هذا المقال ترجمة بتصرف لمقال: How Russia’s Invasion of Ukraine Will Impact Africa’s Energy Transition لكاتبيه: Katie Auth and Todd Moss في موقع: cfr.org. الآراء الواردة أدناه تعبّر عن كاتب المقال الأصلي ولا تعبّر بالضرورة عن تبيان.

إنّ الغزو الروسيّ لأوكرانيا سوف يغير الجغرافيا السياسية المرتبطة بمشاريع تقليل الكربون، وسوف يكون لهذا التغيّر تداعياتٌ جسيمةٌ على سياسات الطاقة في أفريقيا.

أدى الهجوم الروسي على أوكرانيا إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية، وقلَب المحادثات بشأن سياسات المناخ رأسًا على عقب. حتى الآن، تركَّز معظم الاهتمام على أمن الطاقة في أوروبا، وكيف يمكن للأزمة أن تُشكّل (بشكلٍ حسنٍ أو سيء) خطط التقليل من الكربون في القارة. لكن آثار الحرب على قطاع الطاقة سوف يُصيب كل ركنٍ من أركان الأرض. فيما يلي سبع طرقٍ يمكن أن يؤثر بها تحول الطاقة على أفريقيا.

سوف يطالب القادة الأفارقة بأن تنال أزمة الأمن الطاقويّ في أفريقيا نفس الاهتمام الموجه لقضية انخفاض الطاقة في أوروبا.

في أوروبا، فإن صادرات الغاز المعلقة، القادمة من روسيا -ثاني أكبر منتج للغاز في العالم-؛ تهدد النشاط الاقتصادي وقدرة الناس على تدفئة منازلهم. لقد أثار هذا التهديد لأمن الطاقة سلسلة من ردود الفعل، بما في ذلك جهود الولايات المتحدة للمساعدة في توسيع وتنويع مصادر إمدادات الغاز المُسال في المنطقة.

إن حدة الاستجابة الأمريكية والأوروبية لها ما يُبرِّرها: لا توجد أسرة تستطيع البقاء بدون تدفئة أو كهرباء. عندما يجد السكان الذين يعتبرون أمن الطاقة بشكلٍ عام أمرًا مفروغًا منه، مهددًا فجأةً؛ فإنهم سيسعون لحمايته بأي وسيلةٍ ممكنة. ولكن ماذا عن سكان العالم الذين لم يتمتعوا قط بالطاقة؟ إن فقر الطاقة المنتشر والمتفاقِم في جميع أنحاء أفريقيا وفي أجزاء من آسيا هو -إن لم يكن شيئًا آخر- أكثر أشكال انعدام الأمن الطاقوي تطرُّفًا. سوف يحتجُّ القادة الأفارقة عن حق في أنه ينبغي الانتباه إلى أزمة انعدام الطاقة في أفريقيا، بنفس الانتباه المركز لمعالجة قضية الطاقة في أوروبا.

الاندفاع إلى تعزيز إمدادات الغاز الطبيعيّ المُسال إلى أوروبا، والتحولات المفاجئة في الخطاب الأمريكي والأوروبي، سيؤجِّجان الاحتقان الأفريقي تجاه النفاق الأوروبي في تعامله مع قضية المناخ -ما لم تتلقَّ المنطقة التمويل المناسب-.

حتى قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، أعرب القادة الأفارقة مرارًا وتكرارًا عن إحباطهم العميق تجاه نقص الدعم المطلوب لعملية التحول الطاقوي في أفريقيا؛ بما ذلك انخفاض التمويل المناسب لقضايا المناخ، والقيود على استخدام أموال التنمية في مشاريع البنية التحتية لمشاريع الغاز الطبيعي والطاقة؛ والتي يرى القادة الأفارقة أنها تمثل نفاقًا غربيًّا. في حين أن الولايات المتحدة مع بعضٍ من الدول قد صاغت سياسات لمعالجة الوضع الحالي، إلا أن المرونة المطلوبة لم تتضح صورتها بعد، أو لم تظهر في الممارسات الفعلية على الأقل.

نظرًا لهذه القيود التي يحتج بسببها القادة الأفارقة؛ فإن اندفاع الولايات المتحدة وأوروبا لتأمين إمدادات الغاز الطبيعي قد أظهر تحوّلاتٍ عميقة في سياسات هذه الدول تجاه أفريقيا وفي خطابها. في الوقت الذي شدد فيه المسؤولون الأوروبيون على قضية تخفيض الكربون، حتى إزالته في نهاية المطاف؛ فإنهم يجتهدون في الوقت ذاته لتأمين إمدادات الغاز من الدول الأفريقية، التي أُنهِكت بالقيود التي كرر الأوروبيون أنها في سبيل قضية إنقاذ المناخ. في المقابل، عندما أوضح القادة الأفارقة حاجتهم إلى تنويع موارد الطاقة الانتقالية، بما ذلك في الغاز، قوبلوا بالتردد والإنكار. هذه ليست طريقة مُثمرة لبناء شراكات متينة في قضية المناخ.

قال مبعوث الولايات المتحدة للمناخ جون كيري، الذي كان سابقًا من بين الأكثر نشاطًا في الدعوة إلى إنهاء تمويل بُنى الغاز في الخارج:

إن الغاز سيكون عنصرًا رئيسيًّا في عملية الانتقال الطاقوي، هذا أمر لا جدال فيه.

بما في ذلك في أفريقيا.

تُعتبر إشارة كيري الصريحة إلى الحاجة إلى الغاز في أفريقًا تحوّلًا مهمًّا في الخطاب إن لم يكن في السياسة. لكن مثل هذه التصريحات لن تؤدي إلا إلى تكثيف تصورات القادة الأفارقة حول النفاق الغربي -ما لم يُتابع شركاء التنمية ذلك- بوضع موارد حقيقية على الطاولة لتحولات الطاقة التي تلبي في الوقت نفسه الحاجة العالمية الملحة لتسريع المسار العالمي نحو التحول إلى الصفر الصافي (صفر كربون).

من الناحية العملية، فإن هذا يتطلب زيادة كبيرة في الدعم الموجه لأسواق الطاقة النظيفة، وتطوير طرق واضحة ومتسقة لتقييم المشاريع التي تسمح بتمويل التنمية لدعم الغاز المُسال عند الحاجة إليه. 

سوف يؤدي ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى الإضرار بأسواق الكهرباء الأفريقية.

لا تستورد أفريقيا النفط الروسي، لكنها -مثل بقية العالم- تواجه زيادات حادة في الأسعار. في الولايات المتحدة، أدى ارتفاع أسعار النفط إلى ارتفاع تكلفة البنزين، ولكن في العديد من البلدان الأفريقية، فإن سعر النفط له تأثيرات هائلة على عملية توليد الكهرباء أيضًا.

في غرب أفريقيا مثلًا، تُشكل مولدات الديزل أكثر من 40 بالمئة من إجماليّ الكهرباء المستهلكة. تعتمد السنغال حاليًا على النفط في توليد 50 بالمئة من كهرباء البلاد. إن لهذا آثارًا اقتصادية هائلة؛ فمع ارتفاع أسعار الوقود في جميع أنحاء القارة، فإن الشركات في بلدانٍ مثل نيجيريا، التي شهدت زيادة في تكلفة الديزل بأكثر من 200 في المائة، تكافح من أجل أن تبقى قادرة على الوقوف على قدميها. كما أن ارتفاع تكلفة الغاز الطبيعي يجعل توليد الكهرباء للمرافق المتطلبة له أكثر تكلفة في أسواق بلدان مثل غانا وساحل العاج ونيجيريا.

… لكن ارتفاع نسب الفائدة سيخلق أيضا رياحًا مُعاكسة لمشاريع الطاقة المتجددة.

لا شك أن ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري نعمة لمصادر الطاقة المتجددة، لكن ظروف السوق المعاكسة وارتفاع أسعار الفائدة ستضر بمشاريع الطاقة المتجددة بشدة، لا سيما في الأسواق ذات الدخل المنخفض، والمخاطر العالية. يتم ترجيح تخزين الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات بشكلٍ كبير نحو النفقات الرأسمالية الأولية، مما يعني أن التكلفة مدفوعة في جزء كبيرٍ منها بأسعار الفائدة، (أو العوائد المتوقعة الأعلى من قبل المستثمرين من القطاع الخاص).

الكهرباء من مزرعة شمسية مثلًا، سوف تكون تكلفتها في بلدٍ مثل غانا أكبر بكثير من تكلفتها في بلدٍ كالولايات المتحدة، بسبب علو المخاطرة هذا. وسوف تزداد هذه الفجوة اتساعًا مع ارتفاع أسعار الفائدة، وقد رفع البنك المركزيُّ الغانيُّ مؤخرًا نسبة الفائدة إلى 17 في المائة، بينما سعر الفائدة الأساسي لنفس مشاريع الطاقة في الولايات المتحدة هو 3.5 في المائة فقط. 

إن هذا القسط من الزيادة يُضيف حوالي 1.5 سنتًا لكل كيلوواط / ساعة للطاقة من محطة الغاز ذات الدورة المركبة، ولكن أكثر من 8 سنتاتٍ في قطاع الطاقة الشمسية الكهروضوئية، وحوالي 11 سنتًا للطاقة الشمسية الكهروضوئية مع التخزين. وبالتالي ستصبح ضمانات القروض وغيرها من أدوات تقليل المخاطر ذات أهمية شديدةٍ للترويج والترغيب أكثر في مشاريع الطاقة النظيفة. 

سوف تؤدي الحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة بعيدًا عن روسيا إلى زيادة الاهتمام بإنتاج النفط والغاز الأفريقي للتصدير.

يمكن أن توفر حاجة أوروبا الملحة للتنويع بعيدًا عن اعتمادها على النفط والغاز الروسي فرصًا جديدةً لبعض أسواق التصدير الأفريقية. وأكد مسؤولٌ بالمفوضية الأوروبية عقد اجتماعاتٍ في بروكسل مع وفود أفريقية في مجال الطاقة، مُشيرًا إلى جهود المنطقة لتأمين إمدادات الغاز البديلة، بما في ذلك من غرب وشمال أفريقيا.

لقد أحيت الحكومة الجزائرية مؤخرًا خط أنابيب الغاز المقترح العابر للصحراء، والذي يمكن أن يرسل ما يصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويًّا من نيجيريا إلى الجزائر، ثم إلى أوروبا. كما قد تشهد البلدات التي اكتشفت مؤخرًا كميات كبيرة من الغاز البحري في أقاليمها، مثل موزمبيق وتنزانيا والسنغال، اهتمامًا متجددًا من المستثمرين. وقد أكد نائب الرئيس النيجيري مؤخرًا، أنه منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تم الاتصال ببلاده لتصدير المزيد من الغاز. 

مع تزايد الحاجة الملحة إلى التخفيض من استخدام الكربون، فإن الطلب على المعادن النادرة سوف يُنشط الاستثمار في مجالات التنقيب في أفريقيا.

تمتلك روسيا رابع أكبر مصدر للمواد النادرة في العالم، وهي منتج رئيسيٌّ للعديد من المعادن المهمة لتكنولوجيا الطاقة النظيفة، بما في ذلك النحاس والنيكل والبلاتين. إن تنويع سلاسل التوريد العالمية بعيدًا عن روسيا (والصين) قد شجع بالفعل الولايات المتحدة وغيرها على الاستثمار في قطاع التنقيب الأفريقي. 

تدرس مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية استثمارًا في مجال تعدين الليثيوم في ناميبيا، وتشمل الميزانية المقترحة من طرف الرئيس بايدن للسنة المالية 2023 مليار دولار لمبادرة تصنيع الطاقة النظيفة العالمية لبناء سلاسل توريد أكثر مرونة حول العالم. 

قد تؤدي الإجراءات الروسية (والعقوبات المالية الغربية) الدول إلى مراجعة اعتمادها على التكنولوجيا النووية الروسية.

خلال العقد الماضي، جعلت روسيا من بيع التكنولوجيا النووية جزءًا من جهودها واسعة النطاق لكسب النفوذ في أفريقيا. اعتبارًا من عام 2020، وقّعت سبع دول على الأقل في جنوب الصحراء الأفريقية اتفاقيات لنشر الطاقة النووية بدعمٍ من روسيا. وأكدت شركة روساتوم النووية الروسية المملوكة للدولة أنها تعمل مع أكثر من خمسة عشر سوقًا في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ومن ضمن الأعمال المشتركة مشاريع الجيل القادم من المفاعلات المعيارية الصغيرة (SMRs). 

تأتي الشركات الصغيرة والمتوسطة الروسية في العادة بتمويل منخفض التكلفة مدعوم من الدولة وباتفاقياتٍ طويلة الأجل لتوريد الوقود والتخلص من النفايات. وهذه سماتٌ إيجابية تبحث عنها الدول، أو على الأقل قبل حرب أوكرانيا؛ لأنها اليوم قد أصبحت مصدر قلق. إن التحول في الجغرافيا السياسية يخلق فرصة للشركات النووية المتطورة في الولايات المتحدة وبريطانيا وكوريا الجنوبية، التي لديها نماذج واعدة، لكنها تفتقر إلى التسويق القوي الذي تحظى به روساتوم، والدعم الحكومي السخي. 

على أعقاب حرب أوكرانيا، يمكن أن تصبح الأسواق الأفريقية بؤرة التركيز. 

تؤكد أزمة الطاقة الحالية بعبارات صارخة الأسباب العديدة التي تجعل قضية إزالة الكربون أمرًا حاسمًا، ليس فقط لمعالجة تغير المناخ، ولكن لتعزيز السلام والأمن. لكنه يوضح أيضًا مدى التعقيد في عملية انتقال الطاقة، والتوترات الحتمية التي تنبت بين الاحتياجات الحالية الملحة، والأهداف طويلة المدى. 

سوف يتطلب تحقيق نظام طاقةٍ عالميّ خالٍ من الكربون، وقادر على تلبية احتياجات الجميع معالجةً كاملة وجادة لقضية فقر الطاقة، والتي ينبغي تصنيفها كـ: أزمة العالم الحالية. كما ينبغي -واجبًا- التخلي عن المعايير المزدوجة في مجالات تمويل التنمية، وإدارة نقاط الضعف الجيوسياسية الجديدة الناتجة عن عملية التحول إلى الاقتصاد منخفض الكربون.

148

الكاتب

كودري محمد رفيق

من الجزائر، أكتب في الدين والفكر والتاريخ، أرجو أن أكون مِن الذين تُسدُّ بهم الثغور.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.