ما بعد الجائحة، من الإيديولوجية إلى النبوءة

توجسات ومبررات

يبدو أن المدنية المعاصرة بقيادة الغرب، قد شرعت أعطابها ومثالبها في التكشف بصورة فاضحة مع أول اختبار تتعرض له البشرية اليوم بصورة جماعية، وصارت تنجلي على إثره حقائق كونية وسنن اجتماعية غالبًا ما كانت عرضة للإقصاء وفي أفضل الأحوال للتعمية من طرف أنصار العولمة وأساطين النيوليبرالية المتوحشة! ومع ذلك، وما دام الغرب والشرق، والشمال والجنوب حتى اللحظة في فوهة بركان كورونا، فالأجدى التوجس من ترادف النبوءات ذات المنزع التغييري الجذري، وعدم مسايرة الاستنتاجات الخادعة حيال تأثير الوباء على النظام العالمي القائم.

لكن هل لهذا التوجس من موجبات ومبررات؟ من البَيِّن أن النبوءات الكورونية قد باتت تشكل ضغطًا متزايدًا يومًا تلو الآخر، وعبئاً نفسيًا موازيًا لإكراهات الحجر الصحي المُقَدَّرة على الناس رغم أن معظمها لا تعدو أن تكون صدى للمفاجأة ومن نواتج الصدمة على الأرجح، وهذا أحد مبررات حالة التوجس هاته. أما ثاني المبررات فيرتبط بالنفوذ المتعاظم الذي تمارسه النظرة المادية البحتة على النخب حتى صارت لها سطوة على اختياراتهم التعليلية والاستشرافية لمصائر الناس بعد انزياح الجائحة، هذا دون أن نغفل المبرر الثالث المركوز داخل الأنماط الترويجية والدعائية لهذه النبوءات التي شكلت -للأسف- مصدرًا لصناعة توقعات مفزعة وتحليلات مخيفة تقض مضاجع الساسة والمَسوسين على السواء بخصوص ما ينتظر الإنسانية في القادم من الأيام.

كيسنجر بين الأيديولوجية والنبوءة

هنري ألفريد كيسنجر -شغل منصب وزير الخارجية الأمريكية- مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

في سياق المراجعة لما بعد كورونا من النافع استحضار نبوءات هنري كيسنجر وعلاقتها بأيديولوجية العولمة، لكونه أحد أقوى أعمدة العولمة، ومن كبار المنافحين عن الليبرالية الجديدة، وأشهر كهنتها في القرن العشرين وحيال ما يجري في عالمنا إلى اليوم. ولأنه كذلك -من الزاوية السيكولوجية- شديد الهوس بأنوية الرجل الأمريكي الأبيض في صناعة الأحداث والوقائع العالمية!

والبادي أن معظم نبوءات كيسنجر الأخيرة على صفحات وول ستريت لم تخرج عن فلسفة “الربح فوق الشعب”، ولا عن الأيديولوجية الكولونيالية المخادعة، والمعروفة بمنطق احتواء الغير ابتداء ثم التحكم فيه وإخضاعه انتهاء، ولا عَمَّ هو متداول عولميًا من تكهنات وتوقعات ذات المنزع المادي الاستعلائي. بل لقد عززت وفاء الرجل للعولمة باعتبارها نمطًا أيديولوجيًا تمكينيًا نيوليبراليا، كما أيّدت دفاعه عن المنحى الثابت في إقصاء الهويات والمساهمات الحضارية المتنوعة عن إبداء رأيها وموقفها من مستقبل الإنسان لما بعد كوفيد 19، خصوصًا تلك التي تبتغي التحرر من قبضة العولمة وقيود المادية المعاصرة.

تضليل متعمد

القاسمان المشتركان لنبوءات كيسنجر يَبرزان في التضليل المتعمد الذي يصوغ بها نبوءاته، وكذلك في حالة الجشع المرضي وبتعبير أدق (الشره المرضي) التي تستهدف موائد الأزمات والنكبات للاستقواء بها في مواجهة التحديات الظرفية والوجودية للعولمة الأمريكية بوجه خاص. ففي 1990م ألقى الرجل -وهو آنذاك وزير خارجية أمريكا-، وفي سياق تبشيره بنظام عالمي جديد لما بعد الاتحاد السوفيتي قال:

إن الجبهة الجديدة التي على الغرب مواجهتها هي العالم العربي والإسلامي باعتبار هذا العالم هو العدو الجديد للغرب.

