إذا كان التفرّد ينشأ عن موهبة فطرية أو اكتساب قويم؛ فإن الشيخ محمد رشيد رضا قد حاز عنصري التميّز. فكان له من الصفات الفطريّة كحدة العقل، وسرعة الفهم، والقدرة على الاستنباط ما فضَّله صغيرًا بين أقرانه، كما اكتسب مجاهدة للنفس، وصبرًا على طلب العلم، وصفاءً للروح ما مكَّن نجمه أن يسطع في سماء ملئت نجومًا.

الشيخ محمد رشيد رضا نموذج فريد للعالم العامل، صاحب المدرسة والنظرية والمنهج، الذي أدرك بحسّ واعٍ أن هذه الأمّة لا تنهض إلا بما نهض به أوائلها، فأولى عنايته بتغذية أفرادها من الزاد القرآني، واضعًا يده على مواطن الداء بحكمة، وواصفًا الدواء بصبر ورحمة.

النشأة والتربية

محمد رشيد رضا

بلدة القلمون في لبنان، مسقط رأس الشيخ محمد رشيد رضا.

ولد محمد رشيد رضا في بيت حسيب في قرية قلمون، على شاطئ البحر المتوسط من جبل لبنان، تبعد عن مدينة طرابلس الشام نحو ثلاثة أميال. وقد عرف بيت آل الرضا بلقبٍ عزيز ’’بيت المشايخ‘‘، أطلقه عليهم المجتمع من حولهم، لسببين هما: انتماء هذه السلالة إلى الحسين بن علي بن أبي طالب، ولتوارثهم وظيفة الإرشاد والرئاسة في القرية.

وذاع صيت آل الرضا نتيجة مواقف عملية تناقلتها الأجيال عن انقطاعهم للعبادة، وعزوفهم عن تملّق الحكام والولاة، وانصرافهم إلى طلب العلم والحكمة. وحينما ولد رشيد في 27 جمادى الأولى سنة 1282 هـ/1865 م، كانت السيادة في قلمون قد آلت إلى أبيه، فتأثر الطفل الصغير بمهابة والده، وقوة ذاكرته، وفصاحة لسانه، وجرأته في الحق.

وقدَّمَ الأب لابنه الناشئ صورة حيّة للمسلم المتوازن، القادر على احتواء الجميع بسعة قلبه، دون تفريط في هُويَّته؛ فيقول لاحقًا في مذكراته شارحًا أثر التربية في سماحة نفسه وتقبّله للآخر،

فإن الإنسان إذا تربّى على شيء، ورأى ثمرته في نفسه وفيمن عاشر، كان أعرف بفائدته لاتفاق فكره ووجدانه فيه.

الموهبة الفطرية

وفي مجالس الأب الرئيس ظهرت المواهب الفطرية للصبيّ اليافع؛ إذ لاحظ الضيوف نجابة عقله، وحضور بديهته، فكانوا يلّحون على والده كي يلحقه بسلك التعليم في أقرب فرصة. ورغم أن الصبي كان يجلد نفسه لبطء حفظه، فإنَّ الزوَّار وأهل العلم انتبهوا إلى موهبته الفطرية في سرعة الفهم، ودقة الاستنباط، وجودة التعبير عن المعاني، وهذا ما ميّز الشيخ لاحقًا.

استجاب الشيخ إلى نصيحة أهل العلم، فألحق ابنه بالمدرسة الرشدية بطرابلس الشام، وقد كانت الدراسة فيها تقليدية وباللغة التركية، فمكث عامًا واحدًا، ثم انتقل إلى المدرسة الوطنية الإسلامية، وكانت مؤسسة راقية تنهج نهجًا تعليميًا حديثًا، يعني بتدريس اللغة العربية والتركية والفرنسية، والعلوم الشرعية، بالإضافة إلى العلوم الحديثة، مثل الرياضيات والمنطق والفلسفة الطبيعية.

جسر إلى الفكر والعلم

محمد رشيد رضا

في المدرسة الوطنية الإسلامية، وجد رشيد رضا الجسر الذي سيعبر به إلى عالم واسع من الفكر والحداثة، ويخرج به من ضيق المحليَّة إلى آفاق العالمية، ولم يكن هذا المعبر سوى أحد علماء الشام الأفذاذ؛ وهو الشيخ حسين الجسر، الكاتب والشاعر وأحد روَّاد النهضة العربية، الذى آمن بأنّ بعث الأمّة يعتمد على جناحي الشرع والعلم.

