حياكم الله د. أكرم وبارك بكم ونفع بكم. نشكركم بداية على تخصيص مجال من وقتكم الثمين لإجراء لقاء مع موقع تبيان. ونبدأ بتوجيه الأسئلة التي تشغل الجمهور في الوقت الراهن بشأن قضايا الأمة الإسلامية.

تبيان: يعتبر د. أكرم حجازي من أبرز من شخّصَ ظاهرة الحكم الجبري الحديث (الهيمنة) بشقيه المحلي والعالمي، وفي ظل تشكل موجات غضب شعبية في عالمنا العربي -على ضعفها وسوء تنظيمها- كيف يمكن للشعوب العربية أن توفق بين استئناف حركة التحرر وبين النضال من خارج النظام الدولي (راعي الهيمنة) بمؤسساته وتشريعاته؟ ودون أن يقع الثائرون في فخ “العزلة” التي قد تضعف مسيرة التحرر؟

د. أكرم: لابد لكل نمط حكم أن يثبت حينًا من الزمن ثم يزول. وفي ظل الحكم الجبري، حيث سيادة الأحكام الوضعية وأنماط أيديولوجية سليلة النظام الإقطاعي في أوروبا، بدا أن الأرض تنعطف بعد أن وصل الحكم الجبري إلى ما يشبه الذروة أو أنه في الطريق إليها قطعا. لذا فما يجري، بموجب مفاهيم شرعية، هو تدافع رباني ليس للبشرية عليه سلطان. خاصة أن وقائعه تشمل كل الناس وفق آيتيه في القرآن الكريم، فلا توجد هناك شريحة معنية تحت التدافع وأخرى خارجه.

في هذا السياق تجري وقائع الاحتجاجات العربية بقطع النظر عن أيديولوجياتها وشعاراتها وخياراتها وقياداتها وما إلى ذلك. فالعبرة في خواتيم التدافع حيث الصلاح بعد إفساد وعبادة الله بعد جحود ونكران وحرب على الله ورسوله والمؤمنين، بل حرب على كل من يؤمن بوجود إله للكون.

وفي السياق أيضا يمكن توقع استعمال كل الآليات في التدافع، وعلى كل مستوى، بدء من عمل الجوارح وانتهاء بعمل القلوب، وبما يمس كافة أنماط وأشكال الحياة والأيديولوجيات الشائعة، وانتهاء بكل أدوات السيطرة والتحكم والرقابة.

وفي السياق أخيرًا فإن الأمة بالذات تتجه إلى قطيعة تامة مع ما هو كائن. فلم يعد ثمة إمكانية للتصالح مع المجرمين والزنادقة والمنافقين وكل منتجات الاستبداد والجبر. بل لم يعد ثمة إمكانية لاستمرار التعايش مع الأطروحات السياسية التقليدية كالأمن والاستقرار، أو التعايش مع الأيديولوجيات ولا قوى الهيمنة ولا نظم الاستبداد ولا غيرها من قوى الظلم والشر والإفساد في الأرض. فالانعطاف انطلق، ومن هنا، من قلب العالم الإسلامي، حيث مبعث الرسل والأنبياء وكل أشكال التغيير في الأرض سلبًا أو إيجابًا ومنطلق كل الانعطافات التاريخية الكبرى.

تبيان: كيف ترون وضع الحركة الإسلامية عامة والجهادية بشكل خاص في ظل الوضع الراهن وهل فشل مشروعها القائم على النكاية والتمكين؟

د. أكرم: كلها أدت أدوارها وقدمت أطروحاتها وفعالياتها بحسب توجهاتها باتجاه تحرير الأمة وانعتاقها. لكن ما ينطبق على الجماعات الأيديولوجية الوطنية ينطبق بالضرورة عليها. فهي بالمحصلة اجتهادات انتهت إلى الوقوع في صلب الأيديولوجيا. لأن الواقع أضخم من قدراتها. فالحكم الجبري نمط شمولي يهيمن على الأرض ومن عليها، وليس من العقل وحتى الدين أن نتوقع من الجماعات إزاحته. فهو يحتاج إلى دينامِيَّة عمل تنتج تحولًا عميقًا وشاملًا في الاعتقاد وأنماط التفكير والحياة بحيث تغدو الأمة مؤهلة للاستخلاف.

لكن واقع الأمر أن الأمة لم تصل بعد إلى استحقاق الاستخلاف والتمكين. فلا يصح تحميلها ما لم تحتمل، فهي ليست دعوات رسل موحى إليها، بل تبادر وتجتهد وتصيب وتخطئ وتشتد وتضعف وحتى تفشل وتنزوي. فلا هي الأولى ولن تكون الأخيرة.

تبيان: ما هو تقييمكم للاتفاق بين طالبان والولايات المتحدة وتوقعاتكم لمستقبل الحركة في أفغانستان؟

د. أكرم: الاتفاق هو احتياج أمريكي بالدرجة الأساس. ويقع في سياقات التدافع، وحباله طويلة مع حركة ذات أصول منهجية حنفية تجيد المكر السياسي بالمقارنة مع المذاهب الأخرى. لذا لم تتخل طالبان حتى اللحظة عن تسميتها كصاحبة إمارة ولا عن تطبيق الشريعة، ولا عن أي ثابت من ثوابتها.

الاتفاق أيضًا تم مع الولايات المتحدة وليس مع الحكومة المحلية. ويقوم على مقايضة سياسية تقضي بعدم مهاجمة أهداف أمريكية مقابل الانسحاب الأمريكي من أفغانستان. وهذا يعني أن للاتفاق حدود. بمعنى أن أي تفاوض بين طالبان والحكومة ليس من شأن أمريكا.

لكن سياقات التدافع والمكر وعدم قبول طالبان بإلقاء السلاح يجعل من الاتفاق في مهب الريح أو على الأقل مسألة طويلة الأجل، وخفية الملامح، ومن جهة أخرى فإن ضم الهند لمنطقة كشمير وصعود المد الهندوسي والخشية من تغيير ديمغرافي أو صراع مسلح يجعل من باكستان بالغة الحذر تجاه الاتفاق كون أفغانستان هي العمق الاستراتيجي في مواجهة الهند، وهذا ما يعزز من موقف طالبان في أي مفاوضات محتملة مع الحكومة. فالمنطقة متفجرة، وبالغة السخونة، لذا يبدو الاتفاق بالنسبة لأمريكا أقرب ما يكون إلى نوع من حفظ ماء الوجه وفرصة للهروب من أفغانستان بأسرع وقت.

تبيان: مع متابعتكم لتطورات الساحة السورية، هل تعتبر الثورة السورية انتهت تمامًا؟ وما هي قراءتكم لمستقبل إدلب؟

د. أكرم: لا، ولم ولن تنتهي أبدًا، لا في إدلب ولا في كل سوريا. فالكوارث التي لحقت بسوريا لا تعد ولا تحصى، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة أو الدولة أو المجتمع أو الاقتصاد والتعليم وحتى على مستوى الهوية. وهذا الأخير هو الأشد خطورة من أي مستوى آخر، نظرًا لكون البلاد، وهي الحاضرة الثالثة في الإسلام بعد الحرمين وبيت المقدس، تتعرض لما يشبه وعد بلفور الذي استهدف بيت المقدس سنة 1917، وتم بموجبه اغتصاب البلاد وتسليمها لليهود.

فكيف يمكن لحاضرة إسلامية بالثقل العقدي للشام أن تهدأ بينما يجري انتزاعها، على قدم وساق، من قلب العالم الإسلامي والعربي، وتغيير هويتها وتاريخها لصالح الجيوب الروسية في منطقة الساحل، وذات المحتوى الاستيطاني الاجتماعي القادم من القوميات الروسية والصقلبية، أو عبر الديمغرافيا الرافضية التي اخترقت قلب الشام وتتجه لإكمال السيطرة عليها باستيراد المزيد من الديمغرافية الرافضية من شتى أنحاء العالم لتوطينها في الشام!؟

إذن؛ فسوريا لن تهدأ بالنظر إلى الإرث الهائل من الضحايا التي لحقت بالمجتمع السوري خاصة السني فيه، أو بالنظر إلى الصراعات الدولية والإقليمية بين القوى التي تسعى إلى انتزاع البلاد من أهلها وتجريدها من انتمائها وهويتها العقدية والتاريخية والقوى المستهدفة بهذه المساعي.

تبيان: ما تقييمكم للدور التركي في سوريا منذ بداية الحرب وحتى مؤخرًا وكيف ترون تعاملها مع هذا الملف؟ كذلك ما تقييمكم للعلاقات التركية الروسية ومستقبلها؟

د. أكرم: في ذات السياق من الصراع الدولي والإقليمي يمكن القول مثلًا أن التدخل التركي عبر عملية «نبع السلام»، لم يكن إلا اعتراضًا للمشروع الإيراني خشية وصوله سكانيًا إلى الحدود التركية، وكذا مشاريع الثورات المضادة. فدوافع العملية التركية استهدفت أولًا الداخل التركي لتجريد القوى الأتاتوركية من توظيف ورقة اللاجئين السوريين التي يغذيها محور الثورات المضادة (مصر والسعودية والإمارات) لتفكيك تركيا أو الانقلاب على النظام. أما ثانيًا فهو حرمان إيران من التمدد طائفيًا باتجاه الشمال نحو تركيا.

فبقطع النظر عن أي اعتبارات أخرى لا بد من الإقرار أن تركيا -لأكثر من سبب- مستهدفة حتى النخاع. لهذا فهي في حالة دفاع عن الذات، لاسيما أنها تقع على حافة القارات. وهذا يعني أن عليها أن تواجه الأعداء من كل الاتجاهات. فلا أظن أن تركيا، في إطار الصراع الدولي المحتدم على كل صعيد، تفكر اليوم بمنطق الجماعات والثورات وحتى الحقوق أو البحث عن الحلفاء أو الأصدقاء بقدر ما تفكر في الأعداء الذين يحيطون بها من كل جانب، وبالتالي عليها أن تدافع عن نفسها ومصالحها ومستقبلها وإلا سيتم سحقها.

ومن باب الإشارة فلا النظام الدولي ولا محور الثورات المضادة يسعى إلى تفكيك تركيا بقدر ما يسعى إلى تغيير نظام الحكم. أما لماذا؟ فلأن تركيا هي حصيلة المجتمع العثماني بما لا يقل عن 55 أقلية أو إثنية، وتفكيكها يعني أنها ستنفجر للخارج باتجاه أوروبا وآسيا وأفريقيا وبطبيعة الحال باتجاه العالم الإسلامي. فمن هو الأحمق الذي يمكن أن يفكر بتفكيك تركيا سياسيًا أو اجتماعيًا؟

تبيان: ما هي رؤيتكم لحكومة تركيا الحالية وتوقعاتكم لمستقبل حكومة أردوغان؟ وسمعنا كثيرًا عن معاهدة لوزان وعن تركيا بعد مرور 100 عام على المعاهدة، فما رأيكم وتوقعاتكم لمستقبل تركيا؟

د. أكرم: ستبقى محاولات اعتراض نظام الحكم في تركيا قائمة على الأقل حتى 2023. فما من قوة دولية تأمل أن يصل نظام الحكم الحالي إلى هذا التاريخ. فالاتفاقات الموقعة مع تركيا الأتاتوركية وملاحق لوزان تتضمن قيودًا طويلة الأجل. وفي الاتفاقية لا وجود لوقت انتهاء ولا بقاء لها للأبد. وهذا هامش يسمح لتركيا بالتحلل من بعض القيود بشرط أن تمتلك من أدوات القوة ما يسمح لها بذلك.

لذا وبعد قناعة الأتراك باستحالة قبولهم في عضوية الاتحاد الأوربي الذي سيوفر لهم التقنية، ونظرًا لسعي القيادة التركية إلى الخروج من الهيمنة مهما كلف الأمر، دخلت تركيا منذ عشر سنوات في سباق محموم مع الزمن لامتلاك ما تحتاج من تقنية لا تستثني منها أحدثها وأشدها حساسية، ونعني بذلك التقنيات الرقمية بما فيها الذكاء الاصطناعي. ويبدو أنها قطعت أشواطًا طويلة بعد إصلاح التعليم. وحتى الآن تنتج ما يقارب 70% من احتياجاتها العسكرية التي حررت قرارها السياسي والعسكري والأمني إلى حد كبير من دول مصادر السلاح كالناتو وحتى روسيا. وهذا ما جعل تركيا تتجرأ على التدخل عسكريًا في سوريا وليبيا رغم وجود القوى العظمى في المنطقة. فالتسلح الذاتي يعني وإلى حد كبير الانعتاق من سطوة السيطرة والتحكم والرقابة والشروط المقيدة لاستخدام السلاح المستورد.

إذن لوزان هي موعد وبرنامج استحقاق داخلي للخروج من الهيمنة الدولية، خاصة وأن الظروف باتت مناسبة لذلك بعد أن كثرت الهوامش جراء ضعف النظام الدولي، بل واستحالة إعادة ترميمه لغياب أية مرجعية فلسفية تسمج بالبناء أو الترميم.

تبيان: شهدت الساحة الفلسطينية أحادثًا متدافعة في الآونة الأخيرة وظهر الانقسام في الشارع الفلسطيني واضحًا، كما ظهرت مراوغات نتنياهو في التعامل مع هذه الأحداث، فما تقييمكم لوضع القضية الفلسطينية عمومًا ووضع حركة حماس الراهن بشكل خاص.

