تحدثنا في المقال السابق عن سقوط بغداد والشام ثم فلسطين، فلم يبقى أمام التتار سوى مصر، كان الوضع في مصر لا يختلف كثيرا عن حال باقي العالم الإسلامي، صراعات على السلطة، اقتصاد منهار، إنهاك في الدولة من كل النواحي بسبب الحروب مع الصلبيين ومع ممالك الشام، أما الشعب فمثله مثل شعب بغداد والشام مشغول بالدنيا لم تحركه دماء المسلمين، في ظل هذا الوضع الكارثي تقف جيوش التتار على مقربة من سيناء، والصلبيين متعطشين لسحق المسلمين ثأرا لهزيمتهم الأخيرة في مصر.

قطز والتصدي للأزمة

تسلم قطز البلاد والتركة مثقلة بالهموم، وأي هم أعظم من وقوف التتار على أعتاب الدار، ولكنه لم يكن كخاله جلال الدين ليهرب من المسؤولية، ولا كخليفة العباسيين يرسل نصراني ليطلب من العدو السماح، اختار قطز المواجهة، اختار الجهاد لأنه ببساطه لا سبيل غيره.

قام بتوحيد الصف الداخلي وانهاء الصراع بين المماليك، كما أرسل إلى الملك الناصر أمير حلب ودمشق المتحالف مع التتار يطلب منه وحدة الصف المسلم ووصل الأمر أن عرض قطز على الناصر أن يعطيه ملك مصر مقابل التوحد وجهاد التتار ولكنه رفض!

تمر الأيام وينهزم الناصر ويهرب فيتركه جيشه ويلتحق بجيش قطز هكذا أصبح الوضع السياسي والعسكري أفضل حال وعلى قدر من التماسك، لم ينسي قطز الشعب لعلمه أن القضية قضية أمة، وطلب من العلماء حث المسلمين على الجهاد وكان من أبرز العلماء الذين أشعلوا الحماس داخل قلوب المسلمين سلطان العلماء العز بن عبد السلام، الذي كان عمره قرابة الـ 80 عام، لم يمنعه الكبر عن نصرة دينه، كان فهمه للدين صحيحًا وأن الإسلام لم يكن يوما صلاة وصيامًا وعبادات فقط.

التربية بالقدوة

Embed from Getty Images

بينما كان قطز يعد العدة لمواجهة التتار، أرسل التتار رسالة تهديد إلي قطز، ظنا منهم أن قطز كباقي الأمراء المرتعشين سيهرول للصلح، ولكن قطز قرر أن يخرج بنفسه على رأس الجيش، قرر أن يعلم شعبه دراسا في الجهاد وحب الدين، وأن التتار قوى يمكن قهرها مهما بلغت قوتها، وقال قطز قولته العظيمة

  “يا أمراء المسلمين، لكم زمان تأكلون من بيت المال، وأنتم للغزاة كارهون، وأنا متوجه فمن أختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختار هذا يرجع إلى بيته، وإن الله مطلع عليه، وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين عن القتال”.

ثم بكى القائد وقال” يا أمراء المسلمين، من للإسلام إن لم نكن نحن”، ما أجمل هذه الكلمات وأعظمها وخصوصا عندما تخرج من قائد، وتكون كلماته مع عمل في نفس الوقت.

بعد إعداد قطز للمجتمع داخليا أقدم على أمر شجاع وخطير، يعلم جيدا ماهي عواقبه، فقد أمر قطز بقتل الرسل الأربعة للتتار، ثم تعليق رأسهم على باب زويلة، حتى يرى الشعب ذلك المنظر، فتسقط هيبة التتار من قلوبهم

خطة المواجهة

رأى قطز أن يخرج هو بجيشه لمواجهة التتار في فلسطين وألا ينتظرهم في مصر، ولكن هذا القرار عارضه الكثير من الأمراء، فعرض قطز مميزات الخروج ومنها؛ الدفاع عن المسلمين في فلسطين والشام والثأر لهم، نقل الصراع من مصر إلى أرض ارتكز فيها التتار، مفاجأة التتار والهجوم الغير متوقع عليهم.

