محمد فريد وجدي دائرة المعارف البشرية

لم يكن محمد فريد وجدي، فريد عصره وحسب؛ وإنما كان مثالًا نادر التكرار للمثقف الحرّ الذي لم ينجح إقبال الدنيا أو إدبارها في تلوين فكره، أو تطويع مبادئه، أو إخماد همّته. إنّه النموذج الذي يضرب إذا ذكرت العزيمة، والرمز الأوضح للعبقرية، والصورة الحية للعالم المسلم الذي وسع صدره مخالفيه، وعفّ لسانه عن نقد مهاجميه.

نشأة عصامية

كان من توفيق الأقدار أن يولد محمد فريد وجدي لوالدٍ متفتح الذهن، يرحب بالمناقشة، ولديه من رجاحة العقل ما يجعله يقبل رأي ابنه الصغير الذي لم يتجاوز السادسة عشر من عمره، بهجر التعليم المدرسي، الذي كان مصيريًا في ذلك العصر، وضروريًا للوظائف العليا، والمكانة الاجتماعية.

وقد كان للصبي الناشئ حجته في أنّه تلقى تعليمًا أجنبيًا، أهله للقراءة بتبحر في الثقافة الفرنسية، وبلغ من إتقان اللغة العربية وآدابها ما جعل كبرى الجرائد حينئذ، تنشر مقالاته ظانين أنّها لكهل محنّك.

وهكذا، تهيأت الفرصة لمحمد فريد وجدي لتتجاوز معارفه الكتب المدرسيّة؛ فيفوق أترابه، بل ويسبق المتقدمين عليه عمرًا وانتظامًا في التعليم الأكاديمي، إذ ساعدته شهيّته المفتوحة في التهام أصناف عدّة ومتعددة من الأسفار والكتب في مختلف التخصصات، حتى أنّه كان لا يقنع بالكتاب الواحد في الموضوع الواحد، ولا يطمئن لرأي مؤلف قبل أن يزيد عليه آراء مجموعة متباينة من الباحثين والدارسين.

وجعلت أتناول بالقراءة والدرس جميع الكتب الدينية والكونية والاجتماعية وسائر ما يتعلق منها بعلم النفس، وأكببت على ذلك عدة سنين، فاكتسبت علمًا غزيرًا، واتسع أمامي نطاق الحياة.

الفلسفة الحقَّة

محمد فريد وجدي
كتاب الإسلام في عصر العلم لمحمد فريد وجدي.

لن يصادف الباحث في سيرة الموسوعة محمد فريد وجدي أي التباسات حول منطلقات الكتابة والتأليف عنده، فالرجل الذي عاش زاهدًا يتعفف عن دسم الطعام ما كان للمال أو للشهرة أو للنفوذ أن تكون ذات تأثير عليه، وإنما هي فطرة نقية، وحمية أصيلة للذود عن عقيدة يوقن بصوابها، وشريعة يؤمن بضرورة إنفاذها. يقول عنه الكاتب الكبير محمود عباس العقاد:

’’بدأ حياته الفكرية على مبدأ لم يخالفه قط في أيام رخاء ولا في أيام عسرة، فقصر طعامه على النبات، وانفرد بهذا الطعام بين أهل بيته، واجتنب الولائم التي يدعى فيها إلى طعام غير طعامه. وأخذ نفسه بسمت الأولين من عباد «الله» الصالحين، فتورع عن كل بدعة من بدع الضلالة أو الجهالة ينكرها الدين، وجهر باستنكاره لهذه البدع حين صمت الصيَّاحون من الناطقين‘‘.

ولم تكن بواعث الكتابة والتأليف عند وجدي عاطفية فقط، وإنما كانت بصيرة ثاقبة تدرك ما يحاك للأمة من قبل محتليها وأذنابهم، الذين نقلوا عن المستشرقين شبهاتهم حول الدين، وعن الخلاعيين دعواتهم للمجون والانحلال.

لذلك، ليس غريبًا أن يكون أوّل كتاب ينشغل بتأليفه صيحة نذير لمن يقرؤون الترجمات الداعية إلى الإلحاد والكفر تحت دعاوى تحرير العقل من الخرافة والموروث.