د. أكرم: مشكلة القضية الفلسطينية اليوم ليست فقط في كونها دخلت في طور التصفية دوليًا وعربيًا، بل في بعض الدول العربية التي غدت مستعدة لتصفية العقيدة الإسلامية برمتها، وبالتالي تبني الأطروحة اليهودية في اعتبار بيت المقدس هي أرض اليهود الذين يزعمون أنهم ورثة بني إسرائيل.

هذا المنطق هو الذي يقف خلف حرب الردة الطاحنة التي يتعرض لها المسلمون ومقدساتهم سواء داخل العالم الإسلامي وحواضره الكبرى أو ضد الأقليات المسلمة أو عبر قتل العلماء وتصفيتهم كما يحدث في اليمن بشكل واضح أو عبر الزج بهم في السجون. وهو ذات المنطق الذي يدعم تهويد القدس والعمل كسماسرة في انتقالات الأراضي لليهود من رعايا إحدى الدول العربية كالإمارات، وذات المنطق الذي يأتي بالأصنام إلى الجزيرة العربية ويعمل على إشاعة الفاحشة في المسلمين، وذات المنطق الذي يجتهد في تحريف الدين وتشويه التاريخ الإسلامي والمس بالصحابة والرموز التاريخية وحتى بالرسول صلى الله عليه وسلم والتطاول على الله بكل فجور.

أما لماذا يشنون كل هذه الحرب المجنونة؟ فلأنهم ببساطة لا يريدون أن يبقى للأمة أية مرجعية إسلامية يحتكمون إليها سواء في النزاع مع ملل الشرك والكفر أو في النزاع مع نظم الاستبداد التي بدا أنها مستعدة لارتكاب كل الموبقات.

لكن الحقيقة الثابتة التي لا يستطيع أحد أن ينال منها هي العقيدة. فبيت المقدس مسألة عقدية، وفي العقيدة ثمة إخبار رباني بالنص القرآني عما جرى وسيجري. وتبعًا لذلك فلا يمكن لأية قوة على وجه الأرض أن تنتزع العقيدة من الأمة أو تحرف أو تلغي أو تتنكر لنص رباني صريح، مهما بلغت من قوة وتخريب ودهاء وظلم.

تبيان: ينشغل العالم حاليًا بشكل لم يسبق له مثيل بفيروس كورونا، وقد شاهدنا تفشي المرض في بلاد المسلمين، فما هو تأثير طبيعة الدول القومية العربية المبنية على السلطة الأمنية (بوليسية كانت أو عسكرية) أمام مواجهة الأزمات الصحية، وما هو تأثير نظام صحة سايكس بيكو والهيمنة على الواقع الصحي للشعوب الإسلامية، وماهي نتائج انعدام مفهوم الأمن الصحي على حساب أمن الحكام أو الأنظمة؟

د. أكرم: مع كل التحفظ على أزمة كورونا، تبقى الحقيقة الساطعة في أن كل النظم الإسلامية ودولها وشعوبها بالنسبة للنظام الدولي هي مسألة أمنية لا أكثر ولا أقل، مع كورونا وبدون كورونا. مع ذلك ثمة تفاوت في الاستجابة بين الدول. فالبعض منها غلب عليه الطابع الأمني الصرف في التعامل مع أزمة كورونا، والبعض الآخر تعامل معها بقدر من الجدية الممزوجة باحترام الناس وتقدير احتياجاتهم، والبعض الأخير، ويضم كل الدول، استثمر في الأزمة على كل مستوى استطاع الوصول إليه. وأيًا كانت الاعتبارات فالأزمة فرضت نفسها على الجميع رغم أن بعض الدول كمصر مثلًا حاولت التنصل في البداية وحتى التنكر لوجود الفيروس.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في الأزمة أن كل الدول الإسلامية بدت وكأنها تجلس على المدارج تراقب ما يجري. فالنشاط الطبي حول الاختبارات والبحث عن اللقاحات أو حتى العلاجات بدا منعدمًا باستثناء تركيا وماليزيا. ففي حين تنشط عشرات الشركات الكبرى وآلاف الباحثين وبما يزيد عن 120 مشروعًا لإيجاد لقاح للفيروس إلا أن الأنظمة الصحية العربية بدت بالغة التخلف، تمامًا كما هي الأنظمة السياسية.

 ومن باب الإشارة فمن الثابت سوسيولوجيًا أن صحة الفرد والمجتمع هي أحد شروط تقدم أية أمة على وجه الأرض. وهو شرط يعادل شرط العقلانية. وكلاهما مفقودان في دول ومجتمعات سايكس-بيكو. لذا فإن تفاعل عامة الناس مع الأزمة لم يخرج عن نطاقات الأعراف والقيم الاجتماعية السائدة. بل أن الأمر وصل إلى حد التحرج من الإصابة بالفيروس او حتى الإعلان عنها، وكأن الإصابة فضيحة اجتماعية!

تبيان: نحن أمام أزمة ركود اقتصادي عالمي، وحرب نفط، ومنافسة من الصين للهيمنة الأمريكية جعلت البعض يشكك في أن الفيروس مؤامرة، هل نحن أمام تشكل واقع عالمي جديد؟

د. أكرم: بالتأكيد. ومع ذلك فما زال الوقت مبكرا على رصد التداعيات مع استمرار وقائع الأزمة من جهة وغياب اليقين من جهة أخرى. فعلى المستوى الاقتصادي تتراوح الأرقام بين 6 – 9 تريليون دولار مع نهاية العام الجاري، وفقدان لعشرات الملايين من وظائفهم وزيادة في الفقر، وتضرر شديد في سلاسل التوريد الصناعية والتجارية والغذائية الدوائية التي تراجعت بنسب تتراوح ما بين 20% – 50%، وصعوبات في التصدير أو تلف في التخزين وجني المحاصيل وحتى الزراعة، وأخيرًا اتباع مبدأ السياسات الحمائية على السلع، كما فعلت فيتنام والهند ودول أوروبية، وما قد تسببه لاحقًا من مجاعات وندرة وغلاء فاحش في السلع. لذا فالركود واقع لا محالة، بل أنه بات عميقًا جدًا بحيث يستحيل القول بأن الاقتصاد العالمي سيخرج منه في سنة أو سنتين أو حتى ثلاث سنوات.

أما قصة كون الفيروس «مؤامرة» فهذه مسألة عميقة. فما لدينا حتى اللحظة ثلاثة مستويات من المعلومات:

الأول: أنه فيروس طبيعي انتقل من إحدى سلالات الخفاش أو آكل النمل الحرشفي إلى البشر. لكن هذه النظرية لم تتحدث حتى الآن عن أصل الفيروس، ولا عن آلية انتقاله من الحيوان إلى الإنسان، ولا هي حسمت بثباته الجيني بقدر ما تحدثت عن تعرضه لطفرات بلغت حتى الآن قرابة 26 طفرة! أما الصين، مصدر الفيروس، فلم تقدم أية معلومات قاطعة عنه، بل أن الحكومة الصينية فرضت حظرًا على نشر أية دراسة تتعلق بالفيروس في المواقع العلمية إلا بعد الحصول على إذن رسمي.

مع ذلك فالجهاز الطبي الرسمي في العالم، ابتداء من منظمة الصحة العالمية وانتهاء بالدول، قدمت الفيروس على أنه وبائي ثم جائحة عالمية، واستنفرت كل منظماتها الفرعية وشرعت في توجيه النظم الصحية الرسمية في العالم، معززة بوثائق وأبحاث وأسانيد واسعة النطاق، رغم كل ما تتعرض له من اتهامات في المغالطة والتضليل وكتم المعلومات وحتى التواطؤ مع الصين.

الثاني: الاستثمار في الفيروس. ويقع في سياق «المؤامرة». وهو سياق له أيضًا وثائقه وبياناته وأسانيده وأطروحاته الأدبية والثقافية والسينمائية والعلمية الموثقة بدرجة يصعب دحضها ما لم تحظ بتفسيرات قاطعة، وهو ما لم يقع حتى الآن. أما حيثياته فيتعلق أول جوانبه بمختبر في ووهان، مركز ظهور الفيروس في الصين. وأن كل ما في الأمر هو فيروس كان يجري إعداده في إطار اختبارات علمية أو حرب بيولوجية أو بقصد استثماره في أمر ما، ربما يكون تسرب خطأ أو قصدًا من المختبر. وثمة جانب استثماري آخر يتعلق بمشروع هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق وبيل غيتس وزوجته ميليندا، عبر جمعيتهما الخيرية ذات رأس المال المقدر بــ50 مليار دولار! وهو رقم أسطوري لجمعية خيرية. فقد تبنى بيل غيتس مشروع كيسنجر سنة 1974 القاضي بتخفيض عدد السكان، ودعمه بزرع شرائح إلكترونية في جسد البشر عبر اللقاح الذي يبحث عنه غيتس بشكل محموم لإحكام السيطرة والرقابة والتحكم حتى بالفرد وحياته ومماته بدعوى تسهيل الحياة الإنسانية. وفي السياق فقد كان لافتا حقًا مقالة كيسنجر التي احتوت جملة عجيبة في وقت مبكر من انتشار الفيروس قال فيها أن: «النظام الدولي الحالي انتهى للأبد»! وما أن قالها حتى تبعها سيل هائل من المعلومات عن الشرائح الإلكترونية واللقاحات. مع الإشارة إلى أن الرأسمال العالمي هو الذي يقف خلف «المؤامرة»، وهو الممثل ليس في عائلات روتشيلد وروكفلر ومورغان وأمثالهم فحسب بل حتى في دول بعينها وأولها الصين دون استبعاد الدول العميقة داخل كبرى دول العالم بحسب خبراء تحليل المؤامرة.

الثالث: ينكر أو يتحفظ على وجود فيروس من الأصل. وهذه الأطروحة تطرح تساؤلات منطقية تتعلق بالمعلومة ونقيضها. فبما أنه ما من حقيقة ثابتة حتى اللحظة فما معنى وجود أطروحتين تحتمل كل منهما قدرًا من الصحة بحيث يستحيل القبول بأطروحة ورفض أخرى؟ والسؤال هنا: هل تتعرض البشرية لعملية تعمية مقصودة؟ ولماذا وقع احتجاز نصف البشرية في بيوتها، وتصعيد فكرة البحث عن لقاح، ثم مع دخول فصل الصيف بلا لقاح بدأ الحديث بقوة عن وجوب التعايش مع الفيروس!!!؟ فإلى متى سيستمر التعايش؟ ولماذا لم يتم التعايش مع الفيروس منذ لحظة ظهوره!؟

ما الذي يجري بالضبط؟ وأي عالم سنعيشه إذا غابت الحقيقة أو التبست لشهر أو سنوات؟

تبيان: هل تشهد أوروبا، بالشكل الذي استقرت عليه بعد مؤتمر وستفاليا، بعد خروج إنجلترا من الاتحاد الأوروبي وأزمة كورونا وانهيار إيطاليا.. تحولًا جديدًا خاصة بعد عودة الممارسات المتجاوزة لمفهوم الشرعية الدولية هذه المرة بين الدول القومية الغربية؟

د. أكرم: بعد الثورة الفرنسية سنة 1789 شهد العالم ما يعرف بالقطيعة المعرفية مع كافة النظم والدول وأنماط الحياة والتفكير الماورائية التي تستند إلى تفسير الظواهر والوقائع على أطروحات فلسفية أو غيبية، وظهر نمط الحكم الوضعي القائم على التفسير العقلي والتجربة المتبوعة بالبرهان، ومعه عصر الآلة أو المجتمع الميكانيكي على أنقاض المجتمع البايولوجي الذي كان يقوم على مبدأ القوة البشرية أو الحيوانية. وبعد الحربين العالميتين، الأولى 1913 والثانية 1936، ظهر المجتمع الصناعي المبرمج بدءًا من خمسينات القرن العشرين. ومنذ أوائل الستينات من القرن العشرين ظهر المجتمع التكنولوجي الذي قلما يتيح مجالًا للخطأ. لكن منذ أواخر القرن العشرين ظهر المجتمع الرقمي. وفي هذا المجتمع لم يعد ثمة مجال للخطأ وفق المعادلة الصفرية القائمة على مبدأ (0-1).

 المهم في المجتمع الرقمي هذا أن عملية التحول فيه تشبه من حيث الأثر والصدمة بالضبط عملية التحول من البيولوجيا إلى الميكانيكا. فكما بدت عملية الانتقال مرعبة ومذهلة وعجيبة وغريبة وغير مسبوقة على الذهن البشري، باختصارها الزمن والجهد، فكذلك الأمر بالنسبة للمجتمع الرقمي الذي ألغى الفارق الزمني تمامًا. لذا من المستحيل ألا يقع تحول قطعي على أنقاض ما سبق. بل أن التحول يشتد رعبًا بالتوازي مع ثورة الجينوم البشري من جهة وثورة النانو تكنولوجيا من جهة أخرى. وهذا يعني أن كل الموجودات البشرية والحضارية بكل مكوناتها وأنماطها وتشكلاتها وأشكال اجتماعها السياسي والإنساني، ستختلف جذريًا عما ألفناه منذ أقدم العصور وحتى الآن كما اختلفت جذريًا عقب الانتقال من البيولوجيا إلى الميكانيكا. فهل ستكون أوروبا استثناء؟ بالطبع لا. أما كيف؟ فلا ندري.