اختص الشيخ الجسر تلميذه محمد رشيد رضا بالاهتمام والعناية منذ العام الأول، بعد ما لاحظه من ذكاء خارق، حتى أنّه كان يثني عليه قائلًا «إنّ محمد رشيد رضا حصَّل في طلب العلم في السنة الأولى، قدر ما حصله أذكياء الطلبة في السنة السابعة، ذلك أن الطالب النجيب عني بفهم ما يدرسه حق الفهم، وبالقدرة على التعبير عما يفهم، وافق ذلك اللفظ المكتوب أو خالفه».

وظلّت دقة الفهم واستيعاب المسائل العلمية من جميع أطرافها؛ سمة مميزة في مسيرة محمد رشيد رضا التعليمية، حتى أن شيخه الجسر كان ينهاه أحيانًا عن مناقشته، موضحًا أنه -يعني رضا- قد استنفد جميع ما لدى الشيخ من نقل وفهم في هذه المسألة.

وقد تطورت هذه العلاقة الممتازة بين الدارس وشيخه إلى أن ارتقى الطالب إلى مقام المستشار والناصح الأمين للمعلم، فلمّا ألف الشيخ حسين الجسر كتابه عن إثبات النبوّة المحمدية، أهدى الكتاب إلى تلميذه، وطلب منه النصح والنقد، فأشار عليه محمد رشيد رضا بمواطن الضعف دون أن يتلجلج أو يهاب إبراز النقص في مؤلف أستاذه.

وكان الشيخ حسين الجسر دائم التفرُّس في تلميذه، مترصدًا لما يظهره من مواهب، فعندما انتبه إلى أنّه يقرض الشعر أذاع الأمر بين بقية معلميه وزملاء دراسته، مشجعًا ومحفزًا وداعمًا، بل إن الجسر فتح له أبواب الكتابة الصحفية في جرائد طرابلس؛ ليضع قدمه على أول طريق ستكون له ريادته فيما بعد.

همَّة مبكرة

لم يكن محمد رشيد رضا مجرد وعاء للعلم، وإنما كان واعيًا أن هذه شريعة علم وعمل، وظهر ذلك جليًا في مواقف كثيرة نفر فيها إلى إنكار المخالف للدين ولو عارض بذلك شيوخه ومعلميه. ولعلّ إنكاره على إحدى الطرق الصوفية في طرابلس استخدام رقص الصبيان الحسان في حلق الذكر، -رغم معارضته أستاذه الأول حسين الجسر-؛ دليل على أنّه لم يكن يهاب في الحق غضبة قريب أو صاحب فضل.

وفي هذه الفترة المبكرة من حياته إذ كان ما يزال طالبًا، نهض محمد رشيد رضا إلى إصلاح مجتمعه بالتدريس في المساجد، والخطابة التي طرق فيها مواضيع جديدة مستغربة على أهل عصره، مثل قناعاته بضرورة نهوض أمة الإسلام، والدور المنوط بأفرادها، وواجبات المسلم نحو دينه وعقيدته.

كما اشتمل نشاطه الإصلاحي في هذه الفترة الدعوة العامة على المقاهي للوعظ، والحث على إقامة الصلاة، والوفاء بالعهود، ومكارم الأخلاق، مستثمرًا وضعيته المميزة في القرية، والسلطة والاحترام اللذين تتمتع بهما عائلته.

ولم يقف جهده الإصلاحي على دعوة الرجال، إذ وجَّه الدعوة لنساء قرية لحضور مجلس علم في داره، ونجح من خلاله في تعريفهنّ بالواجبات الشرعية في الملبس، وآداب الخروج والحديث. وسرعان ما أقبلت نساء القلمون على الزيّ الشرعي، والانتظام في الصلوات، وحسن التبعُّل لأزواجهن.

العروة الوثقى نقطة تحوّل

محمد رشيد رضا

ونحن نرصد نقاط التحول الفكرية في حياة الشيخ محمد رشيد رضا، لا بد أن نذكر قراءته لجريدة العروة الوثقى؛ التي قام على تحريرها اثنان من رموز الإصلاح الإسلاميّ في العصر الحديث هما جمال الدين الأفغاني ومحمّد عبده، وذلك لأن رضا نفسه ذكر أن تعرّفه على هذه الجريدة كان بمثابة تيار الكهرباء الذي أعاد بناء منظومة قيمه، أو إذا أردنا الدقة أعاد ترتيب أولوياته في هذه الفترة المبكرة من حياته. يقول:

فكان كل عدد منها كسلك من الكهرباء، اتصل بي فأحدث في نفسي من الهزة والانفعال، والحرارة والاشتعال، ما قذف بي من طور إلى طور، ومن حال إلى حال.

ويفهم هذا التأثير العنيف لجريدة تطبع في فرنسا، ويحررها منفيانِ من قبل السلطة المصرية -لدعمهما للثورة العربية-، على الشاب النابه؛ في ضوء أنّ بيت أبيه كان -في ذلك الوقت- ملاذًا لعدد من المصريين المنفيين أيضًا؛ بسبب اشتراكهم في حركة أحمد عرابي الإصلاحية على الخديو توفيق. ومن ثمّ فلم يكن لجلسات الرجال حينئذ حديث سوى الاحتلال ومساوئه، والخونة وأدوارهم المشبوهة في تسليم بلاد المسلمين إلى الجيوش الغربية.

ويمكن لدارس شخصية الشيخ محمد رشيد رضا أن يدرك أن الهزة التي تسببت فيها جريدة العروة الوثقى شملت مناحي عدّة؛ منها عزمه تطوير أسلوبه الكتابي، ليقارب الأسلوب المتبع في الجريدة، بعد أن لاحظ أن صياغته يغلب عليها التكلف، كما نصح شيخه حسين الجسر أن تستبدل النصوص الدراسية القديمة في المدرسة بنصوص ذات معنى تهتم بواقع الإنسان وحياته.

من ناحية أخرى، فإن التأثير الأكبر الذي أحدثته الأعداد الثمانية عشر للجريدة قبل أن تتوقف كان في أنها وجهته إلى الإصلاح العام وليس المحليّ، وكشفت له أن العالم أكبر من قلمون وطرابلس، وأن معالجة أسباب الخلل أولى من معالجة أعراضه. فيقول «وأكبر أثرها عندي أنها هي التي وجهت نفسي للسعي في الإصلاح الإسلامي العام، بعد أن كنت لا أفكر إلا فيمن بين يدي، وأرى كلّ الواجب عليَّ أن أظهر في دروسي العقيدة الصحيحة والأخلاق الفاضلة، وآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأنفر عن المعاصي، وأنا لا أعلم سبب الفساد الذي فعل في العقائد والأخلاق ما فعل، ودفع المسلمين إلى مزالق الزلل، حتى هدتني العروة الوثقى إلى المناشئ والعلل».

بحث رشيد رضا عن أعداد العروة الوثقى المهرّبة بسرية إلى أشخاص بعينهم، ولعجزه عن الحصول على الأعداد الخاصة به نسخ الثمانية عشر عددًا نسخًا يدويًا، ليتمكن من دراستها والاطلاع عليها في كل وقت.

وربما كان ما دفع رضا إلى تكبد هذه المشقة أن العدد الأول من الجريدة حمل منهجية واضحة للإصلاح والتغيير، علِمَ الشاب أنها كانت ما يبحث عنه، أو ما يفتقر إليه. ففي ست نقاط تمثل منهجًا علميًا للإصلاح؛ عرضت العروة الوثقى برنامجها الذي يمثل -إلى حد بعيد- المنهج الإصلاحي للشيخ رشيد رضا حتى نهاية عمره.

في حضرة الإمام

تمنّى الشيخ رشيد رضا أن يلتقي بالرجلين اللذين ضبطا بوصلة فكره نحو شمولية الدعوة والإصلاح، فأبى القدر أن تحرم الأمة من التقاء المحيط بالبحر، فعاد الإمام محمد عبده من فرنسا إلى بيروت مرة أخرى بعد إغلاق الجريدة، وأقام فيها نحو خمس سنوات، التقيا فيها مرة واحدة أثناء زيارة عبده لطرابلس.

ومع ذلك، فقد جاد القدر من جديد على الطالب الألمعي، الذي أصبح الشيخ محمد عبده بمثابة أستاذه الجديد، ولو كان عن بعد، وعن انقطاع، فزار الإمام طرابلس مصطافًا في عام 1894م، فلازمه، وشارك في الحلقات النقاشية التي أدارها، وسجّل في مذكراته عاطفته الجياشة تجاه الرجل بنحو تشعر معه أنّ سفينته قد وجدت مرفأها الآمن أخيرًا.

في فلك الأفغاني

جمال الدين الأفغاني

جمال الدين الأفغاني

لم يكن تعلّق رشيد رضا بحكيم الوقت جمال الدين الأفغاني -كما أطلق عليه- أقلّ من تعلقه بالإمام محمد عبده، وإن كان اللقاء مع عبده مرتين قد برّد نار اللهفة -ولو قليلًا-. فإن تعذّر لقاء الأفغاني لإقامته الجبرية في الأستانة، قد جعلت من رشيد رضا مناصرًا مندفعًا لأفكار الرجل وأطروحاته، حتى شاع أمره في قلمون وطرابلس، وكان من يريد التزلف إليه يذكر الأفغاني بالخير في حضرته، بل إن حماسته في تبني أفكار الأفغاني الإصلاحية قادته إلى الدفاع عنه في عقر دار الوالي العثماني بدري باشا، الذي عيّن خصيصًا للتنكيل بأنصاره، دون أن يأبه لعواقب الأمور.

ويذكر الأمير شكيب أرسلان كيف تجشم رشيد رضا مقابلته في بيروت، مرة تلو المرة، ليسمع منه أخبار الرجلين، فيقول «ولكن ظهر لي أن إعجابه بديواني لم يكن شيئًا بالقياس إلى إعجابه باتصالي بالشيخ محمد عبده وبالسيد جمال الدين الأفغاني، اللذين كان يقصد لقائي لأجل أن أحدثه عنهما، وأروي له من أخبارهما، وكنت أنظر إلى وجهه عندما أبدأ بالكلام عنهما، فأراه يشرق نورًا، ويطفح سرورًا، وكأنه يصير كله آذانًا واعية وأسماعًا صاغية، يريد أن يحفظ عنهما حتى الحرف والحركة»!

لم يستسلم رشيد رضا للعوائق التي تحول دون لقائه بأستاذه الفكري، فأرسل إليه الرسائل مع مخصوص إلى الأستانة، ثم راسله مباشرة بخطاب أجزل فيه العبارة، حتى أن السيد جمال الدين الأفغاني كان يطلع زواره من العرب على هذه الرسالة متعجبًا من بلاغة صاحبها.

إضاءة المنار من القاهرة

ارتفعت وتيرة الحركة الإصلاحية للشيخ محمد رشيد رضا شيئًا فشيئًا في دائرته حتى لفتت إليه أنظار العثمانيين الذي رأوا في الرجل تهديدًا محتملًا؛ كونه يتحرك تحت مظلة أفكار جمال الدين الأفغاني. في نفس الوقت الذي رغب فيه رضا في قاعدة أوسع، وأكثر تفاعلًا مع النزعات التحررية والتجديدية؛ فدعاه هذان العاملان إلى الهجرة إلى مصر التي كانت حينئذ مقصد العديد من المثقفين والإصلاحيين وأصحاب الدعوات الجديدة.

كان أول ما فعله الشيخ رشيد رضا عقب وصوله إلى القاهرة في يناير 1898م أن قصد بيت الإمام محمد عبده طالبًا التعلم على يديه، وبعد مسامرات طويلة بين الرجلين أدرك عبده أن الشيخ الشاب مفعم بالعلم والحب والرغبة المتمكنة في الإصلاح، ولا تنقصه سوى الفرصة. ومع ذلك، فقد عارض رغبته في تدشين جريدة جديدة، إذ إن المناخ العام في مصر متخم بالجرائد والثلاث الكبار المؤيد، والمقطم، والأهرام تستحوذ على شريحة القراء كاملة، إلّا أن رضا أبدى استعداده للإنفاق على جريدته الجديدة نحو عامين متواصلين دون انتظار لربح منها، وأن تدشين صحيفة تخاطب الأمّة في شؤون نهضتها، واجب الوقت.

لانَ الإمام محمد عبده أمام العزيمة الصلبة لتلميذه، بل وكان عونًا له في إصدار الجريدة الجديدة بدءًا من دعمه لاسم ’’المنار‘‘، مرورًا ببحثه عن المطابع، وانتهاء بتوفير قائمة مبدئية لمشتركي الصحف الأخرى كي يمكن مراسلتهم بالأعداد التعريفية من الصحيفة الجديدة.

صدر العدد الأول من جريدة المنار في 17 مارس سنة 1898 م، وحددت مقدمته الأغراض التي تسعى إليها وهي نشر الإصلاحات الاجتماعية والدينية والاقتصادية، وإقامة الحجة على أن الإسلام باعتباره نظامًا دينيًا لا يتنافر مع الظروف الحالية.

إحراق المنار في طرابلس

ما إن وصل خبر إصدار رشيد رضا جريدته المنار إلى السلطات العثمانية في الشام حتى استنفر الجواسيس والعيون، ورقبت المنافذ التي يمكن أن تمر منها أعداد الصحيفة إلى الناس، وقد نجح رجال أبو الهدى الصيادي -أبرز أعداء جمال الدين الأفغاني، والمقرب من السلطان عبد الحميد الثاني- في مصادرة العدد الثاني من السنة الأولى، وإحراقه أمام عيون أهل بيروت وطرابلس.

وامتد الضغط على آل رضا لحث ولدهم على التراجع عن أفكاره الإصلاحية، فأجبر والده على السفر إلى القاهرة لإثناء ابنه عمّا تثيره المجلة من قضايا تتعلق بالاستبداد ونظام الحكم، ولمّا رفض رشيد رضا ترغيب رجال القصر العثماني وترهيبهم، أثار جواسيس الصيادي وعيونه، أن والده يتآمر للاستقلال بسوريا والشام عن دولة الخلافة بالتعاون مع محمد عبده الذي كان على فراش الموت حينئذٍ.

توسّع رجال الدولة العثمانية في البطش بأشقاء رشيد رضا، فحُبسوا، وحوصر الأب في بيته حتى حانت ساعة احتضاره، ولم تشفع تدخلات رموز كبار القلمون وطرابلس في إخراج أولاده ليودعوه، وهكذا فاضت روحه الطاهرة وحيدًا، محاصرًا، وبنادق الجنود مصوبة إلى بيته.

ومع ذلك، ورغم كلّ التعنت الذي لاقته جريدة المنار حتى أنها توقفت عن الصدور أسبوعيًا لتصبح جريدة شهرية، كتب لها الظهور من جديد كأحد أقوى الجرائد العربية والإسلامية، بعد أن بدأت في نشر تفسير القرآن الكريم للإمام محمد عبده، وبعد أن استشهد أحمد فتحي بك زغلول رئيس محكمة مصر الأهلية في مقدّمة كتاب ترجمه بآراء الشيخ رشيد رضا في المنار، مما لفت انتباه الصفوة والنخبة في مصر إلى هذا الكنز الدفين، وكان رضا قد شرع في ذلك الوقت في نشر فصول من كتاب (سجل جمعية أم القرى) للمفكر الثائر عبد الرحمن الكواكبي؛ مما ضاعف مبيعات الجريدة، ودفع الناس إلى البحث عن أعدادها القديمة التي كان يباع فيها الواحد بأربعة أضعاف ثمنه!

مرونة فكريّة

محمد رشيد رضا

لم يغلق الشيخ رشيد رضا عقله عن أية روافد فكرية، يستبين له موافقتها للشريعة الإسلامية، فكان دائمًا ما يعيد فحص قناعاته السابقة لاختبار صحتها. وهذا ما حدث مع موقفه من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إذا اتخذ منها في بداية حياته موقفًا سلبيًا تأثرًا بما نقل عنها من بعض المناوئين، فيقول: “كنا نسمع في صغرنا أخبار الوهابية المستمدة من رسالة (دحلان) هذا وأمثاله، فنصدقها بالتبع لمشايخنا وآبائنا، ونصدق أن الدولة العثمانية هي حامية الدين، ولأجله حاربتهم وخضدت شوكتهم. وأنا لم أعلم بحقيقة هذه الطائفة إلا بعد الهجرة إلى مصر، والاطلاع على تاريخ الجبرتي، وتاريخ الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى. فعلمت منهما أنهم هم الذين كانوا على هداية الإسلام دون مقاتليهم، وأكده الاجتماع بالمطلعين على التاريخ من أهلها، ولا سيما تواريخ الإفرنج، الذين بحثوا عن حقيقة الأمر فعلموها، وصرَّحوا أن هؤلاء الناس أرادوا تجديد الإسلام وإعادته إلى ما كان عليه في الصدر الأول، وإذًا تجدد مجده، وعادت إليه قوته وحضارته، وأن الدولة العثمانية ما حاربتهم إلا خوفًا من تجديد ملك العرب، وإعادة الخلافة الإسلامية سيرتها الأولى”.

وهكذا لمّا تبين له جوهر فكر الشيخ ابن عبد الوهاب شرع بدوره في تعريف الناس به، وإزالة ما لحقه من شائعات سواء بطبع مصنفات الوهابيين أو كتابة المقالات في الدفاع عنهم، حتى أن الشيخ محمد إسماعيل المقدّم يقول: ’’إنه لا يسع منصفًا -مهما اختلف مع الشيخ رشيد رضا- إلا أن يقر بأنه “أبو السلفية” في مصر، وأن له في عنق السلفيين -شاءوا أم أبوا، شكروا له أو جحدوا- مِنّةً وفضلًا. وآية ذلك دوره الرائد في نشر التراث السلفي، ومنافحته عن عقيدة السلف، ورموزها ممثلة في شيخي الإسلام ابن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب، وذلك من خلال مجلته المنار‘‘.

المفسّر المجدد

يعد تفسير القرآن الحكيم المشهور بتفسير المنار، من أبرز الآثار العلمية للشيخ محمد رشيد رضا، وربما اكتسب شهرته من كونه من أوائل التفسيرات العصرية للقرآن الكريم في وقته، «فهو يشرح الآيات بأسلوب رائع ويكشف عن المعاني بعبارة سهلة، ويوضح الكثير من المشكلات ويرد على ما أثير حول الإسلام من الشبهات ويعالج أمراض المجتمع بهدي القرآن»، ونظرًا لتوسّع الشيخ في التفسير عزم على اختصاره لكن المنيّة لم تتح له عمل ذلك سوى في أجزاء محدودة.

يمكن الزعم أن فكرة تفسير القرآن الكريم كاملًا، انقدحت في ذهن محمد رشيد رضا، بعد أن استجاب له أستاذه الإمام محمد عبده في إلقاء دروس التفسير في الجامع الأزهر. ولمّا كان رضا من تلاميذ الإمام الملازمين؛ فقد لوحظ أنّه يدوّن أثناء الدرس بعض الملاحظات، ولعلّه كان يكتب ما يرد على عقله من معان، وما يسطع في قلبه من إشراقات حول الآيات.

وعندما استهل الشيخ رشيد رضا كتابة بعض هذه التأملات في جريدته المنار، حفزه الإمام محمد عبده بدوره أن يعطي للتفسير أولوية في وقته وجهده، فكتب أول جزئين في حياة أستاذه. وقد كتب في مقدمة تفسيره غايته من هذا العمل «فكانت الحاجة شديدة إلى تفسير تتوجه العناية فيه إلى هداية القرآن على الوجه الذي يتفق مع الآيات الكريمة المنزلة في وصفه، ثم العناية إلى مقتضى حال هذا العصر في سهولة التعبير ومراعاة أفهام صنوف القارئين»، أو كما أجمل وصفه في موضع ثانٍ «تفسير سلفي، أثري، مدني، عصري، إرشادي، اجتماعي، سياسي».

ويمكن أن نلاحظ في تفسير المنار أن هناك تجديدًا طرأ على التجديد كذلك، فما كُتب في حياة الإمام محمد عبده كان يحمل نَفَسَه المَعنيّ بالاقتصار على شرح الآيات بالآيات وتجنب الأدوات الأخرى التي تعين على فهم النص، أمّا ما كتب بعد وفاته فقد تحرر فيه الشيخ رشيد رضا من توّجهات معلمه قليلًا، فتوسّع في استخدام الحديث الصحيح، وتحقيق بعض المفردات اللغوية، والاستطراد في الرد على الشبهات، وتقديم حلول قرآنية لبعض مشكلات زمانه.

وقد ظهرت ملامح التجديد في تفسير المنار في أكثر من سياق منها سياق المنهج المتبع من الشيخ، إذ كان من أوائل من أبرز الوحدة الموضوعية للسورة الواحدة من القرآن، كما وضع عناوين جانبية للآيات المزمع تفسيرها توجز معناها، وملخصًا إجماليًا في نهايتها، وربما هو أوّل من جاء بذلك من المفسرين، وحرص كذلك على إبراز التناسب والتواصل بين الآيات، وامتد التجديد إلى الموضوع بأن ربط بين تفسير الآيات وبين واقع المسلم والأمة والعالم.

الآثار العلمية

لم يكن تفسير المنار أثرًا وحيدًا لرجل نهل من علوم الشريعة صغيرًا، ومن خبرات الحياة كبيرًا؛ ما أهَّله لأن يكون صاحب مدرسة فكرية خرج منها رموز إصلاحية مؤثرة في أمة العرب والمسلمين. فعلاوة على الرصيد الضخم من المقالات والفتاوى التي خطّها قلمه في جميع أعداد مجلة المنار؛ فهناك آثار علمية لا يمكن تجاهلها فقد كتب الرجل في أصول الدين نحو أربعة كتب هي ’’الخلافة أو الإمامة العظمى‘‘، ’’السنة والشيعة، أو الوهابية والرافضة‘‘، ’’شبهات النصارى وحجج الإسلام‘‘، ’’عقيدة الصلب والفداء‘‘، ’’يسر الإسلام، وأصول التشريع العام‘‘.

كما كتب في الفقه ثلاث رسائل هي ’’مناسك الحج‘‘، ’’رسالة الربا والمعاملات في الإسلام‘‘، ’’خطاب عام فيما يجب على المسلمين لبيت الله الحرام، وحرم رسوله صلى الله عليه وسلم‘‘.

وألف في التاريخ عدّة مصنفات قيّمة هي ’’ذكرى المولد النبوي‘‘، ’’الوهابيون والحجاز‘‘، ’’تاريخ الأستاذ الإمام‘‘، ’’خلاصة السيرة المحمدية‘‘.

ولم يبخل على الأمة بالتأليف في مجال الإصلاح الذي استنهض همّته وشغل عقله، فكتب ’’الوحدة الإسلامية، والأخوة الدينية‘‘، ’’المنار والأزهر‘‘، ’’محاورات المصلح والقائد‘‘، ’’نداء إلى الجنس اللطيف‘‘، ’’مساواة الرجل بالمرأة‘‘.

الأيام الأخيرة والرحيل

لم تمنح الدنيا الشيخ رشيد رضا الرضا طويلًا، فقد تعثرت أموره الماديّة في خواتيم حياته حتى تكالبت عليه الديون وصار المدينون يطاردونه ليل ونهار، والرجل يتعفف أن يطلب من صديق أو قريب، وهو نجم مضيء في سماء الأمة حينئذٍ، ومرشد لها في طريق العلم والإصلاح والثورة والكفاح، فألزمه الهم فراش المرض. وفي الوقت الذي كان يدين فيه حكامًا عربًا بأموال نظير طباعة كتب لهم في مطبعته، لم يتوان عن مهاجمتهم لتقصيرهم في الدفاع عن قضية فلسطين، والتنديد بالصهيونية وتحالفها مع الإنجليز.

وقد وافت المنيّة الشيخ محمد رشيد رضا وهو ينصح لأئمة المسلمين وعامتهم، إذ خرج من بيته للقاء الأمير سعود ولي عهد الدولة الحجازية الناشئة في السويس، فأجهده الحديث الطويل، والطريق غير المعبد، والسهر المتواصل، فلقي ربّه في السيارة التي كانت تعود به إلى القاهرة في ظهر الخميس الموافق 22 أغسطس، 1935 ميلادية.

يقول مرافقوه في رحلته الأخيرة من السويس إلى القاهرة «انصرف إلى قراءة القرآن والسيارة عائدة من السويس، وما زال يقرأ حتى أصابه الدوار من ارتجاج السيارة وتقيأ، ثم عاد إلى القرآن يقرأه، ثم اتكأ على ظهره في السيارة، ولم يشعر مرافقوه إلا وقد فاضت روحه»، وكان آخر ما فسّره الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- قوله تعالى:

﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾

80

المصادر
الكاتب

محمد السنوسي

كاتب ومدون مصري

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.