يقول ابن القيم رحمه الله: “العلماء هم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء بهم يهتدي الحيران في الظلماء وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب”. وهكذا، نجد نصوصًا كثيرة في الوحي تحثنا وتوصينا باتباع العلماء الصالحين المصلحين واقتفاء أثر هؤلاء الذين يسيرون على أنوار الوحي ويتلمسون مواطن الهدى والحق. 

هناك جسر تاريخي يربط بيننا وبين آبائنا من الأنبياء ومن اهتدى بهداهم وسار على نفس نهجهم، فيقول الله سبحانه بعد ذِكر كثير من الأنبياء: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ). فهذه أمة واحدة، يرتبط حاضرها بماضيها، وأولها بآخرها، فدرب الإصلاح بدأ منذ آلاف السنين على أيدي الأنبياء، ثم يواصل على أيدي العلماء المصلحين كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “العلماء ورثة الأنبياء”. ثم يمتد هذا الارتباط في الآخرة إذا سرنا على نفس النهج؛ فيقول تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا). 

أما في هذا الزمن اختلط كل شيء؛ فأصبح يُقدّم الفاسد المفسد ويؤخر الصالح المصلح، وانقطعت تلك الصلات التي تربطنا بأسلافنا، فلم يعد للتراث مكان في حياتنا، بل أصبح يُنظر إليه باحتقار وتقليل، في زعم أن طريق التقدم لا يمر بهؤلاء الأئمة المصلحين! وهكذا حُرمنا من كثير من الهدى والنور، فما أحوجنا الآن إلى تلمس أخبارهم وأعمالهم والاقتداء بسيرهم وفِعالهم..

معالم في التربية والدعوة

مواعظ

جاءت سلسلة “معالم في التربية والدعوة” لتقدم لنا أقوال بعض العلماء الربانيين والأئمة المصلحين الذين كان لهم دورهم في الدعوة إلى الله، كما كان لمواعظهم دورها الكبير في تربية المسلمين؛ حتى نستفيد من علومهم وآرائهم، ونستأنس ونقتدي بهم. وهذه السلسلة كتبها الشيخ صالح الشامي، وهي مكونة من 20 كتابًا تقريبًا، كل كتاب يتحدث فيه عن أحد الأئمة في القرون السابقة، فيعرض نبذة عن حياته، ثم أهم محاور الموعظة عنده، ثم يسرد مواعظ وأقوال هذا الإمام التي جمعها من كتب متفرقة.

وإذا تأملنا في مواعظ هؤلاء الأئمة وجدنا كلامهم متقاربًا وأفكارهم متشابهة، ذلك أنهم تربوا وتعلموا وفقهوا في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وساروا -قدر وسعهم- على نفس النهج في العمل والتبيين.

وهذه المواعظ والقصص عن السلف لا ينبغي أن تورثنا الإحباط أو القنوط بمقارنة حالنا بحالهم؛ بل ينبغي أن تكون دافعة لنا للمجاهدة والسير على هذا الطريق. كما أن في حب الأنبياء والصحابة والصالحين بشارة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ عن أنس رضي الله عنه أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ قال: “وماذا أعددت لها؟” قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فقال: “أنت مع من أحببت”.

قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم “أنت مع من أحببت”، قال أنس: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم.

وفي السطور التالية بعض الدروس التي تظهر واضحة في مواعظ الأئمة المصلحين وأقوالهم لعلنا نهتدي بها.

دروس من مواعظهم

الإخلاص والتقوى

وهل يستطيع سائر أن يسير في طريق الله إلا بالإخلاص والمتابعة؟! فهذا الأمر يلح عليه كل عالِم مصلح، وهو الميزان الذي يضبط الاستقامة. يقول سفيان الثوري: “لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة”. 

ويقول الفضيل بن عياض في قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)؛ قال: “أخلصه وأصوبه”، وشرح كلامه فقال: “إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل. وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل. حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة”.

ويقول إبراهيم بن أدهم:

ما اتقى الله مَن أحب أن يذكره الناس بخير، ولا أخلص له.

ويقول المحاسبي: “التقوى أول منزلة العابدين. وبها يدركون أعلاها، وبها تزكو أعمالهم؛ لأن الله عز وجل لا يقبل عملًا إلا ما أريد به وجهه”.

حقيقة الدنيا

مواعظ

وكانوا يُحذرون كثيرًا من الاغترار بالدنيا ومن الركون إليها ومن مزاحمتها الآخرة، وينصحون بالتخفف من الدنيا على قدر الإمكان. فهذه الدنيا طريق موصل للآخرة؛ كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عمر “كن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل”. 

وكانوا يشبّهون الدنيا بالسجن أو بالحلم. وفي هذا يقول الحسن البصري: “ما الدنيا كلها من أولها إلى آخرها إلا كرجل نام نومة، فرأى في منامه ما يحب، ثم انتبه”. وقال فيها عبد الله بن المبارك: “الدنيا سجن المؤمن، وأعظم أعماله في السجن: الصبر وكظم الغيظ. وليس للمؤمن في الدنيا دولة، وإنما دولته في الآخرة”. 

وقال سفيان الثوري:

إنما مَثَل الدنيا مثل رغيف عليه عسل، مرَّ به ذباب فقطع جناحيه، وإذا مرّ برغيف يابس مرّ به سليمًا.

ويقول أبو سليمان الداراني: “إذا جاءت الدنيا إلى القلب ارتحلت الآخرة منه، وإذا كانت الدنيا في القلب، لم تجئ الآخرة تزحمها؛ لأن الدنيا لئيمة، والآخرة عزيزة”.

ويقول عمر بن عبد العزيز: “ألا إن الدنيا بقاؤها قليل، وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، وشبابها يهرم، وحيُّها يموت. فلا يغرنكم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدبارها. والمغرور من اغترّ بها“.

يقول مالك بن دينار: “من علامة حب الدنيا: أن يكون دائم البطنة، قليل الفطنة، همته بطنه وفرجه، يقول: متى أصبح فألهو وألعب، وآكل وأشرب، متى أمسي فأنام، جيفة بالليل بطال بالنهار”. ويقول المحاسبي: “من علامة معرفة الدنيا: الترك لها، والزهد فيها، والوحشة منها وممن ركن إليها وأحبها وآثرها وعظم قدرها”.

تربية النفس ومحاسبتها

مواعظ

ومن القضايا التي شغلتهم كثيرًا: تربية النفس والقيام على ما يصلحها، وكانوا يُحذرون جدًا من تسرب الهوى إلى تلك النفس. فالله سبحانه يقول: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)

يقول إبراهيم بن أدهم: “ما قاسيتُ شيئًا من أمر الدنيا أشد عليّ من نفسي، مرة عليّ ومرة لي، وأما هوائي فقد -والله- استعنت بالله عليه، فأعانني، واستكفيتُه سوء مغالبته فكفاني. فوالله ما آسى على ما أقبل من الدنيا، ولا ما أدبر منها”.

وقال أبو سليمان الداراني: “من لم يُحسن رعاية نفسه أسرع به هواه إلى الهلكة، ولا ينفع الهالك نجاة المعصوم. ومرارة التقوى اليوم حلاوة في ذلك اليوم. والهالك من هلك في آخر سفره وقد قارب المنزل. والخاسر من أبدى للناس صالح أعماله، وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد”.

ويقول الحسن البصري:

لا يزال العبدُ بخير، ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته.

العلم والعمل

وليس العلم عندهم يُطلب لذاته، بل كان طريقًا للعمل، فكانوا يدركون جيدًا أن العلم هو السبيل الموصل للعمل، وأن العمل هو غاية العلم. كما أدركوا أن الزيادة من العلم استزادة في تحمل المسئولية! يقول الفضيل بن عياض: “بلغني أن العلماء فيما مضى كانوا إذا تعلّموا عملوا، وإذا عملوا شُغلوا، وإذا شغلوا فُقدوا، وإذا فقدوا طلبوا، وإذا طلبوا هربوا”. 

وسئل إبراهيم بن أدهم: مالك لا تطلب الحديث؟ فقال: “إني لا أدعه رغبةً عنه، ولا زهادةً فيه، ولكني سمعت منه شيئًا، فأنا أريد أن أعمل به”.

وقال سفيان الثوري: “يا أخي! اطلب العلم لتعمل به، ولا تطلبه لتباهي به العلماء، وتماري به السفهاء، وتأكل به الأغنياء، وتستخدم به الفقراء، فإن لك من علمك ما عملت به، وعليك ما ضيعت منه”، وقال أيضًا: “يهتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل”.

ويقول عمر بن عبد العزيز: “مَن عمل على غير علم، كان ما يفسد أكثر مما يصلح، ومن لم يعد كلامه من عمله كثرت ذنوبه”. ويقول الحسن البصري: “لا تكن ممن يجمع علم العلماء، وطرائف الحكماء، ويجري في العمل مجرى السفهاء”.

دور العلماء وأثرهم 

مواعظ

وكان الأئمة ينبهون على عِظم دور العلماء في المجتمع، وعظم الأعباء المنوطة بهم لإصلاح الناس، ولذلك كانوا يُحذّرون من الأمراض التي قد تصيب قلوبهم فتؤدي لانحرافهم، وعلى رأس هذه الأمراض: حب الدنيا، والتقرب إلى الملوك. وكان هؤلاء الأئمة أمثلة حية على ترك الدنيا وزينتها، وعلى اعتزال السلاطين أو التصدي لهم إذا لزم الأمر.

وفي التنبيه على أثر العالِم يقول سفيان الثوري: “العالِم طبيب الدين، والدرهم داء الدين، فإذا جذب الطبيب الداء إلى نفسه، فمتى يداوي غيره؟” ويقول الفضيل بن عياض: “إني لأبكي على العالِم إذا رأيت الدنيا تلعب به، ولو كان لأهل القرآن والحديث صبر على الزهد في الدنيا ما تمندل بهم الناس”.

ويقول الشافعي: “رتبة العلماء التقوى، وحليتهم حسن الخلق، وجمالهم كرم النفس”. وقال سلمة بن دينار: “أدركتُ العلماءَ؛ والأمراءُ والسلاطينُ يأتونهم فيقفون على أبوابهم كالعبيد، حتى إذا كان اليوم: رأينا الفقهاء والعلماء والعباد هم الذين يأتون الأمراء والأغنياء. فلما رأوا ذلك منهم ازدروهم واحتقروهم وقالوا: لولا أن الذي بأيدينا خير مما بأيديهم ما فعلوا ذلك معنا”. 

قال مالك بن دينار:

إن العالِم إذا لم يعمل بعلمه، زلّت موعظته عن القلوب كما تزل القطرة عن الصفا.

وحينما سئل الحسن البصري عن عقوبة العالِم إذا أحب الدنيا، قال: “موت القلب، فإذا أحب الدنيا طلبها بعمل الآخرة، فعند ذلك ترحل عنه بركات العلم، ويبقى عليه رسمه”. 

يقول المحاسبي: “اعلموا أن صلاح الأمة وفسادها بصلاح العلماء وفسادهم. وإن من العلماء رحمة على الناس، يسعد من اقتدى بهم. وإن من العلماء فتنة على الأمة، يهلك من تأسى بهم. فالعالِم إذا كان عاملًا برضوان الله، مؤثرًا للآخرة على الدنيا، فأولئك خلفاء الرسل عليهم السلام، والنصحاء للعباد، والدعاة إلى الله تعالى”.

الزهد

والكلام عن الزهد ومراتبه وتعريفه يحتل مكانة كبيرة عند هؤلاء الأئمة، وكانوا يحرصون على تبيين حقيقة الزهد والزاهد. فيقول إبراهيم بن أدهم: “الزهد ثلاثة أصناف: فزهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة. فالفرض: الزهد في الحرام. والفضل: الزهد في الحلال. والسلامة: الزهد في الشبهات”. ويقول أحمد بن حنبل: “الزهد في الدنيا: قِصر الأمل، والإياس مما في أيدي الناس”.

وسئل سفيان الثوري: أيكون الرجل زاهدًا ويكون له مالًا؟ قال: “نعم، إن كان إذا ابتلي صبر، وإذا أُعطي شكر”. ويقول سفيان: “الزهد زهدان: زهد فريضة، وزهد نافلة. فالفرض: أن تدع الفخر والكبر والعلو والرياء والسمعة والتزين للناس. وأما زهد النافلة: فأن تدع ما أعطاك الله من الحلال، فإذا تركت شيئًا من ذلك، صار فريضة عليك ألا تتركه إلا لله”.

ويقول ابن المبارك عن الزاهد:

هو الذي إن أصاب الدنيا لم يفرح، وإن فاتته لم يحزن.

هكذا تأتي أقوالهم مؤكدة بعضها لبعض؛ ذلك أن المشكاة والمَعين واحد. فما بلغوا هذا العلم وهذه الحكمة إلا باتباع القرآن والسنة؛ فهمًا وتعلمًا وتفكرًا وعملًا. وكان شغلهم الشاغل تبليغ هذا إلى مَن بعدهم؛ حتى يؤدوا الأمانة على وجهها، وحتى ينيروا لمن بعدهم الدرب.

229

الكاتب

تقى محمد يوسف

مهتمة بالقضايا المتعلقة بالهوية والثقافة وبناء الوعي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.