺ وهَدْيِه. فألب الأعداء ضده وانتهى الأمر بحبسه، يقول في ذلك الذهبي: “وقد حبس مدة وأوذي لإنكاره شدَّ الرحل إلى قبر الخليل”. وقد سجن معه في نفس الفترة شيخه ابن تيمية ولكن كان كلاهما في زنزانة منفردة.

وكان من أساليب الحاقدين على ابن القيم وشيخه ابن تيمية تحريف فتاويهما، كما حصل في اتهامه بتحريم زيارة قبور الأنبياء مطلقًا، بينما لم يمنعا الزيارة الخالية عن شد الرحل. يقول المقريزي في ذلك: “وفي يوم الاثنين سادس شعبان -يعني سنة 726هـ- حُبِس تقي الدين أحمد بن تيمية، ومعه أخوه زين الدين عبدالرحمن بقلعة دمشق. وضُرِب شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قَيِّم الجوزية، وشُهِّرَ به على حمار بدمشق”.

وسبب ذلك: أن ابن قَيِّم الجوزية تكلم بالقدس في مسألة الشفاعة والتوسل بالأنبياء، وأنكر مجرد القصد للقبر الشريف دون قصد المسجد النبوي، فأنكر المقادسة عليه مسألة الزيارة، وكتبوا فيه إلى قاضي القضاة جلال الدين القزويني وغيره من قضاة دمشق.

وكان قد وقع من ابن تَيْمِيَّة كلام في مسألة الطلاق بالثلاث: أنه لا يقع بلفظ واحد، فقام عليه فقهاء دمشق، فلما وصلت كتب الْمَقَادِسَة في ابن القَيِّم، كتبوا في ابن تَيْمِيَّة وصاحبه ابن القَيِّم إلى السلطان، فعرف شمس الدين الحريري -قاضي القضاة الحنفية بديار مصر- بذلك، فشَنَّع على ابن تَيْمِيَّة تشنيعًا فاحشًا، حتى كتب بحبسه، وضُرِبَ ابن القَيِّم”.

وقد ظل ابن القَيِّم محبوسًا مدة، ولم يُفْرَج عنه إلا بعد وفاة شيخه بشهر؛ ذلك أن ابن تَيْمِيَّة قد توفي في محبسه بالقلعة في العشرين من ذي القعدة سنة (728هـ)، وفي يوم الثلاثاء عشرين ذي الحجة أُفرج عن الشيخ الإمام العالم العلامة أبي عبدالله شمس الدين بن قَيِّم الجوزية”.

وانشغل ابن القيم خلال فترة سجنه بالذكر والمناجاة والدعاء، وقراءة القرآن؛ ففتح الله -عز وجل- له أبوابًا كثيرة من العلم والتدبر والفهم، وبان أثر ذلك في كتاباته بعدها؛ فكانت خلاصات باهرة من قلم مجرب، وقلب متبتل، وصبر في محن.

  • وامتحن ابن القيم مرة أخرى بعد فتواه بحواز السباق بغير مُحَلِّل وأوذي بسببها.

قال ابن حجر في ذلك: “وجرت له محن مع القضاة، منها: في ربيع الأول -يعني سنة 746هـ- طلبه السبكي بسبب فتواه بجواز المسابقة بغير مُحَلِّل، فأنكر عليه وآل الأمر إلى أنه رجع عما كان يُفتي به من ذلك”. قال الشيخ بكر أبو زيد: “وقضية الرجوع محل نظر، فلا بد من تثبيت ذلك، وأرجو من الله تعالى أن يمنَّ عليَّ بما يدل على ذلك، نفيًا أو إثباتًا”. ذلك أنه لم يظهر أي تراجع لابن القيم في مؤلفاته بشأن هذه القضية.

  • كما امتحن ابن القيم وأوذي بسبب فتواه في مسألة الطلاق الثلاث، وهو نفس ما ذهب له شيخه ابن تيمية في أن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة يقع طلقة واحدة. قال ابن كثير في ذلك: “وقد كان متصديًا للإفتاء بمسألة الطلاق التي اختارها الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وجرت بسببها فُصُولٌ يطول بسطها مع قاضي القضاة تقي الدين السبكي وغيره”.