وبعد قيام ثورات الشعوب العربية الأخيرة، فقد تنبأ هذه المرة بنظام عالمي جديد لما بعدها، فألحق بهذه النبوءة دعوته المشهورة إلى استعمار دول خليجية -دون مواربة- لأهميتها الاستراتيجية واحتوائها على البترول. أما في مقالته الأخيرة، وأثناء حديثه عن نظام عالمي جديد لما بعد الجائحة، لم يجد كاهن السياسة الأمريكية أية غضاضة في استدعاء أحداث دموية من قبيل التوسل بخطة “مارشال” لإعادة ترتيب الأوضاع الاقتصادية لما بعد كورونا، وبمشروع “مانهاتن” السيء الذكر والذي مثل جنونًا أمريكيًا لصنع أول قنبلة ذرية في التاريخ الإنساني، والغاية من هذا التوسل الاقتداء بالمشروع في مجابهة الأوبئة والأمراض المعدية، حسب زعمه! ولأن كان هذا التوسل غير صائب البتة، والمماثلة غير موفقة من حيث سياق الوقائع وطبيعة التحدي الراهن، فالثابت هو الإصرار على الأيديولوجية الانتهازية كحل للمشكلات الدولية، وبالتالي توظيف نبوءة الإبقاء على العولمة الأمريكية بصيغتها الحالية سبيلًا أوحدًا لمواجهة تداعيات الجائحة.

 نهاية العولمة ومنطق المعجزة!

في الجهة المقابلة تعالت أصوات مبشرة بأفول شمس العولمة، وانبرت أيديولوجيات ونبوءات خصوصًا في الوطن العربي والإسلامي بعيدة عن العقل السُنني، وقريبة من منطق المعجزة بصورة فَجّة إزاء التدهور المنتظر للعولمة عقب الجائحة، وعودة القيم والأخلاق الفطرية إلى ساحة الفعل الحضاري! ولئن كان هذا هو المأمول، فإن المراجعة الموضوعية لخطاب نهاية الليبرالية الجديدة يبدو -للأسف- سطحيًا ومستخفًا بطبيعة العولمة شكلًا ومضمونًا، فلسفة وممارسة من جهة، ومن جهة ثانية فلإن لغة هذا الخطاب لا تعدو أن تكون نرجسية نتيجة هزالة الدراية بالثابت والمتحول، وعدم التمييز بين الوسائل والأهداف، والأساسي والثانوي داخل منظومة المبادئ والمرتكزات العولمية. ولن نبالغ إذا قلنا: إن خطاب “نهاية العولمة” قد أسقط بعض النخب في فخ المعايب التحليلية والتوصيفية ذاتها التي وقع فيها فكر “نهاية الهويات” لكل من فوكوياما وعلي حرب وغيرهما.

فقه السنن وقانون التغيير

للتذكير، كيف ما كان وقع الأحداث والمتغيرات وأثرها و امتدادها فإنها لا تولد من رحم الصدفة بتاتًا، بل هي نتاج مسار دقيق لحركة السنن والقوانين الكونية والاجتماعية، لذا وارتكازًا إلى قانوني التداول والاستبدال، وخلافًا لما يذاع، ورغم أن العولمة اليوم تعيش في قلب الظلام، فلن يشهد العالم في القادم القريب من الأيام -على الأقل- موتًا للعولمة، ولا اندحارًا سهلًا للرأسمالية الجشعة، أو انحسارًا كليًا للثقافة المادية، ولن يختلف عالم ما بعد كورونا عن عالم ما بعد الحرب الباردة بشكل جذري رغم الزخم الهائل من الأعطاب والأدواء التي تنخر المدنية المعاصرة لاعتبارات منها:
أن الجائحة ستترك ندوبًا في وجه العولمة لا محالة، وسيشهد العالم انكماشًا على المدى القصير، وهذه نتيجة طبيعية لما سيخلفه الفعل الوبائي على مفاصل الاقتصاد، ومنتظر أن تليه موجة من الانفتاح، و قد يدخل العالم بعد ذلك في موجات وأشكال جديدة من العولمة قد تكون أشد وأنكى على الإنسان من سابقاتها، ويبقى السر في استمرار العولمة امتلاكها لمقدرة هائلة على التكيف مع الوقائع المستجدة، والمرونة في التعامل مع الطوارئ، والقدرة على التجديد والتمدد وإعادة التموقع، وإتقان فن المناورة، والحذق في ترتيب وإعادة ترتيب الأولويات، وهذا ليس بالمستغرب خصوصًا إذا استحضرنا كيف خرجت الرأسمالية أكثر قوة بعد أزمة الخميس الأسود في القرن الفائت.