وقد جاء كتاب وجدي فريدًا لأنه اعتمد فيه على منهجه الذاتي في الإيمان، والذي قدّر فيه الدليل العقلي مع الدليل النقلي؛ فكان كتاب (الفلسفة الحقّة) أقرب ما يكون إلى مناظرة مكتوبة استخدم فيها المؤلف أقوال علماء الغرب وكبار مفكريه وحججهم المجردة؛ لإثبات أن صانع هذا الكون حيّ واجب الوجود، وأن هذا العالم بتعقيداته التي يعجز العقل البشري عن إدراك كنهها، لا بد له من راع يرعاه.

وقد حظي الكتاب بقبول واسع جماهيريًا، إذ وجد فيه الطلاب والجامعيون الذين اصطدموا بالأطروحات الأجنبية البرهان المقنع على صدق عقيدتهم، كما قوبل بتقريظ وثناء حسن من رموز الدعوة والفكر في ذلك الوقت، من أمثال الشيخ محمد رشيد رضا الذي قال عنه:

’’ابن وكيل محافظة دمياط شاب ذكي نبيه، أبصرُ أهل دمياط بحالة الإسلام والوقت، وجهته مثلنا دينية، يطالع الإحياء وله اعتناء بالفلسفة، ألف كتابًا صغيرًا اسمه (الفلسفة الحقّة)، وهو الآن يستعد لتأليف كتاب بالفرنسية في الديانة الإسلامية سيعرضه في معرض باريس الآتي، وهو منفرد بهذه الأفكار‘‘

على أطلال المذهب المادي

رغم تعدد إسهامات محمد فريد وجدي في ميدان الكتابة والتأليف، فإن معركته الأبرز -ربما- كانت مع المذهب الماديّ ودحض ترهاته، وتفنيد أباطيله بطرق عقلانية يجد فيها الباحث عن الحقيقة، منطقًا سليمًا، وحججًا دامغة. وقد أنفق وجدي في سبيل هذا الهدف المال والوقت والجهد، إذ كان حريصًا على قراءة جميع ما ينشر من نظريات وفرضيات في أوروبا، وما يتلقفه الأتباع العرب في الداخل.

وكان دافع محمد فريد وجدي للتصدي لأفكار الماديين، أنّه رأى في جوهرها طريقة لهدم الشرائع السماوية، بنقض ثوابت الدين، وبخاصة نظرية النشوء والارتقاء التي تحمّس له عدد من الدارسين المسلمين في الغرب.

وقد جمع وجدي ردوده على الفكر المادي في سِفر قيّم عنوانه (على أطلال المذهب الماديّ)، جاء في أربعة أجزاء، تجاهل فيه ما يقوله الماديون العرب، قاصدًا بسهامه التي لا تخطئ الرؤوس الأجنبية التي يأخذون عنها، وينسخون آراءها.

دائرة معارف القرن العشرين

فريد وجدي

لم يقتصر جهد محمد فريد وجدي الفكري على التأليف في بحوث الإسلام وتناوله من أبواب تشريعاته الاجتماعية والسياسية والأخلاقية وغيرها؛ وإنما له يد لا تغفل أثرت المكتبة العربية، وسهلت للقرّاء الوصول إلى خلاصات العلوم العقلية والنقلية والطبيعة والتاريخ والجغرافيا والعمران والمشاهير والطبّ، وجميع ما يحتاجه الإنسان ليكون مثقفًا مطلعًا على الإرث الإنساني.

وإذا كانت دوائر المعارف تنهض بها المؤسسات، وتتولي عبئها فرق العمل المتخصصة؛ فإن همة محمد فريد وجدي وسعت ذلك كلّه، فأخرج موسوعة معارف شاملة في عشرة مجلدات، في نحو 9000 صفحة، عام 1910 ميلادية.