ويتعجب المرء لماذا يصل الأمر إلى أن يؤذى العالم لاجتهاده في مسألة فقهية، وبدل أن يسمح له بإبداء رأيه وما يعتقده بعلم ووضوح، لا مداهنة فيه، يصل الأمر إلى سجنه وضربه وإهانته! وهنا نسلط الضوء على كيف تدخلت السياسة في حركة العلم في ذلك الزمان، فقد كان الحكم بيد الأشاعرة وكان ابن القيم وشيخه شديدين على منهجهما، مما تسبب في التضييق عليهما.

وكان الخلاف شديدًا بين ابن القيم والسبكي في الأصول العقدية، في المعركة بين السلفية والأشاعرة وقضايا فقهية فرعية تبعت وزادت من عمق الخلاف، وقد ذكر ابن كثير في أحداث سنة 750هـ في السادس عشر من شهر جمادى الآخرة منها؛ أنه “حصل الصلح بين قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وبين الشيخ شمس الدين بن قَيِّم الجوزية، على يدي الأمير سيف الدين بن فضل ملك العرب، في بستان قاضي القضاة، وكان قد نقم عليه إكثاره من الفتيا بمسألة الطلاق”. وتوفي ابن القيم بعد هذه الحادثة بعام واحد رحمه الله.

خلافه مع السبكي

كان تقي الدين السبكي من أئمة الأشاعرة، ومن أشد خصوم ابن تيمية وابن القيم ومنهجهما السلفي، وساعده في خصومته، في ذلك الزمان أن الدولة كانت على منهج الأشاعرة الذي ينتمي إليه؛ فاستفاد من نفوذ السلطة في قمع أتباع المنهج السلفي وهذا ما يفسر إنكار ابن القيم للتعصب المذهبي وشدة محاربته له.

ولكن لشدة تضييق السبكي على ابن القيم اضطره للرحيل إلى مكة؛ حيث مكث هناك فترة استغلها في العبادة والتقرب من الله تعالى، والتأليف فأثمر رباطه، بعض أجمل كتبه، وهي بدائع الفوائد، ومدارج السالكين، وزاد المعاد، ومفتاح دار السعادة.

وهنا لفتة تاريخية، قليلًا ما يتم تسليط الضوء عليها في السرد التاريخي المثالي لما عرفه التاريخ الإسلامي، فقد تدخلت السياسة كثيرًا وفي مناسبات عديدة في وجهة وتأثير الحركة العلمية، فيفرض الحكام مذهبًا ويحاربون الآخر، ويحصل اضطهاد لأهل العلم ممن اختلف مع الحكام، فكانت لهذه السياسات أثرها في إيذاء العلماء وتقويض حريتهم ومحاصرة اجتهاداتهم.

ومع أنّ الـسُّـبْكي قد تنقص من ابن تيمية وابن القيم -كما تقدّم- إلا أنّه لم يجد بُدًا من الاعتراف بالفضل والعلم لابن تيمية؛ حين كتب الإمام الذهبي إلى الـسُّـبْكي معاتبًا له بسبب ما وقع منه في حق ابن تيمية. فأجاب الـسُّـبْكي الذهبيَّ وكان من ذلك: «وأما قول سيدي في الشيخ تقي الدين فالمملوك يتحققُ كبيرَ قدرهِ، وزخارةَ بحره، وتوسعه في العلوم النقلية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبُلوغه في كلٍّ من ذلك المبلغَ الذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائمًا وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجل، مع ما جمعه الله له من الزهادة، والورع، والديانة، ونصرة الحق، والقيام فيه لا لغرض سواه، وجريه على سَنَن السلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان بل فيما مضى من أزمان». وقد ذكر ابن كثير كما تقدم الصلح بين السبكي وابن القيم.

مؤلفات ابن القيم

مؤلفات ابن القيم

مؤلفات ابن القيم.

أحصى الشيخ بكر أبو زيد 98 مؤلفًا لابن القيم في شتى المواضيع: من أشهرها، اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، والرسالة التبوكية، وشفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، وهداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، والصَّواعق الْمُرْسلة على الْجَهْمِيَّةِ والْمُعَطِّلة، والكافية الشافية (النونية).[8]

وفي الأصول والفقه: إعلام الموقعين عن رب العالمين، وأحكام أهل الذمة، وإغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان، وتحفة المودود في أحكام المولود، وحكم تارك الصلاة، والطرق الحكمية في السياسية الشرعية.

