تفكك الروابط الاجتماعية، طغيان النزعة الفردانية، ضعف الانتماء الديني والوطني، تحول الإنسان من العيش في سبيل مبدأ أو فكرة؛ إلى كائنٍ يمضي حياته لاهثًا خلف تلبية رغباته الاستهلاكية التي لا تنتهي، ذوبان السرديات العامة وانعدام المرجعية، سهولة الانسلاخ من الهوية، غياب كامل للثبات وسيولة تامة تحكم الحياة، قابلية كل شيء للاستهلاك، خوف دائم من المستقبل المجهول، وفقدان الجدوى من تجارب الماضي .. ما الذي يحدث؟ هل هي لعنة أصابت الإنسان؟ هذا ما جنته الحداثة وما بعد الحداثة على العالم، إذ صيّرت الناس إلى حالة وصفها زيجمونت باومان بالسيولة، ويشرح تجلياتها على الحياة اليومية للإنسان من خلال كتابه الحياة السائلة، الذي سنحاول استعراضه في هذا المقال لفهم نظرية باومان.

عن سلسلة السيولة، وموقع كتاب “الحداثة السائلة” منها

كتاب الحياة السائلة جزءٌ من سلسلة معروفة بسلسلة السيولة، ألفها زيجمونت باومان وشرح فيها نظريته. وهي بالتحديد ثمانية كتب: الحداثة السائلة، الحياة السائلة، الحب السائل، الأخلاق السائلة، الأزمنة السائلة، الخوف السائل، المراقبة السائلة والشر السائل. وخلاصة نظريته فيها أنه يفرق بين الحداثة وما بعد الحداثة، على مستوى التراتب الزمني وعلى مستوى الأسس الفكرية.

فالحداثة تُوصف عند باومان بأنها مرحلة صلبة، على الرغم من الثورة التي حدثت على المرجعيات الدينية والأخلاقية، إلا أن الإنسان استمر في الارتكاز على أسس ثابتة تتمثل في سيادة العقل والمبادئ الناتجة عنه؛ بينما مرحلة ما بعد الحداثة، كانت ثورة أيضًا، لكنها ثورة على الثبات ورسوخ، فلا سلطة لأي شيء على الإنسان وإن كانت آتية من العقل نفسه، فلا حقيقة ولا مرجعية.

هذه خلاصة النظرية إذن، لدينا حداثة وما بعد حداثة، صلابةٌ وسيولة. ولا يعنينا كيف تم التحول بين الحالتين؛ لأن التحولات الفكرية الكبرى على مر التاريخ غالبًا ما تتم على فترات متفرقة وبطريقة متدرجة. إنما الذي يعنينا هو وصف الحالة النهائية التي نعيش فيها الآن: السيولة.

يقع كتابنا في الرتبة الثانية من ترتيب السلسلة، فالكتاب الأول “الحداثة السائلة” يصف الإطار العام لنظام السيولة، بينما تأتي الكتب التي بعده لتصف حالة كل جانب من جوانب الحياة الإنسانية (الحياة اليومية، الثقافة، الحب، الخوف…) في ظل هذا النظام. وبهذا فإن الفكرة العامة لكتاب الحياة السائلة يمكن اختصارها في سؤال: ما هو أثر الحداثة السائلة على حياة الإنسان؟ 

من هو زيجمونت باومان؟

الحياة السائلة

زيجمونت باومان.

زيجمونت باومان (1925 – 2017) هو عالم اجتماع بولندي، عرفت عنه تحليلاته التي تربط بين الحداثة والهولوكوست؛ حيث يرى أن العلاقة بينهما هي كالعلاقة بين السبب والنتيجة، وقد تم طرده جراء ذلك من بلده بولندا بتهمة معاداة السامية، ليستقر في بريطانيا منذ سنة 1971. عرف بكتاباته النقدية للحداثة وتجلياتها على الواقع، كالفردانية والاستهلاكية. 

عرض الكتاب:

ماذا يعني أن تكون الحياة سائلة؟

“في ذلك النظام الجديد، المرونة هي الثبات الوحيد، والزوال هو الدوام الوحيد، والسيولة هي الصلابة الوحيدة، وباختصار شديد: اللايقين هو اليقين الوحيد”.1 هكذا يصف زيجمونت باومان نظام ما بعد الحداثة السائل، حيث لا معايير ولا مرجعيات ولا ثبات.

