تنتشر في الشبكة العنكبوتية قصة حول وجود مشروع قديم للثري والدبلوماسي اليهودي البرتغالي يوسف ناسي، ويعود المشروع لزمن السلطان سليمان القانوني، ويتعلق بتوطين اليهود الفارين من أوروبا في طبريا، وقد أحاطت المصادر اليهودية -وخاصة الحديثة منها- المشروع بكثير من الأساطير، وشبهته بالمشروع الصهيوني الحديث، بل بالغت بعضها وادعت أنه أول محاولة لتأسيس كيان سياسي لليهود في فلسطين، كما تم استغلال تلك الحادثة أيضًا من بعض كارهي المرحلة العثمانية خدمة لتوجههم بشيطنة التاريخ العثماني.

في هذا المقال سأتكلم عن ملخص للمشروع كما ترويه المصادر اليهودية وتعلق عليه، ثم أحاول الإجابة عن وجود أصل لذلك المشروع بناء على المصادر التاريخية الإسلامية المعاصرة لتلك الفترة أو القريبة منها، وأخيرًا أذكر خلاصة الحكم على حقيقة ذلك المشروع.

المشروع في المصادر اليهودية

طبريا مشروع يوسف ناسي لإسكان اليهود في طبريا العثمانية بين الحقائق التاريخية والأساطير الصهيونية 3

ينقل الدكتور عصام سخنيني بالتفصيل رواية المصادر اليهودية في كتابه التاريخي الموسوعي حول طبريا[1]؛ وتقول الرواية إن يوسف ناسي، وهو ثري يهودي، نال حظوة في بلاط السلطان العثماني سليمان القانوني نتيجة لثروته المالية وشبكة علاقاته في أوروبا، وكان ابن أخ دونا جراسيا، وهي أيضًا ثرية يهودية ذات شبكة علاقات من أصل برتغالي هاجرت هربًا من الاضطهاد إلى اسطنبول.

وقد استطاع يوسف ناسي الحصول على فرمان من السلطان العثماني سليمان القانوني عام 1561 يجعله سيدًا على طبريا وسبع قرى تحيط بها، ويمنحه الفرمان حق إعمارها -حيث كانت خرابة منذ أيام الحروب الصليبية-، وتوطين اليهود الفارين فيها مقابل مبلغ ألف دوقية ذهبية في السنة. وقد حصل في نفس الفرمان على توقيع السلطان وولديه سليم ومراد[2] حتى لا يبطل الفرمان بموت السلطان.

وتضيف الرواية أن المشروع لاقى معارضة من السكان المسيحيين المحليين في فلسطين، وأنهم حاولوا الشكوى إلى الباب العالي وقابلوا الصدر الأعظم، حيث تذكر الرواية أنهم شبهوا في شكواهم اليهود الذين سيأتون لسكن طبريا بالأفاعي الذين يريدون تحويل الكنيسة إلى كنيس.

كما تذكر الرواية أن العمال المكلفين بالبناء من السكان المحليين المذكورين أضربوا عن العمل بناء على تحريض من بعض شيوخهم، الأمر الذي دفع ممثل يوسف ناسي للشكوى لوالي الشام الذي قبض على اثنين من شيوخ المنطقة وعاقبهما (أُعدِما في بعض المصادر)، ودفع ذلك الأمر العمال للعودة للعمل؛ فاكتمل بناء سور المدينة عام 1565.

وبدأ يوسف ناسي بعد ذلك بجلب اليهود للسكن في المنطقة (في إحدى المرات تعرضت سفينة تنقلهم لقرصنة فرسان مالطة الصليبيين والذين أسروهم وباعوهم كعبيد -كما تذكر الرواية-)، إضافة لزراعة أشجار التوت وتربية دود القز في المنطقة لتحويلها إلى مصدر لإنتاج المنسوجات الحريرية.