ومن أكثر ما يرقق القلوب، مؤلفاته في السلوك والرقائق وأحوال القلوب ووصال الجنة. وهنا لا بد من ذكر مدارج السالكين، وإغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، وبدائع الفوائد. وحادي الأرواح، والداء والدواء (ويعرف بعنوان: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)، وروضة المحبين، والرُّوح، وطريقُ الْهِجْرَتَيْنِ وبَابُ السَّعَادَتين.

كما ترك أثرًا عظيمًا في مؤلفاته في الحديث والسيرة كتهذيب مختصر سنن أبي داود، وزاد المعاد في هدي خير العباد، والتبيان في أقسام القرآن، وجلاء الأفهام، والطب النبوي، وعدة الصابرين، والفروسية الشرعية، والكلم الطيب والعمل الصالح، المشهور باسم الوابل الصيب ومفتاح دار السعادة والمنار المنيف في الصحيح والضعيف. وغيرها الكثير من الكتب في شتى فنون العلم.

استند ابن القيم في كل كتاباته على القرآن، والسنة، وأقوال الصحابة، والتابعين، ومَنْ بعدهم، ويركز تأصيلاته وخلاصاته على بيان منهج أهل السنة. وقد ذكر ابن القيم بعض الكتب في كتبه وأخرى ذكرها من ترجم له، ومنها ما فقد ومنها ما اشتبه في اسمه. وقد فصل كل ذلك الشيخ بكر أبو زيد في كتابه عن ابن القيم، وفي مؤلفاته الذخائر والموسوعات والخلاصات الجليلة. وقد يحصل أن يحمل كتاب واحد من كتبه عنوانين ويشتهر بهما.

منهجُ ابن القَيِّم في التأليف

تمّيزت مؤلفات ابن القيم بعذوبة الأسلوب، وحسن السياق، وجمال المعاني وجاذبية العبارات، وقد ألّف ابن القيم في مواضيع بالغة الأهمية، تعتني بسلامة القلوب والثبات على الاستقامة والإخلاص في الدين، والتشويق للجنة ووعد الله للمؤمنين. وأرى صدق ابن القيم هو الذي جعل  مؤلفاته تنتشر بشكل كبير في سائر الأمصار والبلدان ومختلف الأزمنة والعصور. وقد شهد له بذلك كل من ترجم له، من معاصريه، كما قال أبو المحاسن الدمشقي: “ومصنفاته سائرة مشهورة”. وقال ابن رجب الحنبلي: “وصنف تصانيف كثيرة جدًا في أنواع العلم”. وقال زين الدين عبدالرحمن التفهني الحنفي (ت835هـ): “ابن قَيِّم الجوزية الذي سارت تصانيفه في الآفاق”. وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: “له التصانيفُ الأنيقةُ، والتآليفُ التي في علوم الشريعة والحقيقة”. وقال ابن حجر: “وكلُّ تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف”. وقال عنه أيضًا: “صاحب التصانيف النافعة السائرة، التي انتفع بها الموافق والمخالف”. وقال الشطي: “صاحب التصانيف العديدة المشهورة شرقًا وغربًا، والتآليف المفيدة المقبولة عجمًا وعربًا”.

ولا شك أن هذه الشهرة التي رافقت مؤلفات ابن القيم لم تأتِ من فراغ، وهذا القبول الذي امتازت به كتاباته لم يكن إلا ثمرة من ثمرات صدقه في التأليف، وصلاح نيته نحسبه والله حسيبه. لقد خط ابن القيم هذه الكتب بمنهج جاد مخلص، وعناية الحريص على الإتقان في عرض أفكارها.

وقد لخص الباحث جمال بن محمد السيد[9] ميزات منهجية ابن القيم فكانت كما يلي:

