بعد سقوط الخلافة العثمانية في العام 1922 ميلاديًّا تعرّض العالم الإسلاميّ بأفراده لصدمة مدوّية؛ إذ لم يكن المسلمون قبل ذلك عبر تاريخهم قد تعرّضوا للحكم الجبري، كما أنَّهم حتى في فترات الحكم العاضّ وتعاقب الحكّام الظالمين لم يحدث وأن تفكّكت أراضي الإسلام إلى كيانات مستقلّة، وتحوّلت الراية الجامعة لشتّى الأجزاء الإسلاميّة إلى رايات مختلفة فُرضت من غير أبناء عقيدتهم، وتحوّل الأفراد من الهويّة الإسلاميّة إلى القومية.

كلّ ذلك لم يكن عقب إعلان السقوط مباشرة ولكنَّه كان نتيجة حتميّة لسياسات التغريب الممنهجة التي اتّخذها الاحتلال، إلّا أنَّ إعلان السقوط وما تلاه من احتلال غربيّ لأراضي الإسلام شكّل تحدّيًا نفسيًّا وواقعيًّا لمجموعةٍ كانت تأمل في إعادة القيادة للمسلمين، فتكتّلت لتُكوّن النواة لتكوين أوّل جماعة إسلاميّة بعد سقوط الخلافة.

ومن جهة أخرى فإنَّ الشريحة الأكبر من شعوب الأراضي الإسلاميّة وما تعرّضت له من فقدان الهويّة ومن ثمّ الأرض والإرادة وتعاقب السياسات الحاكمة من احتلال لحكم قوميّ اشتراكيّ ثمَّ حكم رأسماليّ وانفتاح اقتصاديّ، ثمّ تصدير نموذج العولمة وإنسان المادة مع غياب متعمّد لقيمة مركزيّة توجّه الإنسان المسلم وتحدّد له سبُل سيره ومقاصده.

وجدتْ هذه الشريحة نفسها أسيرة المادّة والطرح البشري، جوفاء من ذاتيتها، منساقة خلف كلّ يد تُمدّ لها أملًا في تحقيق السكينة وعمران الذات.

فتارةً تستأثر صيحات إثبات الذات في مجال العمل وميدان الحياة بالمشهد وتكوّن النموذج المأمول، وتارةً يبرز العلم كغاية عظمى لتحقيق النجاة، وتارةً أخرى يظهر الوعي النفسيّ والمعرفيّ المجرد حلًّا لكلّ تلك المشكلات الداخلية، وطائفة أخرى تعكف على تتبع تاريخيّ مفصّل أملًا في الإجابة عن سؤال “كيف وصلنا إلى تلك النقطة؟”.

وبتتابع أزمنة الهزيمة تكون التفاهة والتسطيح حلًّا لكلّ تلك الأصوات الباحثة عن النور.

ما كانت كل تلك الاعتراكات النفسيّة والتجويف الداخلي إلا بسبب غياب مصدر نور القلب ومادة حياته “الوحي” الذي يعيد بناء الإنسان نفسيًّا وفكريًّا وعمليًّا بما يجعله متّزنًا في سيره في الحياة معتدلًا في مقصده وغايته.

يعمرُ الوحىُ بناء الإنسان من جوانب أربع تتكامل سويًّا ليحلّ الإنسان الأخرويّ القصد محلّ إنسان المادّة، ويحلّ الإنسان المبصر الفعّال محلّ الإنسان المهزوم حضاريًّا التائه.

التوحيد

أوّل خطوة قرآنيّة لعمران الذات هو تحقيق التوحيد في قلب الإنسان بالتعرّف على الله بأسمائه وصفاته ونعمه وكونه. توحيدًا قلبيًّا وعمليًّا، فلا يخش إلّا الله ولا يتوجّه إلّا لله ولا يرجو إلّا الله ولا يتحاكم إلّا لله.

فلا طرق الشيطان والشركاء تغويه ولا بريق الحضارات المادّيّة والانتصارات الذاتيّة المجرّدة يجذبه، إنسانًا موحّدًا غايته في السماء والدنيا طريقه لها.

العبادة

بما هي ترجمة عمليّة للتوحيد من قصدٍ لله عزّ وجلّ وحده وتحقيق الصلة به.

