في الجزء الأول تناولنا سياق نشأة التيار المدخلي وصراعه مع التيار الصحوي، وكيف استفاد حكام السعودية من ظهور التيار وفتاواه بإباحة الاستعانة بالمشركين وإدخالهم لجزيرة العرب، كما تعرفنا على أبرز رموزه، وما يقوم عليه التيار المدخلي من مرتكزات فكرية، وتمركزهم الجغرافي كذا نشاطهم الإعلامي.

ثم طالعنا في الجزء الثاني خطر المداخلة كأداة بيد السلطات في تخطٍ واضح لدور التيار في المجال الديني إلى ما هو دونه من الأدوار الأمنية والمخابراتية وحمل السلاح وقتال بل واغتيال قادة العمل الإسلامي، إلا إن هذا الخطر لا يقل عما يشكله التيار المدخلي من تهديد في الساحة الدينية إذْ يُصدرون الفتاوى التي تطوع الناس لكل حاكم، لذا فحديثنا هنا في الجزء الثالث والأخير خصَّصناه لبسط أقوال أهل العلم في التيار المدخلي وثوابته ثم ننطلق للرد على ما يثيرونه من شبهات وفتاوى.

أقوال أهل العلم في مذهب وأصول التيار المدخلي

وحيال ما آل إليه التيار المدخلي صرَّح كثير من كبار العلماء الذين عاصروهم بموقفهم من المذهب المدخلي، بل وحقيقة نسبته إلى السلفية، ودعوى أنهم وحدهم من يمثلون السلفية، في حين أن السلفية ما هي إلا منهج ورؤية تقوم على الاجتهاد لمن هو أهل له، لمعرفة مقصود الشارع بحسب ما كان عليه السلف الصالح، بتطبيق ذات الطريقة التي كان يتبعها الصحابة والتابعين من بعدهم، وما سار عليه أئمتنا الكرام. لذا فمن اجتهد في سلوك طريقهم فهو سلفي أيًّا ما كانت الجماعة التي ينتمي إليها.

الرد على أساس مذهبهم

فلقد وقع التيار المدخلي في إشكالية عظيمة عندما أطلقوا الولاء للحاكم بلا قيد، وتبرَّأوا من كل من خالف منهجهم، ثم هم لا يرون حرجًا في الاستعانة بغير المسلمين على قتال المسلمين، بل ويُصرِّحون بذلك بلا أي مواراة وتمتلئ أدبياتهم بتلك الأطروحة. فبهتت لديهم قضية الولاء والبراء، ناهيك عن تفريطهم في قضايا مصيرية مثل قضية الصلح مع اليهود، بل والهجوم الضاري على مَن لا يرى جواز الصلح أو الاستعانة بالمشركين!

تحريم الخروج على أي حاكم

يجيب ربيع بن هادي المدخلي على سؤال حول الخروج على الحاكم الفاسق، فيقول: “الخروج على الحاكم المسلم لا يجوز بحال من الأحوال”.

فيما يرى سعيد رسلان أن الخروج على الحاكم وإن كان كافرًا فهو أيضًا غير جائز بدعوى الاستضعاف وعدم التمكين. فيقول مُتهكِّمًا: “أم تريدون أن تخرجوا عليه بسكين المطبخ وعصا الراعي!”.

وللرد على هذا يجب أولًا التفريق بين الحال التي يكون عليها الحاكم، فالحاكم: إما أن يكون مُسلمًا وإما أن يكون كافرًا سواء أكان كفرًا أصليًا أم طرأ عليه كفر عندنا فيه من الله بُرهان.

والحاكم المسلم: إما أن يكون مُقسطًا قائمًا بدين الله مُدافعًا عن حدوده مُجتنبًا نواهيه، وإما أن يكون ظالمًا، ظُلمًا لا يُخرجه من دائرة الإسلام.

أولًا: الحاكم المسلم القائم بدين الله

وهذا لا خلاف شرعًا ولا عقلًا في تحريم الخروج عليه، بل وقتال من نازعه الأمر. فعَنْ عَرْفَجَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: “مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ، عَلَىَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ”. أخرجه مسلم.

ويخرج عن هذا من عانى نقص الكفاءة بعجز عقلي، فيطرأ عليه ما يمنعه من أداء وظائف الإمامة: كالجنون، أو العمى، أو الصـمم أو البكم، أو صيرورته أسيرًا لا يرجى خلاصه، وهذا ما ينحل به عقد الإمامـة؛ فينعـزل الإمام في هذه الصور جميعًا.

ثانيًا: الحاكم الكافر

وفيه قد جاء إجماع الأئمة على الخروج عليه وعدم طاعته على ما نقله ابن المنذر والقاضي عياض والنووي وابن حجر، إذْ لا يجب أن يكون لكافرٍ سبيلًا على المؤمنين، كما أمرنا الله بطاعة أولي الأمر منّا، وهذا الحاكم الكافر ما هو منا ولا نحن منه.

ففي صحيح مسلم، عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: “دعانا رسـول -صـلى الله عليـه وسلم- فبايعناه فكان مما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسـرنا وأثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله”، قال صلى الله عليه وسلم: “إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه مـن الله برهان”.

فنقل الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم عند شرح هذا الحديث عن القاضي عياض الإجمـاع علـى الخروج على الحاكم إن كفر. فقال: “قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقـد لكـافر. وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل. وقال وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها. قال القاضي عياض: فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة، خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسـلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك. فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلـع الكافر ولا يجب فى المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه فإن تحقق العجز لم يجب القيام ويهاجر المسلم عـن أرضه ويفر بدينه.”(4)

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري: “إنه -أي الإمام- ينعزل بالكفر إجماعًا فيجب على كل مسلم القيام في ذلك فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثـم، ومـن عجـز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض.”

وهذا إن كان الحاكم كافرًا كُفرًا أصليًا أم طرأ عليه كفر، فقد جاء في صحيح البخاري: “من بدل دينه فاقتلوه” وفي رواية عند الإمام أحمد وابن حبان: “من رجع عن دينه فاقتلوه” فهذه الأحاديث تأمر بعدم طاعته وتأمر بالخروج عليه، وعزله وقتله ولو زعم أنه مسلم إذا ظهرت عليه علامات الكفر.

وهنا يجب أن نحدد ما هي العلامات التي تظهر على الحاكم فيُقال بكفره، وأهل العلم وأئمة المسلمين المشهود بعلمهم وتقواهم هم من يحكمون بكفره وليس كل من شاء:

  1. ألا يحكم بما أنزل الله، لقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ).
  2. ألا يرضى بالرجوع إلى الله ورسوله عند التنازع ويرضى بالأحكام الوضعية.
  3. موالاة اليهود والنصارى أو موالاة أي كافر أو مشرك.
  4. الردة عن الدين بمشاركة الكفار أو المشركين في طقوسهم الدينية فيفعل مثل فعلهم، أو يرتدي صليبًا أو يسجد لصنم أو يتهود.
  5. أن يترك الصلاة أو لا يدعو لإقامتها. لحديث عوف بن مالك -رضي الله عنه- قال: “سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-يقول: “وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم؟ فقال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة”.
  6. أن يُحلّ ما حرم الله ورسوله ويحرم ما أحل الله ورسوله، وهذا من القضايا المجمع عليها عند أئمة المسلمين، كإباحة الربا والخمر، وكاستحلال دم المسلمين بغير حق ولمجرد مخالفة ذلك الحاكم ونظامه. وكتحريم الجهاد بحجة أنه إرهاب، وتعطيل الحدود الشرعية بزعم عدم توافقها مع أتت به القوانين والحضارات الحديثة.

ثالثًا: الحاكم الجائر ولم يتعدى ذلك إلى الخروج عن دائرة الإسلام

وهنا يجب تحرير محل النزاع أولًا، إذْ أن الحديث هنا عن حاكم مسلم لم يتلبس بفعل من الأفعال الست السابق ذكرها، فهو مؤمن يقيم الشرع لا يوالي الكافرين ولا المُشركين ولم يترك إقامة الصلاة ولا الدعوة إليها، ولم يُحل حرامًا ولم يُحرّم حلالًا. ورغم هذا فالمسألة محل خلاف عريض بين العلماء والأئمة.

وهنا يجب أن يثبت المداخلة أولًا وجود حاكم في هذا الزمان لم يقع في فعل من هذه الأفعال الستّ لننتقل بعدها إلى محل النزاع.

وفي محل النزاع أقسام: (5)

1- أن يُوجد منـه مـا يوجب اختلال أحوال المسلمين، وانتكاس أمور الدين يقول الشريف الجرجاني في شرح المواقف (8/353): “وللأمة خلع الإمام وعزله بسبب يوجبه، مثل أن يوجد منـه مـا يوجب اختلال أحوال المسلمين، وانتكاس أمور الدين…. وإن أدى خلعـه إلـى فتنـة احتمل أدنى المضرتين”. فيمكن أيضًا أن يقع الخلاف في تعيين أدنى المضـرتين، فكـلٌ يعمل بما يراه فيما بينه وبين الله. فلا يجوز لواحد أن يلوم الآخر. وعلى مثل هذه الأمور الاجتهادية يحمل اختلاف الصحابة والتابعين ومن بعدهم في الخروج على بعض الأئمة فـي زمنهم. أي أنّ الأمر مرتبط بتعيين أخف الضررين أهو في عزل هذا الإمام المسلم الذي وُجد منـه مـا يوجب اختلال أحوال المسلمين، أو انتكاس أمور الدين، أم في الاكتفاء بالنصح له ووعظه وتذكيره بالله.

2- أن يرتكب فسقًا مقتصرًا على نفسه: وحكمه أنه لا ينعزل به بنفسه، ولكنه يستحق العزل، فعلى الأمة أن تعزله إلا أن تترتـب على العزل فتنة. قال في الدر المختار، باب الإمامة: “يكره تقليد الفاسق ويعـزل بـه إلا لفتنة” وقال ابن عابدين تحته: “قوله: ويعزل به، أي بالفسق لو طرأ عليه، المـراد أنـه يستحق العزل كما علمت آنفا، ولذا لم يقل ينعزل”.

3- أن يرتكب فسقًا يتعدى أثره إلى أموال غيره: بأن يظلم الناس فـي أمـوالهم، ولكنه يتأوَّل في ذلك بما فيه شبهة الجواز، مثل أن يحمل الناس الجبايات متأولًا فيها بمصـالح العامة. وحكمه أنه لا ينعزل بذلك، وتجب طاعته، ولا يجوز به الخروج عليه.

4- أن يظلم الناس أموالهم، وليس له في ذلك تأويل، ولا شبهة جواز: وحكمـه أنـه يجوز للمظلوم أن يدفع عنه الظلم، ولو بقتال، ويجوز الصبر أيضًا بل يؤجر عليـه، وهنا يجب التنبيه إلى أنَّ هذا القتال ليس للخروج عليه، بل للدفاع عن المال، فلو أمسك الإمام عن الظلم وجـب الإمساك عن القتال.

وهذا حكـم المظلـوم الذي يقاتل دفعًا للظلم عن نفسه. أما غيره فهل يجوز له أن ينصر هـذا المظلـوم ضـد الإمام؟ اختلفت فيه عبارات القوم، فذُكِر في فتح القدير أنه يجب على غيـر الظلـوم أن يُعين هذا المظلوم والمقاتل حتى ينصفه الإمام ويرجع عن جـوره، وذُكِـر فـي جـامع الفصولين والمبتغي والسراج أنه لا ينبغي للناس معاونة السلطان ولا معاونتهم. ووفـق ابن عابدين بين القولين بأن وجوب إعانتهم إذا أمكن امتناعه عن بغيه، وإلا فلا.

وأما كون الصبر أولى في هذه الحالة: فهو لحديث حذيفة ابن اليمان -رضي الله عنهما- أخبر فيه عن أئمة الجـور، وفيـه: “قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع، وإن ضرب ظهـرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع”.

وهنا دقيقة يجب الالتفات إليها إذْ أنّ المراد من قوله عليه السلام: “فاسمع وأطع” نهيه عن الخروج. وأما القتال لدفع الظلم فجوازه مبني على الأحاديث التي تبيح القتال عن النفس وعن المال. وتركه أولى استبراءً للدين من أن يكون خروجًا على حاكم مسلم.

5- أن يرتكب فسقًا متعديًا إلى دين الناس، فيكرههم على المعاصي، وحكمه حكم الإكراه، ويدخل هذا الإكراه في بعض الأحوال في الكفر حقيقـة أو حكمًـا. وحينئذ يلحق هذا القسم بالكفر البواح، فيجوز الخروج بشرط قطعية الكفر، وأن يكـون صدوره منه قطعيًا كرؤية العين، ولا يكتفى في ذلك بالروايات الظنية.

انتقاص العلماء وسبّهم بدعوى منهج الجرح والتعديل

ويرتكز منهج المداخلة في الحكم على الناس على ركيزتين:

الأولى: إبطال منهج الموازنات بين الحسنات والسيئات، فهم يرون أنّ الرد على المخالف يستوجب ذكر مساوئه فقط، ولا يجوز ذكر شيء من محاسنة، لأن هذا يستلزم التزكية له، والرفع من قدره ومنزلته، وهذا أمر لا يجوز. وفيه قد جاء في كتاب ربيع المدخلي: المحجة البيضاء في الذب عن السنة الغراء، بعدما ذكر ما يراه من مفاسد في منهج الموازنات: “وبهذا القول والتقرير يسقط المذهب المبتدع المختَرع: مذهب وجوب الموازنات بين الحسنات والسيئات”، وبهذا من ثبتت له سيئة مُحيت حسناته، ووجب تحذير الناس منه ومن منهجه.

النقطة الثانية: أن من حكم عليه رموز المنهج وبخاصة المدخلي، بأنه حزبي أو سروري أو قطبي أو ضال مارق أو من كلاب أهل النار؛ فقد وجبت فيه الكلمة ولا يجوز بحال من الأحوال التلقي عنه، أو مجرد مدحه ولو في جزئية معينة، كمدح أسلوبه أو تمكنه في فنه، أو غير ذلك… لأن ذلك يعتبر تزكية له.

وهنا سيتركز ردنا على ثلاث نقاط:

  • الرد على منعهم الموازنة بين الحسنات والسيئات.
  • انتشار التباغض والتحاسد نتيجة الظلم في الحكم.
  • آثار هذا الغلو على انتشار المنهج الإسلامي، وعلى عوام الناس وأخذهم من العلماء.

1. منهج الموازنة بين الحسنات والسيئات

قال الإمام مالك رحمه الله:

ما منا إلا ويؤخذ من قوله ويُتْرك إلا صاحب هذا القبر يشير إلى قبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.

لذا فكل إنسان معرّض للخطأ، والموقف في هذا إن ظهر من شخص خطأ فالواجب سماع حجته، فإن كان متأوِّلًا فيُردّ عليه بالدليل الصحيح، وما يبيّن خطأ تأويله، فإن تبيّن أن الحق معه وجب الإذعان إلى اجتهاده، وإن كان رأيه فيما يسع فيه الخلاف ولديه من الأدلة ما يدعمه، فكلٌ بحسب اجتهاده وما تراءى له، ولكن بعد النقاش فإن تبيّن خطأه وأصرَّ على رأيه، فحينها وجب التحذير من قوله لأن الإقرار على الخطأ لا يجوز، لكن بدون الانتقاص من قدره ولا من علمه ولا مما صحّ فيه اجتهاده،  فكيف إن كان هذا الذي وقع في الخطأ عالمٌ من أهل الاجتهاد، ممن يُعتبر اجتهاده، ويُحتَجُّ بقوله؟!

يقول الشيخ ابن عثيمين في مسألة الموازنة بين الحسنات والسيئات: “لكن هل من جزاء العلماء الذين أتْعَبوا أنفسهم في تحصيل العلم ولم يدَّخروا وُسْعًا في نشره بين الأمة أنهم إذا أخطئوا خطئًا واحدًا أن يُنْشَر خطأهم ويُسْكَت عن محاسنهم؟! ليس من جزائهم، وليس هذا من العدل، ولا من القسط، بل العدل أن توازن بين الحسنات والسيئات، فإذا رَجَحَت الحسنات على السيئات فالإنسان من المحسنين، هذا إذا تقاربت السيئات مع الحسنات، فكيف إذا كانت السيئة واحدة في مقابل آلاف الحسنات؟! لكن بعض الناس والعياذ بالله يتخذ من الخطأ الواحد ذريعة للسب، والقيل والقال، ويضيف إلى هذه السيئة سيئات أخرى.”(5)

2. انتشار التباغض والتحاسد نتيجة الظلم في الحكم

وماذا ستكون نتيجة الظلم ودحض الحق والغلو في التجريج، والرمي بأشنع الألفاظ وأكثرها قسوة، وترك كل المناقب والحسنات نتيجة سيئة أو خطأ، بل والافتراء وترك ما صححه المخالف والإصرار على أنّ هذا ما زال قوله الذي يأخذ به، واحتقاره لخطأ أو سيئة؛ سوى انتشار البغضاء والكُره والتدابر؟ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لا تحاسَدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبِعْ بعضكم على بيع بعضٍ، وكونوا -عباد الله- إخوانًا، المسلم أخو المسلم: لا يظلِمه، ولا يخذُله، ولا يكذِبه، ولا يحقِره، التقوى ها هنا -ويشير إلى صدره ثلاث مراتٍ- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرامٌ: دمُه ومالُه وعِرضه”. رواه مسلم.

بل إنّ هذا لربما يكون سببًا في الإفلاس يوم القيامة: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أتدرون ما المفلس؟” قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال: “إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار”. ولهذا قد جاء في الحديث القدسي:

من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب.

3. آثار هذا الغلو على انتشار المنهج الإسلامي، وعلى عوام الناس وأخذهم من العلماء

وإذا أطلق هؤلاء ألسنتهم في العلماء بالغلو في الجرح، ففي مَن يثق العوام، ومِن أين يأخذ الناس فتواهم، وعن مَن يأخذون العلم، وفي مَن يثقون، ويأمنون على دينهم، ومَن يدلهم على الحلال والحرام، والخير والشر؟!

ومن تبعات هذا خلو الساحة من المتأهلين للفتوى وتصدّر أمور الناس؛ فيتصدر من ليس أهلًا لها… وهذا يكفي في بيان خطره حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا”.

فيقول ابن عثيمين -رحمه الله- مُستحضرًا توابع هذا الغلو والتشنيع والتجريح في العلماء: “وليعلم هذا الذي ابتلي بهذه البلوى أنه إذا جرّح العالم فسيكون سببًا في رد ما يقوله هذا العالم من الحق، فيكون وبال رد الحق وإثمه على هذا الذي جرّح العالم، لأن جرح العالم في الواقع ليس جرحًا شخصيًا بل هو جرح لإرث محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ فإن العلماء ورثة الأنبياء، فإذا جرح العلماء وقدح فيهم لم يثق الناس بالعلم الذي عندهم وهو موروث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وحينئذ لا يثقون بشيء من الشريعة التي يأتي بها هذا العالم الذي جُرح.”

طرق مواجهة التيار المدخلي والتصدي له

ولإن كان التيار المدخلي يُصدِّر في كلماته ومواقفه ويزعم أنّ قولهم هذا هو أئمة السلف، فمن العقل والمنطق مواجهتهم في الميدان الذي نشطوا فيه وأوشكوا أن يُلبِّسوا على الناس دينهم فيه، ولَمِن أول ما يجب مراعاته في هذا هو تحذير الناس من اتِّباع الهوى وبيان آثاره على تصورات الإنسان ومعتقداته، ودوره في إحداث الفرقة بين المسلمين، وإضعاف صفّهم، فضلًا عن الحيد عن مراد الله.

كذلك الرّد العلمي المتين الموثّق على شبههم ودحض حججهم، ولا تُفرَّغ لهم ساحات العلم فيخلوا بالناس فيُسلِّمون لهم عقولهم ليزرعوا فيها منهجهم. وتفنيد مظاهر الغلو الذي اتبعوا وبيان آثاره ومقتضياته، وتحذير الناس من هذا المنهج ونشر أقوال أهل العلم ممن يثق الناس فيهم.

ثم نعمد إلى التحيزات الفكرية لأنصار التيار المدخلي فنُعالجها قبل الخوض في آثارها، والتشديد على بيان العدل مع المخالف. فيُقبَل الحقّ من قائله أيًّا ما كان، ما دام أثبت صحة قوله وأتى بصحيح الأدلة لتدعيمه. وإنه لمن العدل إثبات محاسن الخصم وعدم جحدها إذا تبيَّن صحتها وثبوتها عنهم، فإنه قد يجتمع في الشخص الواحد موجبات المدح وموجبات الذم.

وبعد محاججتهم وبيان خطأ منهجهم، وإقامة الحجة عليهم، فإن أبوا الرجوع إلى الجادّة واستمروا في منهجهم الذي أضعف صفّ المسلمين وأجمع الكثير من أهل العلم على خطأه وخطره، فحينها هَجْرٌ جميل، من باب العقوبات الشرعية. والهجر يكون بحسب الأحوال والأعمال.

ختامًا

هناك فارق بين طالب العلم المخالف وبين من حمل السلاح وأفضى إلى إراقة دمٍ حرام، لذا فمن الإنصاف التفريق بين هذا وذاك، وإن كنا بصدد الحديث عن مذهب وليس جماعة، فمن الإنصاف مراعاة من حرَّض على المسمين، ومن تلبَّس بدمٍ حرام، وقتل وشرَّد، لتعمده الوقوف في صفٍّ كل ذي سلطة، ومن خالف مظانة إصابة الحق.

فمن حرَّض وقتل فما هذا بمخالف شرعي، وإنما صائلٌ معتدٍ أوجب الإسلام قتاله ودفعه، مخافة الإفساد، وحفظًا للدماء والأنفس والأموال والأعراض، ومن كان مخالفًا في قول فحقه البيان والإيضاح وإقامة الحجة.

فلإن كان في مَن ينتسب إلى المسلمين مَن يُثني عليه بشخصه مركز مكافحة الإرهاب في الأكاديمية العسكرية الأمريكية، ويوصي باستخدام منهجه في محاربة الأفكار المضادة للاحتلال والسيطرة الأمريكية، فإننا إذًا لسنا بصدد التعامل مع مخالف فكري، ولإن كانت كل الآراء والفتاوى مركزها تعظيم الحاكم، وصبغه بصبغة كهنوتية وأنه مؤيد من السماء، فإننا لسنا بصدد خلاف تأويلي، إذْ اختلفت مرجعية مصادرنا وأصول تفسيرها.

ولإن كان الطعن والتجريح في الدعاة والعاملين لنشر دين الله، منهجًا يُقام عليه الولاء داخل التيار المدخلي بقصد إفراغ الساحة الإسلامية من الدعاة العاملين وصدّهم عن قول الحق، وتعطيلهم عن المسير، والوشاية بالدعاة ممن يقولون الحق عند سلطان جائر -هذا إذا سلمنا بأنه فقط سلطان جائر- بل والتحريض على اعتقال هذا الذي لم يرتضي أن يسكت ويُقرّ باطلًا، وما يترتب عليه من توقيف كثير من الدعاة، وإغلاق كثير من الجمعيات الخيرية التي كان أهل الإسلام يستفيدون منها، من يتامى ودعاة وحفاظ للقرآن وتطويع الناس لحكوماتٍ يظهر للعيان ما تسببت فيه من ضرر للمسلمين، ومنافع لأعدائهم… فما هذا بقول عاقل، ولا يُنسب مثل هذا لمن أراد الخير لدعوته وأمته بحال من الأحوال!

ويبدو من خلال مسار التيار المدخلي عندما أُتِيح له التمدد في الساحة الليبية، أنه لم يتورع في مساندة أكبر طغاة العرب، بل وإعلان استقوائهم بالسلاح، واغتيال قادة الصف الإسلامي، ومفاخرتهم بإباحة الدماء، والاستبراء من المسلمين بزعم أنهم خوارج.

لذا فيظل خطر هؤلاء الحقيقي مرهونًا بمدى ترك الساحة لهم والسماح لهم بالتوسع. ومن هنا يمكننا القول إن إتاحة الفرصة لمثل هؤلاء -مؤيدي القتلة سفَّاكي الدماء- بالانتشار واجتذاب الناس إلى دعوتهم، لهو نذير بفتح المجال لطعن التيار الإسلامي من داخله، وإتاحة الفرصة لكل من أراد النيل من الأمّة الإسلامية أن يجد مُعاونًا ونصيرًا.

ولإن كان كبار علماء الأمّة ممن عاصروهم تبرَّأوا من منهجهم، وحذروا من عاقبته ومآله، ويقيمون المحاضرات في بيان فساد منهجهم؛ فلا يسعنا إلا اتباع خطوات صلاح الدين الأيوبي عندما أراد تنقية الصف الإسلامي من شوكة الفاطميين التي طعنت المسلمين في ظهورهم.

23480

الكاتب

مي محمد

طالبة علم، أرجو أن أكون مِن الذين تُسدُّ بهم الثغور.

Loading comments...
موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.