منذُ بدأْتُ بإعدادِ قَصصِ الأنبياء بأسلوبٍ تربويٍّ جديدٍ حتَّى يومِنا هذا؛ لا زالَتْ حلقةٌ مفقودةً في البحثِ -معَ العلمِ حاولْتُ مرارًا تسليطَ الضَّوءِ عليها وعلى أهمِّيَّتِها في العديدِ من أبحاثي وكتبي ودراساتي-؛ ألا وهي أهمِّيَّةُ الإيمانِ بالرُّسلِ.

كانَتْ مقالاتي دومًا تتحدَّثُ عن قَصَصِ الأنبياء وأهمِّيَّةِ معرفةِ القَصصِ الحقِّ، وأهمِّيَّةِ العودةِ إلى مراجعِنا الأصليَّةِ: كتابُ اللهِ وسنَّةِ نبيِّه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، وأهمِّيَّةِ معرفةِ تَتَبُّعِ القَصَصِ القرآنيِّ لمعرفةِ الأهدافِ التي ذكرْتُ فيها كلَّ قصَّةٍ، ومعَ العودةِ إلى أسبابِ النُّزولِ والتَّرتيبِ الذي تنزَّلتْ به الآياتُ على قلبِ رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-؛ إنْ كانَ بالسَّنواتِ الثَّلاثِ السِّرِّيَّةِ في مكَّةَ المكرَّمةِ أوْ بالسَّنواتِ العشرِ الجهريَّةِ في مكَّةَ المكرَّمةَ، والسَّنواتِ العشرِ في المدينةِ المنوَّرةِ، وكيفَ تربَّى جيلُ الصَّحابةِ الكرامِ في هذه الفترةِ؛ التي دامَتْ 23 عامًا من بعثَتِه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- إلى وفاتِه، فحازوا على خيرِ القرونِ. قالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-:

خيرُ القرونِ قرني، ثمّ الذين يلونَهم، ثمّ الذين يلونَهم… (1).

إذنْ هناك سببٌ لجيلِ الصَّحابةِ الكرامِ لكي يحوزوا على خيرِ قرنٍ، والذي تربَّى عليه الصَّحابةُ الكرامُ خلالَ 13 سنة بمَّكَّةَ هو ترسيخُ الإيمانِ باللهِ عزَّ وجلَّ، وترسيخُ الإيمانِ باللهِ وتوحيدِه ومعرفةُ أسمائِه وصفاتِه وأفعالِه، معرفةُ عظمةِ الخالقِ، خالقِ السَّماواتِ والأرضِ وما بينَهما، وأهمِّيَّةُ معرفةِ الهدفِ من خلقِ الإنسانِ ولِمَ خلقَه اللهُ -عزَّ وجلَّ-. لذا كانَ من الأهمِّيَّةِ معرفةُ أركانِ الإيمانِ، وبعدَ الإيمانِ باللهِ -عزَّ وجلَّ- يأتي الإيمانُ بملائكتِه وكتبِه ورسلِه.

فالإيمانُ بالرُّسلِ ركنٌ وأصلٌ من أصولِ الإيمانِ، قبلَ أنْ نتحدَّثَ عن القَصصِ القرآنيِّ. لذا يجبُ بادئَ ذي بدءٍ معرفةَ أهمِّيَّةِ الإيمانِ بالرُّسلِ -صلواتُ ربِّي عليهم أجمعين-، ومعرفةَ السَّببِ في إرسالِ الرُّسلِ والأنبياء لبني آدمَ -عليه السَّلامُ- والهدفِ من إرسالِهم.

لذا سأسلِّطُ الضَّوءَ بادئَ ذي بدءٍ على أهمِّيَّةِ الإيمانِ بالرُّسلِ والأنبياء قبلَ الحديثِ عن قَصصِهم. معَ العلمِ أنَّ كتبَ التَّوحيدِ توضِّحُ هذا الرُّكنِ بالتَّفصيلِ مبيِّنةً أهمِّيَّةَ هذا الرُّكنِ خاصَّةً في كتابِ الرُّسلِ والرِّسالاتِ للدُّكتورِ عمر سليمان الأشقر(2). معَ العلمِ أنَّه لم يتمُّ تتبُّعِ الرُّسلِ والأنبياء كما وردَتْ في القرآنِ الكريمِ؛ فقدْ ذكرَ في تسلسلِ الأنبياء إدريسَ عليه السَّلامُ قبلَ نوحٍ عليه السَّلامُ. معَ العلمِ أنَّ تسلسلَ الأنبياء والرُّسلِ هو توقيفيٌّ في حقِّ اللهِ -تعالى-. وقدْ ذكرَ اللهُ -عزَّ وجلَّ- هذا من خلالِ تتبُّعِ قَصَصِ السَّابقين؛ فكلُّ نبيٍّ ورسولٍ يأتي يقولُ إنَّه كانَ من قبلِه قومُ كذا. لذا هذا ما سأوضِّحُه في مقالي هذا واللهُ وليُّ التَّوفيقِ، وما توفيقي ولا اعتمادي إلَّا على اللهِ، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

التَّمهيدُ

الأنبياء

قبلَ البدءِ بالتَّحدُّثِ عنِ التَّسلسلِ الصَّحيحِ لخارطةِ الأنبياء كما وردَ ذكرُهم في القرآنِ الكريمِ، نعودُ إلى عرضِ الأمانةِ على السَّماواتِ والأرضِ والجبالِ وكيفَ أبتْ أنْ تحملَ الأمانةَ، وحملَها آدمُ عليه السَّلامُ قالَ تعالى: { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72].

صحَّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ في تفسيرِه آيةَ الأمانةِ أنَّه قالَ: “يعني بالأمانةِ الطَّاعةَ عرضَها عليهن، قبلَ أنْ يعرضَها على آدمَ؛ فلمْ يطقْنَها. فقالَ لآدمَ: إنِّي عرضْتُ الأمانةَ على السَّماواتِ والأرضِ والجبالِ فلمْ يطقْنَها، فهلْ أنتَ آخذٌ بما فيها، قالَ يا ربِّ: وما فيها؟ قالَ: إنْ أحسنْتَ جُزيتَ، وإنْ أسأتَ عوقبْتَ، فأخذَها آدمُ فتحمَّلَها”(3).