  1. التَّعَدُّدُ والتنوع الموضوعي في مؤلفاته.
  2. أهميَّةُ الموضوعات التي تَنَاوَلَهَا ابنُ القَيِّم بالتأليفِ، وَعِظَمُ قيمَتِهَا.
  3. وجود علاقة وثيقة بين الموضوعات التي تناولها بالتأليف، وبين أوضاع مجتمعه ومشاكل عصره.
  4. اعتماده في الاستدلال لمسائله وقضاياه على الأدلة النَّقْلِيَّة من الكتاب والسنة.
  5. الاعتماد في الاستدلال على العقل الصريح إلى جانب النقل الصحيح.
  6. التَّدَرُّجَ في سِيَاقِ الأدلَّةِ النقلية، وتَرْتِيبُهَا حَسْبَ مَكَانَتِهَا وَأَهَمِّيَتِهَا.
  7. التَّحَرُّرُ في تَآلِيفِهِ مِن التَّبَعِيَّةِ لِمَذْهَبٍ أو رأيٍ مُعَيَّنٍ يخالفُ الكتاب والسنة.
  8. طولُ النَّفَسِ فيما يكتب، والتَّوَسُّعُ في استقصاء جوانب البحث واستيفاء مقاصده.
  9. حُسْنُ الترتيبِ والتبويبِ والعَرْضِ للمعلومات التي يُضَمِّنُهَا كتبه وتواليفه.
  10. حلاوةُ الأسلوبِ، وجمالُ العبارةِ، وعذوبةُ الْمَنْطِقِ، وحسنُ البيان.
  11. الاعتماد كثيرًا على الأحداث والوقائع التاريخية، مع قوة الاستحضار لها، وبراعة الاستشهاد بها.
  12. الاستعانةُ بالتجاربِ الخاصَّةِ، والخبرةِ الشخصية في دَعْمِ أَفْكَارِهِ، وتأييدِ آرائِهِ.
  13. التَّواضُعُ الجَمُّ، وهضمُ الذَّاتِ، وإسنادُ ما يُفْتَحُ به عليه من فوائد إلى فضلِ الله وتوفيقه وتأييده.
  14. تَحَرِّي الدِّقَّةِ في النقل عن الآخرين، وبخاصة ما كان من ذلك مشافهة.
  15. الحرصُ على تحرِيرِ القول في المسائلِ المختلف فيها، وبيان الراجحِ من ذلك.
  16. التَّلَطُّفُ مع الْخَصْمِ، والحرصُ على إيصالِ الخير إليه، وحصولُ الهدايةِ والانتفاعِ له.
  17. دِقَّتُهُ -رحمه الله- في اختيار الأسماء والعناوين لكتبه، ومراعاة التطابق بين الاسم والمضمون.
  18. وقوعُ التِّكْرار في مؤلفاته وهي ميزة مؤلفات السلف وفي ذلك فوائد لا تخفى.

تفوق ابن القيم وشهادة أهل العلم فيه

عرف ابن القيم بشدة محبته للعلم وجده واجتهاده في تحصيله بالليل والنهار،  فنبغ في علوم عديدة وذاع صيته وفاق أقرانه في عصره. ولذلك قال عنه القاضي برهان الدين الزُّرَعي: “ما تحت أديم السماء أوسع علمًا منه”. وقال عنه شيخه المزي: “هو في هذا الزمان كابن خزيمة في زمانه”. وهذه شهادة جليلة من إمام عالم. وقال الصَّلاح الصَّفَدِي: “الإمام العلامة”. وقال : “اشتغل كثيرًا وناظر، واجتهد، وأكبَّ على الطلب، وصَنَّف، وصار من الأئمة الكبار في: علم التفسير، والحديث، والأصول: فقهًا وكلامًا، والفروع، والعربية، ولم يخلف الشيخ العلامة تقي الدين ابن تَيْمِيَّة مثله”.

وقال الحافظ ابن كثير: “الإمام العلامة… سمع الحديث، واشتغل بالعلم، وبرع في علوم متعددة، لا سيما: علم التفسير، والحديث، والأصلين. ولَمَّا عاد الشيخ تقي الدين ابن تَيْمِيَّة من الديار المصرية في سنة (712هـ)، لازَمَه إلى أن مات الشيخ، فأخذ عنه علمًا جمًّا، مع ما سلف له من الاشتغال، فصار فريدًا في بابه في فنون كثيرة. وبالجملة: كان قليل النظير في مجموعه وأموره وأحواله”.

وقال ابن رجب: “الفقيه، الأصولي، المفسر، النحوي، العارف… تفقه في المذهب، وبرع وأفتى… وتفنن في علوم الإسلام، وكان عارفًا بالتفسير لا يُجارى فيه، وبأصول الدين، وإليه فيهما المنتهى. والحديث ومعانيه، وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك. وبالفقه وأصوله، وبالعربية، وله فيها اليد الطولى، وبعلم الكلام، والنحو وغير ذلك، وكان عالمًا بعلم السلوك، وكلام أهل التصوف وإشاراتهم ودقائقهم، له في كل فنٍّ من هذه الفنون اليد الطولى”. وقال أيضًا: “… ولا رأيت أوسع منه علمًا، ولا أعرفَ بمعاني القرآن والسنة، وحقائق الإيمان منه، وليس هو بالمعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله”.

