أبو عبد الرحمن الشيخ محمد معلم حسن الحوادلي، من مواليد عام 1936م، في بادية مدينة “بيدوا”، قرب ناحية بورهكبة، في إقليم باي. رغم أنّه ينحدر من قبيلة حوادلي من قبائل “هوية” المشهورة في قطرنا الصومالي -والمتمركزة في وسط الصومال بإقليم هران وفي جنوب البلاد-؛ إلا أنّه تربى وترعرع في كنف والدته الرحنوينية، عند خاله في ضواحي مدينة بيدوا بعد وفاة والده.

مسيرته العلمية

قد حبب إليه العلم من الصغر؛ حيث حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، ومارس القراءة والكتابة على يد خاله وشقيق أمه؛ كما هي عادة أهل الصومال ولا سيما أهالي المنطقة التي يُعدّ قبلة لمن يريد حفظ القرآن، فيأتي إليها بحيث يجد الدعوة والكفالة والاستقرار الذي يسمح للطالب بنجاح مشروعه العلمي.

وفضيلة الشيخ محمد معلم حسن لم يكتفِ بحفظ القرآن الكريم، بل بدأ طلب العلم وحفظ المتون الصغيرة في الفقه الشافعي كسفينة النجاة والصلاة. وأعانه في ذلك ذكاؤه المفرط وإرادته الجامعة القوية. ولما كانت الرحلة تكون أساسًا مهمًا في التكوين الذهني والتحصيل العلمي واكتساب الخبرة وصقل المعلومات؛ رحل فضيلته وهو في حداثة سنه إلى بلاد بعيدة ومتعددة. ولم يعتقد أنّ رحلته سوف تصله إلى آفاق لم يحلم بها، بعد أن تجول في عدد من الدول والبلدان المجاورة وغيرها في أنحاء العالم الإسلامي؛ حيث وصل في البداية إلى مدينة جكجكا في الأراضي الصومال الغربي المحتل من قبل إثيوبيا، منطلقًا من بادية بورهكبة في إقليم باي موطن أخواله ومسقط رأسه.

وفي جغجغا استأنف دراسته في الفقه، بالإضافة إلى التفسير وعلوم اللغة العربية على يد علماء المنطقة الأجلاء المشهورين، مثل: فضيلة الشيخ في جوهر الغدبرسي، والشيخ محمد عبد الله وغر ذلك رحمهما الله جميعًا. وقد أحاط أبو عبد الرحمن الشيخ محمد معلم بالمعرفة العلمية التي كانت سائدة في عصره إحاطة تامة. ثم أصبح مساعدًا في مدرسة معلمه وشيخه محمد بن عبد الله. وبعد ذلك رحل إلى الديار المصرية عن طريق البر مع مجموعة من طلاب العلم عن أراضي الإثيوبية الإريترية والسودانية. وقد لاقى في سبيل ذلك معاناة شاقة ومضايقات شديدة.

وفي عام 1958 م وصل إلى مدينة القاهرة، وفور وصوله التحق بالأزهر الشريف، بعد أن اجتاز جميع الاختبارات؛ حيث لم يكن لديه شهادة تؤهله للجامعة. واستغرب الأساتذة والعلماء مكانة الشيخ العلمية في مختلف العلوم والمعارف، وحيوه تحية إجلال واحترام. التحق بجامعة الأزهر وخاصة كلية أصول الدين، ونال منها الإجازة العالية من الأزهر الشريف كما حصل على الدبلوم في التربية من جامعة عين الشمس.

رجوع الشيخ إلى أرض الوطن وبداية نشاطه الدعوي

عاد الشيخ محمد إلى بلاد الصومال وخاصة العاصمة مقديشو في شهر فبراير عام 1968م؛ لتنطلق منها دعوة الشيخ ونشاطه الإسلامي. وقد كان رجوع الشيخ حين كان عُمر جمهورية الصومال قصيرًا لم يتجاوز ثمانية أعوام بعد استقلالها من الاستعمار، وفي أواخر الحكومة المدنية. وكانت البلاد في ظل فوضى سياسية أدت بعد سنة إلى قتل رئيس جمهورية السيد عبد الرشيد علي شرماركي، وتولي العسكر على مقاليد الحكم في 21 أكتوبر عام 1969م، بقيادة اللواء محمد سياد بري.

ومن ناحية أخرى صاحَبَ رجوع الشيخ إلى الوطن ظهورُ بعض الجمعيات والمنظمات الإسلامية والاجتماعية ذات الصبغة الدينية والدعوية. وأول هذه المنظمات الرابطة الإسلامية في الصومال بقيادة الشريف محمود شريف عبد الرحمن المشهور بشريف مريا عدي -أيْ شريف لباس الأبيض؛ فكان يداوم على الثوب العربي ذي اللون الأبيض-. وهو أبو صاحب المعالي سعادة شريف محمد شريف محمود.