فتنقطع دنياه في حضرة وقتها. لا يعبد المادّة ولا يعبد ربّ العمل ولا يعبد المصالح ولا يعبد عالم الأشياء.

هو عبدٌ لله كما يحبّ الله ويرضى. فالعبادة -بما هي فعلُ يقصد به المتعبّد ربّه- فيها من الوصل الروحيّ والتزوّد ما يُجنّب صاحبها من استنزاف الدنيا له وثقلها الجاذب إلى الأرض ركونًا وإخلادًا فيها.

المجتمع

ومن قضايا عمران القرآن للذات بعد عمران روحه وقلبه، عمران المجتمع.

بداية من نواة المجتمع الأولى “الأسرة” نهاية إلى تعمير الأرض بمجتمعات مسلمة موحّدة لله عز وجل.

وإلى جانب تحقيق الانتشار وتكثير سواد المسلمين، ففي بناء الأسرة جانب نفسي لا يكتمل إلا بها وشرود لا يتّزن إلا بتحقيقها. فعمران القرآن للذات لا يتوقّف عند تصحيح المفاهيم والغايات وبناء الروابط الروحيّة وحسب، بل يهتمّ بالجوانب النفسيّة ويفرّد لها جانبًا أصيلًا.

العلم بالدين

قال تعالى:(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) (محمّد: 19).

والعلم إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، فالمسلم مطالب بالعلم بالتوحيد الذي هو دينه والسعي لإدراكه وتحقيقه تحقيقًا يقينيًّا في القلب، ثمّ العلم بما يحفظ عليه دينه من أوامر ونواهي وتشريعات ووصايا، ولا سبيل لتحصيل ذلك إلا بالوحي، وفي تلك النقطة ينقسم العلم بالدين إلى قسمين؛ قسمٌ يشترك فيه كلّ المسلمين ويجب عليهم تحقيقه وهو العلم بما لا يسع المسلم جهله من أمور دينه، وقسمٌ يختص به فقهاء الديانة من العلم العميق والتخصّص في علوم الدين؛ لتعلُّم وتعليم الوحي وحمل نوره إلى الأرض كافّة.

تلك المحاور الأربعة لقضايا عمران القرآن للبشر تجعل الإنسان صاحب هويّة مستقلة غير قابل للاستعمار الفكريّ ولا الحقيقيّ، مطمئن النفس ثابت الفكر فاعلًا وفعّالًا في الأرض، لا تشتّته أضواء العالم المادّي.

ولا يخفى على ذي قلبٍ مبصرٍ مشهد الصحابيّ الجليل ربعي بن عامر وهو يدخل على رستم ملك الفرس، يرتدي درعًا من حديد يغطي نصفه الأعلى ويمسك برمحه فيقطع إحدى الوسائد المُذهّبة ليربط فرسه فيها وما ترك بساطًا في طريقه إلا وقطعه، ثمَّ يجلس على الأرض لا على البُسط ويتّكئ على رمحه ليسطّر مقالته الخالدة التي أنتجتها تربية النّبيّ القرآنية لهذا الجيل الفريد: “لقد ابتعثنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة فمن قَبِلَ ذلك منّا قبلنا منه، وإن لم يقبل قبلنا منّه الجزية، وإن رفض قاتلناه حتى نظفر بالنّصر” وبعد حوار رستم مع الجليل ربعي بن عامر يلتفت لحاشيته ويقول: “أرأيتم من مَنطِقِه؟! أرأيتم من قوته؟! أرأيتم من ثقته؟!”

صاحب إمبراطوريّة عظمى أو ما يمكن أن نسميه بمسمى عصرنا: “أحد أقطاب النظام العالمي” ينبهر بمنطق وفكر جندي مسلم من عامّة الجند! إنّه كان واقع الجيل القرآني الذي قلب موازين الأرض آنذاك وسيكون واقع كلّ من أفسح للقرآن طريقًا لتعمير نفسه عاملًا بقول الله عزّ وجلّ: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) (الأعراف: 170)، وقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم “فتمسّكوا به، فإنّكم لن تضلّوا ولن تهلكوا بعده أبدًا”.

236

الكاتب

أسماء القاسم

خليفةُُ للهِ في أرضهِ والقبلةُ إلى بيت المقدس، أسكن القاهرة.

التعليقات

  • احمد منذ 3 أشهر

    بارك الله فيكم

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.