وقال عنه تقي الدين المقريزي: “برع في عدة علوم، ما بين:  تفسير، وفقه، وعربية، وغير ذلك، ولزم شيخ الإسلام، وأخذ عنه علماً جَمًّا، فصار أحد أفراد الدنيا”. وقال عنه ابن حجر: “كان جريء الجنان، واسع العلم، عارفًا بالخلاف ومذاهب السلف”. وقال أيضًا :”ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير: الشيخ شمس الدين ابن قَيِّم الجوزية، صاحب التصانيف النافعة السائرة، التي انتفع بها الموافق والمخالف، لكان غاية في الدلالة على عظم مَنْزلته”.[10]

وقال عنه السخاوي: “العلامة، الحجة، المتقدم في: سعة العلم، ومعرفة الخلاف، وقوة الجنان”. وقال عنه الشوكاني: “العلامة الكبير، المجتهد المطلق، المصنف المشهور. برع في جميع العلوم، وفاق الأقران، واشتهر في الآفاق، وتَبَحَّر في معرفة مذاهب السلف”. وقال عنه الشَطِّيُّ: “الفقيه، الأصولي، المفسر، المحدث… ذو اليد الطولى، الآخذ من كل علم بالنصيب الأوفى… تَفَنَّن في علوم الإسلام، فكان إليه المنتهى في: التفسير، وأصول الدين، وكان في الحديث والاستنباط منه لا يُجَارى، وله اليد العليا في الفقه وأصوله، والعربية، وغير ذلك”.

وشهادة أهل العلم في العالم مَنقَبَة له. وقيمة هذه الشهادة تزداد لكون من كتبها كان ممن عاصره أو تتلمذ على يده أو كان شيخه، ويكفي لكل من أراد أن يعرف منزلة ابن القيم العلمية أن يقرأ له، فيدرك أن هذا الوصف لم يكن إلا غيضًا من فيض!

قال الشيخ بكر أبو زيد: “وأما علومه التي تلقاها وبرع فيها: فهي تكاد تعم علوم الشريعة وعلوم الآلة، فقد دَرَسَ التوحيد، وعلم الكلام، والتفسير، والحديث، والفقه وأصوله، والفرائض، واللغة، والنحو، وغيرها. وبرع هو فيها وعلا كعبه وفاق الأقران، ويكفي في الدلالة على علو منزلته: أن يكون هو وشيخه -شيخ الإسلام- كفرسَي رِهَان. وهذه الجامعية المدهشة في البراعة والطلب نجدها محل اتفاق مسجل لدى تلاميذه الكبار، ومن بعدهم من ثقات النقلة الأبرار”.

وحين يجتمع توفيق الله -جل جلاله- مع الهمة العالية والمجاهدة والصبر وقوة الحفظ والذكاء، نكون أمام عالم من أعلام الأمة. وهذا لا يعني العصمة له فلا عصمة إلا لنبي، وإنما العالم يجتهد وليس منزّهًا عن الخطأ ولكننا نرجو أن نكون من أبناء أمة تقدر مقامات رجالاتها وعلمائها فنوفيهم حقهم من الإنصاف والوصف.

واقع ابن القيم وموقعه فيه

لقد عاش ابن القيم في عصر انتشر فيه الفساد الديني والأخلاقي، والعادات الاجتماعية المتردية، ولقيت فيه أفكار المبتدعة رواجًا واستحسانًا. فكان له الحضور الأوفى فيه، لم يكن منعزلًا عن أمته ولا مداهنًا في حق يعتقده، لم تكن تأخذه في الله لومة لائم، وكان يعرف قدر معلمه! يقول الشوكاني -رحمه الله-: فلعلها “سرت إليه بركة ملازمته لشيخه ابن تَيْمِيَّة في السراء والضراء، والقيام معه في محنه، ومواساته بنفسه، وطول تردده إليه”. فكانت نتيجة المحن الكبيرة التي مر بها ابن القيم وشيخه منحًا كبرى لا تزال الأجيال تدعو لهما وتعرف قدرهما.