تبيان: كيف تقرؤون مستقبل الرأسمالية في خضم الأحداث الكبرى التي يشهدها العالم.

د. أكرم: الرأسمالية هي في المبدأ والمنتهى عملية تدوير لنمط الإنتاج الإقطاعي. ومبدؤها هو البحث عن الموارد والثروات ومراكمة رأس المال. لكنها اليوم تراكم الديون بشكل جنوني غير مسبوق وصلت إلى قرابة 260 تريليون دولار. بمعنى أن الذين استعبدوا أوروبا في العصور الوسطى هم أنفسهم الذين نقلوا العبودية لبقية أنحاء العالم تحت الحكم الجبري. فبقي الرأسمال بأيديهم زمن الإقطاع وزمن الرأسمالية.

في سبعينات القرن العشرين طرحت مسألة «حدود النمو». بمعنى إلى أي حد ينفع أن يبقى مبدأ الرأسمالية قائمًا على مراكمة النمو والإنتاج بلا حدود؟ ومن هو الرابح والخاسر من هكذا مبدأ سيأتي على الأخضر واليابس ابتداء من البيئة والمناخ وانتهاء بكل الكائنات الحية؟

هذه هي مشكلة الرأسمالية كنمط حياة لا يؤمن إلا بقيم الكسب والمراكمة وفق مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة». لكن باعتبارها أطروحة بشرية لا تحدها حدود ولا قيود ولا أية روادع أخلاقية أو عقدية فقد انتهت إلى التوحش والديون والخراب البيئي والمناخي وتكدس الثروات بيد قلة لا تتجاوز الــ 100 شخص من أصل 8.1 مليار إنسان، فضلًا عن الإفقار وانقراض لملايين الكائنات الحية وظهور للأوبئة الفتاكة.

مثل هذه الأيديولوجيا من المستحيل أن تستمر في سياسة الناس أو المناخ أو حتى سياسة نفسها إلا بقدر محدود، ثم تنتهي قطعًا بعد أن يتم استهلاكها عقليًا وموضوعيًا وأخلاقيًا. والطريف أن انهيارها في العصر الرقمي يعني استنزافها بالكامل وهي في أوج عطائها العلمي. لذا فستكون عاجزة قطعًا عن تقديم أية فلسفة مرجعية بديلة لاستنساخ أو تجديد نفسها. فحالها أشبه ما يكون بحال الفرعون الذي سقط وهو في أوج ادعائه الربوبية، وسبحان الله! 

تبيان: إذا كان فيروس كورونا قد شغل الغرب بحاله، فكيف يمكن أن نستغل الفرصة حضاريا لنصلح حالنا؟

د. أكرم: النظام الدولي تآكل حتى أنه لم يتبق منه أكثر من الهياكل. والآن نلحظ انعطافات كبرى وليس مجرد تغيرات فحسب. وهذا يعني أن الهوامش آخذة في الاتساع، والنفاذ منها بات ممكنًا إذا أحسن العالم الإسلامي استغلالها. وفي مثل هذه الظروف من التدافع، فإنه وكما قلنا ليس ثمة شروطًا للتدافع طالما أن الخطاب موجه لكل الناس. إذن؛ فليتدافع المسلمون فيما بينهم ومع أعدائهم على قواعد شرعية تأخذ بعين الاعتبار فقه الواقع بلا شطط أو تهور أو تشنج أو أيديولوجيات أو أحكام وأفهام مسبقة، وفي المقابل فلننظر لتدافع غير المسلمين فيما بينهم وندرك ما يجري كما تجري الوقائع في الواقع بلا أوهام أو أحكام في التوصيف.

 إذ ثمة مشكلة في العالم الإسلامي لدى بعض القوى والناشطين والجماعات والتيارات ممن يحرصون على حصر الأمة وقواها الفاعلة بقوالب معينة حتى في التوصيف! وإلا فما تقوم به إما باطل أو منكر أو منبوذ أو مصنف ببساطة ضمن هذا التيار أو تلك الأيديولوجيا. هذا منهج سقيم لا يقدم ولا يؤخر في مسارات الفهم ومناهج الوعي والإدراك والمراكمة المعرفية. فالوقائع ينبغي أن يتم قراءتها كما هي واقعة في سياقاتها، ودون ذلك فهو عين الأيديولوجيا.

فنحن مطالبون بكشف الحقائق ومراكمة الوعي والعمل بموجبها وليس توهم الوقائع والحقائق لتتواءم مع مرجعيات وقوالب جاهزة تسمح بالحكم عليها مسبقًا حتى لو بدت للوهلة الأولى جلية وواضحة.

تبيان: ما هي النصائح الهامة التي يوجهها د. أكرم لجمهورنا ويدعوهم للحرص عليها؟

د. أكرم: الثبات على الحق وعدم الخشية من الباطل أو الانبهار به. فلا يوجد أعقل من المسلم ولا أتقى منه. فلا يكذبن أحد أو يكابر أو يمل من المواجهة والانتصار لله ولرسوله ولسائر المؤمنين. كل الذباب الإلكتروني والمرتزقة والمأجورين والمتفيهقين والمنافقين والزنادقة والعملاء والخونة وضعاف النفوس والمسترزقين والجبناء والمطبلين والمحرفين لا يزيدون ولا ينقصون من عقيدة الأمة ووزنها شيئًا.

كل ما في الأمر أنهم كالطفيليات التي طفت على السطح بفعل الدفء، وتصدروا وسائل إعلام أولياء أمورهم. وفي الحقيقة هم أجهل الناس علمًا ومعرفة وعقيدة حتى لو حملوا كل الشهادات وتلقوا كل الجوائز المزيفة التي لا تغني ولا تسمن من جوع. فالتمايز هو من فضحهم رغم أنوفهم.

والأرض كما قلنا كلها تنعطف، ومن الغباء والحماقة السقوط في لحظة أفول الظلم أو ارتقاء الحقيقة وبيانها ساطعة. وفي السياق لا يصح الركون إلى الأماني والتعلق بأمنية رؤية النصر. فلو كان الأمر كذلك لما قضى الصحابة الأولون في الغزوات الأولى ومن ثم الفتوحات في شتى أصقاع الأرض. أما مبدأ العمل فليكن قول الله عز وجل: وقل اعملوا.

تبيان: هل للدكتور أكرم أمنية يرجو أن تتحقق؟ وما هي؟

د. أكرم:

 فقط أن يستعملني وسائر المؤمنين، ويثبتني وإياهم على الحق ولا يستبدلنا، وأن يرضى عني وعنهم.

تبيان: نشكرك جزيل الشكر على هذا اللقاء المبارك ونسأل الله أن يكتب أجرك وينفع بك أمة الإسلام.

3182

الكاتب

فريق العمل

تبيان هو موقع يهدف إلى نشر الوعي الفكري الصحيح المستمد من مبادئ الإسلام السامية بين عامة الناس ومثقفيهم عن طريق نشر المقالات والتحليلات والمواضيع التي تهم الشباب المسلم.

التعليقات

  • mounir منذ 4 أسابيع

    الشكر الجزيل لفريق العمل القائم على هذا الموقع على ما يبدله من مجهودات لنشر الوعي في صفوف المسلمين ، ادعو الله ان يبارك فيكم و يستعملكم لما فيه خير للامة الإسلامية و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    رد
  • محمد فاضل منذ 4 أسابيع

    Merci beaucoup

    رد
  • احمد بدر منذ 4 أسابيع

    جزاك الله كل خير يا دكتور اكرم حجازى على علمك وسدد خطاك وانا من متابعيك من مصر .

    رد
  • فتحي فتحي منذ 4 أسابيع

    بارك الله فيكم وفي علمكم وعملكم

    رد
  • Halil منذ 4 أسابيع

    الله يجزيك الخير يا دكتور اكرم حجازي
    وأرجوا ان يعود لنا من خلال وسائل التواصل المرئية
    لتفكيك جمود الملابسات التي يطرحها دول الثورات المضادة في نفوس الأمة وتعريف الامة بعقيدتها وانها ليست ايدوليجية

    رد
  • عمار عيمن منذ 4 أسابيع

    بارك الله في القائمين على موقع تبيان العامر، وبارك في جهودهم وجزاهم عن أمة الإسلام خير الجزاء
    ورضي الله عن الدكتور أكرم حجازي وأنار دربه ونفع به ورفع قدره في الدارين، كان حوارا شيقا ومثمرا .
    نأمل أن تستمر هذه السنة الحميدة.. فقد فتحت شهيتنا للمزيد.

    رد
  • خالد منذ 4 أسابيع

    جزاكم الله عنا وعن المسلمين كل خير ‘ بوركتم

    رد
  • أبو عبدالله منذ 3 أسابيع

    اكرم حجازي تخريف في تخريف. وإليكم بعض الأدلة على ذلك:

    الرجل أصبح من أتباع أردوغان يبرر خياناته وركونه للكفار بنفس تبريرات أتباع بن سلمان وبن زايد والسيسي. وكأن مصر والسعودية وغيرهما من بلدان المسلمين غير مستهدفة. تركيا/أردوغان تدَخل في سوريا بإيعاز من أمريكا ولتحقيق أهداف أمريكا، وقد فعل. ونفس الشيء يفعل الآن في ليبيا. فمن سوَّق خيانات أردوغان بتلك التبريرات الساذجة السطحية التي لا يقبلها الشرع، عليه أيضا تسويق خيانات كل باقي دويلات سايكس بيكو بنفس التبريرات. فكل حكام المسلمين مضطرين مغلوب على أمرهم!!
    لماذا الكيل بمكيالين؟ أهناك مقياس شرعي خاص بتركيا/أردوغان، ومقياس شرعي آخر خاص بمصر والسعودية والإمارات وباقي دويلات سايكس بيكو؟

    ثم قال المخرف عن طالبان “حركة ذات أصول منهجية حنفية تجيد المكر السياسي بالمقارنة مع المذاهب الأخرى.”. من أين أتى بهذه التخريفة: “المذهب الحنفي يجيد المكر السياسي”؟؟؟ …. طالبان لا يقلون غباء سياسيا عن باقي الجماعات الاسلامية. ثم إن الاتفاق مع أمريكا، لمن قرأه، هو استسلام طالبان لشروط أمريكا، فيكفي فقط أن أمريكا اشترطت على طالبان الدخول في مفاوضات مع حكومة كابول الأمريكية، وأن يكون الحل حلا سياسيا مشتركا بين كل الأطراف، وهذا يعني أن أمريكا هي التي تحدد مصير أفغانستان وتضع شروط الدولة تأسيس الدولة الجديدة، وأمريكا رددت في الاتفاق عند كل عبار (إمارة طالبان) أنها لا تعترف بها! اقرأوا الاتفاق. … وطالبان وافقت على ذلك، فهذا استسلام لإرادة أمريكا، وغباء وتنازل عن الاسلام وليس مكرا.
    لماذا تسمون دائما التنزازلات والاستسلام بغير أسمائها؟ هذا البند في الاتفاق الأمريكي الطالباني (شرط إشراك حكومة كابول الأمريكية في الحل السياسي)، لوحده يكفي لمن له عقل، ليدرك أن أمريكا هي التي ستحدد من سيكحم أفغانستان وتحدد نظام الحكم. ناهيك عن بنود أخرى كارثية في الاتفاق.
    فالاتفاق بين طالبان وأمريكا ليس لحفظ ماء وجه أمريكا، بل هو انتصار وهيمنة لأمريكا، وصغار واستسلام طالبان. فما هذه القراءات المعوجة للأحداث؟ كالذين وصفوا اتفاق اسلو الذي اعترف فيه عرفات وجماعته باسرائيل وقبلوا أن يتحولوا لشرطة حماية لها، وصفوه بأنه اتفاق الشجعان. فكلماتكم الرنانة التي تزينون بها اتفاقات الذل والاستسلام لن تغير شيئا من الحقيقة، فالذل والانهزام والعار الذي يلحق بمن تنازل وخان لن تستطيع التوصيفات الوهمية الكاذية السطحية تغطيته.

    ثم أقحم المخرف باكستان وكشمير والهند، واستخلص من هواه أن “ضم الهند لمنطقة كشمير وصعود المد الهندوسي والخشية من تغيير ديمغرافي أو صراع مسلح يجعل من باكستان بالغة الحذر تجاه الاتفاق كون أفغانستان هي العمق الاستراتيجي في مواجهة الهند، وهذا ما يعزز من موقف طالبان في أي مفاوضات محتملة مع الحكومة.”. …. من لازال من المسلمين يعول على أي نظام من أنظمة سايكس بيكو، فهو لا يفهم في الشرع شيئا ولا في السياسة، وفاقد لعقله. باكستان ستبيع كاشمير وأفغانستان وطابان وكل شيء. هؤلاء الحكام الخونة باعوا الدين، فما هو دون الدين أهون بكثير عليهم. ألا ترون أن حكام السعودية باعوا حتى أقدس أرض اصطفاه الله لبعثة نبيه ولتكون قبلة للعالمين؟

    أكرم حجازي فقد مصداقيته، وسقط سقطة مدوية منذ افتتانه هو أيضا بأردوغان، إنها الفتنة التي لا يأمن منها حي. فهل بقي من لم يفتن من المسلمين بتركيا/أردوغان؟ أليس للمسلمين إلا خيارين: إما مطبلا لتركيا/قطر أو مطبلا للسعودية/مصر/الإمارات؟ أليس هناك خيار العروة الوثقى، والتبرؤ من كل حكام دويلات سايكس بيكو وعلى رأسهم أردوغان، التبرؤ من كل من لا يحكم بما أنزل الله ويوالي دول الكفر (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) .

