800px-MPK1-426_Sykes_Picot_Agreement_Map_signed_8_May_1916

وصلت الأوضاع في بلادنا لهذا الحال المزري عبر عدة مراحل من ضمنها تقسيم أمتنا الإسلامية وعلى رأسها المنطقة العربية ، عندما أرادت أمريكا أن تعزز من سيطرتها الدولية في منطقة الشرق الأوسط لم تكتفِ بالسيطرة على بلد أو بلدين وإنما وضعت يدها – تدريجياً – على المنطقة كلها ، فأمريكا تتجاهل الحدود بين بلادنا وتتعامل معنا كمنطقة واحدة تسميها ” منطقة الشرق الأوسط ” فهذه الحدود وُضِعت فقط لتفريق الشعوب وتبديد قوتها فيسهل نهبها .

لنتصور بشكل واضح كيف وصلت البلاد المسلمة لشكلها الحالي ؟!

– مع بداية ظهور الإسلام كان الوطن العربي مُقسماً لثلاث مناطق : منطقة تخضع للدولة البيزنطية ( الشام – مصر – شمال إفريقيا ) ، منطقة تابعة للدولة الفارسية ( العراق ) ، منطقة شبه الجزيرة العربية ( قبائل متناثرة متناحرة )

– في عهد الخلفاء الراشدين انصهرت ( الجزيرة العربية – مصر – الشام – العراق – ليبيا ) في كيان واحد ودولة واحدة “دون قيود”.

– وعهد الدولة الأموية أصبحت كافة الدول العربية جزءً واحداً دون أي حدود ، فهي مجرد ولايات ( محافظات ) تستطيع التنقل لأي ولاية ” بحرية مطلقة ” .

– وفي الدولة العباسية ظلت الدول كما هي ” دون حدود ” بالرغم من أن منطقة شمال إفريقيا ( المغرب والجزائر ) في أيدي الأمويين ، إلا أنه لم تكن هناك حدود وقيود فاصلة .

– سيطرت الدول الفاطمية على جميع الأجزاء الإفريقية بالإضافة للشام والحجاز ، فيما بقى الجانب الشرقي في أيدي العباسيين ولكن ظلت حرية التنقل ” دون قيود فعلية ” .

– بعد ذلك الوقت وحتى نهاية الخلافة العباسية على أيدي التتار عام 1258م ظهر عدد من الأقاليم ذات سيادة مستقلة في ( مصر – تونس – المغرب – العراق – الشام – اليمن – شبه الجزيرة العربية ) وبدأ التمايز بين هذه الأقاليم وذلك للطبيعة الجغرافية التى تسمح بوجود فواصل ولكن ظلت الحركة والتنقل لعامة الشعب بين هذه الأقاليم ” دون قيود ” .

– في سنة 1299م بدأت الدولة العثمانية تمتد لأقصى اتساع ولكنها بدأت تتفكك لدويلات صغيرة بسبب عدم هيمنتها على كافة المناطق العربية ، تقسيم الدولة العثمانية المناطق الخاضعة لها إلى ولايات ساعد على تكوين شخصيات مستقلة لكل منها ( ولاية مصر – تونس – طرابلس – النوبة – الجزائر )

– بدأت الرحلات البرتغالية الاستكشافية في القرن الـ15 ووصلوا لمنطقة الخليج العربي لنبدأ مراحل الاستعمار، حيث سيطرت على سواحل الخليج وجنوب شبه الجزيرة العربية.

– في القرن الـ16 حدث صراع بحري بين الدول الأوروبية والدولة العثمانية ، وسيطرت إسبانيا على شمال إفريقيا.

– وفي أواخر القرن الـ18 وبداية الـ19 بدأ الضعف في الدولة العثمانية ونشأت الحركات الانفصالية ( دولة آل الصبح في الكويت – آل سعود في الجزيرة العربية – تونس والجزائر تحت حكم الدايات – الأئمة الزيدية في اليمن – سلالة العلويين في المغرب – ليبيا تحت حكم القرمانلية )

– القرن الـ20 سقطت أغلب المناطق تحت الاحتلال الانجليزي والفرنسي والإيطالي ، ( مصر – السودان – الصومال – عمان – اليمن – الإمارات – الكويت – ليبيا ) تحت الاحتلال البريطاني و( تونس – المغرب – الجزائر ) تحت الاحتلال الفرنسي ، والأجزاء الشمالية للمغرب تحت حكم الأسبان، بينما كانت ( العراق- الحجاز – الشام ) تحت الحكم العثماني .

في عصور الضعف والقوة كانت الحدود بين الدول تراباً يدوسونه ليتنقلوا بين الدول والولايات ، وليس ليبنوا به أسواراً وأسلاكاً يتفنون فيها لزيادة الفرقة والقومية بين شعوبهم .