قالَ ابنُ الجوزيِّ: قولُ الأكثرين في المرادِ بعرضِ الأمانةِ على السَّماواتِ والأرضِ؛ أنَّ اللهَ تعالى ركّبَ العقلَ في هذه الأعيانِ، وأفهمَهنَّ خطابَه، وأنطقَهنَّ بالجوابِ حينَ عرضَها عليهنَّ. ولم يُردْ بقولِه أَبَيْنَ المخالفةَ ولكنْ أَبينَ للخشيةِ والمخافةِ لأنَّ العرضَ كانَ تخييرًا.

فحينَ عرضَ الأمانةَ تعرّفَ آدمُ -عليه السَّلامُ- وذرِّيَّتُه على الجزاءِ إنْ أحسنَ فلهم الجنّةُ، وإنْ أساؤوا فلهمُ النَّارُ، وأيضًا حينَ أخذَ اللهُ الميثاقَ من الذُّرِّيَّةِ تعرَّفْنا على وجودِ الأنبياء والرُّسلِ. ففي حديثِ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: “لمَّا خلقَ اللهُ آدمَ مسحَ ظهرَه، فسقطَ من ظهرِه كلُّ نسمةٍ هو خالقُها منْ ذرِّيَّتِه إلى يومِ القيامةِ، وجعلَ بينَ عينيِّ كلِّ إنسانٍ منهم وَبيصًا منْ نورٍ، ثمّ عرضَهم على آدمَ، فقالَ: أيْ ربِّ من هؤلاء؟ قالَ: هؤلاء ذرِّيَّتُك، فرأى رجلًا منهم فأعجبَه وبيصَ ما بينَ عينيه، فقالَ: أيْ ربِّ من هذا؟ فقالَ: هذا رجلٌ من آخرِ الأممِ من ذرِّيَّتِك يقالُ له داودَ. فقالَ: ربِّ كمْ جعلْتَ عمرَه؟ قالَ: ستِّين سنةً، قالَ: أيْ ربِّ زدْهُ من عمري أربعين سنةً، فلمَّا قضى عمرُ آدمَ جاءَه ملكُ الموتِ، فقالَ: أولَمْ يبقَ من عمري أربعون سنةً؟ قالَ: أَوَلَمْ تعطِها ابنَك داودَ؟ قالَ: فجحدَ آدمُ فجحدَتْ ذرِّيَّتُه، ونسيَ آدمُ فنسيَتْ ذرِّيَّتُه، وخطئَ آدمُ فخطِئَتْ ذرِّيَّتُه”(4).

وحديثٌ في شرحِ آيةٍ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} إلى قولِه تعالى: {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 172، 173]. قالَ: جمعَهم له يومئذٍ جميعًا ما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ. فجعلَهم أرواحًا ثمَّ صوَّرَهم واستنطقَهم فتكلَّموا وأخذَ عليهم العهدَ والميثاقَ وأشهدَهم على أنفسِهم ألسْتُ بربِّكم؟ قالوا: بلى شهدْنا أن تقولوا يومَ القيامةِ إنَّا كنَّا عن هذا غافلين أو تقولوا إنَّما أشركَ آباؤُنا من قبلُ وكنَّا ذرِّيَّةً من بعدِهم أفتهلُكنا بما فعلَ المبطلون. قالَ: فإنِّي أشهدُ عليكم السَّماواتِ السَّبعَ، والأرضين السَّبعَ وأشهدَ عليكم أباكم آدمَ أن تقولوا يومَ القيامةِ لم نعلمْ أو تقولوا إنَّا كنَّا عن هذا غافلين فلا تشركوا بي شيئًا فإنِّي أرسلُ إليكم رسُلِي يذكِّرونَكم عهدي وميثاقي وأنزلُ عليكم كتبي فقالوا: نشهدُ أنَّك ربُّنا وإلهنا لا ربَّ لنا غيرُك ولا إلهَ لنا غيرُك، ورفعَ لهم أباهم آدمَ فنظرَ إليهم فرأى فيهم الغنيَّ والفقيرَ وحسنَ الصُّورةِ وغيرَ ذلك. فقالَ: ربِّ لو سوَّيْتَ بينَ عبادِكَ. فقالَ: إنِّي أحبُّ أنْ أشُكرَ ورأى فيهم الأنبياء مثلَ السُّرجِ وخصُّوا بميثاقٍ آخرَ بالرِّسالةِ والنُّبوَّةِ فذلك قولُ اللهِ -عزَّ وجلَّ-: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ} [الأحزاب: 7] الآيةُ وهو قولُه تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30].

وذلك قولُه: {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى} [النجم: 56]، وقولُه: {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف: 102]، وهو قولُه: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ} [يونس: 74] كانَ في علمِه بما أقرُّوا به من يكذبُ به ومن يصدِّقُ به فكانَ روحُ عيسى من تلكَ الأرواحِ التي أخذ عليها الميثاقَ في زمنِ آدمَ، فأرسلَ ذلك الرُّوحَ إلى مريمَ حينَ {انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} إلى قولِه: {مَقْضِيًّا} [مريم 16 – 21] فحملَتْه قالَ: حملَتِ الذي خاطبَها وهو روحُ عيسى عليه السَّلامُ.

قالَ أبو جعفرٍ: فحدَّثني الرَّبيعُ بنُ أنسَ عن أبي العاليةَ عن أبيِّ بنِ كعبٍ قالَ: دخلَ من فيها. هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ ولم يخرِّجاه(5).

وهناك الأحاديثُ الكثيرةُ التي نستدلُّ بها على معرفةِ ذرِّيَّةِ آدمَ -عليه السَّلامُ- من الأنبياء والرُّسلِ، هذا وهم في عالمِ الذَّرِّ، وأخذَ عليهم الميثاقَ بأنْ “لا يشركوا بي شيئاً”. والأهمُّ من ذلك معرفتنا ونحنُ في عالمِ الذَّرِّ بأنَّ الرُّسلَ والأنبياء يرسلُهم اللهُ -عزَّ وجلَّ- ليذكروا هذه الذُّرِّيَّةَ بهذا العهدِ والميثاقِ، والأهمُّ أنَّه سيكونُ هناك كتبٌ ترشدُهم إلى الصِّراطِ المستقيمِ الذي أخبرَهم اللهُ -عزَّ وجلَّ- عنه حينَ عرضَ الأمانةَ على السَّماواتِ والأرضِ فأَبَيْنَ أن يحملنَها وحملَها آدمُ -عليه السَّلامُ- بعلمِه الأزليِّ أنَّه سيكونُ آدمُ -عليه السَّلامُ- وذرِّيَّتُه حينما يكونون على الأرضِ.