إن المتأمل في كل كتابات ابن القيم سيجدها تتمركز حول الدعوة إلى التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ، والعمل بهما، والتحاكم إليهما عند التنازع. ولذلك قال يومًا: “ولسنا ممن يعرض الحق على آراء الخلق، فما وافقه منها قَبِلَهُ، وما خالفه رُدَّ، وإنما نحن ممن يعرض آراء الرجال وأقوالهم على الدليل، فما وافقه منها اعتدَّ به وقبله، وما خالفه خالفه”.

كان شديد الحرص على الدعوة إلى اتباع السنة النبوية الصحيحة، وشديد التحذير من البدع والمحدثات. ولذلك قال يومًا: “فصاحب السنة حيُّ القلب مستنيره، وصاحب البدعة ميت القلب مظلمه”. وقال أيضًا: “وأكمل الخلق متابعة له (النبي ﷺ): أكملهم انشراحًا ولذةً وقرة عين، وعلى حسب متابعته ينال العبد من انشراح صدره، وقرة عينه، ولذة روحه ما ينال”.

وبالموازاة مع ذمّ البدع كان يذمُّ التقليد الأعمى، الذي يحمل المقلد على ترك ما جاء به النبي ﷺ لقول مُقَلَّدِهِ. وقال بموضع الذم: “الإعراضُ عن القرآنِ والسننِ وآثارِ الصحابةِ، واتخاذُ رَجلٍ بعينه مِعْيَارًا على ذلك، وتركُ النصوص لقوله، وعرضها عليه، وقبول كل ما أفتى به، ورد كل ما خالفه”.

ولذلك كان شديدًا على التعصب المذهبي ونابذًا له ومحذرًا من فتنته. وصدق في ذلك؛ فقد بلغ الخلاف بين العلماء في زمانه أن وجد في الجامع الأموي في دمشق إمام لكل مذهب، ولكل إمام محراب. قال ابن كثير: “وأمر الكاملُ في يوم الاثنين سادس جمادى الآخرة أئمة الجامع أن لا يصلي أحدٌ منهم المغرب سوى الإمام الكبير، لِمَا كان يقع من التشويش والاختلاف بسبب اجتماعهم في وقت واحد، وَلَنِعْمَ ما فعل”.

ولم يكن ابن القيم يألو جهدًا في محاربة الانحراف في العقيدة، والدعوة للرجوع إلى ما كان عليه سلف هذه الأمة في باب العقيدة: فَهْمًا وسلوكًا؛ خاصة مع انتشار الأفكار الفلسفية والمناهج الكلامية في عصره، وتفشي البدع والخرافات والشعوذة واستقواء المبتدعة كالرافضة والنصيرية والصوفية.

ومع تعظيمه لمقام العلماء وتشديده على ضرورة الصدق والإخلاص في طريق العلم، كان أيضًا ينزل لواقعه ويعتني بمحاربة الفساد وإنكار المنكرات والأمر بالمعروف. فكان العالم المصلح في وسط انتعشت فيه المنكرات لكثرة الخلاف وتصادم الدعوات، وانشغل فيه الحكام بالترف والبذخ فكانت الرعية بأمس الحاجة لمن يحفظ لها حقها في النصح والتوجيه. لقد تميز ابن القيم بشخصية ناقدة، علمية مؤصلة، فكان له أثره في الجرح والتعديل وفي تعقب أقوال العلماء بالتصويب والاستدراك.

لقد عرفت حقبة ابن القيم ازدهارًا كبيرًا للحركة العلمية؛ خاصة بعد الهدم الذي تسببت فيه حملة التتار على العراق والشام، وانبعاث العلماء من جديد كان صفة بارزة في هذه الأمة. يقول الذهبي: “وتَنَاقَصَ العلم بها في المائةِ الرابعة والخامسة، وكَثُرَ بعد ذلك، ولا سيما في دولة نور الدين … ثم كثر بعد ذلك بابن تَيْمِيَّة، والمزي وأصحابهما ولله الحمد”.

 ولو أردت أن ألخص مسيرة ابن القيم لرددت نفس كلماته حين قال: “لا بد للسالك من همة تسيِّره وترقيه، وعلم يبصِّره ويهديه”. وقوله: “علو الهمة: أن لا تقف دون الله، ولا تتعوض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلًا منه، ولا تبيع حظها من الله وقربه والأنس به، والفرح والسرور والابتهاج به، بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية، فالهمة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور، لا يرضى بمساقطهم، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم، فإن “الهمة” كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها، وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان؛ فإن الآفات قواطع وجواذب، وهي لا تعلو  إلى المكان العالي فتجتذب منه، وإنما تجتذب من المكان السافل، فعلو همة المرء: عنوان فلاحه، وسفول همته: عنوان حرمانه”. لقد كان ابن القيم نموذجًا نابضًا حيًّا لعلو الهمة. 