وجاء حرص وجدي على تقديم هذا الكتاب المرجعيّ لأبناء أمته شفقته عليهم من فقر البيئة الثقافية وقتئذٍ؛ إذ اقتصر إنتاج المطابع ذات التوجه الإسلامي على كتب التراث، في حين نشطت مطابع المستغربين لنشر الكتب الناخرة في عقائد الشعوب وأخلاقها. فيقول:

’’إذا كان الله -عز وجل- قد رزقني القدرة على شراء الدوائر العلمية الأوربية، ثم على قراءتها واستيعابها، والعمل على تلخيصها في هذا الكمّ الهائل من الأوراق؛ فلماذا لا أتقدم بها إلى القراء ليجدوا فيها ما أجد من ألوان المعرفة الغائبة؟، والدراسة القاصية عن متناول أيديهم؟‘‘

حظيت دائرة معارف محمد فريد وجدي بنصيبها من الجدل أيضًا، ففي حين رأي فيها البعض أنّه من غير المنطقي أن يحيط شخص واحد بجميع هذه العلوم، رأى آخرون أنّها جهد مقدّر سدّ ثغرة في المكتبة العربية في ذلك العصر، بل وذهب بعض المثقفين البارزين إلى أنّ الموسوعة لا غنى عنها لكلّ بيت. يقول محمد حسين هيكل:

وما نشك في أن عددًا كبيرًا من القراء يجد في مراجعة هذا الكتاب فائدة له غير قليلة، فأنت إذا رجعت إلى الكتاب في كلمة من الكلمات رأيت تفسيرها اللغوي، ثم انتقلت في أحيان كثيرة إلى بحث طويل ينطوي تحت هذه الكلمة من تاريخ أو فلسفة.

مجلة الأزهر

العلاقة بين محمد فريد وجدي وبين الصحافة قديمة؛ فقد عمل رئيسًا للتحرير ومديرًا للإدارة، ومحررًا منذ فترة مبكرة في حياته، ونشرت كبريات الصحف في وقته من أمثال المؤيد واللواء والأهرام مقالاته.

ولمَّا كان من أبرز صفات وجدي اعتزازه بقناعاته الفكرية والسياسية، وإسهابه في الفكرة الواحدة حتى أنها تستغرق منه أكثر من عشرين مقالًا، اصطدم ببعض السياسات التحريرية، ووجد أنّه من الأجدى أن تكون له صحيفته الخاصة، فأصدر أولًا في عمر الحادية والعشرين جريدة الحياة، موضحًا أنه دشنها من أجل تثبيت الدين في عقول أبنائه بنتائج العلم العصري، وإقامة الأدلة على أن هذا الدين هو منتهى ما يصل إليه الإنسان من حقيقة، لكن الحياة توقفت بعد ثمانية عشر شهرًا لتقاعس القرّاء عن تسديد اشتراكاتهم، فما لبث أن أصدر جريدة يومية تحت اسم الدستور، وصفها كاتبًا ’’وما الدستور إلا محام جديد انتدبته الأمّة بإقبالها على سهومه للدفاع عن قضية مصر‘‘، إلّا أن الجريدة لاقت مصيرًا مشابهًا لسابقتها بعد مقاطعتها من قبل أعضاء الحزب الوطني؛ لنقد وجدي لبعض خطب مصطفى كامل زعيم الحزب.

ما يلفت الانتباه في تجربة محمد فريد وجدي مع الصحافة في هذه المرحلة من حياته، أنّ الصعوبات الاقتصادية والخسائر المالية التي لحقته، لم تنجح في زعزعة مبادئه قيد أنملة. فعندما تعثّرت الدستور راسلته جمعية (تركيا الفتاة) لتصبح الجريدة الناطق بلسانها، شريطة أن يرفع من ترويستها جملة (لسان حال الجامعة الإسلامية)، فرفض منحتهم.

أمّا رئاسة تحرير مجلة الأزهر، فقد تولّاها في مرحلة متأخرة من عمره، إذ كان في نحو الخامسة والخمسين، عندما رأت مشيخة الأزهر في عام 1933 أن تعهد بها إلى شخصية ثقيلة الوزن في مجال الفكر الإسلامي والموسوعي.

وكان من جهد محمد فريد وجدي أن وسّع دائرة جمهور مجلة الأزهر من دائرة الفقهاء إلى عموم المسلمين، بما أضاف إليها من أبواب تجاري واقع الحياة للفرد المسلم، وأبواب تنقل صدى الشعوب الإسلامية في مختلف البقاع، علاوة على تصيّد الشبهات حول الإسلام ودحضها بمنهجية عقلية رزينة.