وفي هذا التوقيت -عند وصول الشيخ إلى البلاد- تأسست جمعية النهضة الإسلامية، وكان أغلب الأعضاء رجعوا من الحجاز والقاهرة؛ مثل الشيخ عبد الغني بن الشيخ أحمد، والشيخ إبراهيم صولي، والشيخ محمد أحمد غريري، والشيخ شريف علوي، والشيخ علي بن عبد الرحمن الصوفي وغيرهم.

بدأ نشاط الشيخ الدعوي في مسجد الشيخ عبد القادر المشهور بـ”مقام”؛ حيث عقد حلقة علمية كان يدرس فيها كل يوم تفسير القرآن الكريم، وكان يركز على الجانب التربوي، كما اشتغل بالوعظ والإرشاد وإلقاء المحاضرات المنتظمة في المراكز والنوادي العامة.

ولا غرو في ذلك؛ فقد كان يحمل الهموم الإسلامية، ويحس بالمسؤولية الملقاة على عاتقه. وقد أعطاه الله العلم والفصاحة في الخطاب، بالإضافة إلى تأثره بمعاصرة معاناة دعوة الشيخ الإمام حسن البنا، وتعذيب المنتمين إليها أيام حكم جمال عبد الناصر.

وفيما بعد انضم إلى وزارة العدل والشئون الدينية، وعين رئيسًا بقسم الشئون الدينية. وكان يحاول تطوير الوزارة وتنظيمها، وبجوار عمله الإداري اليومي بذل جهدًا جبارًا في سبيل نشر تعاليم الإسلام، رغم عنفوان الشيوعية وتحدياتها تجاه الدين الإسلامي وأهله. وألقي القبض عليه رغم عدم معارضته للنظام، لكن صوته القوي وكلمته في المسجد ودروس تفسيره القرآن الكريم زلزل عروش العسكر وشياطين الإنس والجنّ. ثم زجَّ به في غياهب السجون ظلمًا دون محاكمة أو إدانة ابتداءً من عام 1976م، واستمر فيه حتى أفرج عام 1982م.

وهذا الأمر لم يغير همّ الشيخ وهدفه في نشر تعاليم الإسلام؛ فبعد فترة من الإفراج عنه استأنف عمله الإسلامي، رغم التحذيرات من رئيس الجمهورية. وفي منتصف الثمانينيات ازداد المرض عليه، وسافر إلى المملكة العربية السعودية في رحلة علاج، وأدخل عدة مرات المستشفى بمساعدة من أخيه صاحب السماحة فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله-. وبعد شفائه عاد إلى البلاد فورًا مواصلًا نشاطه الدعوي، على الرغم من نصائح الأطباء له بالراحة، لكنه رفض فكان يرى الراحة في المحراب وفي التفاف الأمة حوله يتذاكرون كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-. حتى أعيد مرة أخرى إلى السجن.

جهوده في إصلاح المجتمع بعد انهيار الحكومة الصومالية

حينما انهارت الحكومة، واندلعت الحرب الأهلية كان -رحمه الله- من بين الأوائل الذين بذلوا جهودًا كبيرةً في إخماد الفتنة. وأسس مجلسًا للعلماء سماه “مجمع علماء الصومال”، واختير الشيخ لرئاسة المجلس. وكان هدف هذا المجلس مشاركة الأمة في معاناتها الحديثة من جراء الحرب الأهلية، ومحاولة خلق ظروف آمنة للبلاد، والإصلاح بين الناس؛ إضافةً إلى مواجهة التحديات الدينية والأخلاقية من قبل الهيئات والمنظمات التنصيرية التي هيمنت على المنطقة، في ظل غياب هيكل حكومي.

وكان من ضمن المشاركين مع فضيلته في هذا المجلس، فضيلة الشيخ إبراهيم علي محمود المشهور بـ”شيخ إبراهيم سولي”، والشيخ علي محمود وجيز، والشيخ يوسف علي عينتي، والشيخ محمد محمود شروع وغيرهم.

وهكذا كان دائمًا يستأنف العمل الإسلامي مع لفيف من العملاء وشباب الصحوة. وقد أثرت دعوته في الساحة الدعوية في البلاد، وفي ربوع منطقة القرن الإفريقي؛ حتى اعتبر البعض فضيلته أبا الصحوة الإسلامية في الصومال على نمطها الجديد؛ لأنّه كان قائدًا روحيًا للحركة الإسلامية في منطقة القرن الإفريقي، رغم أنّه لم يكن عضوًا فيها على الأرجح، ولاسيما في فترة السبعينيات وبداية الثمانينيات التي كانت السلطة الصومالية العسكرية في أوج قوتها وكبريائها.

أثره على المدرسة التفسيرية

والحقيقة أنّ الشيخ محمد معلم حسن ترك مدرسة تفسيرية فريدة من نوعها، لم يسبق لمثلها أحد قبله في البلاد في القرن الماضي؛ من حيث طريقة عرضه وأسلوبه الشيق الجذاب. وبذلك التفَّت الجماهير حوله من جميع شرائح المجتمع من العلماء والشباب والتجار والساسة والعسكريين والأطباء وغير ذلك؛ مما أشعل النار في نفس النظام وحليفه الاستراتيجي الاتحاد السوفييتي آنذاك.

وقد أنجبت مدرسة الشيخ مفسرين أجلاء أمثال الشيخ آدم شيخ عبد الله المريحاني؛ الذي كان تفسيره الوحيد الذي يذاع في إذاعة مقديشو، وحتى حينما انهارت الحكومة الصومالية استمر تفسيره يذاع عبر الإذاعات والوسائل الإعلامية المتوفرة في البلاد.

وممن أفلح من مدرسة الشيخ محمد معلم حسن التفسيرية الآتون: صاحب الدرس الدائم في مسجد التوحيد فضيلة الشيخ محمد أو يوسف الأغاديني بطغحتور، والشيخ مريدي حاج صوفي الشاشي كان يلقي درسه التفسيري في مسجد “أربع ركن”، والشيخ عبد الرحمن فارح فاهية في مسجد نور العين في حي حمرويني بمقديشو، والشيخ شريف شرفوا في أكثر من مكان، والشيخ المفسر الضرير الشيخ عبد المجيد بن الشيخ عبد الغني بن الشيخ محمد خليفة من سحاولى كرنى في حي وابري وهدن، والشيخ عبد القادر شيخ محمد آدم عكاشة في مدينة جوهر عندما كان معلمًا يعمل في المدارس الحكومية ثم في مسجد أفلرشي في حي بونطري بمقديشو، والشيخ محمود عيسى محمود في مسجد عيل هندي في حي هول وداغ بمقديشو، وعدد كبير ممن واصلوا في مدرسة الشيخ التفسيرية وأسلوب دعوته ووعظه في جميع أرجاء البلاد وخارجها.

وقد عاصر الشيخ محمد معلم حسن ظروفًا صعبةً وزمنًا طغت فيه الدكتاتورية العسكرية في أيام غطرسة الشيوعية وقبضتها القوية، ومع هذا كان الشيخ محمد لا يألو جهدًا في تقوية الوعي الديني ولا سيما في صفوف الشباب. وقد قدر الله أن توغلت دعوته في أوساط الشباب والمدارس والمعاهد العليا والكليات وفي الدوائر الحكومية، حتى صبَّ الرئيس سياد بري جامَّ غضبه على الدعاة؛ ومارس معهم جميع صنوف العذاب من قَتْل وسجن وتشريد.

وقد نجَّا الله فضيلته من القتل حين قتل العلماء العشرة المشهورين في حادثة معروفة، حيث تحايل الشيخ في الأمر لا لحاجة الدنيا وبقائها؛ إنما لمواصلة سير الدعوة وتحقيق ثمارها التي أينعت فيما بعد. لكنه سجن سنين طويلة بلا ذنب إلا لصموده في وجه الشيوعية من خلال حركته السلمية في المنابر والمدارس التي كانت تتوغل في أوساط الشباب وطلبة المدارس والمعاهد. غير أنّه حينما اشتدت مضايقات الحكومة على أتباع الشيخ فرَّ كثير من طلابه إلى الدول المجاورة، واستطاع هؤلاء إيصال الدعوة والفكر الإسلامي إلى أصقاع مختلفة في كينيا وجيبوتي وتنزانيا وأوغندا.

وفاته

توفي الشيخ محمد معلم حسن في مدينة تورينو الإيطالية بعد معاناة طويلة مع المرض دامت عليه فترة، وقد نقل جثمانه إلى عاصمة الصومال مقديشو حيث سافر إلى المملكة العربية السعودية، ودفن بمقابر الوطن في العاصمة.

وقد مرض شهر فبراير عام 1999م، وأدخل مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض. وبعدما تحسنت صحته قدَّر الله له حادث سيارة في الرياض، وأعيد إلى المستشفى مرة أخرى. وعندما استعصى شفاؤه نقل إلى أحد المستشفيات في تورينو، وعلى الرغم أنّه تحسن فيما بعد إلا أنّ قدر الله قد سبق على كل شيء فوافته المنية عام 2000م. وقد ترك الشيخ خمسة أولاد وأكبرهم عبد الرحمن وهو الولد الوحيد، فرحم الله شيخنا أبا عبد الرحمن؛ محمد معلم حسن الحوادليّ الهيرانيّ، وأسكنه فسيح جناته(1).

138

المصادر
الكاتب

سيد محمد حسن

إذا أدرت فهم الحاضر فادرس الماضي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.