ابن القيم وابن تيمية

كثيرًا ما يعتقد الناس أن ابن القيم ليس إلا نسخة أخرى من شيخه ابن تيمية، وأنه مجرد مقلّد له متابع له في كل ما يذهب إليه. وفي الواقع هذا بخس كبير لقيمة ابن القيم العلمية فقد كان إمامًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وكان عالما متفردًا لكنه كان وفيًّا!

لا شك أن لقاء ابن القيم بابن تيمية شكَّل انعطافة جادَّة في حياة ابن القيم، وكان ذلك في سنة 712هـ عند عودته من مصر منتصرًا على خصومه الصوفية هناك بعد محن طويلة، فكان اللقاء بداية الامتنان، بعد أن أقامه على طريقة السلف الصالح في العقائد والأصول، وأصبح ابن القيم من أخص وأنجب تلاميذ ابن تيمية، بل وأصبح امتدادًا لابن تيمية. فبعد وفاة شيخه، أصبح ابن القيم رائد المدرسة التجديدية وأصبح يواجه وحده الحملات المعادية التي سبق وأن تعرض لها شيخه ذلك أن أصولهما واحدة.

ومع أن ابن القيم اتفق مع شيخه في أغلب المسائل التي اجتهد فيها، بل وأوذي معه فيها، إلا أنه لم يكن مجرد متابع له، ولا مقلد! بل كان مجتهدًا أيضًا. ولذلك نجد أن ابن القيم قد اختلف مع شيخه ابن تيمية في عدد من المسائل، كما أنه قدم تأصيلات ودراسات للكثير من المسائل التي لم يدرسها شيخه ابن تيمية. بل وتوسع بشكل أكبر من شيخه في مسائل اتفقا فيها.

واختلف ابن القيم مع شيخه في عدد من المسائل تتعلق بموانع النكاح، والولاية والمهر وفي عِشْرَة النساء وفي الطلاق وفي الفسخ وفي الخلع، حيث كان له تأصيله وخلاصاته المختلفة عن ابن تيمية. وخالف ابن القيم مذهبه الحنبلي وكان يكتب تأصيلاته مستندًا للكتاب والسنة، ومتجردًا عن التعصب للانتماءات المذهبية. في سبيل تعظيم القرآن والسنة كمرجعية لها الأولوية عن كل مرجعيات أخرى.

يقول د.عبد العظيم شرف الدين عن مخالفة ابن القيم لشيخه في فهم كلام أحمد، والحكم المبني عليه بشأن رضاع الطفل إذا انتقل من ثدي المرضعة إلى ثدي غيرها: “من هنا، تظهر لنا قوة شخصيته، وحريته في البحث. وهذا ليس بعيدًا عليه؛ فهو الذي دعا إلى التحرر الفكري… فلم يلتزم رأي شيخه الذي فهمه من عبارة أحمد، بل أخذ يفهم في عبارة أحمد فهمًا حرًا. فوجدها تدل على أكثر مما فهمه شيخه، فصرح بذلك، وبين أن الوجه الذي أغفله شيخه، أظهر مما رآه. وقد وضح ما ذهب إليه مبينًا أن عبارة أحمد تشير إلى هذا الرأي الذي استنبطه من عبارته. وهو أن الأولى والثانية رضعة واحدة، لا رضعتان. كما فهم ابن تيمية”[7].

وفاة ابن القيم

توفي ابن القيم بعد رحلة شاقة من الطلب والعمل، والصبر والبذل وتحمل الأذى، في رجب 751هــ. فخرجت دمشق عن بكرة أبيها لتودع هذا الإمام الفذ العلامة، وتأسف لرحيله، القريب والبعيد، فلم يكن هناك أثر لمحنته في زعزعة مكانته في قلوب الناس لما عرفوه من فضله وخلقه، ولا يزال إلى يومنا يتبوأ ابن القيم منزلة سامقة في تاريخ علماء الإسلام وأعلام الأمة. رحمه الله ورضي عنه.