    رد
  • صالح منذ 3 أسابيع

    مؤلم تعليق أبا عبد الله ففضلا عن كشفه عوار فقره في القراءات السياسية الاقليمية والدولية وحتى المحلية فهو يشتاط قولا ويُشَرِقُ ويُغُرب وأنا أدعوه من على هذه المنصة الى متابعة ما يكتب في مؤسسات البحث الاسرائيلية والامريكية وكلها اليوم لها منصات ومواقع الكترونية ، والعجيب في مقالات الاخ ابو عبد الله انه لم يستوعب علاقة الحاضر او قل الراهن السياسي بالماضي القريب والبعيد ولم يفكك طبعا هذه العلاقة بسياقات السياسات-وليس السياسة- وفهمها في اطار مراحل ما بعد الاستعمار ، مراحل تجديده عبر بوابات ثالوث جديد يقف في مقدمته فتية من الرياض والامارات.. ابو عبد الله مدعو لقراءة علاقات محمد بن سلمان-مثلا- مع بعض القيادات اليهودية الامريكية أمثال مارك سوغربرغ صاحب منصة فيسبوك ولفهم أعمق عن دور يهود الدياسبورا الوظيفي في بقاء وتعزيز قوة إسرائيل وانا ادعو احي ابا عبد الله لقراءة كتاب ” من التائه” لجلعاد عتسيون لبيان ما أقول لمتابعة ما يكتب عن تركيا في مراكز البحث الاوروبية والامريكية والاسرائيلية وعن المنطقة.
    عموما كنت اتمنى عليه الأدب في القول والتلفظ وإن اختلف مع الرجل في الرأي والموقف، باعتبار ان الاختلاف مطلوب ومؤسس لنشوء حضاري يخلصنا من الاستبداد والردة العربية الراهنة ..

    رد
  • د. ليلى حمدان منذ 3 أسابيع

    حياكم الله جميعا.
    استوقفني تعليق أبو عبد الله، ومن يتأمله سيلاحظ أن التعليق لا علاقة له بمضمون اللقاء ولا بما طرحه الدكتور أكرم من تحليلات، بل يعكس تحاملا وسوء قراءة واستيعاب لطرح الدكتور، فلم يلمع الدكتور أكرم أردوغان ولا تركيا إنما وصف واقع صراع تعيشه تركيا بعيدا عن أي أحكام أو تصنيفات، وفرق كبير بين إنزال حكم شرعي وتوصيف واقع معين في صراع كحقيقة لا يمكن الجدال حولها لوجود أدلة عليها وبراهين، لكن التعليقات العاطفية والردود التي لا تستند لحقائق ومعالم للحق غالبا ما تشطح بعيدا عن النقد البناء وتدخل في الشخصنة وتحقير الشخص من قبيل استعمال كلمات (المخرف) وفي الواقع هذه الكلمات لا تسقط الحق الذي يعرضه الدكتور أكرم إنما تسقط رد صاحبها لأنه جمع بين ضعف الاستيعاب لطرح الدكتور وقلة الأدب معه. اللقاء لا يخرج عن إطار تحليل الواقع وقراءة مكونات الصراع فلا يوظف بعيدا في خصومات لا تنفع بل تضر. وأنصح بشدة أبو عبد الله الاطلاع على كتابات الدكتور أكرم ومعرفته عن قرب وتبيّن أصوله التي يبني عليها قراءاته وخلاصاته واستيعاب أطروحاته بعيدا عن التحامل والعصبية، ليصفو له المشهد ويحسن الحكم بعدل تحدوه آية (ولا يجرمنكم).

    رد
  • خالد محمد منذ أسبوعين

    بارك الله فيكم و باستاذنا أكرم الحجازي … تقريبا شاهدت جميع مقابلاته على يوتوب بس لم أجد أي تحليل على واقع الحرب الأهلية العالمية التي بدأت في الصومال من سنة 1987 الي الان وواقع تمركز قوات الأمريكية و الناتو،الإثيوبية و الأفريقية في الصومال وايضاف تمركز الأتراك في الصومال … وعمل قوي أجنبية على تدمير الصومال و اغتيال المفكرين والشخصيات المفكرة في المجتمع الصومالي …. و دور تنظيم القاعدة و تنظيم الدولة في هذه الحروب في أفريقيا … مع العلم انه كثير من التنظيمات الجهادية مخترقة من قبل أجهزة الأمن الاستخباراتية و تعمل بعض أجنحتها بخطط تخريبية أكثر منها على العمل بفائدة المسلمين … و دور التخريبي للنظام السعودي والإماراتي في الصومال بداية من تمويل الإرهاب والحروب ضد الشعب و الحصار الاقتصادي المفروض على الاقتصاد الصومال من فتره تسعينيات ووقف استيراد المواشي الصومالية بحجة المرض والاستعانة عنها بالمواشي الأسترالية.
    شكرا جزيلا على المقالة القيمة

    رد
  • أبو عبد الله منذ أسبوعين

    الدكتورة ليلى حمدان التي يبدو من كتاباتها أن مرجعيتها الإسلام، فجأة تسقط في اختبار تطبيق ما تُنَظِّر له في كتاباتها. فلَمَّا يتم محاكمة أردوغان والأعمال والمواقف السياسية للدول والجماعات والحكام، للإسلام، تأتي فجأة نفس الأسطوانة التي يستعملها العلمانيون، وهو أن ذلك كلام عاطفي وغير واقعي. يعني شريعة الله كلام عاطفي لا مجال لها في الواقع. فالواقع السائد هو الذي يجب التحاكم إليه، وليس رده الى الشرع وإصدر حكم على فساده أو صلاحه حسب منظور الشرع.
    فهل الله لما ذكر قصص الأمم السابقة وحُكَّامِها، وقف عند وصف واقعهم كما هو، أم أصدر حكما شرعيا على واقعهم وحذر من اتباع خُطاهم؟

    المسلمون عاشوا عقودا من الزمن يزين لهم أصحابُ القلم واللسان (سميهم مشايخ أو منظرين أو مثقفين) حكاما مثل جمال عبد الناصر، فجعلوه في أعين الناس مقدسا، أمل الأمة الذي سيحقق لها التحرر والعزة. وقالت تلك الأقلام والألسن أن الغرب والشرق تآمر على جمال عبد الناصر (مع أن عبد الناصر كان يشتم أمريكا بالنهار، ويلتقي بالمخابرات الأمريكية بالليل ليأخذ التعليمات). وتحدثت تلك الأقلام عن معارك عبد الناصر البطولية للتحرر من هيمنة الغرب، والتقدم الصناعي والاجتماعي الذي حققه عبد الناصر. وشيء مشابه قالوه الى حد ما عن صدام. واليوم تخرج أقلام وألسن لتصنع صنما وبطلا جديدا للمسلمين، يسمى أردوغان. ما أشبه البارحة باليوم.

    إذا كنت يا دكتورة تؤمني بالإسلام الذي تنظري له، وتؤمني بما سطرتِ في “صفحات من دفتر الالتزام”، فطبقيه عمليا على النوازل والرجال والدول. أما أن تُنَظِّري لشيء، ثم عند النازلة تتحاكمي للواقع المفروض من قبل الكفار وتعتبري الحكم الشرعي على ذلك الواقع وعلى مُسطِّريه بأنه كلام عاطفي، فهذا (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون).
    فهل نحكم على الحكام، ومنهم أردوغان وغير أردوغان، بما حققوه من تقدم مادي، أم بإقامتهم للشريعة وموالاتهم للمسلمين وتبرؤهم من الكفار؟ وإذا قلتِ كما يقول الإخوان وأكرم حجازي، أن أردوغان مغلوب على أمره، وإقامة دولة الإسلام تكون بالتدرج، ويجب المداهنة والمكر للوصول للغرض الخ، فهل عندك أدلة من القرآن والسّنة على ذلك؟ هل قام الرسول بمثل ذلك؟ هل أباح الله دخول منظومة حكم كفرية وموالاة الكفار والانضمام الى أحلافهم العسكرية المحاربة للمسلمين والتعاون معهم في محاربة الاسلام، بذريعة التدريج والمداهنة والاستضعاف؟ هذا هو البحث والنقاش الجدي الذي يجب أن يُطرح، وهذا هو الكلام الذي كان يجب أن يُستوقف عنده أكرم حجازي لما قال ما قال عن تركيا. أما ذكر الطرقات والمباني والصناعات التي أنجزتها تركيا، والوقوف عندها وجعلها دليلا على “حُسن” أردوغان، فهذا طرح علماني محض، وطرح سطحي، لا علاقة له بالاسلام. لا قيمة لأي تقدم مادي إذا لم يكن مبنيا على عقيدة الاسلام وشريعته، فالتقدم المادي يحققه الكافر والمسلم على السواء، وليس دليلا على الباطل والحق، وإلا لكان أول ما سعى له الأنبياء هو تحقيق غنى ونفوذ مادي، ثم بعدها يدعون الناس للإسلام.

    أما أكرم حجازي الذي تدافعي عنه، فأولا هو ليس معصوما وكلٌّ يؤخذ منه ويُرد عليه. ثانيا، العرب يسمون الكلام الذي لا يوافق الحقية بأنه تخريف وصاحبه مخرف، مجرد توصيف لواقع وحالة وليست سبا. ثالثا، أكرم حجازي لم يُزَيِّن أردوغان ويبرر سياسات تركيا في هذا الحوار هنا فحسب، بل سبق أن فعل ذلك في حواراته على قناة التناصح الليبية، وفعل ذلك في عديد من تغريداته، وجاء بتبريرات غريبة لم يسبقه إليها أحد، أنصحك بمراجعتها. فلا قيمة لما كان يُنَظِّر له من قبل، إذا جاء عند أحد نوازل العصر المهمة والخطيرة وضلل الناس فيها، وطرحها طرحا علمانيا. وليس أكرم حجازي لوحده من سقط في فتنة أردوغان ويضلل الناس فيه، بل سبقه لذلك خلق كثير.

    فقلة الأدب يا دكتورة هو أن يستخف شخص بعقول الناس ويسوق تحليلات ضالة مضلة (سواء بخصوص طالبان أو تركيا)، ويساهم في فتنة المسلمين بأردوغان بدلا من التحذير منه ومن سياسات تركيا وتبيان حكم الشرع فيها. فنحن بحاجة لطرح عميق، وليس طرح صحفي سطحي. فلن نسمح بعبد الناصر جديد، تُخَدَّر به مرة أخرى أجيال جديدة لعقود.
    وأحيلك الى “احذر الفتن” من “صفحات من دفتر الالتزام” الذي أصدرتِهِ.

    فأتمنى من موقع تبيان أن يطرح نقاشا شرعيا، عن طريق مقالات أو مقابلات، لبحث الموقف الشرعي من سياسات تركيا وأردوغان، هذا هو الطرح الذي ينير الطريق للمسلمين ويساهم في النجاة من الفتن لمن أراد.

    رد
  • د. ليلى حمدان منذ أسبوعين

    حياكم الله، مرة أخرى يرجع أبو عبد الله للشخصنة وتحويل الحوار إلى ذات المحاور بدل استيعاب فكرته، وهذه من أسوأ وسائل الهروب من فحوى النقاش. أرجو أن تترك الشخصنة بعيدا وناقش ما طرحته في مشاركتي بإنصاف. فللأسف المجهود الذي بذلته في خط ردك كان من الممكن أن توفره بحسن القراءة وكما يقال فهم السؤال نصف الجواب، أكرر هذه المقابلة ليست لإنزال أحكام شرعية على تركيا وأردوغان فهذه أمور فاصلنا فيها كثيرا وبوضوح في كتابات سابقة إن كنت تتابع، إنما هي مقالة تحليلية للواقع، ترصد المعطيات التي تجري وتقرأ وفقها الخطط والتوازنات فلا تخرج من باب التحليل. فأرجو أن لا تأخذ أكثر من هذا الحيز من النقد، لأنه نقد خارج إطار اللقاء أساسا. ثم إن إلقاء الأحكام على الناس ومعتقداتهم لا يستقيم من خلال تحليل للأخبار، بينما تترك ميراثا ثقيلا رسخت فيه الأصول بدوت مجاملات. جزاكم الله خيرا.

    رد
  • أبو عبد الله منذ أسبوعين

    د. ليلى حمدان، أنا يمكنني أن آخذ نفس “التحليل الواقعي” لأكرم حجازي عن تركيا، وأضع بدل تركيا مصر أو السعودية مثلا، ثم أرى كيف كان سيكون ردك. فالذي تسميه تحليلا، فهو متعلق بنظرة المحلل وميوله والمقياس الذي يقيس عليه الأمور. فيبدو أنك لم تستوعبي تعليقاتي ولا سياق كلام أكرم حجازي، ناهيك عن إدراك مغالطاته الفادحة. أنا لخَّصْت في تعليقي السابقين عُصارة ما يجب استخلاصه من الحوار، دون أن أتطرق لتفاصيل ما ذكر حجازي والتي لا فائدة منها. لكن سأحاول ما أمكن تبسيط بعض الأمور لعل المسألة تتضح لك، اللهم إلا إذا كنت متعصبة لأكرم حجازي ولتركيا، فساعتاها لا جدوى من النقاش.

    أولا غالب ما ذكره حجازي، هو من محض خياله لا علاقة له بالواقع (لذلك تخريف)، وخذي بعض الأمثلة على ذلك:

    1. مثلا جواب حجازي عن السؤال: (هل تعتبر الثورة السورية انتهت تمامًا؟)، كان جوابا إنشائيا (“عاطفيا” كما تقولين)، لا علاقة له بالواقع. أولا ليست هناك “حاضرة للإسلام” في أي بلد من البلدان الإسلامية منذ دخول جيوش الغرب للعالم الإسلامي وقضائه على الخلافة. فحتى لا يكون الكلام إنشائيا مُرسلا، يجب أولا تحديد على أي أساس نقيس أن بلدًا ما يشكل “حاضرة للإسلام”؟ فمقياس الحاضرة هو التمكين للإسلام في البلد وإقامته في الحكم والسياسة والمعاملات، وهذا لا يوجد في أي بلد. “حواضر الإسلام” كانت موجودة إبان الغزو الصليبي والمغولي، حيث لم تكن قط كل البلاد الإسلامية تحت نفوذ الكفار أو عملائهم، بل إذا سقطت الشام أو العراق أو غيرها، كانت منعة للإسلام وأهله في مصر أو اليمن، أو المغرب الخ، والعكس صحيح. وكانت للمسلمين كرات تنطلق من أحد تلك الحواضر لاسترجاع باقي البلدان وطرد المغول والصليبيين. أما بيت المقدس والحرمين فهما لهما قيمة معنوية فحسب، وليست أيهما حاضرة للإسلام، ناهيك عن الشام.
    2. ثم عن أي ثقل عقدي للشام يتحدث حجازي؟ نحن رأينا كيف أن كل الفصائل في ثورة الشام، مجرد مرتزقة بيد تركيا أو السعودية أو قطر أو الأردن، أو بيد الغرب مباشرة. أين العقيدة الصحيحة، ونحن نرى أن كل المفاوضات التي دخلوها بشروط وأهداف تخالف العقيدة والشرع، وتمكن السيادة للأعداء. فليس لأي بلد ثقل عقدي دائم، ولا لمجرد أن للبلد تاريخا أو ذُكر في أحاديث. الثقل العقدي يتحقق بقدر ما يصح فَهْم أهل البلد للإسلام ويَصْدُقون في إقامته وحمله رسالة للناس. فكلما تخلوا عن الإسلام، وحُكموا بغيره، وكانت السلطة فيه للفساق والفجار والظلمة، تلاشى الثقل العقدي للبلد واندثر، حتى لا يبقى منه شيئا. ثم يعود الثقل العقدي إذا عاد أهل البلد للإسلام وفهموه وأقاموه وتحقق بهم المنعة والقوة. فالثقل العقدي ليس شعارا أو تمنيا أو تنظيرا، ولكنه قوة على أرض الواقع.
    3. قال حجازي أن التدخل التركي عبر عملية «نبع السلام» لم يكن إلا اعتراضًا للمشروع الإيراني خشية وصوله سكانيًا إلى الحدود التركية. وهذا كلام لا أصل له، فالهجوم التركي على شمال شرق سوريا في أكتوبر 2019م، تحت اسم عملية نبع السلام، قامت بها القوات التركية وفصائل “الثورة” الممولة والمسلحة تُرْكِيًّا ضد المناطق الخاضعة لنفوذ قوات سوريا الديمقراطية، وليست ضد مناطق سيطرة إيران ولا الفصائل الشيعية المختلفة. فلما انسحبت أمريكا من تلك المناطق، ظنت تركيا أن لها الضوء الأخضر من أمريكا للحل محلها هناك، وإبعاد القوات الكردية عن حدودها. فالمشكلة السطحية لدى تركيا (وهي من مخلفات سايكس بيكو) وهَوَسها هم الأكراد، لا تريد أن يكون لهم نفوذا مستقلا لا في تركيا ولا في محيطها الخارجي القريب. ولو كان الحوار مع حجازي في العمق، لوجب التوقف عند المسألة الكردية ومناقشتها: هل فعلا قضية الدولة الكردية هي القضية الحيوية التي يجب أن تبنى عليها السياسة الخارجية التركية؟
    ثم إن تركيا متحالفة مع إيران وتنسق معها لوأد ثورة الشام وتسخيرها لتنفيذ أهداف أمريكا المتمثلة في التغيير الديمغرافي (الشعبي) للمنطقة، وضغطت تركيا على فصائل الثورة للاستسلام وتسليم مناطقهم لإيران وروسيا. فليس هناك عداء بين تركيا وإيران.

    يتبع

    رد
  • أبو عبدالله منذ أسبوعين

    4. ثم الطامة الكبرى فيما قاله أكرم حجازي عن تركيا، أقتبس على سبيل المثال لا الحصر: [فبقطع النظر عن أي اعتبارات أخرى لا بد من الإقرار أن تركيا -لأكثر من سبب- مستهدفة حتى النخاع. لهذا فهي في حالة دفاع عن الذات، لاسيما أنها تقع على حافة القارات. وهذا يعني أن عليها أن تواجه الأعداء من كل الاتجاهات. فلا أظن أن تركيا، في إطار الصراع الدولي المحتدم على كل صعيد، تفكر اليوم بمنطق الجماعات والثورات وحتى الحقوق أو البحث عن الحلفاء أو الأصدقاء بقدر ما تفكر في الأعداء الذين يحيطون بها من كل جانب، وبالتالي عليها أن تدافع عن نفسها ومصالحها ومستقبلها وإلا سيتم سحقها.] (ا.هـ). فهذا الكلام يا سيدتي، باطل رخيص سخيف. هذا الكلام هو نفس الأسطوانة التي تتبناها غالبية أنظمة وحكام دويلات سايكس بيكو، فهو مثلا عين الكلام الذي يتبناه نظام الأسد في سوريا وتروج له الأقلام والأفواه التابعة له والمتعاطفة معه، فالنظام السوري ومعه إيران وحزب الله هم محور الممانعة الوحيد في العالم الإسلامي الذي يتآمر عليه العالم كله بما فيها الأنظمة العربية وتركيا، المحور الذي يحارب العالم على كل الجبهات، ليست الجغرافية، بل الاقتصادية والمالية أيضا، وليس قانون “قيصر” الأخير إلا نموذجا من تلك الحروب. وإيران وسوريا هما فعلا الدولتين الوحيدتين في العالم الإسلامي اللتان لم تطبعا مع إسرائيل. فإذا اعتبرنا كلام أكرم حجازي عن تركيا “تحليلا للواقع” (واقع في خيال أكرم حجازي) وقبلنا به، فالأولى أن نعتبر نفس الكلام عن النظام السوري وإيران “تحليلا للواقع” ونصدقه. وكيف لا وسوريا، مقارنة بتركيا الآمنة والمحمية من قِبل الناتو والمطبعة للنخاع مع إسرائيل، استُهدفت فعلا وتم تخريبها كلية وغزتها كل دول العالم بما فيها تركيا نفسها، فتركيا ساهت بشكل كبير، وأكثر من أي دولة أخرى، في تأجيج الحرب في سوريا، وسارعت في وقت جد مبكر لدفع السوريين للنزوح إليها، وفي تحويل الانتفاضة الشعبية في سوريا الى صراع مسلح وذلك بتسليحها لمختلف الجماعات. وكيف لا وإيران، مقارنة بتركيا التي لا تخضع لأي حصار، لم تعترف بإسرائيل ولم تطبع معها وتعيش منذ عقود تحت حصار اقتصادي ومالي خانق تشارك كل دول العالم فيه.
    فكلام أكرم حجازي عن تركيا ليس جديدا، هو عينه الكلام الذي ساقه من قبل حجازي نفسه وغيره، كلما وُجه انتقاد شرعي لتركيا، وفُضح أمر خيانتها. ومن السطحية التعامل مع كلام أكرم حجازي دون ربطه بسياق الأحداث والتجاذبات الجارية في العالم الإسلامي، ودون ربطه بخلفية أكرم حجازي وتعاطفه مع أردوغان وتصريحاته السابقة التي تبرر لأردوغان وتركيا الحكم بغير ما أنزل الله وموالاة دول الكفر. فحجازي بدأ الكلام مثلا بـ ” فبقطع النظر عن أي اعتبارات أخرى”، أي اتركونا من اعتبارات الشريعة والولاء والبراء والمقاييس الإسلامية الخ، فتركيا مستهدفة من كل حدب وصوب، وكل العالم ضدها ومتآمر عليها، فليس الآن مجالا للحديث عن الإسلام، فالمسألة مسألة صراع للبقاء، فكل شيء جائز. فكل من يبرر موالاة حكام دويلات سايكس بيكو للغرب وعدم إقامتهم للإسلام، يقول إن كل دول العالم تستهدف أولئك الحكام المساكين، وأن الأنظمة المستضعفة تصارع على عدة جبهات.

    يتبع

    رد
  • أبو عبد الله منذ أسبوعين

    5. ثم يا سيدتي، وخلافا لادعاءات أكرم حجازي وأمثاله من أتباع أردوغان، فتركيا ليست عدوة لأمريكا ولا لروسيا ولا لإيران ولا لإسرائيل ولا لدول أوروبا، فتركيا عضو فعال في الناتو الصليبي، وحكام تركيا الحاليين يفتخرون بتعداد مساهماتهم في حروب أمريكا ضد عدة بلدان إسلامية. وتركيا حليف حميم لإسرائيل، وتركيا لها شراكة خاصة وواسعة مع الاتحاد الأوروبي، تلك الشراكة التي ساهمت بشكل كبير في التحولات السياسية والقانونية والاقتصادية والصناعية في تركيا التي يتغنى بها أردوغان، وساهمت في تحجيم تدخل الجيش التركي في السياسة. فللأسف هنا أيضا لم تعقب تبيان على كلام أكرم حجازي بأسئلة عميقة، فتسأله مثلا كيف يدعي محاربة العالم كله لتركيا، وهي حليفة لكل دول الغرب وناشطة في تنفيذ مخططاته.
    فتركيا ليست في صف من نهض من الأمة الإسلامية المستضعفة من أجل التحرر، بل تركيا في صف الحملة الصليبية الحديثة التي تقودها أمريكا ضد الإسلام والمسلمين ومنعا لتحرر المسلمين بإقامة خلافة، فالنظام التركي تحت أردوغان يحارب مثلا دعاة الخلافة في تركيا ويسجنهم. فتركيا ليست في مواجهة مع النظام العالمي، بل هي جزء منه وأداة له، هي شريك في الحروب الصليبية الحديثة ضد المسلمين، مثلها مثل كل باقي دويلات سايكس بيكو. أرني حربا صليبية حديثة واحدة ضد المسلمين لم تساهم فيها تركيا؟ أفغانستان، العراق، ليبيا، سوريا، الصومال، الخ. فمن السذاجة والسطحية، بل وتضليل وتزييف للحقائق، القول عن دولة أنها مُستهدفة وهي أداة لتنفيذ مخططات أمريكا في العالم الإسلامي. ثم أليست مصر والسعودية والسودان مُستهدفة؟ ألم يتم تقسيم السودان فعلا؟ أليس من حق حكامها خِدْمة الغرب والعمالة له حفاظا على ألا يُسقطهم الغرب ويقسم دويلاتهم؟ فـ”الاستهداف” الغربي لتركيا لا يختلف البتة عن “الاستهداف” الغربي لكل دويلات سايكس بيكو وشعوبها، فسبب الاستهداف ليس لأن تركيا تريد إقامة الشريعة والخلافة وقطع الولاء للغرب، لا أبدا، بل لأن الغرب لا ولن ينظر أبدا لدويلات سايكس بيكو إلا من منظور عقدي، من منظور أنها شعوبها مسلمة، مهما قدم حكامهم من ولاء للغرب وحتى لو كفروا وتبنوا العلمانية. رغم أن أردوغان تبنى العلمانية قلبا وقالبا وآمن بها ويروج لها في العالم الإسلامي، ويريد أردوغان من الغرب أن ينظر لتركيا كصديق وحليف علماني، إلا أن الغرب لا يريد قبول تركيا كعضو كامل الامتيازات ضمن النادي العلماني النصراني، فالمشكلة في الغرب الذي يعيش عقيدته وليس في تركيا التي باعت عقيدتها وتبنت عقيدة الغرب.
    6. أما بخصوص معاهدة لوزان، فأكرم حجازي لازال يروج للكذبة الكبيرة التي صنعها الإخوان ابتداء، والتي تقول أن تركيا مكبلة بمعاهدة لوزان، ومع انتهاء المعاهدة بعد مائة عام، أي سنة 2023م ستتحرر وتقيم الإسلام. لكن حجازي بعدما تم انتقاده من قبل بأن معاهدة لوزان ليست لها مدة زمنية محددة، اضطر للتراجع قليلا، فلم يصبح يتكلم عن مدة زمنية محددة للمعاهدة، لكن لازال يصر على أن معاهدة لوزان تتضمن قيودا طويلة المدى. وهذا تخريف أيضا. فهنا أيضا كان على موقع تبيان الذي حاور حجازي أن يطلب منه ذكر اللفظ الكامل للبنود التي يدعي أنها تقيد تركيا، وما هو وجه التقييد، وهل بإمكان تركيا قانونيا فسخ أي معاهدة أو بنود تبين لها لاحقا أنها لا تخدم مصالحها، كما تفعل كل دول العالم، فقد رأينا مثلا كيف فسخت أمريكا الاتفاق النووي مع إيران. وقد اطلعتُ شخصيا على معاهدة لوزان، فالمحور الأساسي لمعاهدة لوزان هو تحديد الحدود الجغرافية بين تركيا والدول المجاورة، لا غير. وأن كل اختلافات على الحدود ومنها المائية يجب إحالتها الى فرق ولجان تحكيم لتحل المشكلة. فمعاهدة لوزان ليست بتلك الأهمية، ومملة حتى للقراءة، وليست فيها أي قيود على تركيا إن أرادت فعلا التحرر داخليا من هيمنة الغرب والخروج من الناتو (الذي تأسس عقودا بعد معاهدة لوزان، ولا علاقة له بالمعاهدة)، وإن أرادت إقامة الإسلام، وإن أرادت تحقيق تقدم عسكري وصناعي “مستقل” عن الغرب وليس تابع له كما هو الحال اليوم. أما إن أردنا مثالا على المعاهدات المقيدة فعلا، فعلينا طرح معاهدة فارساي ضد ألمانيا بعد خسارتها الحرب العالمية الأولى، ومع ذلك لم تظل ألمانيا تتباكى مائة عام على معاهدة فارساي، بل أسقطتها في بضع سنين، وتحولت لأكبر قوة في العالم أنداك. ثم لدينا القيود الحقيقية التي فُرضت على ألمانيا واليابان بعد خسارتهم في الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك لم تتباكى ألمانيا ولا اليابان، واستطاعوا النهوض في وقت وجيز رغم تلك القيود. ثم لدينا مثال دولة الرسول في المدينة، فهي التي واجهت حصارا فعليا وواجهها العالم كله واستعداها، ومع ذلك أقام الرسول الإسلام كاملا ولم يتولى دول الكفر ولم يخضع لإملاءاتهم، واستطاعت دولة الاسلام النهوض والتوسع في وقت قياسي. لكننا نحن المسلمون اليوم نحب دائما لوم الغير على فشلنا وضعفنا وعلى عدم إقامتنا للإسلام، بدلا من رد السبب الى أنفسنا.

    لذلك يا سيدتي، ليس هناك “تحليل للواقع” دون ربطه بالعقيدة، وهذا كان محور تعليقي الأول الذي لم تستوعبيه للأسف، فاضطررت لهذا التفصيل (ولدي المزيد الكثير ). فالغرب نفسه ومعاهده الأكاديمية لا تحلل قط الأوضاع في العالم الإسلامي إلا من زاوية عقيدته الرأسمالية العلمانية المعادية للإسلام، فيحلل حتى مجرد رغبة المسلمين في التحاكم للشريعة في بلدانهم الإسلامية، بأنه إرهاب وتطرف. فكل من يقول من المسلمين أنه يقوم بـ”تحليل للواقع” فحسب دون ربطه بالشريعة والحلال والحرام، فهو إنما يريد التهرب من الإسلام وتبعاته، يريد التحاكم للواقع وللهوى. فليس هناك تحليل شرعي وتحليل واقعي. بل هو تحليل واحد إما من زاوية الإسلام أو من زاوية العلمانية.

    رد
  • د. ليلى حمدان منذ أسبوعين

    حياكم الله.
    بداية أشكر الأخ أبو عبد الله على سعة صدره وتركيزه الآن على مناقشة الأفكار في اللقاء بشكل مباشر.
    بداية علينا أن نقف على معالم للحق نستطيع من خلالها أن نقيّم المشهد. وما لاحظته أن الأخ أبو عبد الله لديه مشكلة في تعريف المصطلحات وفي تنزيلها على الواقع، لديه مشكلة في الربط العقدي بالتشخيص والواقع.
    لهذا أرجو أن يستوعب أبو عبد الله ما الفرق بين التحليل الذي يشخص واقعا بمعطياته الحقيقية وبين تحليل يفسر مستقبل هذا الصراع عقديا أو إنزال الأحكام الشرعية وهذه لا علاقة لها بالتحليل الواقعي الذي يضع صورة لموازين القوى في خارطة الصراع كما هي لا كما تتمنى النفوس أو تشتهي. فقد تكون قوة لا تروق لك وهي بالفعل قوية فلا ننكر هذه القوة بحكم أن هذه القوة كافرة مثلا. هذه مقاييس أعتقد من البديهيات وصدق من قال من المعضلات توضيح الواضحات.
    قلت: أنا يمكنني أن آخذ نفس “التحليل الواقعي” لأكرم حجازي عن تركيا، وأضع بدل تركيا مصر أو السعودية مثلا.
    وهذا دليل على عدم إدراكك معنى التحليل. فالتحاليل لا تقوم إلا وفق معطيات حقيقية، وليس خيالية، فحين نقول أن تركيا بالفعل قوية مقارنة مع السعودية فهذا كلام تثبته الأرقام والمعطيات في الواقع، فتركيا البلد الذي يصنع بنفسه أسلحته لا يمكن مقارنته مع من يشتريها دائما ويعتمد على الخارج في توفيرها، إذن هذا تحليل واقعي اعتمد على معطيات لا علاقة لها بالمعتقد، نحن نتحدث ونحلل مشهد توازنات للقوى.
    ومع ذلك أرى التناقض صارخا حين تطالب بعدم فصل العقيدة عن التحليل، لأنني أراك في حال سوريا تفصلها تماما وتحلل بمنطق لا يمنع من أن الثورة السورية لها مستقبل، فأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ثابتة وقد تكفل الله سبحانه بالشام، ولم أر نصا يشترط إقامة حاضرة الإسلام قبل التفكير في خير في الشام، بل يكفي أن تترسخ روح المقاومة والجهاد في الأجيال، هذه لوحدها تكفي لتغير المعادلة في ظرف سنوات معدودات، هناك رصيد من التضحيات لا يستهان به ولن تذهب سدى بوعد من الله حق، ومن يرى صمود إدلب إلى الآن يدرك أن هذا الصمود له أسباب كثيرة وإلا فما أسهل الانقضاض على إدلب كما تم ذلك مع مناطق أخرى سابقة. وكل هذا يحكمه مشيئة الله ثم تلك التوازنات في المنطقة التي من أغفلها لا يمكنه أن يستفيد من قواه.
    وتأمل معي هذه الأحاديث:
    عن أبي الدرداء رضي اللَّه عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أنا نائم إذ رأيتُ عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننتُ أنه مذهوب به، فأتبعته بصري، فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام» (أخرجه أحمد )
    وعن ابن حَوالة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيصير الأمرُ إلى أن تكونوا جُنوداً مُجَندَةً: جندٌ بالشام، وجندٌ باليمن، وجندٌ بالعراق» قال ابن حَوَالة: “خِرْ لي يا رسول الله! إن أدركتُ ذلك؟” فقال: «عليك بالشام؛ فإنها خيرةُ الله مِنْ أرضه، يَجْتَبِي إليها خِيرتَهُ منعباده. فأما إن أبيتم؛ فعليكم بيمنكم، واسقوا من غُدُركم؛ فإن الله توكللي بالشام وأهله» (أخرجه أحمد وأبو داود)
    فتأمل أن الله جعل الخير في هذه الأرض ووصف العصبة المؤمنة فيها بالأجناد، وأنت قرنته بشروط ما أنزل الله بها من سلطان، فتحليلك بعيد كل البعد عن العقيدة وأخشى أن تكون ممن يقول هلك الناس.
    ثم لا يشترط في اشتعال فتيل المقاومة أو الجهاد أن يكون هناك حاضرة للإسلام بشكل دولة فقد تنطلق بشكل حرب عصابات وتقلب الحسابات تماما، ومن يتأمل المشهد يدرك أن حرب العصابات هي حرب المستضعفين وهي فتاكة ومؤثرة وتقلب الموازين وتقيم دولا برمتها بعد تحريرها من الاحتلال ولنا في التاريخ الأمثلة الجمة، وهي لا تعتمد على حاضرة بالوصف الذي طرحته، إذن إلزاماتك غير ملزمة.
    قولك كل الفصائل في الشام مجرد مرتزقة بيد تركيا أو السعودية أو قطر أو الأردن، أو بيد الغرب مباشرة. إطلاق في غير محله وجور وعدم إنصاف، فلا يزال هناك الصادقون ولا يزال هناك من حمل هم هذه الأمة فلا تبخس تلك المهج حقها بعد طول رباط وتضحيات.
    فلم يدخل في المفاوضات كل فصائل الشام وهذا يدل على أمرين إما أنك تتجاهل المعطيات التي ليست في صالحك، أو أن نظرتك سوداوية فتطلق الإطلاقات غير المنضبطة.
    والثقل العقدي يتحقق بأفراد وطائفة وإن صغرت ليس بالضرورة بشعوب ودول. ولا أدري من أين أتيت بهذه القاعدة التي تلزمنا بها ولم أر لها دليلا في الكتاب ولا في السنة، بل على العكس في الحديث ما ينقضها، أو لم تقرأ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تزال طائفة من أُمّتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة) لم يقل شعوب ودول وما إلى ذلك. وأراك مع مطالبتك بربط التحليل بالعقيدة تتناسى هذه المعالم الصلبة للعقيدة في مشهد الواقع.
    اتفهم اعتراضك على تركيا كأيقونة لمشروع إسلامي، وأتفق معك لأنها دولة تسعى لطموحاتها القومية، لكن لا أتفق معك البتة في جعل تركيا مجرد صفر على الشمال في المشهد لأسباب أهمها أننا ندرك جيدا أن هناك توازنات في كل صراع، وأن تركيا تحفظ إدلب من السقوط لاعتبارات تخص أمنها القومي، وتحارب الأكراد لذات الدوافع، وتسايس وتحارب ووصلت إلى دول بعيدة عنها في خريطة العالم سواء بالاستثمارات والصفقات الاقتصادية أو بالقوات والمرتزقة كما يحصل في ليبيا، وإن أغقلت هذه المعطيات فستتعب كثيرا في استيعاب الواقع لأنك ستكون كالمدمنين على نظرية المؤامرة لا يقدرون على قراءة الواقع ولا ربط خيوطه ولا الإحاطة بتفاصيله ولا بحث الاستراتيجيات الناجعة من خلال ثغراته وأوصاله. فعندهم الأمر محسوم، تركيا عميلة لأمريكا ولا تملك سيادة ولا رأي وانتهى، وهذا يدل على ضعف المتابعة لساحات الصراع المختلفة والإلمام بحقيقتها.
    أما وأنك طرحت القضية الكردية فعليك أن تدرك أنها خطيرة على تركيا بالنظر لتركيبة الشعب التركي الذي شريحة واسعة فيه من الأكراد وأن إقامة دولة محاذية لتركيا يعني خسارة تركيا للكثير من المقومات التي تقوم عليها اليوم، بل وإبقاء تركيا على إدلب يرجع جزئيا لهذا الهدف وضع صخرة في طريق الأكراد، والمناورة مع الدول الكبرى بكرت هذه المنطقة، ولو كانت تركيا كما تقول حليفة إيران ومعها قلبا وقالبا، فلما لا تسلمها إدلب بكل سهولة ولماذا تدفع في سبيل الاستثمار فيها والبقاء والأموال. لأن تركيا تحسب حساب الشبح الصفوي الذي إن تمدد إلى غاية حدودها قد يكون له آثار مستقبلية مدمرة وهو لا يقل خطرا عن الأكراد بل ربما أشد كونه مدعوم بدولة قائمة. وإن لم تطلع على تاريخ العداء الصفوي مع الأتراك لا شك ستنكر هذه الحسابات والخطط. وأرى أن لديك مشكلة في فهم التحالفات، فهي تحالفات براغماتية مصلحية تتغير بتغير المصالح، ولا شك أن مصلحة تركيا أن تبقى الأطماع الصفوية بعيدا عن حدودها. وإن تعاونت مع إيران في يوم فهذه من السياسات التي تستعين بها تركيا لتحقيق مشاريعها وطموحاتها. ولا يعني هذا الحكم بالإباحة بل يعني توصيف الحال وتشخيص لا غير.
    ومن القواعد التي عليك أن لا تغفل عنها أن استهداف قوة حتى النخاع لا يعني أسلمتها! ولا يعني تزكيتها، ولا يعني أنها المشروع الواعد، فكوريا الشمالية مستهدفة، والصين مستهدفة، وروسيا مستهدفة من أمريكا، والكثير من الصراعات اليوم تدور في العالم بسبب اختلال موازين النظام الدولي وتراجع الأمريكان، لها تداعيات وتدافع، إن لم تدرك أن التدافع يحصل بين مكونات الشر بين بعضها البعض وبين مكونات الخير بين بعضها البعض فستبقى قراءتك للمشهد كقراءة أصحاب المؤامرة.
    ولو اطلعت على المعطيات التي بنى عليها د. أكرم هذه الخلاصة أعتقد أنك ستراجع حتما ازدراءك لهذا التحليل بشأن هذه الجزئية، عليك أن تعترف أن تركيا أتاتورك ليست نفسها تركيا أردوغان، فالأخير تفكيره يسير باتجاه الفكر الإخواني الجديد وهو جيل أحدث من بقية الأجيال الأخرى ومع أنه براغماتي بامتياز، إلا أن الغرب يخشاه لأن فيه رائحة الإسلام ويزيد من الرعب تاريخ مضى من بدايات الدولة العثمانية تراكمت بالأمجاد. واستحضر الآن قول جون بولتون في كتابه الجديد أن ترامب يرى أردوغان يحول البلاد من علمانية لإسلامية. فتخيل مع أن البلاد لم تصل لحقيقة الإسلام وجوهره ولا تزال منخرطة في حلف الناتو وقائمة الطامات التي سردتها إلا أن الغرب يرى في منح بعض الحريات للدين الإسلامي تحول للإسلام!
    لأن غاية الغرب هو محو هذا الدين عن بكرة أبيه وخاصة في دولة كتركيا بموقعها الاستراتيجي.
    ولا يعقل ألا تفكر تركيا بمصالحها بفكرها القومي، وكيف لا وقد أسست لنفسها مصانع للسلاح وأنتجت طائرات مسيرة ودخلت في كافة الصراعات المحورية في الساحات. لا تقل لي هذا يجري بأوامر أمريكية بل هذا يجري في ظل التوازنات في العالم الجديد.
    وفرق كبير بين أن يكون التوصيف لا يروق لرأيك في تركيا وأن يكون توصيفا شرعيا تقوم عليه أحكام، لهذا لا أزال أوضح لك أن حتى الكافر قد يكون قويا وقد يتعرض لمؤامرات وقد يحاط بالأطماع.
    وأرى أنك تخلط بين التحليل والتخمين، فالتحليل يعتمد على متابعة حثيثة وجمع للمعطيات، لا يعطي استنتاجات مباشرة من حديث النفس، لهذا كل ما تقدمه الآن لنقض هذا التحليل هو من قبيل النقد الهدام بدون بينة من الواقع إنما خلاصات العداء للإسلام الثابتة بدون محاولة لفهم تفاصيل هذه الخلاصات.
    وهذا التحليل ليس ليقول في النهاية من الأفضل ومن الذي يجب الانضمام لمشروعه، رويدك أخي، هذا التحليل لفهم كيف تجري الأمور حاليا على الأرض، وهو مقترن بالأسباب والمعطيات يتغير بتغيرها لكن أصله ثابت هناك صراع يجري.
    وأرجو أن تأتيني بدليل على أن د. أكرم، يبرر لتركيا الحكم بغير ما أنزل الله وموالاة دول الكفر. لأن من يقرأ للدكتور يدرك أنه لم يفعل.
    5. لا أدري عن سعة متابعتك لأخبار تركيا ولكن ليتك تنظر في الاحتكاكات والمناوشات مع فرنسا ومن التشنجات مع أمريكا ومن علاقاتها التي تصفو وتتعكر مع من سردت من أسماء دول وتحالفات، أخي الكريم، تركيا دولة تسعى لمجدها القومي وهي تبذل في ذلك كل ما يسخر في يديها من براغماتية وسياسات ومقومات قوة. وكون تركيا لا تطبق شريعة الإسلام فهذا لا يمنع من قول أنها تحمل مشروعا منفردا وتعمل عليه وتقاوم وتناور.
    واسمح لي أن أجيب على سؤالك: كيف يدعي محاربة العالم كله لتركيا، وهي حليفة لكل دول الغرب وناشطة في تنفيذ مخططاته.
    هذه هي البراغماتية يا أخي، وهذه هي سياسة الغاية تبرر الوسيلة فتركيا تتحرك وفق مفهوم قومي. والعالم يحاربها الآن لأنه لمح فيها هذا الطموح الذي اكتسب لمسة إسلامية تشاهدها في خطابات أردوغان وتصرفاته التي يتعمد الإعلام لإبرازها ولحجم المعارضين الإسلاميين الذين تحتضنهم تركيا، ولا تنكر أن تركيا تتعمد الظهور كحامية للإسلام، بغض النظر عن درجة مصداقيتها في ذلك فهذه رسالة يقرأها الغرب بطريقته ويبني وفقها الاستراتيجيات لقصقصة أجنحة الأتراك، فقراءتك للمشهد بإغفال كم الحقائق لن توصلك لنتائج دقيقة هذا حتمي.
    والنظام العالمي اليوم يعيش مواجهات محتدمة، فأتعجب كيف ترى تركيا لا تعيش هذا الصراع، بينما كبريات الدول اليوم تتناطح، على كفرها، فأمريكا تصارع التنين الصيني والقيصر الروسي، لا تقل لي ليس معقولا فجميعهم يعملون معا ويتحالفون معا، هذا صحيح في أمور لكن الله سبحانه وتعالى يقول (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى). ولا يغفل متابع عن حقيقة الحروب العالمية وكيف اندلعت وإلى ما وصلت.
    لهذا فإن خلاصتك الأخيرة بشأن تركيا غير ملزمة، فكونها شريك في النظام الدولي لا يعني بالضرورة عدم خوضها صراعا لأجل البقاء، فغريزة حب البقاء هي أصل قانون الغاب الذي يحكم العالم اليوم. وتراجع أمريكا تدريجيا سيترك مساحة فارغة كبيرة تلعب فيها قوى أكثر بكثير مما تعودت عليه شاشات الأخبار.
    والاستهداف الغربي لتركيا مختلف عنه للعرب لأسباب، أولها الموقع الاستراتيجي لتركيا بوابة أوروبا، والثاني أن تركيا تمتلك مقومات للقوة ليست كغيرها من الدول العربية المتخلفة في مقاييس القوى، ثم الأمر الثالث، أن تركيا إذا استقر فيها مشروع يعتني بالإسلام بغض النظر عن الحكم الشرعي فيه، فاعلم أنه أكبر تهديد على أوربا ومصالح الأمريكان والغرب عموما، لهذا فمنع هذا الأمر من التحقق مهمة المجتمع الدولي الذي يرى أن مجرد إظهار مشاعر التعاطف الإسلامي ينذر بالخطر من دولة عرف تاريخها تأسيس دولة إسلامية دام ملكها 6 قرون. هذه حسابات الغرب الاستباقية، ولا يعني تزكية تركيا بل تركيا ستفتح في آخر الزمان بعد الملحمة الكبرى بالتكبيرات فقط. فتأمل!
    أما الدويلات التي ولدت بعد اتفاقية سايكس بيكو فأرني قوتها وفعاليتها في المشهد؟! حقيقة لولا الدعم الأمريكي والبريطاني وأموال المسلمين لما رأيت حكومة واحدة قائمة.
    هي عالة وليست مستقلة منتجة كتركيا. ومرة أخرى هذا تحليل واقعي وليس تزكية وتطبيل.
    وتأمل جملتك ” إلا أن الغرب لا يريد قبول تركيا كعضو كامل الامتيازات ضمن النادي العلماني النصراني” إذن ها أنت تقر بنفسك أن هناك صراع وعداء لا علاقة له بالتطبيل لتركيا رغم كل ما قدمته تركيا من سياسات تقارب وتحالفات وخدمات.
    أما انتقادك لمعاهدة لوزان، فأعتقد هذا أمر يحكمه الزمن ولا يعني أن د. أكرم مصيب وأنت مخطئ، فلا أحب رسم نهايات في أمور لم أمتلك معطيات كاملة عنها، ومن يجزم بالغيب!
    وفي الواقع تركيا تعلن بوضوح أنها تريد الديمقراطية والعلمانية منهجا ووسيلة ولا يزال قبر أتاتورك يكرم بأكاليل الورود، لأن تركيا تريد الريادة في العالم بحكم اضطراب ميزان القوى تدفعها القومية ومستعينة بطاقات مشردة في العالم الإسلامي، لكن أنصارها من يرسم ذلك المشهد الوردي لمشروع قومي جعلوه خلافة إسلامية!
    لذلك يا أخي هناك “تحليل للواقع” وهو مرتبط بالعقيدة لكن مشكلتك في سوء القياس والربط بمعالم هذه العقيدة لفهم هذا الواقع، فلا يعني تصنيف قوة على أنها صاعدة هو أسلمتها أو تلميع مشروعها. بل نقرأ المشهد بكافة مكوناته كما هي على حقيقتها وبأحجامها لنحسن التعامل معها ولا نتفاجأ لاحقا بسذاجتنا.
    والخلاصة أن التحليل الواقعي ثابت بنص القرآن وهو لا يخالف الشرع، بل هو من صميم العقيدة وإن بدا غير ذلك، قال الله تعالى (الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ نصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5))
    فها هو القرآن يصف لنا مشهدا من الصراع بين كافرين، ويؤكد لنا أن المؤمنين سيفرحون بنصر كافر على كافر، وهذا يدخل في مصلحتهم لأن هناك خريطة صراع عالمي وهناك توازنات يدركها أهل الدين والبصيرة، ولا شك أن المسلمين كانوا معنيين بصراع الروم وفارس وكانوا يرقبونه ويدرسونه بتفاصيله لا ينظرون له من باب الأمر محسوم وكلهم أعداء للمسلمين ومتآمرين ووجب التحليل وفق العقيدة زعما، بل التحليل العقدي هو الذي يحسن دراسة الواقع ليحفظ هذه الأمة من كل ما يتربص بها من أخطار وتحديات وعقبات. وهو السبب في تمايز الاستراتيجيات العاملة لهذه الأمة على الأرض. وشتان بين من يعلم جيدا نقاط ضعف عدوه وقوتها وبين من لا يعرف شيئا سوى أنه عدو.
    وإن لم يقنعك هذا الدليل فلا أملك لك ولي إلا الدعاء بالتوفيق والهداية.
    والسلام عليكم.

    رد
  • أبو عبدالله منذ أسبوعين

    حياكم الله د. ليلى حمدان وشكرا على ردك الذي قرأته بإمعان.

    أظن أني بيَّنتُ فيما سبق بالأدلة وبما فيه الكفاية بعض المغالطات الفادحة لما ورد في الحوار مع أكرم حجازي (ولم أتطرق لكل المغالطات)، سواء إخفاقه في توصيف الواقع كما هو، أو في إنزال الأحكام والنصوص الشرعية، ناهيك عن غياب النظرة الشرعية للأحداث أصلا في حديثه.
    وأكتفي هنا فقط بالرد على بعض النقاط التي وردت في ردك:

    1. تقييم القوة المادية (والعسكرية) لتركيا هو تقييم نسبي، ولا أتفق مع من يبالغ في تقييمه، فالصناعات التركية العسكرية أو المدنية ليست بذلك الحجم ولا تلك القوة ولا تلك الاستقلالية التامة كما يحاول الإعلام الموالي لتركيا تصويره. والمسلمون اليوم، وعلى رأسهم العرب، معرفون بالمبالغة في كل شيء. فلنتذكر ما قيل عن العراق قبل حرب الخليج الثانية لسنة 1991م وعن قدراتها العسكرية، وتصنيعها المحلي للأسلحة، والتقدم الكبير في مختلف مجالات التصنيع، الخ، والتي قيل عنها أنذلك أنها فاقت دولا أوروبية. ومع الطلقة الأولى ضد العراق، تبين مدى هشاشة الدولة ومؤسساتها الصناعية والعسكرية، وأن صناعاتها كانت تعتمد على قطاع الغيار المستوردة من الغرب، فبمجرد ما توقف إمداد العراق بقطع الغيار بسبب الحصار، انهار كل شيء بين ليلة وضحاها. ولو كانت تركيا لديها قوة حقيقة ومستقلة للدفاع عن نفسها، لما كانت تتباكى عند الناتو ليحميها، ولما كانت تعتمد في أهم الدفاعات الحيوية والاستراتيجية للدول اليوم، وهي الدفاعات الجوية، لكا كانت تعتمد على دفاعات الناتو الجوية ودفاعات الروس الجوس كـ”إس 400″. فتركيا لا تظهر عنتريتها إلا على الضعفاء، كالأكراد وعصابات الأسد وعصابات حفتر، لكن لما زمجر مثلا الدب الروسي عقب إسقاط طائرتها، هرول أردوغان صاغرا للاعتذار لدى روسيا ولدى بوتين شخصيا، وتملق لديه بـ”صديقي الحميم” الخ، ودفعت تركيا الديات والتعويضات المغلضة لأهالي الضحية الروسي. ويكفي الإمعان في أسباب انهيار الليرة التركية في السنوات الأخيرة، والتي وصلت ذروتها سنة 2018م، كدليل على هشاشة الاقتصاد التركي بسبب تبعيته للغرب وللتمويل الغربي، فمجرد تغريدة من الرئيس الأمريكي كافية لجعل الليرة التركية لا تساوي شيئا.

    2. فيما يخص ملف الثورة السورية، فاعلمي سيدتي أني ملم به من ألفه لياءه. فكما قلتُ كل الفصائل الثورية مجرد مرتزقة لتركيا أو قطر أو السعودية أو الأردن أو مباشرة لدول غربية، بما فيهم هيئة تحرير الشام. فالهيئة وإن لم تحضر مباشرة مفاوضات أستانا وسوتشي وجنيف وإسطنبول، إلا أنها كانت – من خلف الستار عبر تفاهمات مع تركيا – تنفذ كل مخرجات تلك المفاوضات، ولعل من أحدث وأشهر تلك التفاهمات، فتح الطريق الدولي حلب – اللاذقية “أم 4” الذي يمر من وسط إدلب ليوصل للنظام السوري ما يحتاجه للصمود، وتحميه دوريات روسية-تركية. أما جماعة “الدولة”، فهم كانوا وبالا على الثورة بسبب غلوهم وانحرافهم الخطير في فهم العقيدة وفي ممارساتهم. فكل محاولات تحرر المسلمين خلال العقود الأخيرة ضاعت بين الغلو والتفريط. نعم هناك تيارات وفصائل عارضت جملة وتفصيلا مؤتمرات جنيف وأستانا وسوتشي، وعارضت التدخل التركي، ودعت لعدم الخضوع لإملاءات تركيا، لكن هؤلاء ليس لهم نفوذ على الأرض ولا شعبية واسعة، وبالتالي لا يؤثرون في مجرى الأحداث. وكثير منهم تطاردهم هيئة تحرير الشام وتزج بهم في السجون، تماما كما فعلت بهم من قبل أحرار الشام وجيش الإسلام وفصائل ما يسمى “الجيش الحر”. أما قولك بخصوص إدلب، و”فرحتك” بعدم سقوطها حتى الآن، والدور “العقدي” والتركي في ذلك الصمود، الخ، فلا أتفق معك البتة فيما ذهبت إليه، وذلك من عدة أوجه:
    أولا، كيف نفرح لبقاء إدلب حتى الآن تحت يد الثوار، ونتجاهل أن حوالي %90 من الأراضي، ابتداء من حلب، التي كانت تحت نفوذ الثوار، تم إرجاعها للنظام تحت الوصاية والضمان التركي؟ فهو كمن يلهثون اليوم وراء الحفاظ على أجزاء من غزة والضفة الغربية ويفرحون بذلك ويعتبرونه نصرا، بعدما سلموا %70 من فلسطين لإسرائيل. فبدلا من محاسبة عسيرة على سبب تضييع الثوار في سوريا لأكثر من %90 من الأراضي، نهلل لبقاء إدلب؟؟؟؟ بل حتى إدلب، اقتطع نظام الأسد وإيران أجزاء كبيرة منها.
    ثانيا: الاختلاف بين تركيا وروسيا بخصوص إدلب، ليس في استئصال كل الفصائل التي يعتبرها الغرب إرهابية كالهيئة (وقد قامت الهيئة بالكثير من المراجعات والتنازلات والتغييرات، لعل الغرب يرضى، ولم يرضى)، ولا في إرجاع إدلب لنظام الأسد، فهذا كله متفق عليه مبدئيا بين تركيا وروسيا وأمريكا، لكن المشكلة الوحيدة والرئيسية التي لازال لم يوجد لها حل، هو أين الذهاب بحوالي ثلاث ملايين ونصف المليون من سكان إدلب والنازحين إليها. فتركيا تقول أنها لا تستطع استيعاب عدد أكبر من اللاجئين من سوريا، وأن الغرب لم يفي بوعوده منح تركيا ما يكفي من الأموال لاستيعاب اللاجئين. فبمجرد ما يتم وجود حل أو فرض أمريكا لحل بخصوص أهل السّنة القاطنين في إدلب، ستُسَلَّم كل الأراضي للنظام السوري. المهم عند تركيا هو فقط ألا تُسلم الأراضي للنفوذ الكردي.
    ثالثا، شروط النصر لم تكن قط في الدنيا بحجم الضحايا والخسائر، وإلا لكان المسلمون استوفوا منذ زمن استحقاق النصر بالنظر لعشرات ملايين القتلى في صفوفهم خلال العقود الأخيرة ونسبة أكبر من المهجرين. بل هناك شعوب انقرضت من الوجود رغم تضحياتها الكبيرة. فمهما ضحى الإنسان، فالنصر لا يتحقق إلا بالتضحيات من أجل الحق وبالوجه والطريق المعتبر والصحيح شرعيا، لا يتحقق إلا بتوافر أسباب النصر العقدية والمادية.

    3. أما الأحاديث المتعلقة بالشام، فهناك خطأ منهجي وفادح في إنزالها على الواقع، فالذين تحققت فيهم بشارات الرسول في الماضي، وستتحقق بهم في المستقبل، يجب أن تتوافر فيهم شروط ذلك النصر. وهذا ما لا يتوافر في الشام ولا غيرها منذ عقود. ثانيا، هناك فرق بين العقيدة التي يحملها الفرد، والعقيدة التي يكون لها منعة وقوة على الأرض وتُسيِّر علاقات الناس، فالعبرة في “حاضرة” الإسلام بالقوة والمنعة للعقيدة، وليس حمل أفراد لها لا قوة لهم ولا منعة، وإلا لكانت مكة قبل هجرة الرسول حاضرة للإسلام ولما هجر منها الرسول، كيف لا وقد كان فيها الرسول وصحابته، وليس في الدنيا أطهر وأصفى وأقوى عقيدة كالتي كانت في أنفس الرسول والصحابة، بل الرسول هو جزء أساسي من العقيدة. لكن لم يصبح للإسلام وجود وتطبيق – أي حاضرة –، إلا لما وُجدت قوة مادية (الأوس والخزج) آمنت بالرسول وأقامت العقيدة في المدينة، فعثمان بن عفان قال :إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”.

    4. أما حديث فتح تركيا في آخر الزمان، فدليل على أنها تحت حكم الكفر حتى تُفتح، ولا يهم هل ستُفتح عنوة أو سلما، فياما فُتحت بلدان سلما. كما أن الحديث لا ينفي أنها ستفتح عنوة في فترة من الفترات، غير الفترة التي تحدث عنها الرسول.

    5. أما القول أن تركيا مستهدفة، فهذه أكبر كذبة للنظام التركي وللإخوان كما بينت من قبل. فتركيا تنشط فيها كل الشركات الغربية، وتستورد ما تشاء، وتصدر الى كثير من بلدان العالم، بل وتسمح لها أمريكا بالتدخل في صراعات إقليمية كسوريا وليبيا، فما هذا الاستهداف اللطيف بهذا الشكل؟

    6. أما احتضان تركيا للإخوان وبعض التيارات السلفية الهاربين من بطش السيسي وبعض دول الخليج، فهذا تقوم به تركيا لنفس الأغراض الذي احتضنت فيها السعودية في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي الإخوان لما هربوا من بطش جمال عبد الناصر والحزب البعثي في سوريا والعراق. بل السعودية ذهبت أبعد بكثير في احتضانها للسلفية والإخوان مما ذهبت إليه تركيا اليوم، فمنحتهم وظائف حكومية في السعودية وأموالا ومنصات إعلامية، وساندت “الجهاد الأفغاني” بقوة. فهذا الاحتضان ليس له علاقة بنصرة الإسلام، وستنقلب تركيا على الاخوان والسلفيين لما تنتهي مهمتهم أو يبدؤون في مخالفتها في سياساتها، تماما كما فعلت السعودية. هل هناك “إسلامي” واحد يعيش في تركيا، يستطيع انتقاد أردوغان وحكومته وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وما أكثر منكرات النظام التركي؟ فأي إسلام هذا (ويجوز أيضا القول بالمنظور الأردوغاني: أي ديمقراطية هذه)، إذا كان المسلم لا يستطيع إنكار المنكر على الحكام؟ فـ”الإسلاميون” الهاربين الى تركيا مجرد بيادق بيد تركيا (ها هي مثلا تزج بهم في الصراع الليبي، وكأن سوريا حُررت وانتهوا من مهمتهم هناك لينتقلوا لموضع آخر) ومجرد مطبلين لأردوغان، مقابل بعض الفتات الذي تمن تركيا به عليهم، لا فرق بينهم وبين “الإسلاميين” في السعودية ومصر وقطر والإمارات، الخ. فيجب أن يكون لدى المسلمين وعي سياسي عميق بأهداف الدول، وإلا بقوا لعبة وأداة بيد الدول الوظيفية ودول الغرب. والأصل في موقع جعل من هدفه توعية المسلمين، كموقع تبيان، أن يكون على دراية بخلفيات الأهداف التركية وسياساتها، ويوعي المسلمين عليها، بدلا من الانجرار وراء شعارات فارغة تطلقها تركيا وتخالف ممارساتها.

    7. أما بخصوص مفهوم الأمن القومي، وموافقتك للنظرة التركية لمسألة الأكراد والدولة الكردية، فأحيلك الى بحث سياسي مفصل عن هذا الموضوع، لعله تزول به بعض الشبهات: ابحثي مثلا في محرك البحث جوجل عن مقال تحت عنوان «من يهدد الأمن القومي التركي: انفصال الأكراد أم التوغل الغربي في تركيا؟». وبخصوص التقييم الخاطئ للقوة الاقتصادية لتركيا، أقترح أيضا بحثا عميقا من جزأين تحت عنوان: «وقفة صراحة: أسباب تدهور الليرة التركية والطريق للخروج من الأزمة الاقتصادية»، يمكن الوصول إليه عن طريق البحث في محرك البحث جوجل.

    رد
  • د. ليلى حمدان منذ أسبوعين

    حياكم الله من جديد.
    أخي الكريم أبو عبد الله حين قرأت ردك شعرت بالحزن، لأنني أدركت كم كنت بعيدا في استيعاب أفكاري وتفصيلاتي لك في الرد الأخير، فقد أسأت قراءة ما عرضته بشكل يجعل من النقاش يطول دون الوصول لنقطة أخيرة تحسمه. قراءتي للمشهد كانت شاملة بعيدة النظر تمتد إلى الأفق وقراءتك أسيرة زاوية محصورة في الحاضر الأليم ترفض أن تبصر أمارات الفجر المرتقب.
    لن أرد على استنتاجاتك الخاطئة بشأن ما طرحته لك، لكنني أؤكد على قضية هامة جدا، أنني لا أطبل لتركيا وقد تناولت هذا في كتابات سابقة لي يمكنك الاطلاع على ما يتصل بالديمقراطية، وأن كل معالم الحق التي أقرأ بها المشهد ترتكز على نقاط أربع: أصول الإسلام التي لا تقبل المنازعة، والحقائق التاريخية الممتدة، والمعطيات في الواقع من أحداث وحقائق، وأحاديث آخر الزمان لسيد الخلق أجمعين، وفق هذه الأعمدة الأربع ندرس الصراعات ونستخلص الخلاصات.
    والبقية دعها للزمن ستفصل فيها السنن الإلهية فهي لا تحابي أحدا.
    جزاك الله خيرا وأحسن إليك ووفقنا وإياك لما يحب ويرضى.
    اللهم استعملنا ولا تستبدلنا.

    رد
  • أبو عبد الله منذ أسبوعين

    أخيرا، فيما يخص تبرير أكرم حجازي عدم إقامة تركيا للإسلام، فأحيل على سبيل المثال للحصر، على حوار معه في برنامج “حوارات التناصح” (31 – 3 – 2018) تحت عنوان: “النظام الدولي واتفاقية لوزان”. في الرابط التالي جزء من الحوار:
    https://www.youtube.com/watch?v=qq2k4aO9qbs

    يبرر فيه حجازي لتركيا بطريقة لم يسبقه إليها أحد، حيث قال [أن تركيا لا يمكنها فرض الأحكام الشرعية على الاتحاد الاوروبي والامم المتحدة!] (ا.هـ). لم أسمع قط تبريرا بهذه السخافة. هل طلب أحد من تركيا فرض الشريعة على الاتحاد الاوروبي والامم المتحدة؟ المطلوب منها إقامة الشرع داخل تركيا، وعدم موالاة دول الكفر ضد المسلمين، ليس إلا.
    وأكرم حجازي في حواره هذا مع قناة التناصح الليبية، وبعدما كان ينَظَر من قبل لوجوب التحرر من النظام الدولي، أصبح يتبنى نظرة تركيا/أردوغان، ويدعوا لتحسين منظومة النظام الدولي – كقوانين منظمة الأمم المتحدة –، مثلا بإلغاء حق الفيتو. فبدلا من الدعوة للانسحاب كليا من الأمم المتحدة وغيرها من مؤسسات النظام الدولي، أصبح يدعو لتحسين قيود العبودية، تبعا لما يفعل أردوغان.

    وأنصح بالبحث أيضا في تغريدات أكرم حجازي وكتاباته عن تركيا، فأردوغان يبرر عدم إقامة تركيا للشريعة، بأنها غير قادرة على ذلك، وهل الدويلات العربية قادرة على ذلك، وهي أقل قوة من تركيا كما يقر الكل؟
    كما يبرر حجازي موالاة تركيا لدول الكفر وانضمامها للناتو، بل وينصح بعدم خروجها من الناتو وعدم إغلاق قاعدة انجرليك، وينصحها بعدم التخلي عن العلمانية، خوفا عليها من الصراع الطاحن الذي ستواجهه، حيث غرد مثلا في 16 أغسطس 2018: [خروج تركيا من الناتو وإغلاق إنجرليك والتخلي عن العلمانية وتجريدها مما تمتلكه من أدوات القوة يعني الدخول حتما في صراع طاحن لتفكيك قواعدها المهيمنة اقتصاديا وثقافيا وتربويا وإعلاميا وسياسيا وعسكريا وأمنيا وشرعيا].
    ويمكن أيضا الاطلاع مثلا على أحد كتاباته عن تركيا تحت عنوان “تركيا: أسئلة التاريخ والمصير”، الرجل فاقد للبوصلة جملة وتفصيلا، ويحب الرمي المتتالي بالمصطلحات دون سياق ومعنى، ودون أن يحدد مسبقا معناها.

    اللهم إني بلغت وحذرت من تركيا/أردوغان، ومن التحليلات المضلة التي طالما أرجعت المسلمين عقودا للوارء وضيعوا بسببها الطريق الصحيح للتحرر، … اللهم فاشهد.
    أتمنى أن لا يكون تكبر في النفوس على الرضوخ للحق وتغيير المواقف لتوافق الشرع.

    ولن يتبع رد آخر غير الذي قدمت.
    وجزاكم الله خيرا

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.