3- كيف قسمت اتفاقية سايكس بيكو المنطقة ؟

في عام 1916م وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بهزيمة الدولة العثمانية ، وقعت بريطانيا وفرنسا اتفاقاً سرياً تحت مسمى ( سايكس- بيكو ) أبرزها تقسيم الشام إلى أربع دول، لتصبح لبنان تحت الإدارة الفرنسية المباشرة، و سوريا تحت النفوذ الفرنسي ،العراق والكويت تحت الإدارة البريطانية المباشرة ، شمال السعودية تحت النفوذ البريطاني ، وفلسطين منطقة محايدة .

– في الخمسينيات من القرن الـ20 وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت الدول تتخلص من الاحتلال تدريجياً ولكن لم يتبقى سوى فلسطين تحت الاحتلال .

* الكثيرون يهللون للسقوط المنتظر لسايكس بيكو على أساس تمزيق الخريطة الحالية سيؤدي بالضرورة إلى ( خلافة إسلامية ) وانهيار النظام العالمي ، والحقيقة أن الأوضاع تنذر بسايكس بيكو جديدة تفتت المتفتت وتقسم المقسم وترسم حدود جديدة في قلب الحدود القديمة، ما لم تتمخض الثورات عن وعي شعبي يدير دفة التاريخ ويسيرها لمجراها الصحيح، ونبدأ رحلة التقسيم من أولها .

4- ما هي السيناريوهات المطروحة لخطط تقسيم المنطقة من جديد ؟

خطة يينون – 1982م: ( عمل في المخابرات الصهيونية والعقل المدبر لحزب الليكود الحاكم في إسرائيل )

لكي نستوعب تمامًا إطار الخطة، يجب أن نستعرض سريعًا الأحوال الإقليمية والعالمية في ذلك الوقت :

كان الاتحاد السوفيتي ما زال قائمًا، يحتل أفغانستان، يهيمن على شرق أوروبا، ويناطح أمريكا في حرب باردة، إسرائيل عقدت اتفاقية السلام مع مصر وسلمت معظم سيناء، الحرب العراقية- الإيرانية كانت في أوجها.

لبنان كان واقعيًّا مقسمًا لـ5 دويلات آنذاك، ما بين شمال في أيدي المسيحيين بتأييد من سوريا، وشرق يحتله الجيش السوري، ووسط يسيطر عليه الجيش اللبناني، ومحاذاة نهر الليطاني التي تهيمن عليها منظمة التحرير الفلسطينية وجنوب موالٍ لإسرائيل .

فكرة انقسام لبنان تلك كانت تروق جدًا للإسرائيليين بشرط إعادة توزيع الأقسام لتحقق لهم أكبر قدر من الأمن، بعد التخلص من الجيش السوري ومنظمة التحرير .

من هنا نبتت في ذهن يينون ( لبننة ) العالم الإسلامي كله بنفس طريقة لبنان ، فهي الطريقة الوحيدة التي يتمكن شعب صغير مثل الشعب اليهودي من حكم مساحة تمتد ” من النيل إلى الفرات ” بالإضافة للتقسيم الطائفي ..

من المهم هنا استعراض ما كتبه يينون عن رؤيته لمصر بتفصيل أكثر:

[ نظام حكم عقيم مفلس بيروقراطي وغير كفء – تكدس سكاني– شح موارد– تخلف علمي– نخب ثرية وأغلبية مطحونة فقيرة محرومة من الخدمات الأساسية– بطالة– أزمة سكن- اقتصاد يشهر إفلاسه في اليوم التالي لتوقف المساعدات الخارجية– يمكن إعادة البلاد لوضع النكسة في ساعات ].

ووصفها بـكلمة (الدولة الهشة ) : الأقباط المنعزلون المتقوقعون جاهزون للاستقلال بدويلتهم في الصعيد،و بالنسبة لسيناء، كشف يينون عن حقيقة علمية مهمة، ألا وهي تطابق التكوين الجيولوجي بين سيناء ومنطقة الخليج، أي أنها تحوي نفس الكنوز النفطية، مما يعني إضافة ثروة اقتصادية مهولة إلى جانب البعدين الديني والاستراتيجي، وبالتالي حتمية عودة سيناء لحكم إسرائيل طبقًا للخطة، هذا يفسر جزئيًّا حرص إسرائيل البالغ منذ اتفاقية السلام حتى الآن على بقاء سيناء صحراء قاحلة لا تنمية فيها، ولا تعمير باستثناء الشريط السياحي الساحلي .