وتذكر الرواية اليهودية أن يوسف ناسي توفي عام 1579، ثم استأنف مشروعه ثري يهودي آخر من أصل برتغالي يدعى “سولومون أبيناس” الذي تقرب من السلطان مراد الثالث، وأرسل ابنه إلى طبريا لعقد صلح مع سكان المنطقة المحليين لم يدم طويلًا، حيث كان وضع السكان اليهود بها غير آمن، وانتهى المشروع بوفاة أبيناس عام 1603، وتحول ابنه للدراسة الدينية.

الجدير بالذكر أن أقدم إشارة لمشروع يوسف ناسي كان ما كتبه المؤرخ اليهودي الفرنسي الأصل “يوسف هاكوهين”[3] الذي عاش في القرن السادس عشر في إيطاليا، وكان أكثر من نقل عنه في القرن العشرين المؤرخان اليهوديان “جاكوب ريزنيك”[4] و”باول جرونباوم-بالين”[5].

ويؤكد مصدر يهودي قديم وهو الحاخام الإيطالي موشيه باسولا حقيقة أن طبريا كانت خرابًا في الفترة التي تسبق المشروع المفترض، حيث زارها في العام 1522، وذكر أنه لم يكن يسكن هناك إلا عشر أو اثنتا عشرة أسرة مسلمة، وأضاف أن المنطقة خطيرة وأنه اضطر للدفع للحاكم المحلي حتى يحميه[6].

الجدير بالذكر أن المؤرخين اليهود المعاصرين مثل “سيسيل روث”[7] و”أفيشاي ستوكهامر”[8] يشبهون يوسف ناسي ب”تيودور هرتزل”، وهو الصحفي اليهودي النمساوي-المَجَري الشهير صاحب مشروع إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، كما يعتبر هرتزل الأب الروحي للمشروع الصهيوني، وبذلك يصبح يوسف ناسي حسب التشبيه صاحب أول مشروع صهيوني.

ويقول المؤرخ اليهودي الأمريكي “روفوس ليرسي” (اسمه الأصلي إسرائيل جولدبرغ) إن يوسف ناسي كان يطمح أن يمنحه السلطان حكمًا ذاتيًا، وأن حلم الدولة اليهودية وعودة الشعب اليهودي “المضطهد” إلى “وطنه القديم” رافقه طول حياته[9]. الجدير بالذكر أن مدينة طبريا يوجد بها حاليًا نصب تذكاري ل”دونا جراسيا”.

تنسب المصادر اليهودية ليوسف ناسي المذكور قصصًا أخرى أيضًا عن دوره الكبير في ذلك الوقت، منها قصة أن يوسف ناسي استطاع أن يستأجر جزيرة ناكسوس اليونانية من السلطان سليم الثاني ابن سليمان القانوني، إضافة لقصص حول نفوذه وتأثيره على السياسات الخارجية للدولة العثمانية، لدرجة أنها تنسب له أنه هو من أقنع السلطان سليم الثاني بمهاجمة قبرص وفتحها.

ولكن تلك القصص ليست موضوعنا، وكل المعلومات الموجودة في المصادر الغربية والعربية الحديثة حول شخصية يوسف ناسي ومشروعه منقولة عن المصادر اليهودية كمصدر أولي للمعلومات، ذلك أن المصادر المتقدمة الإسلامية لا يوجد فيها إشارة للمشروع كما سنذكر في الفقرة القادمة.

ماذا تقول المصادر الإسلامية المتقدمة؟

طبريا مشروع يوسف ناسي لإسكان اليهود في طبريا العثمانية بين الحقائق التاريخية والأساطير الصهيونية 5

تؤكد المصادر الإسلامية القديمة حقيقة كون طبريا مدمرة بعد الحروب الصليبية، حيث يذكر الرحالة ابن بطوطة (عاش في القرن الرابع عشر قبل الحكم العثماني للشام بقرن ونصف إلى قرنين) أن طبريا كانت في الماضي مدينة ضخمة لم يبقَ منها إلا رسوم تنبئ عن ضخامتها وعظيم شأنها[10].