أول النصر غزة

جمع قطز الجيش وأعد خطة في غاية الذكاء، فقد قسم الجيش إلى أجزاء، وكان هناك جزء تحت قيادة القائد بيبرس، وكان بيبرس لديه خبرة عسكرية وذكاء عالي، فتقدم بيبرس ببعض الجنود حتى إذا شاهدهم التتار ظنوا أن هذه الفرقة كل الجيش، وهذا ما حدث بالفعل في غزة، باغت بيبرس الحامية العسكرية التتارية في غزة وانتصر عليهم.

برغم من أن الانتصار في موقعة صغيرة إلا أنه ذات دلائل عميقة، فالتتار طوال هذه المدة في حصارهم لمدن المسلمين لم يروا غير الضعف والاستسلام. لم يروا إلا حكام خونة وشعوب منبطحة تفضل حياة الذل عن شرف المواجهة، بل الأقوى من ذلك أن تبدأ الجيوش المسلمة هي بالحرب بعد قتل رسل التتار.

كل هذه التصرفات إعلان صريح بالاستهزاء من التتار وقوتهم، فهي خطوة جريئة غير مسبوقة، رفعت من معنويات المسلمين وحمستهم على التقدم لمواجهة التتار.

الطريق إلى النصر

فر الجنود الناجون من موقعة غزة إلى التجمع الأساسي للجيش التتري، فطار عقل كتبغا قائد جيش العدو، تحرك الجيش التتري وجيش المسلمين حتى استقر الجيشين في منطقة عين جالوت الواقعة بين منطقة بيسان ونابلس، كانت هذه التحركات في رمضان في العشر الأواخر عام 658 هـ.

أخبرنا الرسول صلي الله عليه وسلم أن الخير في أمة الإسلام باقٍ إلى يوم القيامة، فقد خرج المسلمون من فلسطين من المدن والقرى للانضمام إلى صفوف جيش المسلمين، خرجوا وإن كانوا غير مدربين لكنهم خرجوا لمواجهة العدو حتى يكثروا سواد الجيش، وللثأر لدماء المسلمين المسفوكة على أيدي السفاحين الملاعين التتار.

كانت ليلة الخامسة والعشرين من شهر رمضان ولك أن تتخيل كيف كانت مشاعر جيش المسلمين في هذه الليلة المباركة، وكيف كانوا يتضرعون إلي الله أن ينصرهم في الصباح على أعداء دينه، صلى قطز الفجر بالمسلمين وأعد جنوده وبعد شروق الشمس بدأت المعركة.

كما قولنا سابقا إن الجيش المسلم كان مقسم إلي أجزاء فخرج جزء منه لساحة المعركة، وبالرغم من قلة عددهم إلا أن كتبغا قرر أن يخوض المعركة بكل جنوده حتى ينهي المعركة مبكرا، ظل باقي الجيش على رأسه قطز خارج أرض المعركة، اتفق قطز وبيبرس أن يظهر بيبرس الانهزام والتقهقر حتى ينجر التتار خلفهم، وينقض الجيش المسلم بالكامل، وبالفعل هذا ما حدث ولا تسأل كيف لقائد بعقلية وذكاء كتبغا أن لا يفهم هذه الخطة التي فعلها التتار أنفسهم، ولكن إرادة الله لنصر الفئة المسلمة التي أخذت بالأسباب وأخلصت النية لله فوق كل شيء، كما أن استهانة التتار بالمسلمين شكل عامل كبير في النصر.

سارت الخطة مثل ما رسمها المسلمون، فاندفعت جيوش التتار خلف فرقة بيبرس ثم خرج باقي الجيش وحوصر جيش التتار بالكامل اشتد القتال، وارتفع صليل الصوارم في أرض المعركة، وهنا يلقي القائد قطز بخوذته ويصيح بأعلى صوته واإسلاماه، حتى أشعل الحماسة في قلوب الجنود.

أخذ المسلمون يكبرون بصوت يرج ساحة المعركة، واعملوا القتل في التتار حتى أصبح هم التتار الوحيد أحداث ثغرة للهرب منها، بالفعل بدأ جنود التتار في الهرب، هروب المنهزم المنكسر.

نهاية الاسطورة

سلسلة التتار: استعادة المبادرة وتمزيق الأسطورة 3

تجمع من بقي من جيش التتار مرة أخرى في منطقة بيسان، دارت هناك معركة يقول المؤرخون عنها أنها أشد من الأولي، حتى وصل الحال أن بعض المسلمين أشاروا إلى قطز بوقف القتال وعقد معاهدة مع التتار، وهنا تضرع قطز إلي الله وظل يدعوا ويبكي أن ينصرهم الله.

بدأت المعركة، ومرة أخرى يستجيب الله دعاء الصادقين المجاهدين تتساقط أمامهم جثث التتار في كل مكان، انهار جيش التتار، نعم انهار انهيار غير عادي فقد تم القضاء على الجيش التتري بالكامل بعد أربعين عام من القتل والتنكيل بالمسلمين

الخلاصة

رأينا سويا في عدة أجزاء كيف اجتاح التتار العالم الإسلامي، وكم كان سقوط البلد تلو البلد أمر في غاية السهولة، ولكن ما الجديد هنا؟ ما المختلف في هذا الجيش حتى ينتصر ويقهر التتار ويسحقه سحق نهائي لا تقم له قائمة بعدها الإجابة هنا سهلة للكون سنن وضعها الله لا تتبدل ولا تتغير ولا نصر بدونها، ففي الأجزاء السابقة عرفنا حال المسلمين شعب وقيادة، فقد كانوا في غاية الانبطاح والخوار وحب الدنيا، رأينا حكام خونة سلموا التتار مفاتيح البلاد خوفا من الجهاد والمواجهة فكانت نهايتهم على أيدي التتار بأبشع الصور، كما رأينا حال المسلمين فبعض المدن فتحت أبوابها طمعا في الأمان من العدو ومنهم من شارك في الحرب في صفوف التتار على أراضي اخوانهم المسلمين.

كان الوضع في غاية السوء، غاب مفهوم شمولية الدين وحبه عن عقولهم تصارعوا على الدنيا، كانوا لا يبالوا بأخبار سقوط بلاد المسلمين ولا يهتموا بالمجازر والقتل والتنكيل، كانوا من الجبن والهوان جعلهم لا يجهزوا انفسهم حتى ليوم هجوم التتار عليهم، كم يشبه حالهم حالنا اليوم، من الضعف والاستسلام للعدو بسبب الافتتان به لدرجة أن البعض لم يعد يرى العدو عدوا اصلا، فقد تبدلت المفاهيم بشكل مخيف، وانقلبت الصورة وأصبح من يقاوم لرفع هيمنة العدو علينا إرهابي أو مجنون يطلب المحال ويلقي بنفسه في التهلكة، ولا أدري عن أي تهلكة يتكلم هؤلاء.

في نفس الوقت نرى النموذج الذي لابد الاقتداء به للانتصار، وهو ليس بالخارق ولا صعب التحقيق، فلم يقم قطز أو أي قائد كتب الله النصر على يديه بعمل محال، بل هو الإعداد والتوكل، الإعداد الجيد والأخذ بالأسباب الدنيوية، الإعداد العسكري والنفسي والحشد الجماهيري فقد كانت القضية قضية أمة لا نخب، ثم التوكل على الله، وطلب العون من ملك الملوك الذي بيده كل شيء.

ربما يتساءل البعض كم من فئة صارت على هذا النهج وفشلت لم تحقق شيئًا على أرض الواقع؟ من قال إننا مكلفون بالنصر أو سنسأل عنه، نحن عبيد الله قدره النافذ على الأرض لنا العمل وله التدبير، فكل ماعلينا هو السعي والاخلاص والأخذ بالأسباب وكان حقًا على الله نصر المؤمنين.

456

الكاتب

ليليان أحمد

كاتبة وباحثة في التاريخ والحضارة الإسلامية، وقضايا الفكر الإسلامي، أكتب من أجل إيجاد الوعي في طبقات هذه الأمة.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.