زاد هذا النظام من تسارع حياة الناس بشكل مهول، بصورة لا تتلاءم والتكوين النفسي للإنسان. حيث أصبحت كل جوانب الحياة عبارة عن مساحة خاضعة لقيم السوق، يمكن استهلاكها أو بيعها وشراؤها أو تغييرها بسهولة بالغة؛ سواء كانت أشياء مادية أو قيمًا دينية أو أفكارًا أو علاقات. فصار التخلص من الشيء مقدمًا على الاحتفاظ به: “تعلم أسبقية التخلص من الأشياء على تملكها صار أحد فنون الحياة السائلة وإحدى المهارات اللازمة لممارستها”.2

هذه التغيرات الحياتية السريعة تجعل التجارب السابقة التي مر بها أناس آخرون عديمة الفائدة، “فليس من الحكمة أن يتعلم المرء من التجربة ليعتمد على استراتيجيات وتكتيكات نجحت في الماضي. فتجارب الماضي لا يمكن أن تستوعب ما يطرأ على الظروف من تغيرات سريعة غير متوقعة إلى حد كبير (وربما لا يمكن توقعها)”.3

وبهذا تصير كل جوانب الإنسان عبارة عن سوق استهلاكية، تبعًا لمعايير الحياة السائلة، التي:

تجعل من العالم بكل أحيائه وجماداته موضوعات للاستهلاك، تفقد نفعها عند استخدامها (وتفقد معه سحرها وجاذبيتها وإغوائها وإغرائها)، إنها تشكل معايير تقييم أحياء هذا العالم وجماداته وفق نموذج موضوعات الاستهلاك. 4

هوية.. حتى إشعار آخر!

الحياة السائلة

من الأشياء التي عزاها باومان لما بعد الحداثة أيضًا، حالة التحرر من الهوية لدى الإنسان الحديث، باعتبارها شيئًا يقيد الحرية ويربط الشخص بالماضي، ويمنعه من المضي قُدُمًا في سلم الترقي. بل صار للإنسان أن يختار ما يشاء هويةً له يغيرها متى شاء.

وهي حالةٌ أطلق عليها باومان “التهجين”، وسمى الإنسان الخاضع لها بالهجين الثقافي، ذي “الهوية الهجينة”. ومعلوم أن لفظ الهجين يشير إلى الشيء الذي يملك أصلًا واحدًا، إنما أصوله متعددة وجذوره مختلفة، هكذا هو الإنسان في عصر الحياة السائلة، لا يثبت على هوية ولا يستقر على أصل.

“هكذا صارت الهوية شيئًا يضفيه الفرد على نفسه ويعزوه إلى نفسه، فغدت الهوية محصلة الجهود التي يبذلها الفرد وحده وينشغل بها، ولكنها محصلة مؤقتة من دون عمر افتراضي محدد، وإن كان قصيرًا أغلب الظن”.5

ولئن كان هذا الإنسان الهجين يرى نفسه حرًا بعيشه في حالة سيولة الهوية هذه، فإن باومان يقول: “إن من يمارسون هذه الحالة الجديدة من ميوعة الذات ويستمتعون بها، عادةً ما يصنفونها بأنها حرية؛ بيد أن امتلاكهم هوية مائعة يستمتعون بها “حتى إشعار آخر” ليس من الحرية في شيء، بل إنه تجنيد إجباري لا نهائي في حرب تحرير لا يمكن أن تحقق الانتصار النهائي”.6

بين الشهيد والبطل والشهير

يصف لنا أيضًا باومان في كتابه قصة تطور نوعية الشخصية التي ترنو إليها الأبصار وتشرئب إليها الأعناق في المجتمعات الإنسانية، وكيف أن هذه الشخصية تطورت من كونِها الشهيد، ثم البطل، ثم أخيرًا: الشهير. ويميّزُ هؤلاء الثلاثة مراحل: ما قبل الحداثة، الحداثة وما بعد الحداثة، على التوالي.

يرمز الشهيد إلى الشخص الذي يضحي بنفسه في سبيل قيمة عليا، دون حساب المكاسب والخسائر، وهذا المفهوم ينتمي إلى ما قبل الحداثة، بينما البطل فهو من أهل الحداثة كما يقول باومان، وهو شخص يحسب الأرباح والخسائر ويهتم بها، ولا يقوم بتضحياته بدون مقابل. 

الشهيد والبطل في رأي باومان، طرفان لنفس السلسلة، إذ إن البطل في الحقيقة هو شهيد تمت علمنته! فالعلمنة تشير إلى نزع القداسة عن كل ما هو مباين للعالم المادي، وبما أن الشهيد يقدم تضحيته في سبيل فكرة ما ورائية فإنه لا يلائم نظام الحداثة؛ وبالتالي فهي تقوم بقص الأجزاء المقدسة من الشهيد، ليتحول في النهاية إلى بطل!

يقول زيجمونت باومان: “لم يحدث إنكار “للمقدس”، بقدر ما حدث “نقل عنيف” لسلطته، فانتقل المقدس إلى الوجود تحت إدارة جديدة، وفي خدمة الأمة/الدولة”.7

لكن مع الدخول في عصر ما بعد الحداثة، وطغيان النزعة الاستهلاكية ونمط الحياة السائلة، فالدولة “لم تعد تحتاج إلى أبطال، فكفى بالمستهلكين السعداء اللاهثين وراء حوائجهم أبطالًا!”.8 كما أن المجتمع الاستهلاكي الحديث لا يرى أي قيمة للشهداء والأبطال: “ينظر المجتمع الاستهلاكي الحديث السائل إلى أعمال الشهداء والأبطال ومن على شاكلتهم الهجينة باعتبارهم أناسًا غير عقلانيين يتعذر فهمهم، ومن ثم فهم يثيرون أشد الاستياء النفور”.9

في المقابل فإن هذا المجتمع يعظم من شأن المشاهير، ويعتبرهم أبطاله (وإن كان مفهوم البطولة غائبًا فيه)، لأنهم بشهرتهم “يمثلون مادة لاصقة تربط بين أشتات من الناس، بل إنهم في هذه الأيام يمثلون العوامل الرئيسة التي تولد الجماعات”.10

الثقافة تحت إدارة السوق

يفرض النظام الاستهلاكي السائل سلطته -كما يفعل مع أي شيء آخر- على الثقافة؛ فيجعلها خاضعة لمعاييره التسويقية، مع أن الأصل في الثقافة ألا تكون كذاك، بل على الإنتاج الثقافي أن يكون على أساسات معرفية متعالية عن رغبات الناس الحالية، فـ”الاستعمال/الاستهلاك الفوري والذوبان في عملية الاستهلاك ليسا غاية المنتجات الثقافية، ولا معيار قيمتها”.11

فالثقافة تسعى إلى تحقيق الكمال السلوكي والأخلاقي والقيمي للإنسان، بينما السوق يسعى لتحقيق الرغبات وتلبية الشهوات، وبالتالي فإرغام الثقافة على الخضوع لمعايير السوق هو الذي أدى إلى تدني مستوى الإنتاجات الثقافية الذي نشهده.

يقول باومان في هذا الصدد: “إن إخضاع الإبداع الثقافي لمعايير السوق الاستهلاكية يعني إرغامها على القبول بمتطلبات المنتجات الاستهلاكية (…). فإما أن تكتسب شرعيتها من القيمة السوقية (قيمتها الحالية في السوق بكل تأكيد) أو أن تفنى”.12

عصر الخوف الدائم

تقدم معنا كيف أن السمة الأبرز للحياة السائلة هي التغير الدائم، والتطور المستمر، فالإنسان صار غير قادر على معرفة ما الذي سيحدث في المستقبل، لأن مؤشرات الماضي وتجاربه لم يعد لها نفع. “إننا عاجزون عن خفض السرعة المذهلة التي يسير بها التغيير، بل نحن عاجزون عن استقراء مسار التغيير والسيطرة عليه”.13

يقول باومان في وصف هذه الحالة: “إن الأرض التي يُفترض أن يقف عليها مستقبلنا إنما هي أرض رخوة بكل تأكيد، تمامًا مثل وظائفنا والشركات التي تعرضها، وشركاء حياتنا وشبكات أصدقائنا، ومكانتنا في المجتمع ككل، وما يصاحبها من احترام للذات وثقة بالنفس”.14

هذا الخوف الدائم من المستقبل، يؤدي إلى سعي الإنسان سعيًا حثيثًا لتحقيق الأمان. وهنا الفرصة الذهبية لأرباب السوق الاستهلاكية، حيث صاروا يتغذون على الخوف ويستغلونه أيما استغلال لتسويق منتجاتهم، فمن السهل جدًا التعامل مع الإنسان الخائف، ما عليك إلا أن تعرض عليه بصيص أمل بالأمان، وإن كان كاذبًا، وسيصدقك ويفعل ما تقول. “ما أكثر الأموال التي يمكن أن يدرها الشعور بالخوف وعدم الأمان”.15

إن الخوف يمثل أرضية استثمارية مربحة سواء للتجار أو السياسيين. فالتجار يعدونك بالأمان، والساسة يعدونك بالأمان، وأنت كإنسان بائس مسحوق تحت عجلة الحداثة المتسارعة، لا تملك إلا تصديق هذه الوعود، أو التظاهر بذلك في حال كنت تراها كاذبةً، ببساطة لأنه لا خيار أمامك! 

الاستهلاكية.. من تلبية الرغبات إلى “خلق” الرغبات

الحياة السائلة

إذا سألتك عن عدد المرات التي رأيت فيها إعلانًا تسويقيًا لمنتجٍ ما، فشعرت بحاجتك إليه (أو بالأحرى رغبتك فيه، لأن الفرق بين هذين المعنيين لم يعد موجودًا في حياتنا)، وشعرت أيضًا بالملل من المنتج المماثل القديم الذي كان عندك، ثم ظننتَ أن سعادتك تكمن في امتلاك المنتج المُسوّق؛ فلا أشك أنك ستجيب: يوميًا، بل ربما مرات عديدة في اليوم الواحد. والسخيف في الموضوع أنه بعد أن تشتري ذلك المنتج، سيذهب بريقه وتفقد السعادة التي شعرت بها حين امتلكته وتخلصت من نظيره القديم في سلة المهملات.

للأسف أنت -وجميعنا تقريبًا- ضحايا الماكينة الاستهلاكية الحديثة، بدرجات مختلفة، فالمجتمع الاستهلاكي يقوم “على وعد بإشباع الرغبات البشرية بما يفوق ما كان يإمكان المجتمعات الماضية كافة أن تشبعه أو تحلم بإشباعه. ولكن وعد الإشباع لا يحتفظ بسحره إلا بعدم الإشباع، والتشكك في الإشباع الحقيقي والكامل للرغبة”.16 الأمر أشبه بالبغيّ (وعذرًا على قبح التشبيه) التي تظهر التمنّع والتعفف أمام مريدها وتستبطن الإغواء، فيبقى المريد متعلقًا؛ لا هو ينالها ولا هو يتحقق من رفضها. هكذا تصنع الاستهلاكية بالمستهلك، تدفعه لرفع سقف توقعاته إلى أقصى قدر ممكن ثم تمنعه من تحقيقها، ليبقى لاهثًا خلفها طول حياته، لأن «تحديد أهداف متواضعة، وضمان الوصول إلى الأشياء التي تحقق الأهداف، والاعتقاد بوجود حدود موضوعية للرغبات “الواقعية” و”الحقيقية”، كل ذلك يمثل نذيرًا بنهاية المجتمع الاستهلاكي”.17

يقدم لنا باومان في كتابه تحليلًا للوضع الاستهلاكي الحديث، وذلك باعتبار الاستهلاكية تقوم على ثلاثة أركان إن صح التعبير، أولها: الحياة الاستهلاكية، حيث يرى أن الإنسان منذ القدم كان مستهلكًا، وهو بطبيعته كذلك، لكن الذي يختلف في العصر الحالي هو “المتلازمة الاستهلاكية”، التي تتجاوز مجرد الانبهار باللذات، بل تضع الرغبة في الامتلاك، الذي يتبعه ويلازمه التخلص من القديم؛ فالمتسهلك يدور في دوامة لا نهائية من الامتلاك والتخلص، كحال الفأر الذي يجري داخل العجلة، ويظن أنه قطع مسافة طويلة بينما هو ثابت في مكانه ولا يدري.

فالتملك الذي يرافقه التخلص، والحفظ الذي يرافقه نسيان، مهارتان ضروريتان للعيش في مجتمع المستهلكين. يقول باومان: “إن مقدار المعرفة التي يحتاج إليها المرء حتى يثبت في موضعه يذهل العقل: أعداد مهولة تصيب الرأس بالدوار من الأسماء والعلامات المسجلة والشعارات التي يحتاج المرء إلى حفظها والاستعداد لنسيانها؛ حيث تظهر فجأة أسماء جديدة (…)، وتختفي”.18

أما الركن الثاني فهو الجسد الاستهلاكي، حيث تعمل هذه الماكينة على تخليص الإنسان من حرية التحكم في جسده وملذاته، ودفعه القسري إلى اللهث وراء تلبية هذه الملذات، وتسمية ذلك حرية! يتساءل باومان بهذا الصدد: “هل الوضع الجديد وسع بالفعل نطاق الحرية الفردية، بفتحه أمامنا وأمام كل واحد منا نطاقًا أوسع من الاختيارات، وبإضعافه لشبكة الروابط الاجتماعية التي كان الجسد يقع فيها، أم أن الأمر يبدو كذلك لا غير، حيث تستبدل الروابط القديمة بروابط جديدة ليست أقل قمعًا واستبدادية؟”.19

ويضيف واصفًا هذا الخلق المتواصل للرغبات، التي تكبل الإنسان بقيد السعي الدائم لتحصيل أكبر قدر ممكن من المنتجات الجديدة: “ليست النزعة الاستهلاكية مسألة تتعلق بإشباع الرغبات، بل بإثارة الرغبة في رغبات أخرى، ولا سيما الرغبات التي لا يمكن إشباعها”.20

وبما أن خلق الرغبات، يرافقه خلق “الراغبين”؛ فهذا يقودنا إلى الركن الثالث، وهو “الطفولة الاستهلاكية”. حيث تسعى المجتمعات الحديثة إلى تدريب الأطفال من صغرهم ليكونوا مستهلكين مطيعين؛ فهم “يُقذفون من كل جانب بعروض تقول لهم إنهم يحتاجون إلى هذا المنتج أو ذاك حتى يصيروا شخصيات مناسبة تستطيع أن تؤدي واجبها الاجتماعي ويراهم الناس وهم يفعلونه، ومن ثم فهم يشعرون بعجزهم وقصورهم وفقرهم إذا لم يلبوا النداء على الفور”.21 فالسوق الذي كان في خدمة الإنسان لتلبية حاجاته، صار يخلق عند الإنسان رغبات جديدة ويكرسه في خدمته. 

الطريق إلى خارج الأزمة

حسب باومان، فإن الخروج من هذه الأزمة الإنسانية ليس مستحيلًا، إذ يمكن تلافي هذه السيولة من خلال إعادة بناء علاقات اجتماعية قائمة على الثقة والقيم العليا بإمكانها الاستمرار على المدى البعيد، هذا سيعيد لنا الكثير من الثبات والاستقرار المفتقدين في حياتنا المليئة بالتغييرات المستمرة.

ويرى أن المسؤولية في ذلك تقع على الجميع، إنها مسؤولية كوكبية كما يسميها، فهو حين طرح السؤال التالي: “هل من الممكن أن يصبح المجال العام مرة أخرى مكانًا للمشاركة الدائمة لا اللقاءات العابرة العارضة؟”.22 قال إن الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب: «تتطلب مسؤولية كوكبية حقة، إنها تتطلب اعترافًا بأننا جميعًا على هذا الكوكب نعتمد على بعضنا البعض من أجل حاضرنا ومستقبلنا، وأن ما نفعله ونعجز عن فعله لا يمكن ألا يبالي بمصير الآخرين، وأننا جميعًا لا يمكن أن نلجأ إلى مأوى خاص بمنأى عن العواصف التي ربما تضرب أي جزء من الكرة الأرضية”.23

91

المصادر
الكاتب

عبد الصمد حدوش

طالب هندسة، مهتم بالقضايا الشرعية والفكرية المعاصرة.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.