لذا التَّسلسلُ الصَّحيحُ لخارطةِ الأنبياء توقيفيٌّ في حقِّ اللهِ -عزَّ وجلَّ-؛ أيْ أنَّه -سبحانَه وتعالى- هو مَنْ أعلمَنا بهذا التَّسلسلِ الصَّحيحِ. فقدْ وردَ ذكرُهم في القرآنِ الكريمِ مبيِّنًا لكلِّ نبيٍّ ورسولٍ من يأتي قبلَه إلَّا في ذكرِ إبراهيمَ -عليه السَّلامُ- وزكريَّا -عليه السَّلامُ- أخبرَنا اللهُ -عزَّ وجلَّ- أنَّه وهبَ لإبراهيمَ على الكبرِ إسحاقَ، ومن وراءِ إسحاقَ يعقوبَ -عليهم السَّلامُ جميعًا-؛ وزكريَّا عليه السَّلامُ حينَ أخبرَه اللهُ -عزَّ وجلَّ- أنَّه وهبَه على الكبرِ يحيى -عليه السَّلامُ-.

لذا سنذكرُ الأدلَّةَ منَ الكتابِ والسُّنّةِ على التَّسلسلِ الصَّحيحِ لخارطةِ الأنبياء والرُّسلِ كما وردَ ذكرُهم في القرآنِ الكريمِ.

الإيمان بالأنبياء ركن من الإيمان

وقبلَ البدءِ بسردِ التَّسلسلِ الصَّحيحِ نعودُ إلى حكمِ الإيمانِ بالأنبياء والرُّسلِ -صلواتُ ربِّي عليهم أجمعين- بعدَ تتبُّعِنا لعرضِ الأمانةِ والفطرةِ التي فطرَ اللهُ النَّاسَ جميعاً عليهم، وبعدَ معرفةِ أنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- سيرسلُ لنا الأنبياء والرُّسلَ وينزلُ لنا الكتبَ ويشهدُ علينا السَّماواتِ السَّبعَ والأراضين السَّبعَ وأبانا آدم -عليه السَّلامُ-؛ إنَّنا لم نشهدْ هذا الموقفَ العظيمَ ونحنُ في عالمِ الذَّرِّ.

فالإيمانُ بأنبياءِ اللهِ ورسلِه ركنٌ منْ أركانِ الإيمانِ، وأصلٌ من أصولِه، لا يصحُّ إيمانُ العبدِ إلَّا به وعلى ذلك دلَّ الكتابُ والسُّنّةُ. قالَ تعالى: {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].

قالَ ابنُ كثيرٍ: فالمؤمنونَ يؤمنون أنَّ اللهَ واحدٌ أحدٌ، فردٌ صمدٌ، لا إلهَ غيرَه ولا ربَّ سواه، ويصدِّقون بجميعِ الأنبياءِ والرُّسلِ والكتبِ المنزلةِ من السَّماءِ على عبادِ اللهِ المرسلين والأنبياء. لا يفرقون بينَ أحدٍ منهم، فيؤمنون ببعضٍ ويكفرون ببعضٍ؛ بل الجميعُ عندَهم صادقون بارّونَ راشدون مهديُّون هادون إلى سبيلِ الخيرِ، وإنْ كانَ بعضُهم ينسخُ شريعةَ بعضٍ بإذنِ اللهِ حتَّى نسخَ الجميعُ بشرعِ محمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- خاتمِ الأنبياء والمرسلين(6).

وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} [النساء: 150 – 151]. وأمّا في أحاديثِ رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- حينَ أتاهُ جبريلَ -عليه السَّلامُ- وسألَه عن الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ: “قالَ: ما الإيمانُ؟ قالَ: ْأن تؤمنَ باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه واليومِ الآخرِ والقضاءِ والقدرِ خيرِه وشرِّه”(7).

أسماء الأنبياء في القرآن الكريم

الأنبياء

أمَّا أسماءُ الأنبياء والرُّسلِ فقدْ وردَ ذكرُهم في القرآنِ الكريمِ ثمانيةَ عشرَ منهم في موضعٍ واحدٍ في سورةِ الأنعامِ: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ *وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ } [سورة الأنعام: 83 –86].

وقدْ وردَ ذكرُ آدم وهود وصالح وشعيب وإسماعيل وإدريس وذي الكفلِ ومحمَّدٍ صلواتُ ربِّي عليهم أجمعين في مواضعَ متفرِّقةٍ.

  • * قالَ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [سورة آل عمران: 33].
  • * قالَ تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ} [سورة هود: 50].
  • * قالَ تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [سورة هود: 61].
  • * قالَ تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} [سورة هود: 84].
  • * قالَ تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} [سورة الأنبياء: 85].
  • * قالَ تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [سورة الفتح: 29].

إذنْ ذكرَ اللهُ عزَّ وجلَّ خمسةً وعشرين نبيَّا ورسولًا(8). ومن هؤلاء الخمسةٍ والعشرين أربعةٌ من العربِ، فقدْ جاءَ في حديثِ أبي ذرٍّ في ذكرِ الأنبياء والمرسلين: “ومنهم أربعةٌ من العربِ: هودٌ، وصالحٌ، وشعيبٌ، ونبيُّك يا أبا ذرٍّ”(9). فيجبُ الإيمانُ بهؤلاءِ الأنبياءِ والرُّسلِ، والكفرُ برسولٍ واحدٍ كفرٌ بجميعِ الرُّسلِ، والأهمُّ لا نثبتُ النُّبوَّةَ لأحدٍ إلَّا بدليلٍ(10).

الَّتسلسلُ الصّحيحُ لخارطةِ الأنبياء

الأنبياء

كما وردَ ذكرُهم في القرآنِ الكريمِ، وفي أحاديثِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

1 – آدمُ عليه السُّلامُ أوّلُ نبيٍّ:

عن أبي سلامٍ قالَ: حَّدثني أبو أمامةَ أنَّ رجلًا قالَ: يا رسولَ اللهِ أنبيٌّ كانَ آدمُ؟ قالَ: “نعمْ معلَّمٌ مكلَّمٌ”. قالَ: كمْ بينَه وبينَ نوحٍ؟ قالَ: “عشرةُ قرونٍ”. قالَ: كمْ كانَ بينَ نوحٍ وإبراهيمَ؟ قالَ: “عشرةُ قرونٍ”. قالَ: يا رسولَ اللهِ كمْ كانَتِ الرُّسُلُ؟ قالَ: “ثلاثُ مئةٍ وخمسةَ عشرَ جمَّاً غفيرًا”(11).

نستدلُّ من هذا الحديثِ أنّ نوحًا عليه السَّلامُ هو النَّبيُّ والرَّسولُ من بعدِ آدمَ -عليه السَّلامُ-. فلا نبيَّ ولا رسولَ قبلَ نوحٍ -عليه السَّلامُ-؛ فلمْ يردْ بحديثٍ صحيحٍ أنَّ إدريسَ عليه السَّلامُ كانَ بينَ آدمَ ونوحٌ.

ولمْ يردْ أيضًا نبيٌّ اسمُه شيثُ. وهو ولدُ آدم لا في القرآنِ الكريمِ ولا حديثٍ صحيحٍ أو حديثٍ مرفوعٍ يتحدَّثُ عن شيثَ، لذا بما أنَّه لم يثبتْ بالقرآنِ الكريمِ ولا الأحاديثِ الصَّحيحةِ ذكرُ شيثَ نتوقَّفُ عن الحديثِ عنه. ويكونُ التَّسلسلُ الصَّحيحُ لخارطةِ الأنبياء عليهم صلواتُ ربِّي وسلامُهم هو ذكرُ نوحٍ عليه السَّلامُ أوَّل رسولٍ بعدَ آدمَ عليه السَّلامُ.

2 – نوحٌ عليه السَّلامُ، أوَّلُ الرُّسلِ إلى الأرضِ:

المدَّةُ الزَّمنيَّةُ بينَ آدمَ عليه السَّلامُ ونوحٍ عليه السَّلامُ كما وردَ في الحديثِ السَّابقِ عشرةُ قرونٍ. وهناك حديثٌ آخرُ رواه الحاكمُ في المستدركِ، من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: “كانَ بينَ نوحٍ وآدمَ عشرةُ قرونٍ كلُّهم على شريعةِ الحقِّ، فاختلفوا فبعثَ النَّبيّين مبشِّرين ومنذرين”(12).

بما أنَّنا ذكرْنا أنّ آدمَ عليه السَّلامُ كانَ نبيًّا معلَّمًا مكلَّمًا بعثَه اللهُ إلى أولادِه، فعلَّمَهم دينَ اللهِ، وجاءَتْ أجيالٌ بعدَه على الإيمانِ والتَّوحيدِ، ثمَّ طرأَ عليهم الشِّركُ والكفرُ بعدَ ذلك، وتمكَّنَ الشَّيطانُ من إغواءِ وإضلالِ أجيالٍ أخرى، فظهرَ فيهم الشِّركُ باللهِ وعبادةِ الأصنامِ(13).

روى البخاريُّ حديثًا موقوفًا على ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما في كيفيَّةِ انحرافِ قومِ نوحٍ، وعبادتِهم لتلكَ الأصنامِ.

قالَ ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما: “صارَتِ الأوثانُ التي كانَتْ في قومِ نوحٍ في العربِ بعدَ:

  • أمَّا “ودّ” فكانَتِ لكلب بدومةِ الجندلِ.
  • وأمَّا “سواعٌ” فكانَتْ لهذيلٍ.
  • وأمَّا “يغوث” فكانَتْ لمرادٍ، ثمَّ لبني غطيفٍ بالجرفِ، عندَ سبأ.
  • وأمَّا “يعوق” فكانَتْ لهمذانَ.
  • وأمَّا “نَسْرٌ” فكانَتْ لحميرٍ لآلِ ذي الكلاعِ.

وكانَتْ هذهِ أسماءُ رجالٍ صالحين، من قومِ نوحٍ، فلمَّا هلكوا أوحى الشَّيطانُ إلى قومِهم، أن انصبوا إلى مجالسِهم -التي كانوا يجلسون- أنصابًا، وسمّوها بأسمائِهم، ففعلوا، فلمْ تعبدْ، حتَّى إذا هلكَ أولئك، ونسخَ العلمُ، عُبِدَتْ”(14).

نوحٌ عليه السَّلامُ أوَّلُ رسولٍ للبشرِ:

الأنبياء

قالَ تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [سورة الأعراف: 59]. وقالَ تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الأعراف: 67]. ولقدْ أخبرَنا رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- أنَّ نوحًا عليه السَّلامُ هو أوَّلُ رسولٍ إلى الأرضِ.

روى البخاريُّ ومسلمُ عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه، عن رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: في حديثِ الشَّفاعةِ الطَّويلِ أنَّه قالَ: “…فيأتون نوحًا، فيقولون: يا نوحُ: أنتَ أوَّلُ الرُّسلِ إلى الأرضِ، وسمَّاكَ اللهُ عبدًا شكورًا، اشفعْ لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحنُ فيه؟ ألا ترى ما قدْ بَلَغْنا؟ فيقولُ لهم: إنَّ ربِّي قدْ غضبَ اليومَ غضباً، لم يغضبْ قبلَه مثلَه، ولنْ يغضبَ بعدَه مثلَه، وإنَّه قدْ كانَتْ لي دعوةٌ، دعوتُ بها على قومي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ…”(15).

نوحٌ عليه السَّلامُ، نبيٌ وهو أوَّلُ رسولٍ، أرسلَه اللهُ إلى قومٍ، نستدلُّ بذلك من الأحاديثِ التي وردَتْ عن رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- أنَّه أوَّلُ رسولٍ أرسلَ من بعدِ آدمَ عليه السَّلامُ، ولا نبيٌّ قبلَه.

3 – هودٌ عليه السَّلامُ:

عاد بعدَ قومِ نوحٍ عليه السَّلامُ، قالَ تعالى: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأعراف: 69]. وهناك الآياتُ التي ذكرتْ في سور هودٍ والمؤمنون والشُّعراء، كانتْ توردُ قصَّةُ هودٍ عليه السَّلامُ بعدَ قصَّةِ نوحٍ عليه السَّلامُ.

لم تذكرْ لنا الأحاديثُ الصَّحيحةُ عمَّا حدثَ بعدَ أنْ رسَتِ السَّفينةُ على جبلِ الجوديِّ، ولم يذكرْ أسماءَ أبناءِ نوحٍ عليه السَّلامُ، لا في القرآنِ الكريمِ ولا في الأحاديثِ الصَّحيحةِ التي وردتْ عن رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-. معَ العلمِ هناك أحاديثُ صحيحةٌ لقصَّةِ نوحٍ عليه السَّلامُ تذكَّرَ وصيتَه لأبنائِه معَ ذلك لم يذكرْ أسماءَ الأبناءِ.

ما يهمُّنا منْ قصَّةِ هودٍ عليه السَّلامُ هو عدمُ معرفةِ الأنسابِ فقطْ. عرفْنا إنَّه أخوهم هود؛ إذنْ لا أنسابَ توضِّحُ لنا التَّسلسلَ من بعدِ نوحٍ عليه السَّلامُ. وكلُّ ما ذكرَ هو من اليهوديَّاتِ المذكورةِ في التَّوراةِ المحرَّفةِ وبما أنَّها من مبهماتِ القرآنِ الكريمِ فلا نعوِّلُ على ذكرِ مثلِ هذه المبهماتِ من اليهوديَّاتِ.

عادٌ أوَّلُ قبيلةٍ عربيَّةٍ وهم من العربِ العاربةِ فهم أوَّلُ القبائلِ العربيَّةِ وجودًا في التَّاريخِ، وهمْ أوَّلُ منْ تكلَّموا بالعربيَّةِ. وهمُ الذين كانوا في الجزيرةِ العربيَّةِ قبلَ إقامةِ إسماعيلَ عليه السَّلامُ في مكَّةَ. ومن هذه القبائلِ العربيَّةِ العاربةِ: عادٌ، وثمودٌ، وجرهمُ، وطسمُ، وجديسُ، وغيرُهم(16).

هودٌ عليه السَّلامُ نبيٌّ رسولٌ قالَ تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [الأعراف: 65]. وقالَ تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } [الشعراء: 123 – 125].

4 – صالحٌ عليه السَّلامُ:

بعثَ اللهُ صالحًا عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ نبيًّا ورسولًا إلى ثمودَ. ثمود بعدَ عادٍ قالَ تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ} [الأعراف: 74]. وهذا نصٌّ صريحٌ على أنَّ اللهَ جعلَ قومَ ثمودٍ خلفاءَ منْ بعدِ قومِ عادٍ، وكلمةُ “خلفاءَ” توحي بالبعديَّةِ المباشرةِ، لأنَّ الخليفةَ هو الذي يأتي بعدَ الخليفةِ السَّابقِ مباشرةً(17).

صالحٌ عليه السَّلامُ: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء: 141 – 143]، وقالَ تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 75].

5 – إبراهيمُ عليه السَّلامُ:

هو أبو الأنبياء، إبراهيمُ الخليلُ عليه الصَّلاةُ والَّسلامُ، وهو من أولي العزمِ من الرُّسلِ، بعثَه اللهُ رسولًا إلى قومِه في بلادِ العراقِ، وكانوا يعبدون الأصنامَ والكواكبَ من دونِ اللهِ(18). قالَ تعالى: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} [مريم: 41].

6 – لوطٌ عليه السَّلامُ:

نبيٌّ من أنبياءِ اللهِ، ورسولٌ من رسلِه. وقدْ أخبرَنا القرآنُ أنَّه آمنَ بإبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، لمَّا كانَ إبراهيمُ يدعو قومَه إلى اللهِ، في بلادِ العراقِ. ولا يذكرُ القرآنُ الصِّلةَ بينَ إبراهيمَ وبينَ لوطٍ عليهما السَّلامُ، ولا درجةَ القرابةِ بينَهما، ولمْ يحدِّدْ ذلك أيضًا رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- في حديثٍ صحيحٍ له(19).

فلا نعرفُ عن لوطٍ إلَّا اسمَه هو، ولا نعرفُ شيئًا يقينيًّا عن صلتِه بإبراهيمَ، ولا عن نسبِه، ولا شيءَ عن نشأتِه وطفولتِه. كلُّ ما نعرفُه أنَّه استجابَ لدعوةِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ وسارَ معه، وآمنَ له. ولمَّا هاجرَ إبراهيمُ منَ العراقِ إلى بلادِ الشَّامِ كانَ لوطٌ معه. وهذا ما ذكرَه القرآنُ الكريمُ(20).

قالَ تعالى: {فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت: 26]. وقالَ تعالى عن إبراهيمَ عليه السَّلامُ: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 71]. وقالَ تعالى: {وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ} [الصافات: 133 – 143]. وقالَ تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [سورة الشعراء: 160 – 163].

7– شعيبٌ عليه السَّلامُ:

الأنبياء

“شعيبٌ” اسمُ النَّبيِّ الرَّسولِ الكريمِ عليه الصَّلاةُ والتَّسليمُ، الذي بعثَه اللهُ رسولًا إلى قومِ مدينَ. ومدينُ قومٌ من العربِ، وشعيبٌ عربيٌّ، مثلُه في ذلك مثلُ هودٍ وصالحٍ عليهما الَّسلامُ، اللذين كانا نبيّينِ عربيّينِ، مبعوثينِ إلى قبيلتينِ عربيَّتين: عاد وثمود(21).

قربُ مدينَ منْ قومِ لوطَ زمانًا ومكانًا:

أمَّا منْ حيثُ المكان؛ فإنَّ أرضَ مدينَ كانَتْ قريبةً منْ قومِ لوطٍ، من حيثُ الموقع الجغرافيّ. فإنَّ قومَ لوطٍ يقيمون منْ منطقةِ البحرِ الميِّتِ في الأغوارِ، فإنَّ أرضَ مدينَ كانَتْ قريبةً منهم في الجنوبِ الشَّرقيِّ(22).

أمَّا منْ حيثُ الزَّمان؛ وجودُ قومِ مدينَ ونبيُّهم شعيبُ قدْ كانَ بعدَ إبراهيمَ ولوطٍ عليهما السَّلامُ. فبينَ إبراهيمَ ولوطٍ عليهما السَّلامُ وبينَ شعيبَ عليه السَّلامُ فترة زمنيَّة يسيرة. قالَ تعالى: {وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} [هود: 89].

إنَّ قومَ لوطٍ قريبون من قومِ مدينَ وليسوا بعيدين عنهم، وقربُهم منهم قربٌ مكانيٌّ جغرافيٌّ أوَّلًا، ثمّ قربٌ زمانيٌّ تاريخيٌّ بعدَ ذلك(23).

وقالَ تعالى: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [سورة الشعراء: 176 – 179].

8 – إسماعيلُ عليه السَّلامُ:

إسماعيلُ عليه السَّلامُ كانَ نبيًّا رسولًا إلى العربِ، يدعوهم إلى اللهِ، ويأمرُهم بالصَّلاةِ والزَّكاةِ. قالَ تعالى: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم: 54 – 55].

ولمْ يبعثِ اللهُ منْ نسلِ إسماعيلَ عليه السَّلامُ إلَّا نبيًّا واحدًا هو أفضلُ وأشرفُ وخاتمُ الأنبياء والمرسلين محمَّدٌ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-. بينَما بعثَ أنبياءَ كثيرين من نسلِ إسحاقَ عليه السَّلامُ، هم أنبياءُ بني إسرائيلَ (يعقوبُ عليه السَّلامُ)(24).

روى مسلم عن واثلةَ بنِ الأسقعِ رضيَ اللهُ عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: “إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ اصطفى منْ ولدِ إبراهيمَ إسماعيلَ، واصطفى من بني إسماعيلَ كنانةَ، واصطفى من كنانةَ قريشًا، واصطفى من قريشٍ بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم”(25).

9 – 10 إسحاقُ ويعقوبُ عليهما السَّلامُ:

إسحاقُ عليه السَّلامُ هو الابنُ الثَّاني لإبراهيمَ عليه السَّلامُ، وقدْ بشَّرَه اللهُ به، ووهبَه له على كبرٍ، وكانَ ابنُه الأوَّلُ إسماعيلُ نبيًّا رسولًا، وكانَ متزوِّجًا، فبينَ إسماعيلَ وإسحاقَ سنواتٌ عديدةٌ، اللهُ أعلمُ بمقدارِها. ولمَّا بشَّرَ إبراهيمُ عليه السَّلامُ بإسحاقَ كانَ إبراهيمُ عليه السَّلامُ مقيمًا في بلادِ الشَّامِ، وكانَ شيخًا كبيرًا، وامرأتُه سارةُ عجوزٌ عقيمٌ.

وقدْ أرسلَ اللهُ لإبراهيم نفرًا من الملائكة، في صورة رجال، وكانوا في طريقهم لتدميرِ قومِ لوطٍ الشَّاذِّين، فلمْ يعرفْ إبراهيمُ عليه السَّلامُ حقيقتَهم، وظنَّهم ضيوفًا، وقدّمَ لهم طعامًا فلمْ يأكلوا منه، وأخبروه عن مهمَّتِهم، وبشَّروه بإسحاقَ نبيًّا منَ الصَّالحين. ومنْ وراءِ إسحاقَ يعقوبَ عليه السَّلامُ؛ ابنُ إسحاقَ عليهم صلواتُ ربِّي أجمعين(26).

قالَ تعالى: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} [مريم: 49]. {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت: 27].

وقالَ تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93].

يعقوبُ عليه السَّلامُ هو إسرائيلُ عليه السَّلامُ، وهو اسمُه الثَّاني الذي وردَ في سورةِ آلِ عمرانَ وسورةِ مريمَ، أيضًا ذكرَ بأحاديثَ صحيحةٍ بروايةِ أحمدَ(27)، تتحدَّثُ الأحاديثُ على اسمِ يعقوبَ عليه السَّلامُ بإسرائيلَ.

أمَّا قولُ اللهِ تعالى في سورةِ مريمَ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58].

ذكرَتِ الآيةُ أربعةَ أنبياءٍ: آدم ونوحًا وإبراهيم وإسرائيل عليهم السَّلامُ.

ذكرَ آدمَ عليه السَّلامُ باعتبارِه أبا البشرِ.

وذكرَ نوحًا عليه السَّلامُ باعتبارِه أبا البشريَّةِ الثَّاني بعدَ الطُّوفانِ.

وذكرَ إبراهيمَ عليه السَّلامُ لأنَّ النُّبَّوةَ انتهتْ إليه، وشجرةُ النُّبوَّةِ استقرَّتْ عندَه فهوَ أبو الأنبياء.

وقدْ تفرَّعَ منْ شجرةِ النُّبوَّةِ فرعان:

الفرعُ الإسماعيليُّ: المتمثِّلُ في إسماعيلَ عليهما السَّلامُ، وهذا الفرعُ ختمَ بخاتمِ الأنبياء والمرسلين رسولِ اللهِ محمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، سيِّدِ ولدِ إسماعيلَ، بلْ سيِّدِ ولدِ آدمَ.

الفرعُ الإسرائيليُّ: المتمثِّلُ بإسرائيلَ (يعقوبَ) حفيدِ إبراهيمَ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو أبو بني إسرائيلَ، وأصلُ أسباطِهم، وكلُّ أنبيائِهم من ابنِه يعقوبَ حتَّى عيسى ابنِ مريمَ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ فهمْ منْ ذرِّيَّةِ إسرائيلَ، وعيسى من ذرِّيَّةِ يعقوبَ من جهةِ الأمِّ، فهو إسرائيليٌّ من جهةِ الأمِّ لأنَّه لا أبَ له، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ. ولهذا الاعتبارِ وردَ ذكرُ إسرائيلَ معطوفًا على إبراهيمَ عليهما السَّلامُ في الآيةِ: { وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ}.

وقدْ صرَّحَ القرآنُ بأنَّ اللهَ جعلَ النُّبوَّةَ في ذرِّيَّةِ كلٍّ من إبراهيمَ ويعقوبَ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ(28). قالَ تعالى: { فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت: 26 – 27].

من هنا تتَّضحُ لنا أهمِّيَّة معرفةِ التَّسلسلِ الصَّحيحِ لخارطةِ الأنبياء، ومعرفةِ الفرعِ الإسماعيليِّ، والفرعِ الإسرائيليِّ لمعرفةِ الأنبياء الذين بعثَهم اللهُ (أولادُ يعقوبَ عليه السَّلامُ) حيثُ بعثَ اللهُ أنبياءَ عديدين إلى بني إسرائيلَ. أوَّلُهم نبيُّ اللهِ إسرائيل نفسه عليه السَّلامُ الذي كانَ نبيًّا لأبنائِه، ثمَّ ابنُه نبيُّ اللهِ يوسفُ عليه السَّلامُ، ثمَّ الأنبياءُ الآخرون لبني إسرائيلَ، مثلُ موسى وهارون، وداود، وزكريَّا ويحيى، وآخرُهم هو عيسى ابنُ مريمَ، عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ(29).

11 – يوسفُ عليه السَّلامُ:

{وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ} [غافر: 34].

يوسفُ عليه السَّلامُ هو أحدُ أبناءِ يعقوبَ عليهما السَّلامُ، إنَّ اللهَ وهبَ ليعقوبَ عليه السُلامُ اثني عشرَ ولدًا ذكرًا، ولم يخبرِ المصادران الموثوقان (القرآنُ الكريمُ والحديثُ الصَّحيحُ) إلَّا على اسمٍ واحدٍ منهم، وهو يوسفُ عليه السَّلامُ(30).

12 – 13 – موسى وهارون عليهما السَّلامُ:

موسى عليه السلام

{فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 16 –17]، وقالَ تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} [مريم: 51]، وماذا قالَ الرَّجلُ المؤمنُ لفرعونَ وآلِه، قالَ تعالى: {وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ *مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} [غافر: 30 – 31].

نستدلُّ من الآياتِ في سورةِ غافرٍ على معرفةِ التَّسلسلِ الصَّحيحِ للأنبياءِ، والأهمُّ تذكيرُ كلِّ نبيٍّ ورسولٍ بالنَّبيِّ الذي قبلَه وما حدثَ معَ أقوامِهم، وأنَّ الإيمانَ بالرُّسلِ ركنٌ من أركانِ الإيمانِ، فكلُّ نبيٍّ ورسولٍ يذكِّرُ قومَه بالإيمانِ باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه واليومِ الآخرِ والقضاءِ والقدرِ خيرِه وشرِه.

14 – داوودُ عليه السَّلامُ ملكٌ نبيٌّ رسولٌ:

وقدْ جعلَ اللهُ داوودَ خليفةً في الأرضِ. قالَ تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26]. وبذلك كانَ ملكًا خليفًة ونبيًّا رسولًا عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ومن لطائفِ القرآنِ أنَ كلمةَ “خليفة” لم تردْ في القرآنِ إلَّا مرَّتين:

  • الأولى: في قصَّةِ آدمَ عليه السَّلامُ في سورةِ البقرةِ. قالَ تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30].
  • والثانيةُ: في وصفِ داوودَ عليه السَّلامُ بأنَّه خليفةٌ: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} [ص: 26] فآدمُ عليه السَّلامُ هو أبو البشرِ، وهو أوَّلُ خليفةٍ في الأرضِ، بالمعنى العامِّ للخلافةِ، هو الاستخلافُ في الأرضِ وتعميرِها وإصلاحِها، على منهجِ اللهِ وشرعِه.

وقدْ جعلَ اللهُ الإنسانَ -باعتبارِه إنسانًا- سيِّدَ الأرضِ، وذلّلَ له الأرضَ، وسخّرَ له كلَّ ما فيها، وطالبَه أنْ يعمرَها ويصلحَها، ويكونَ خليفةً فيها، ولهذا كانَ أوَّلُ شخصٍ منَ البشرِ هو أوَّلُ خليفةٍ بالمعنى العامِّ، وهو آدمُ عليه السَّلامُ، كما نصَّتْ آيةُ سورةِ البقرةِ.

والخليفةُ الَّثاني في القرآنِ هو داوودُ عليه السَّلامُ! فما معنى ذلك؟ أنَّ داوودَ خليفةٌ بالمعنى الخاصِّ للخلافةِ، وليسَ بالمعنى العامِّ الذي تحقَّقَ في خلافةِ آدمَ عليه السَّلامُ!

إنَّه خليفةٌ بالمعنى الشَّرعيِّ، المتمثِّلِ في إيجادِ نظامِ حكمٍ على شرعِ اللهِ، والحكم بينَ النَّاسِ بشرعِ اللهِ، وهذا ما صرَّحَتْ به الآيةُ: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}. وهذا المعنى لم يذكرْ في الآيةِ التي أخبرَتْ عنِ استخلافِ آدمَ عليه السَّلامُ(31).

15 – سليمانُ عليه السَّلامُ:

وراثَتُه الملكَ والنُّبوَّةَ والرِّسالةَ والخلافةَ، وأوَّلُ حاكمٍ حكمَ الإنسَ والجنَّ والطَّيرَ والرِّيحَ: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل: 16].

16 – أيُّوبُ عليه السَّلامُ:

أيُّوبُ عليه السَّلامُ نبيٌّ من أنبياءِ اللهِ، قالَ تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ *وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 83 – 86].

وقالَ تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء: 163].

أيُّوبُ عليه السَّلامُ نبيٌّ من أنبياءِ اللهِ، أوحيَ إليه بنصِّ هذه الآيةِ.

17 – يونسُ عليه السَّلامُ:

{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء: 163]. صرَّحَتِ الآيةُ بأنَّ اللهَ أوحى إلى يونسَ عليه السَّلامُ، وجعلَه نبيًّا. وقدْ وردَ ذكرُه في عدَّةِ سورٍ وإحدى السُّورُ تحملُ اسمُه “سورةُ يونسَ”.

18 – إدريسُ عليه السَّلامُ:

نبيٌّ كريمٌ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وقدْ وردَ اسمُه مرَّتين في القرآنِ الكريمِ، وردَ اسمُه في سورةِ الأنبياء مقروناً بإسماعيلَ وذي الكفلِ.

قالَ تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء: 85 – 86]. وقالَ تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا *وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم: 56 – 57]. ومن هاتين الآيتين دلالةً على أنَّ بعثةَ إدريسَ كانَتْ متأخرةً في بني إسرائيلَ(32).

19 – ذو الكفلِ عليه السَّلامُ:

{وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ *وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء: 85 – 86]، وقالَ تعالى: {وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ} [ص: 48].

20 – إلياسُ عليه السَّلامُ:

كانَ نبيًّا رسولًا. قالَ تعالى: { وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 86]. وقالَ تعالى: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} [الصافات: 123 – 126]. تخبرنا هذه الآيات أنّ إلياس كان نبيًا رسولًا.

21 – اليسعُ عليه السَّلامُ:

وردَ اسمُه مرَّتين في القرآنِ؛ المرَّةُ الأولى: في سورةِ الأنعامِ، وأثناءَ ذكرِ أسماءِ ثمانيةَ عشرَ نبيًّا. والمرَّةُ الثَّانيةُ: في سورةِ ص أثناءَ إيرادِ أسماءِ مجموعةٍ منَ الأنبياء، وذلكَ بعدَ عرضِ لقطاتٍ منْ قَصصِ داوودَ وسليمانَ وأيُّوبَ عليهم السَّلامُ. ولم يتحدَّثِ القرآنُ عنْ قصَّةِ “اليسعِ” شيئًا. فكلُّ ما أوردَه هو ذكرُ اسمِه ضمنَ أسماءَ أنبياءٍ في الموضعين السَّابقين، ولم يردْ حديثٌ صحيحٌ(33).

23 – زكريَّا ويحيى عليهما السَّلامُ:

منْ آخرِ أنبياءِ بني إسرائيلَ، ولم يأتِ بعدَهما نبيٌّ لبني إسرائيلَ إلَّا عيسى عليه السَّلامُ، قالَ تعالى: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 39]، وهذا نصٌّ على نبوَّةِ يحيى عليه السَّلامُ، حيثُ سيجعلُه نبيًّا، ويجعلُه من الصَّالحين، بل هو إمامُ الصَّالحين في عصرِه.

وقالَ تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12]. وقالَ تعالى: {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنعام: 85]. زكريَّا عليه السَّلامُ وهو من آخرِ أنبياءِ بني إسرائيلَ وما حدثَ معَه منقولًا هو كفالةِ مريمَ، ودعوةِ اللهِ عزَّ وجلَّ أنْ يرزقَه الذُّرِّيَّةَ الصَّالحةَ فرزقَه اللهُ يحيى عليه السَّلامُ.

24 – عيسى عليه السَّلامُ:

عيسى عليه السَّلامُ عبدُ اللهِ، ونبيُّه ورسولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وجاءَ نبيًّا ورسولًا إلى بني إسرائيلَ، ومن أنكرَ كونَه نبيًّا رسولًا فقدْ كفرَ؛ ولهذا كانَ منْ أسبابِ كفرِ اليهودِ إنكارُهم نبوَّةَ ورسالةَ عيسى عليه السَّلامِ. قالَ تعالى: {قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136].

عيسى عليه السَّلامُ خاتمُ أنبياءِ بني إسرائيلَ، ولم يبعثْ بعدَه رسولًا إلَّا خاتمَ الأنبياء والمرسلين، والرَّحمة لجميعِ العالمين، محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

قالَ تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ *وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [آل عمران: 45 –51].

25 – سيِّدُنا محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ:

قالَ تعالى:

{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40].

وبعدَ هذا العرضِ الدَّقيقِ لخارطةِ تسلسلِ الأنبياء بالحجَّةِ والبرهانِ، والأدلَّةُ الثَّابتةُ من المصدرين الرَّئيسين (كتابِ اللهِ وسنَّةِ رسولِ اللهِ) نلحظَ أنَّ تسلسلَ الأنبياء توقيفيٌّ في حقِّ اللهِ، أيْ أنّه سبحانَه وتعالى هو من أعلمَنا بهذا التَّسلسلِ الصَّحيحِ.

وقدْ أخبرَنا اللهُ -عزَّ وجلَّ- أنَّ من هؤلاءِ الأنبياء والرُّسلِ منْ هم من أولي العزمِ، قالَ تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} [الأحقاف: 35].

وأولو العزم من الرُّسلُ خمسةٌ: سيِّدُنا محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وسيِّدُنا نوحٌ عليه السَّلامُ، وسيِّدُنا إبراهيمُ عليه السَّلامُ، وسيِّدُنا موسى، وعيسى عليهما السَّلامُ. قالَ تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [الأحزاب: 7].

وفي الختامِ: أدعو اللهَ عزَّ وجلَّ أن يثبِّتَنا بالقولِ الثَّابتِ في الحياةِ الدُّنيا والآخرةِ، وأنْ يوفِّقَنا للإيمانِ الجازمِ بما أنزلَ على قلبِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من أمورِ الغيبِ التي لا يعلمُها إلّا اللهُ، وأنْ يجعلَنا الهداةَ المهتدين غيرَ ضالِّين ولا مضلِّين، سلمًا لأولئك، حربًا على أعدائِك، نحبُّ بحبِّك من أحبَّك، ونعادي بعداوتِك من عاداك. اللهمَّ تقبَّل منّا صالحَ الأعمالِ واجعلْها خالصةً لوجهِكَ الكريمِ. وصلِّ وسلِّم على سيِّدِ المرسلين سيِّدِنا محمَّدٍ عليه أفضلُ الصَّلاةِ والتَّسليمِ، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

302

المصادر
الكاتب

د. شيرين لبيب خورشيد

الكاتبة لأدب الأطفال والحاصلة على شهادة الدكتوراه من جامعة الإمام الأوزاعي في لبنان في فن الإرشاد التربوي تحت عنوان ”القيم الأخلاقية في كتب التربية الإسلامية في الحلقة الثانية في التعليم الأساسي في لبنان” .

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.