ولكن بالنسبة لمشروع يوسف ناسي، فلا يوجد في وثائق الأرشيف العثماني أي أثر له، لا للفرمان الذي أصدره السلطان سليمان، ولا لسير الأعمال التنفيذية للمشروع، ولا عن سكن اليهود في الفترة المذكورة.

كذلك الحال بالنسبة للمصادر العربية القديمة التي عاصرت تلك الفترة أو كانت قريبة منها، فالمؤرخ أحمد بن يوسف القرماني الدمشقي (والذي عاصر حكم السلطان سليمان وعاش حتى عام 1610 في عهد السلطان أحمد الأول) لا يذكر أي شيء عن مثل هذا المشروع. كذلك الأمر عند النجم الغزي الدمشقي وابن العماد الحنبلي الدمشقي وحاجي خليفة، وهم قريبون من تلك الفترة.

بل إن النجم الغزي المذكور ولد في فترة سليم الثاني التي يفترض أنها كانت الفترة الذهبية لمشروع يوسف ناسي، ينطبق نفس الأمر على المصادر العربية المتأخرة في الفترات اللاحقة (باستثناء ما ظهر في القرن العشرين)، حتى المصادر المكتوبة باللغة التركية والقريبة من تلك الفترة لم تنقل أي شيء حول هذا المشروع (ينطبق على المصادر المتأخرة مثل ما قلناه عن المصادر العربية).

بل إن الوثائق العثمانية تحتوي على معلومات حول المدينة في عام 1596 تتعارض مع المشروع المذكور، حيث تذكر تلك المعلومات أن مدينة طبريا في ذلك العام كانت تحتوي على 54 أسرة (منها 50 عائلة و4 عزاب). كما تذكر أن المنتج الرئيسي للبلدة هو القمح، والمنتجات الأخرى هي الشعير والفاكهة والسمك والماعز وخلايا النحل، بينما تعين إجمالي إيرادات البلدة بـ3360 آقجة[11].

أما أقدم مصدر غير يهودي عثرت عليه تحدث عن وجود يهود في طبريا فهو الرسام الهولندي “كورنيليس دي بروين” الذي زار طبريا عام 1681، وذكر أنه لم يكن هناك يهود خلال فترة زيارته، مع الإشارة إلى أن البلدة كان فيها صيادون يهود في ما مضى[12].

الخلاصة

المصادر الوحيدة التي تذكر تفاصيل ذلك المشروع هي مصادر يهودية، وعن تلك المصادر نقلت المصادر الأخرى في عصرنا الحالي، ولكن لا يوجد أصل لها، لا في وثاق الأرشيف العثماني ولا في المصادر العربية أو التركية المعاصرة لتلك الفترة أو القريبة منها، وهذا الأمر يجعل من الصعب التأكد من وجود ذلك المشروع أو أن له أصلًا.

وفي حال وجوده، فما ذكرته يلقي بظلال الشك على التفاصيل المذكورة في الرواية اليهودية؛ ذلك أن المشروع في حال وُجد كان يُعتَبر في وقته حدثًا تافهًا لدرجة أن المصادر التاريخية الإسلامية لم تلتفت له وأهملت ذكره.

وهذا على الرغم من أن تلك المصادر تفيض عادة في ذكر التفاصيل التاريخية، وفي كثير من الأحيان تذكر حتى إغارات البدو على بعض القرى أو حدوث اقتتال عابر بين القوى المحلية، ما يجعلنا نرجح أن التفاصيل التي ذكرتها المصادر اليهودية تحتوي كثيرًا من التضخيم في حال وُجد المشروع، وأنه في أفضل الأحوال لم يتعدَّ لكونه مشروعًا اقتصاديًا ربحيًا فاشلًا ليوسف ناسي، أراد من خلاله استثمار هجرة بعض اليهود لإقامة صناعة للمنتجات الحريرية.

حيث كانت هجرة اليهود الأوروبيين المضطهدين -وخاصة يهود الأندلس- شائعة وقتها إلى أرجاء الدولة العثمانية ولم تحمل أي بعد سياسي، وخاصة أنها توزعت بشكل متناثر ومتفرق وفضل أغلبهم سكن اسطنبول وبعض مناطق اليونان مثل تسالونيكي، ويبدو أن مشروع يوسف ناسي الفاشل لم يتسبب بمشاكل كبيرة مع المجتمع المحلي ولذلك أهمل المؤرخون المسلمون ذكره.

وباستقراء ظروف تلك الفترة، نرى أن أقصى حلم لليهود في القرن السادس عشر كان أن يجدوا مكانًا آمنًا لأنفسهم وتجارتهم وأموالهم هربًا من محاكم التفتيش والاضطهاد في أوروبا. أما تخيل وجود مشروع سياسي لاقتطاع أرض من الدولة العثمانية في تلك الفترة التي شكلت ذروة قوة الدولة فهو أمر يستعصي على المنطق التاريخي.

وخاصة لو تحدثنا عن عصر السلطان سليمان القانوني حين كانت الدولة وقتها تستطيع الصمود في وجه القوى الأوروبية مجتمعة، ويكفي هنا أن نذكر قصة شبتاي تسفي الشهيرة والتي حدثت أغلب فصولها في النصف الثاني من القرن السابع عشر -بعد حوالي نصف قرن من الوقت المفترض لنهاية مشروع يوسف ناسي-؛ حيث أن ذلك الرجل الذي ادعى أنه المسيا المنتظر وجمع عددًا من اليهود حوله اعتقل وتمت محاكمته وطورد أتباعه، فاضطر لإشهار إسلامه نفاقًا وخوفًا من القتل، وكذلك فعل أتباعه، ما يدل على أن فكرة مشروع سياسي يهودي داخل الدولة العثمانية في تلك الفترة لا يمكن وصفها إلا بمغامرة خرقاء.

الجدير بالذكر أن المكتبة الافتراضية اليهودية تذكر أنه ليس من الواضح إذا كان مشروع يوسف ناسي سياسيًا أو اقتصاديًا أو خيريًا! [13] كما أن المؤرخ جاكوب رزنيك نفسه يقول بأن اليهود في ذلك الزمن لم يكن لديهم الاستعداد الروحي لذلك المشروع، حيث أنهم كانوا ينتظرون أن تأتي معجزة إلهية ويعاد بناء الهيكل ولم يكونوا مستعدين للكفاح من أجل مثل هذا الهدف[14].

نختم بأنه لا يوجد أي مانع شرعي من هجرة اليهود المضطهدين إلى أي بقعة أرض في الدولة الإسلامية وسكنهم فيها خاضعين لقوانينها وأحكامها، ولا يستثنى من ذلك إلا الحرمين الشريفين إضافة لمنع استقرارهم بجزيرة العرب، مع وجود شبهة في جواز سكنهم للقدس القديمة تجنبًا لمخالفة العهدة العمرية.

أما من الناحية السياسية فلا يوجد ما يمنع ذلك أيضًا طالما أنهم متفرقون ولا يتكتلون في مكان واحد بحيث يشكلون أغلبية سكانية، خاصة لو تحدثنا عن فترة ذروة القوة، فلا الحاكم المسلم وقتها ولا غيره كان يعرف المستقبل ويتوقع أن تسقط الدولة الإسلامية وتتفكك يومًا.

138

المصادر
الكاتب

ثائر أنيس حوراني

خريج هندسة كمبيوتر وعلوم سياسية ومارست تحرير الأخبار سابقًا في بعض المواقع الإخبارية والقنوات التلفزيونية. إلى جانب العربية أتقن الروسية وأجيد الانجليزية.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.