بداية الحديث عن القرآن وتدبره حديث ذو شجون، لذا فإني سأحاول أن أكتب أهم ما استفدته ممن كتب في هذا الباب.

القرآن الكريم -تدارسه وتلاوته- يعتبر حدثا كونيًا. الرحمات تتهلل في تلاوة المرء لكتاب الله تعالى، والقرآن مليء بذكر الرحمة الواسعة، وأسماء وصفات الله تعالى الرحمانية كالرحمن والرحيم. لن تصبح إنسانًا كاملًا إلا بالقرآن، وهذا مشاهد في المجتمعات التي انتكست فطرتها، وابتعدت عن أنوار الوحي، إذ الوحي رحمة الله للبشرية، والله تعالى وصف كتابه الكريم بالنور والشفاء والرحمة، والقرآن حبل الله المتين لعباده.

موسم رمضان

هو فرصة التعرض لنفحات الله تعالى، فقد كان نزول القرآن في شهر رمضان المبارك ميزة باعتبار المُنزَلِ عليه وهو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان يتحنث الليالي ذوات العدد بعيدًا عن ضوضاء مكة وضجيج أهلها، مع ما صاحب ذلك من تقلّله من الطعام والشراب والشهوة المباحة، فأتى ونزل بالقرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم في صفاء ذاتي وروحي.

القرآن الكريم فرصة للتقويم السنوي للمؤمن: لذا لابد من مصالحة شاملة مع القرآن قبل رمضان على الأقل بنحو شهر، -شعبان مثلًا- حتى تدخل رمضان المبارك وقلبك منشرح له.

كانت ضمة جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم -في الغار- ضمّة إخراج كل أثر علِقَ به صلى الله عليه وسلم، حتى يكون صافيًا مطهرًا وهو يحمل القرآن الكريم ويتحمل كتابه العزيز. فقد كان وما زال كتاب الله تعالى فرصة لبناء قلب صافي، وعقل سليم، وتصحيح للمسار في ظل انتكاسة الفطر السليمة في هذا العصر! حالة الصيام المتكرر والاعتكاف، تشبه إلى حد ما حالة الصفاء الأولي الذي مرّ به عليه الصلاة والسلام في غار حراء.

التحضير المعلوماتي مهم في فهم ما تقرأ، فتجعل للجزء الذي تقرأ فيه أو تصلي به معرفة عامة تزيد من خشوعك وتدبرك إذ المعاني الأساسية في كتاب الله لا تحتاج إلى عناء كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

مذهب التَّخلُّق هو الذي يجب أن يصاحب المؤمن -بتعبير فريد الأنصاري رحمه الله- فمصاحبة القرآن الكريم لفترة طويلة تتحلق بالمرء إلى درجة الأهلية، فيكون القرآن صاحبه ومستشاره.

القرآن الكريم مع المؤمن يحب أن ينتقل لمرحلة المعيشة! وحبذا لو يخصص المسلم لنفسه شهرًا -في تدبّر سورة مريم على سبيل المثال- فيقسّم موضوعاتها ويقف على أهم مضامينها، فيعيش مع السورة بصورة واضحة، فلابد إذا من استصحاب القراءة في كتاب الله تعالى المعلومات العامة للمبتدئ والجامعة لمن له إحاطة بعلوم القرآن وطرائق المفسرين.

أدوات للتملّك

معرفة مدارس المفسرين تساعد على فهم كلامهم وأصول مدرستهم المدني والمكي والعراقي وعند التفاسير الأثرية الطبري والبغوي وابن كثير، والرجوع إلى تفاسير السلف يعطي تصورًا مذهلًا عما كان عليه فقه الأوائل في الفهم عن الله وتدبر معاني كلامه، فكلام السلف ضبط لنا الأفق وأطلق لنا الطريق في الفهم والتدبر والمعايشة، فبالتالي أعطونا مساحة للتدبر في كتاب الله تعالى.

معرفة أسباب النزول وفقه الأحداث المصاحبة للآيات الواردة في النازلة، تعين على فهم وتدبر ومعايشة كتاب الله تعالى، من أبرز ما أُلِّف في الباب، ففهم مفردات وتراكيب الجمل في الآيات يعطي تصورًا إجماليًا مميزًا، ومما يعين على فهم الصورة الشاملة تفسير السعدي وتفسير الجلالين من أفضل ما كتب في الموضوع.

وقيمة تفاسير المعاصرين أنها تعالج ما نعانيه في زماننا، فتُثَوِّرَ معاني جديدة تهتم بما يروج في ظلال القرآن لسيد قطب رحمه الله، نموذجًا فريدًا في بابه وكذلك تفسير المنار وتفسير الألوسي.
من مميزات تفسير -الظِّلال للشهيد سيد قطب رحمه الله- أنه اهتم بالاشتباك الواقعي ومعايشة آي الكتاب العزيز، لتعالج الجواهر السلبية في المجتمع والدولة!

ومما يساعد على التدبر والمعايشة لآي الكتاب العزيز قراءة كتب تسلط الضوء على مواضيع مخصوصة في القرآن الكريم كـ “ظاهرة النفاق في القرآن الكريم” لعبد الرحمن حبنكة -نموذجًا-.
ومما يجعل المسلم يعايش كتاب الله تعالى، بتدبر -معرفة خواص السور القرآنية- فسورة الكهف على سبيل المثال لا الحصر: من خصائصها أن موسى عليه السلام بكثرة ما ذكر في القرآن الكريم إلا أن ذكر قِصص معينة له جاءت في سورة الكهف وحدها دون غيرها.

مدارسة السيرة النبوية الشريفة – تزيد من تعميق الأثر المعايش لآي الكتاب العزيز، فمعايشة الواقع وحمل همومه في محاولة للإصلاح – من شيم المتدبر لكتاب الله تعالى، إذ الغوص في كتاب الله تعالى وجعله مركزا في السجال الفكري المعاصر، لمسلك قوي متين طالما كتب فيه شيخنا الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله، وغيره كثير – إبراهيم السكران نموذجًا!

وأخيرًا.. فهم النص القرآني يختلف باختلاف المشاعر من التلف -آدم عليه السلام نموذجًا في تلقيه لآيات ربه- ففهمك للآية على قدر همومك! كما أن استفادتك منها لا يكون إلا بقدر حاجتك إليها.

إن كان من وصية، فأوصي بالاطلاع على ما كتبه شيخنا الأنصاري عليه رحمة الله في كتاباته عن القرآن وهي متعددة، وما كتبه العبقري إبراهيم السكران في رسائل وكتب قيمة، وما يحاضر ويُنُثَرُ من درر في محاضرات الدكاترة الكرام أحمد عبد المنعم الذي استقيت منه هذه المادة في مضمونها العام والدكتور محمد الخضيري وهو من الرائدين في مجال القرآن وعلومه وأخيرًا الدكتور الفاضل مساعد الطيار.

387

الكاتب

عمر بن محمد

باحث في التاريخ والفكر الإسلامي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.