العولمة والصراع من أجل البقاء

كشفت لنا أزمة كورونا كما يقول إدغار مورن:

أن العولمة هي ترابط وتشابك فاقد التضامن.

بل كشفت -في اعتقادنا- أسوأ من ذلك خصوصا عند مقاربة العولمة للتحديات المادية والإنسانية التي تصادفها بمنطق الابتزاز السياسي والاستنزاف الاقتصادي لمقدرات الأمم الضعيفة التي ُتَسِمها بالهامشية! فهي لا تستنكف عن صناعة الأزمات الحارقة، وتدوير الأحداث وتحويرها تبعًا لبوصلة المنافع ومصالح الخاصة كما وقع في الحرب العالمية الثانية حين توجهت الولايات الأمريكية لموارد الحلفاء وخيرات الأمم المستعمرة الضعيفة فكانت النتيجة العملية تضاعف التصنيع أربع مرات، فتم تجاوز الكساد واستعادة العولمة لدورها من جديد.

وللإشارة لا من التمييز في العولمة بين مجالين: المجال المالي والمجال الرقمي، فالعولمة المالية يبدو أنها ستسمر في المحافظة على الأنماط التقليدية نفسها لما قبل الجائحة، ولن تضحي أبدا بالانسياب التداولي المعهود للأموال لكونها عصب وروح الرأسمالية الجديدة. وأما العولمة الرقمية فقد لمسنا كيف أضحت قوية مع التباعد الاجتماعي وحالة الطوارئ العالمية، والمتوقع أنها ستزداد قوة إلى قوتها مباشرة بعد انزياح الجائحة، ولربما قد تحوز هذه هي النبوءة صدقية بين باقي نبوءات خطاب النهايات!

بديل العولمة، من يكون؟

مع فرضية تجاوز الاعتبارات الثلاثة الآنف ذكرها، وبعيدًا عن مزالق الأيديولوجيات ومتاهات النبوءات، لنا أن نتساءل: من يملك في الراهن الأهلية الحضارية لخلافة العولمة؟ وهل يحوز مشروع النهضة الإسلامي اليوم مقومات التمكين لإعادة الشأن والاعتبار للهويات والخصوصيات؟

لا ننكر أن الأطاريح الإسلامية للنهوض الحضاري من قبيل الاستخلاف والتمكين والشهود والنهوض. قد حققت في الساحة المعرفية سيلًا من الانتصارات والفتوحات على الأطاريح المادية الاستيلابية، لكنها -للأسف- بمجرد أن ترنو إلى ملامسة الواقع، وتشرع نظرياتها في التجسد على أرض الواقع يمنى المشروع النهضوي بالخيبة والارتكاس!

ويبدو أن الحضارة العربية والإسلامية لن تستعيد عافيتها وفاعليتها أولًا وقبل أي شيء آخر إلا عبر توجيه الجهود نحو الملاءمة المنهجية بين الرأي والحركة، بين الفكر والممارسة، بين النظر والواقع، بين التأملات والأفعال. ذلك هو المدخل المأمول نحو حضارة عالمية وإنسانية، لا تفرض على الآخر أيديولوجيتها، ولا تسلبه ثقافته ونمط حياته، ولا تسلب حقه ولا تنهب ثروته.

المصادر

  • كتاب “الربح فوق الشعب، الليبرالية الجديدة والنظام العولمي “نوعام تشومسكي، ترجمة مازن الحسني. دار التنوير للترجمة والطباعة والنشر، رام الله، فلسطين. الطبعة الأولى 2000.
  • دافيد لو بابي، سيلفان كوراج، إدغار مورن. العربي الجديد. 27 مارس 2020.

د. بنداود رضواني

دكتوراة في الفكر الإسلامي ومقارنة الأديان باحث في قضايا الاستغراب المزيد »

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى