أشرقت شمسُ هذا اليوم على جنود، ستسيل دماؤهم في ساعات قادمات، جاريةً في أخاديد الأرض، لترويها قوةً لا تُقهر تحلَّى بها المسلمون في يقظتهم؛ هي قوة الإيمان واليقين بالله -تعالى-. هذه القوة التي ما إنْ تُروَ بها النفوسُ حتى تدبَّ فيها رُوح العمران ودفعُ التحضُّر تحيل رُكامها المحطوم آثارًا تنطق بالحكمة والجمال .. فما تمرُّ ساعاتٌ قليلاتٌ حتى يدخل جيش المسلمين -الذي بلغ ثلاثة آلاف- في معركة شرسة ضد جيش الروم العتيد والكثير من القبائل العربية المُتحالفة معه، وقد بلغ تعدادهم مائتَيْ ألف، أيْ ما يُقارب السبعين ضعفًا لجيش المسلمين.

السبب والاستعداد

كان الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- في سنته الثامنة للهجرة يدعو الممالك والإمارات والدول من حوله إلى دين الله. وقد بعث “الحارث بن عُمير الأزديّ” رسولًا منه إلى أمير “بُصرى” يدعوه ورعيَّتَه إلى الإسلام. وكانت “بُصرى” إمارةً تدين لإمبراطويَّة “الروم”، وكان أميرها تابعًا لـ”هِرَقْل” ملِك الرُّوم. و”بُصرى” تَقَعُ في بلاد الشام، بعيدًا عن “المدينة المنورة” -التي كانت بؤرة الأحداث ساعتها-.

فقتلَ الرسولَ هذا الحاكِمُ الذي يُدعى “شُرَحْبِيل بن عمرو الغسَّانيّ”، وكان من رءوس نصارى العرب. وقد كان هذا الفعل شنيعًا في التقاليد بين الأمم، ويُعدُّ إعلانًا بالاعتداء الصريح، وإيذانًا لبدء حالة الحرب. فلم يُقتل رسولٌ ابتعثه سيِّدُنا “محمد” -صلى الله عليه وسلم- داعيًا إيَّاه للإسلام إلا هذا الشهيد “الحارب بن عمير”.

فرأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يرسل جيشًا ليرد على هذا الاعتداء السافر. فجهَّز جيشًا من ثلاثة آلاف مقاتل، وأمَّر عليهم خادمه “زيد بن حارثة”، ولأنه يعلم أن الطريق طويلة وشاقَّة حتى “مؤتة”، ولَّى قائدين آخريْنِ هما “جعفر بن أبي طالب” و”عبد الله بن رواحة” بالترتيب. وأمر الجيش إنْ فقد قواده أنْ يؤمِّر عليه مَن يرتضيه.

فتحرَّك الجيش متجهًا إلى بلاد “الشام” في رحلة طويلة في شهر جُمَادَىْ الأولى. يسرع في تحركه معتقدًا أنه سيفاجئ مملكة “بُصرى” وحدها دون علمها. حتى وصلوا إلى بقعة من الشام، تسمى “معان”.

محنة في طريق مؤتة

مؤتة

علم المسلمون هذا كلَّه، لكنَّهم ما علِمُوا أنَّ العرب في الشَّمال قد أبلغوا “بصرى” بتحركهم إليها. وأنَّ “بصرى” وغيرها من الممالك التي تدين للروم، قد أرسلت إلى “هرقل” تُوغِرُ صدره وتحذره من هؤلاء الرعاع (المسلمين)، الذين بدأ أمرهم يشتد في الصحراء، وأنهم باتوا يمثِّلون خطرًا عليهم وعليه. فما كان منه إلا أنْ أرسل جيشًا جرارًا ليقضي على هذا الخطر، عددُه مائة ألف، تحت قيادة “تيودور” أخي الإمبراطور نفسه. وكذلك جمع العرب الشَّماليون أنفسهم في مائة ألف غيرهم.

انكشاف المكيدة، وقوة الإيمان

وصل المسلمون إلى “معان”، وعلموا بالمكيدة، وبأمر المائتي ألف المُتنمِّرين بهم. وجلسوا يومَيْنِ يتدارسون الوضع. فهُم ثلاثة آلاف أمام هذه الجحافل الضاربة، وقد تسلح الروم بما لم يروه أبدًا من سلاح وعتاد. ومنهم مَن أشار إلى إرسال الأمر برُمَّته إلى مركز القيادة في “المدينة“؛ ليقضي النبيّ -صلى الله عليه وسلم- فيه قضاءً من اثنين: إما أن ينسحبوا، وإما أن يُزوِّدهم بعدد وعتاد. وجلسوا حائرين مضطربين حتى وقف فيهم رجل.

وقف الصحابيُّ “عبد الله بن رواحة”، وخطب في القوم قائلًا:

يا قوم؛ واللهِ إنَّ التي تكرهون لَلَّتي خرجتُم تطلبون؛ الشهادة. وما نقاتلُ الناسَ بعددٍ ولا قوةٍ ولا كثرةٍ .. ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به .. فانطلِقُوا .. فإنَّما هي إحدى الحُسنيَينِ إما ظهور (يقصد النصر)، وإما شهادة.

وقف مُعلنًا قوة الفكرة في العقول، وقدرة الإيمان في النفوس. وقف يُبدِّد أوهامًا سرعان ما تستبدُّ بنفس المؤمن حينما يقف أمام شرّ مستطير، ويظنُّ أنْ ليس أمامه سوى الهلاك المُبين. وقف ليصدح أنَّ مَن يُقاتل عن هدف سامٍ في نفسه فلن يخشى الموت في سبيله؛ فما بالنا وهذه الحفنة من المُخلصين تقاتل عن ربّ ودين، عن عقيدة وفكرة خالق الكون وفاطره.

وكان ما كان من أثر السِّحر البيانيّ الذي ألقاه “ابن رواحة” عليها؛ فما إنْ سمع المسلمون هذا الحديث المُلهِم إلا وأشرقت نفوسُهُم، ورغبت قلوبُهُم، وتألقت عقولُهُم، وتجهزت سواعدُهُم.

قوة العقيدة، وراية الفكرة

مؤتة

قرَّرَ المسلمون مواصلة المسير، لردِّ الاعتداء ومواجهة الأمم التي تكالبت عليهم. حتى لقيتهم الجموعُ الهادرة عند قرية تسمى “مشارف”. لكن المسلمين قد اختاروا مدينة أخرى، اسمُها “مؤتة”. ولمْ يأتِ اختيارهم إلا عن تقدير الله -تعالى-، الذي كتب لهم فيها أن يصطرعوا في أوَّل قتال لهم مع دولة “الروم” الرهيبة، التي لا عدد لها ولا حصر.

تقدَّمَ “زيد بن حارثة” الجيش وهو يحمل راية الإسلام في يده، ودارت المعركة حاميةً، في غير تكافؤ يُغني تصوُّرُه عن التعبير. ولمَّا اشتدَّ القتالُ قُتِلَ “زيد بن حارثة”، فأخذ الرايةَ “جعفرُ بن أبي طالب”، وكان راكبًا فرسًا، فأعاقه، فنزل من عليه. وضاقت عليه الدوائر؛ فقُطعَتْ يدُهُ اليُمنى، فأبى أنْ يُسقِطَ راية العقيدة، فحمَلَها باليُسرى؛ فقُطعَتْ يدُهُ اليُسرى، فما هانَتْ عليه أنْ تسقط الراية، فحملها مُحتضِنًا إيَّاها. وظلَّ يحملها وجنود العدو يحاولون إسقاطها -ولسُقوط أو إسقاط علم أحد المُتحاربين دلالة قويَّة على الهزيمة-. وأبى “جعفر” إلا أنْ تبقى الفكرة عاليةً كعُلُوِّها في نفسه. حتى قُتِلَ وقد أصيب فيما بقي من جسده بسبعين طعنةً. فجرى “عبد الله بن رواحة” ليدرك الراية، وقاتَلَ بها حتى آخر أنفاسه.

ثمَّ وقع المسلمون في مأزق شديد. مَن سيتولى الآن؛ وقد قُتِلَ الأمراء الثلاثة، وهُم في الميدان؟! .. حتى أمسك بالراية، يريد رفعَها أقربُهُم إليها، وكان “ثابت بن أقرم”. ونادى في أصحابه: مَن سنولِّي الآن؟! .. فقالوا: أنتَ لتتوَّلَ. فرفض اقتراحهم. فما هو بالقائد العسكريّ، ولا مَن يقف أمام جيش “الروم” الرهيب. وبقِيَ المسلمون في مأزقهم هذا، يقاتلون عن اعتقاد، حتى أدركهم الله -تعالى- برحمته الواسعة، وأظهر لهم سيفه.

ظهور سيف الله “خالد بن الوليد”، وزوال المحنة

كانَ أحدُ أشرسِ وأعرفِ الرجال بالحرب في الجاهليَّة؛ يُدعَى “خالد بن الوليد”. قد أسلم قبل هذا اليوم بقليل من أيَّام الله، ثُمَّ أوفده الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع الجيش مقاتلًا ضمن مَن يُقاتل، رغم ما له من شهرة واسعة وموهبة عظيمة في إدارة المعارك والحروب.

ولمَّا فقد الناس الأمل في تولية “ثابت بن أقرم”، برز “خالد بن الوليد“. فاصطلحوا على أنْ يتولى هو القيادة. وكما استقرَّ الأمرُ بين يدَيْهِ استقرَّ رأيُه المعتمد على خبرة أنَّ استمرار القتال بهذه الحال يعني الخسارة من غير ربح. وقد كانت للحروب في تلك الأيام تقاليد وتدابير؛ فكان وقت للحرب ووقت للراحة. وحارب المسلمون في “مؤتة” سبعة أيَّام متوالية.

وسرعان ما تصرَّف كعادة أهل الموهبة؛ وفي ثقة ومهارة وثبات لا تُعهَد إلا له، غيَّر ترتيب الجيش، فأمر مَيْمَنة الجيش -أيْ مَن يُحارب على اليمين- أنْ يتحرَّكوا إلى جهة اليسار، وأمر مَيْسَرة الجيش -مَن يُحارب على اليسار- أنْ يتحرَّكوا إلى اليمين، وكذا أمر مقدمة الجيش تتحرَّك لمُؤخِّرته، وكذا مؤخَّرته تتحرَّك لمُقدمته، في خدعة بارعة لمْ تُعهَد. فلمَّا رأى ذلك العدوُ ظنُّوا أنَّ المسلمين قد أدركوا جيشهم بإمدادات أخرى. فبدأ القلق يساورهم، وبدأ الارتباك يصيب صفوفهم.

وهكذا استطاع هذا الجديد على “الإسلام”، الذي يدعى “خالد بن الوليد” الخروج من هذه المحنة التي تكاد تفني الجيش فناءً مبرمًا. ومن يومه هذا لقَّبَه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بـ”سيف الله المسلول”. وهكذا استطاع المُخلصون من هذه الحفنة التي بقيت ثابتةً أمام هذا الصراع الهائل أنْ يتكاتفوا ويترابطوا حتى ليُدهَش أيُّ عقل حينما يعلم أنَّ الشهادة لمْ تكن من نصيب أحد منهم إلا اثني عشر رجُلًا وحسب! .. فيا له من ثبات أنْ ينتج لقاءُ ثلاثة آلاف أمام مائتَيْ ألف اثني عشر قتيلًا من جانب المُسلمين! .. ولا يدلُّ هذا إلا على مدى أثر ما سمَّاه الإسلام “الرِّباط” بين المُسلمين، ولا يشير إلا على حكمة اتِّباع وصايا الشارع الحكيم، وما تصنعه في النفوس.

انكشاف الغُمة

مؤتة

وها قد خرج المسلمون من هذا الأتون المُستعِر، بحِكمة ألهمها الله عبده “خالد بن الوليد” .. بعد أنْ تركوا في هذا الموضع من بلاد “الشام” أجساد الأمراء الثلاثة، وأجساد غيرهم من أصحاب الإيمان القويِّ مَعْلَمًا لمَن أراد أن يدري كيف تكون التضحية في سبيل الفكرة والإيمان. وما تركوها إلا ليعودوا إليها بعد أشهر قليلة مُنتصريْنَ، مُعلنيْنَ راية الحق خفاقةً على بلاد “الشام” كافةً.

وكأنَّ هذه الأجساد الطاهرة الشهيدة أنبتَتْ على هذه الأرض المُباركة، وأثمرَتْ رجالًا من الإيمان قد تكوَّنُوا وقُضُّوا .. وإلى الإيمان غايةً قد عاشوا .. فحيَّا اللهُ يومَ “مؤتة”، وعِبَر يوم “مؤتة”.

244

الكاتب

عبد المنعم أديب

كاتب مصريّ، درس اللغة العربيَّة وتخصص في الفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، وأكثر من مائة وثلاثين مقالاً، وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.