يقول ابن العماد الحنبلي في كتابه “شذرات الذهب في أخبار من ذهب”، في ترجمة ابن القيم وهو يذكر أحداث سنة إحدى وخمسين وسبعمائة: “وفيها توفي العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي ثم الدمشقي الفقيه الحنبلي بل المجتهد المطلق المفسر النحوي، ثم نقل عن ابن رجب أنه قال: وقد امتحن وأوذي مرات وحبس مع الشيخ تقي الدين في المرة الأخيرة بالقلعة منفردًا عنه ولم يفرج عنه إلا بعد موت الشيخ.”[11] وأضاف ابن العماد: “توفي رحمه الله وقت العشاء الآخرة ثالث عشر رجب، وصلي عليه من الغد بالجامع الأموي عقيب الظهر ثم بجامع جراح ودفن بمقبرة الباب الصغير”.

ويكفي من محبة الناس له، قول ابن كثير عنه: “وكنت من أصحب الناس له، وأحب الناس إليه. وقد كان حسن القراءة والخُلق، كثير التودد، لا يحسد أحدًا ولا يؤذيه، ولا يستعيبه، ولا يحقد على أحد”. [12]

وقول ابن رجب عنه: “وكان رحمه الله ذا عبادة وتهجد، وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتأله ولهج بالذكر، وشغف بالمحبة، والإِنابة والاستغفار، والافتقار إلى الله، والانكسار له، والاطِّراح بين يديه على عتبة عبوديته، لم أشاهد مثله في ذلك، ولا رأيت أوسع منه علمًا، ولا أعرف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس هو المعصوم، ولكن لم أرَ في معناه مثله.

وكان في مدة حبسه مشتغلًا بتلاوة القرآن بالتدبر والتفكر، ففتح عليه من ذلك خير كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، وتسلط بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف، والدخول في غوامضهم، وتصانيفه ممتلئة بذلك، وحج مرات كثيرة، وجاور بـ”مكة”، وكان أهل “مكة” يذكرون عنه من شدةِ العبادة، وكثرة الطواف أمرًا يتعجب منه”.

 وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء سبحانه، فاسأل الله من فضله العظيم!

الخاتمة

لعل أبرز ما يجب الوقوف عنده في سيرة العلامة ابن القيم، ذلك الحضور القويّ وسط مجتمعه، وأهل عصره، فقد كان المربّي والمصلح والمعلم والناصح والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. ولم يثنه عن أداء واجبه الذي هو واجب جميع ورثة الأنبياء، معاداة الحُكَّام له ولا أذيتهم له ولا تربص الخصوم والحاسدين به. ما يدل على أن العالم لا يكون عالمًا إلا بتأثيره حقًا في واقعه وعصره. فالعلم للعمل! والعالم الرباني من يسخر علمه لخدمة مبادئه، وغيرته على الحق والدين والحرمات، والدفاع عن حياض الإسلام وأهله.

لقد كان ابن القَيِّم واعيًا بواقعه، ولذلك لم يتردد في وصف الخليفة الذي كان مجرد صورة رمزية للخلافة العباسية في عصر المماليك، الذين حكموا مصر والشام، فقال في إحدى كتاباته، منتقدًا التوظيف السطحي للنصوص: “أنزلوا النصوص منزلة الخليفة العاجز في هذه الأزمان، له السِّكة والخطبة، وما له حكم نافذ ولا سلطان”.

رحل ابن القيم ورحل شانؤوه وبقي علمه ميراثًا يتوارث من قرن إلى قرن ومن جيل إلى جيل. وهكذا يمضي الرجال بالبذل والمسابقة، ويبقى الأثر. فنعم الأثر أثر العالم، فبه تحيا الأمة، وبه تستنير، وكما قال ابن القيم في إحدى خلاصاته الباهرة: “من طلب العِلم ليُحيي به الإسلام فهو من الصِّديقين، ودرجتُه بعد درجة النبوة”.[13]

وفي الختام مهما لخصت وجمعت وكتبت عن ابن القيم لن يغني عن القراءة له، ومن لم يقرأ لابن القيم فقد فاته أسلوب بديع وعلم عظيم وأدب جمّ، وذكاء لافت، وتميّز مهيب وغزارة طرح وعلو همة آسر ولا تفوت القراءة له لبيب!

147

المصادر
الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي.

التعليقات

  • أجزل منذ 3 أسابيع

    جيد

    الكتاب أسمه الفروسية المحمدية لا الفروسية الشرعية.

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.