بعد 4 شهور من نشر هذا المخطط، قامت إسرائيل بغزو لبنان ولم تخرج إلا بعد 18 سنة، أبادت وطردت خلالها الفلسطينيين هناك، وفعلت ما يكفي لإخراج الجيش السوري، ولولا اتفاق الطائف وظهور حزب الله في الجنوب لكانت لبنان مقسمة الآن إلى 5 دويلات، لكن الإشكالية أن لبنان ما زالت حتى يومنا هذا مقسمة فعليًّا، وإن احتفظت بوحدة حدودها السياسية. أما العراق، تم إنهاك جيشها في حربه مع إيران

خطة برنارد لويس

بمقارنة خريطة لويس مع خطة يينون : نجد أنهما اتفقا على محو ( الدولة اللبنانية ) من الوجود ، وتقسيم ( العراق ) لـ3 دويلات : سنية وشيعية وكردية ، وضم سيناء لإسرائيل، ولكن برنارد لويس اختلف مع يينون في الآتي :

– استبعد تقسيم مصر ( على أن تضم إسرائيل سيناء كما في خطة يينون )

– استبعد تقسيم سوريا .

– ركز على منطقة شرق الخليج العربي ( إيران وأفغانستان وباكستان ) وكيفية تقسيمهم .

– اشتملت على إشعال 9 حروب في المنطقة ، وعاشرتهم حرب البلقان في أوروبا .

– أشار لويس لدولتين فقط ينبغي الحفاظ على استقرارهما وقوتهما والاعتماد عليهما : ( إسرائيل وتركيا )

نخلص من كل هذا أن :

– مخططات التقسيم يتبناها تحديداً اليمين الإسرائيلي واليمين الأمريكي ، كتبها منذ ثمانينات القرن الماضي نخب صناعة القرار عندهم ونشروها في كبريات مجلات الدراسات الاستراتيجية العالمية، دون أدنى قلق من العرب والمسلمين لإحباط تلك المخططات .

– كلمة السر هي ( التحليل الذاتي ) وكما نرى في الواقع الذي نعيشه لا يبذل المتآمرون علينا جهدا أو مالاً يُذكر لتحقيق أهدافهم ؛ لأن وقود الانهيار كله من الداخل : ( الطائفية ، الطبقية ، الديكتاتورية ، القمع ، إهدار الحقوق ، غياب الحريات ، استيلاء الأقليات على الحكم ، صراعات الحدود والثروة والأيديولوجيات ، الفشل في إدارة الدول).

– ثورات الربيع العربي بريئة تماماً من مخططات تقسيم المنطقة ، فالمخططات منشورة منذ أكثر من 30 سنة ، لم يُذكر مرة واحدة أن ثورات الشعوب ستكون إحدى خطوات التقسيم ، ولا يوجد رابط بين الثورات والدول المرشحة للانقسام .

وبإعادة التفكير في أزمتي سوريا والعراق كما ترجم Charles Krauthammer في مقاله:

“تكمن طريقة التعامل معها بالاعتراف بأن الحدود القديمة لم يعد لها وجود، وأن الحفاظ على وحدة العراق أو سوريا أمر مستحيل، وأن خارطة سايكس-بيكو قد دُفنت، قد لا نرغب بالتصريح بذلك بشكل رسمي، فهذا يتناقض مع مبدأ الحفاظ على الحدود الاستعمارية مهما كلف الأمر. فالبديل أسوأ بكثير. ( البلقنة ) هي السبيل الأمثل، في العراق، على سبيل المثال، نواجه كارثة تلو الأخرى بالتظاهر بأن حكومة بغداد، الطائفية والمنقسمة على نفسها والموالية لإيران، لا بد أن تكون محور سياستنا والجهة التي تستلم كافة المساعدات العسكرية”.

إن كل هذه الاتفاقيات ليست مجرد اتفاقيات استعمارية أدت لتقسيم المنطقة بل هي مثال صارخ على كيفية تلاعب الاحتلال بمصائر الشعوب وقيمها وحضارتها ، والأخطر أنها تحولت من اتفاقية احتلالية إلى حالة ثقافية عامة ، فصرنا نجد الشعوب تتبادل الشتائم والكراهية ويفخر سكان كل بلد على البلد الأخرى ، علماً بأن بعض شعوب هذه البلدان كانوا شعباً واحداً منذ 100 سنة فقط .

إننا سنظل نحلم بأمة مجتمعة، مُحرر كل شبر تسكن عليه ، وإن المعنى الوحيد لأمة متحررة هو أن يكون قرارها نابع من داخلها، متسقاً مع قيمها ، لا يحكمها أحد من خارجها ، ولا يتحكم عدوها في اقتصادها ، ولا يضع القيود على تحركاتها ، إذا قالت أسمعت ، وإذا سكتت أرهبت ، وإذا قررت أنفذت .

987

الكاتب

دعاء عمر

أسعى لأرتقي دينياً، أخلاقياً، وفكرياً "مقدسية العقيدة، شامية الأندلس".

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.