المصحف المفسّر

إذا كنت تقتني نسخة من القرآن الكريم فسّرت على حواشي صفحاتها معاني الكلمات، وأسباب النزول، وشروح ميسرة للآيات؛ فعليك أن ترفع كفيّك بالدعاء لصاحب هذه الفكرة، الأستاذ محمد فريد وجدي، أوّل من سنّ هذه السنّة الطيبة في طباعة المصاحف.

وقد بدأت رحلته مع تفسير القرآن الكريم عندما رغب في قراءة تدبرية، فأعجزته كتب التفسير التراثية المطولة بحشوها الزائد من علوم اللغة، وازدحام الآراء، والاستطراد في الاستدلال، كما لم تشبعه التفاسير المختصرة التي عنيت ببيان معاني المفردات وأسباب النزول دون التطرق إلى معنى الآيات؛ فكان يوجز على هوامش مصحفه الخاص ما يجمعه من التفاسير المطولة بغية أن يجد فيه ما يعينه على الفهم عند معاودة القراءة، ولمّا أوشك على الانتهاء عرف أنّ مشروعًا مثل هذا سوف يكون خير معين للمسلمين في تلاوة كتاب الله وتدبّر آياته بطرق عصرية تناسب ظروف الوقت، وانشغال المسلمين عن الرجوع إلى كتب التفاسير الموسعة.

وإن كان للعلماء بعض الملاحظات حول هنّة هنا أو هناك وقع فيها محمد وجدي في تفسيره للقرآن الكريم، إلّا أن تلك المآخذ لا تقلل من أصالة التأويل، وجديّة الطرح، وتفرّد الفكرة.

مؤلفات وآثار علمية

محمد فريد وجدي

أثرى محمد فريد وجدي الإرث الإنساني بمجموعة نادرة من نفيس المؤلفات، سدّ بها ثغرة في المكتبة العربية، وصنع منها نواة لشجرة تتفيأ ظلالها في كل زمان ومكان.

وإذا كان جهد الباحثين قد قصر عن تجميع كلّ مقالات وجدي؛ فإن بعض الكتب المطبوعة والرقمية متاحة للراغبين في التعرف على نتاج هذه الموسوعة الحيّة ومنها: (الفلسفة الحقة)، (تطبيق الديانة الإسلامية على النواميس المدنية)، (الحديقة الفكرية في إثبات وجود الله بالبراهين الطبيعية)، (المرأة المسلمة)، (الإسلام في عصر العلم)، (دائرة معارف القرن العشرين)، (المصحف المفسّر)، (مجموعة الرسائل الفلسفية)، (على أطلال المذهب المادي)، (نقد الشعر الجاهلي)، (دستور التغذي)، (الإسلام .. دين عام خالد)، (الأدلة العلمية في جواز ترجمة القرآن)، (اللورد كرومر والإسلام).

مثال فريد

إنّ أكثر ما يستدعي الإعجاب في سيرة رجلٍ مثل محمد فريد وجدي أنه كان مثالًا فريدًا للعالم المدرك لثقل الأمانة، القانع بمجد الرسالة عن لعاع الدنيا، الناهض بالعبء وحده، وكأنّه رجل بأمة. وما أصدقه عندما قال: ’’إن الفكر أمانة، وصاحب القلم ليس مخيرًا دائمًا فيما يكتب، ولكنّه يفاجأ أحيانًا بما لا سبيل إلى السكون عنه، فيحمل يراعه كما يحمل المجاهد في حومة القتال سلاحه، والله عليم بذات الصدور‘‘

المصادر

  1. محمد فريد وجدي، رائد التوفيق بين العلم والدين، أنور الجندي.
  2. محمد فريد وجدي، حياته وآثاره، د. محمد طه الحاجري.
  3. محمد فريد وجدي، الكاتب الإسلامي والمفكر الموسوعي، د. محمد رجب البيومي.
  4. رجال عرفتهم، محمود عباس العقاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى