نظر إلى أمريكا نظرة المفتون بالبروج المشيدة والتطور التكنولوجي الهائل، وتوجه بقلبه نحو تمثال الحرية قبلة المستضعفين! لكنه لو نظر إلى القاع لرأى الحقيقة، وعلم المرتكزات الرئيسية التي قامت عليها تلك الخلافة مترامية الأطراف، بحارٌ من دماء ملايين الهنود الحمر، لو أمعن النظر أكثر سيجد أشلاء طفل عراقي، وجسد فتاة أفغانية وجمجمة بنمي، ورماد أحد المدن الفيتنامية، سيجد ملايين البشر ماتوا بالمجاعات، وسيعلم أنه بثروات بلاده المنهوبة اشتد عود تلك الخلافة.

وإذ ما راجعت نشأة الخلافة الأمريكية ستدرك أن الإمبريالية وسياسة التوحش والتخريب التي تمارسها الآن هي مرتكزٌ أساسي قامت عليه منذ اللحظة الأولى.

فكرة النشأة

على مدار خمسمائة سنة تعرض السكان الأصليين “الهنود الحمر” لحملاتِ غزوٍ فرنسية وبرتغالية وإسبانية وهولندية وإنجليزية، لكن الإنجليز كانوا أشد عدوانية وإصرارًا على محو الحياة الهندية بالكامل، قرر الإنجليز أن يستنسخوا فكرة إسرائيل التاريخية في أمريكا وأن يستحضروا الحالة بكل الأساسيات التي قامت عليها، فكما خرج بنو إسرائيل من مصر بسبب ظلم الفراعنة في القصة المذكورة في سفر الخروج في العهد القديم “التوراة” خرج الأوربيون أصحاب العقيدة البروتستانتية من أوروبا بعد اضطهاد الملوك المخالفين لهم في المذهب ليفتحوا الأرض الجديدة.

عند دخولهم تلك الأرض قاموا بتنفيذ ما قام به يشوع عند دخوله أرض كنعان، حيث جاء في سفر يشوع الإصحاح السادس 21: “وحرموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة من طفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف”، التحريم هنا بمعنى القتل، 24 من نفس الإصحاح: “واحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها إنما الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد جعلوها في خزانة بيت الرب”، بما أن البروتستانت يؤمنون بما جاء في العهد القديم فقد قاموا بتنفيذ تلك الوصايا حرفيًا، كما أطلقوا على الأرض الجديدة  “أرض الميعاد” و”صهيون” و”إسرائيل الله الجديدة”.

قامت فكرة أمريكا على عدة ثوابت، هذه الثوابت الدموية تعد سياسة أمريكا منذ اللحظة الأولى مع الهنود الحمر ومرورًا بهيروشيما وفيتنام ونهاية بأفغانستان والعراق ومازال القوس مفتوح، وهي:

  • المعنى الإسرائيلي لأمريكا، أن أمريكا تجسد مشيئة الله في أرض كنعان الجديدة “أمريكا” كما جسدت إسرائيل مشيئة الله في أرض كنعان القديمة “فلسطين”.
  • عقيدة الاختيار الإلهي والتفوق العرقي والثقافي وأنهم شعب الله المختار أعلى من كل البشر والجميع كنعانيون من حقهم التصرف فيهم كيفما شاءوا.
  • دور المخلص والمنقذ للعالم وأن من حقهم احتلال أرض الغير ومحو عقيدتهم لأن الله أمرهم بهذا.
  • قدرية التوسع اللانهائي التي يوضحها لانسلوت أندراوس فيقول:

إن العالم صحن من اللحم موضوع على المائدة يقطع منها الإنسان الأبيض ما يشتهي.

  • حق التضحية بالآخر وأن دماء الشعوب قربان للرب، حتى أكلهم حلالٌ بل ممتع.

إنجازات الخلافة الأمريكية

عمل الغزاة على استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة فكانت الحرب على أشدها في كافة المجالات كما هي بيننا وبينهم الآن، لم يتوانوا عن استخدام أي طريقة وحشية، يقول أرسطو فان 422 قـ / م: “السعوا أول من ترونه، واستمدوا حياتكم من موته”.

فقاموا بنشر الأمراض بين الهنود بطريقة غاية في الخبث، يملئون أغطية الفراش والمناديل بالجدري ويرسلونها هدية للهنود فينتشر المرض انتشارًا سريعًا يحصد أرواح الملايين، كانوا يفرحون بموت الهنود حيث جاء في رسالة جون ونثروب الحاكم الأول لمستعمرة ماساشوستس في رسالة إلى ناتنيال ريش 22 مايو 1634 م يطمئنه فيها أن المستوطنين الأربعة آلاف بخير، فيقول:

فبفضل الله لم يمت منهم في السنة الماضية سوى اثنين أو ثلاثة وبعض الأطفال وكان نادرًا ما نسمع عن مرض الملاريا أو غيرها من الأمراض والأوبئة، أما السكان الأصليون فإنهم ماتوا كلهم تقريبًا بالجدري، وبذلك أعطانا الله صك ملكية هذه الأراضي.

تعتبر هذه الرسالة تطبيق حقيقي لحق التضحية بالآخر وأنهم المنقِذ لهذا العالم.

لم يتوقف الأمر عند نشر الأمراض فقتلوا الملايين، ومن أبشع ما قاموا به أكل لحم الهنود لدرجة أن وليم هار كورت وزير الداخلية البريطاني يقول: “القضاء الإنجليزي في القريب العاجل سيقرون أكل لحم البشر ويجعلونها بديلًا طبيعيًا لدفن الموتى” وكعادتهم يتلاعبون بعقول الناس ويصورون الهنود الحمر في الأفلام على أنهم هم المتوحشون آكلو لحوم البشر!

كانوا يخطفون الأطفال من أحضان أمهاتهم في سن مبكر ويدخلونهم مدارس تحت إدارتهم ويتعدون عليهم جسديًا، ويغسلون أدمغتهم ويمحون عقيدتهم وحضارتهم، حتى أسمائهم تم تغيرها ويعاقب الطفل الذي يخالف هذه القوانين.

مات في هذه المدارس مئات الآلاف من الأطفال بالتعذيب أو متجمدين في الطرقات بعد الهرب، اختلفت المصادر في عدد السكان الأصليين عند دخول المحتل فأقصى الأرقام مليار وأقلهم 50 مليون ويرجح البعض أن العدد 112 مليون لكن الغزاة أنكروا حتى وجود ملايين وقالوا إن السكان الأصليين ماتوا بسبب قلة المناعة وانتشار الأوبئة.

إحكام السيطرة

وفي نهاية القرن التاسع عشر أصبحت السيادة للمستعمرين بحيث العدد والعدة والاحتلال الفكري للبعض، هنا بدأت مرحلة أكثر وحشية وعلنية بقصف قرى الهنود ومطاردتهم وإبادتهم بالقتل، بل وحرق مزارعهم والقضاء على كل حضارتهم.

يروي عالم الإنسانيات “جيمس موني” أحد شهود العيان ما فعله المستعمرين في (مذبحة ووندني) فيقول: “تحت ركام الثلج، كان هناك نساء علي قيد الحياة، لكنهم تركوهن للموت البطيء، وكذلك حال الأطفال الرضع المقطمين والمرميين إلى جانب أمهاتهم، كانت جثث النساء متناثرة فوق محيط القرية وتحت علم الهدنة كانت هناك امرأة صريعة ومعها طفلها، لم يكن الطفل يعرف أن أمه ماتت، ولهذا فقد كان يرضع من ثديها، وبعد أن قتل معظم من في القرية أعلن الجنود أنهم يضمنون سلامة الجرحى أو كل من بقي على قيد الحياة إذا ظهروا، وخرج بعض الأطفال من مخابئهم، ولكن الجنود أحاطوا بهم وذبحوهم”.

لم تكن الانتهاكات في حق الهنود الحمر وحسب فقد طال استعباد الأفارقة، فبعد إبادة معظم الهنود الحمر احتاج المستعمر إلى أيدي عاملة لتكون أداة لنهب ثروات البلاد، ووقع الاختيار على الأفارقة حيث إن الزنوج الأفارقة هم من أقوى أنواع البشر وأكثرهم جلدًا وصبرًا وتحملًا للمشاق والأجواء القاسية.

فقاموا بخطف الأفارقة من الطرقات، وعندما كان الأفارقة يختبئون في أعشاب الغابات يأتي المستعمر ويشعل النار في الغابات حتى يخرج المختبئون فيتم خطفهم أو يموتوا حرقًا، خلال خمسين عامًا فقط تم خطف وترحيل ما بين 15 إلى 40 مليونًا من الأفارقة، وبيعهم في الأسواق ليلاقوا نفس الوحشية في التعامل التي عاشها الهنود.

يعد كل ما تم ذكره من جرائم نقطة في بحر الإجرام والوحشية التي صاحبت الولايات المتحدة الأمريكية منذ نشأتها حتى اليوم، وبعد أن قتلت المليارات من البشر عبر العصور المختلفة تشن هي الآن حربًا على ما أسمته الإرهاب ولا أدري أهناك إرهابٌ في العالم يفوق إرهابها؟!

ختامًا

أما الآن فقد تغلغلت أمريكا وأصبحت خلافة أمريكية حقيقة فهي متكاملة الأركان، الخليفة في البيت الأبيض يسير كل شيء عبر مؤسساته، فعنده صندوق النقد الدولي “بيت المال” وعنده مجلس الأمن الذي يتحكم في تسليح ولايات الخلافة، والناتو الجيش الجرار الذي بإمكانه قصف واقتحام أي دولة، والأمم المتحدة المختصة بحل النزاعات في بلدان الخلافة، أما اليونسكو فهو من يحدد ثقافة أبناء الخلافة في كافة الأمصار، وهناك منظمة الصحة العالمية التي مات تحت ظلها ملايين البشر بسبب الأوبئة والأمراض، أما حكام بلادنا فهم من يعينهم الخليفة ويضفي عليهم شرعيته ويسلح جيوشهم وقواعده العسكرية منتشرة في كل مكان ويوجههم كيفما شاء.

هذه هي قصة الخلافة الأمريكية باختصار شديد جدًا، قصة الإمبراطورية الإمبريالية المتطرفة القاتلة التي يزداد تطرفها كل يوم دون أن يردعها أحد، ولا أحد يستطيع أن يردعها سوى الإسلام الحقيقي، فهل من مشمر يا مسلمين!

1336

المصادر
الكاتب

ليليان أحمد

كاتبة وباحثة في التاريخ والحضارة الإسلامية، وقضايا الفكر الإسلامي، أكتب من أجل إيجاد الوعي في طبقات هذه الأمة.

التعليقات

  • احمد منذ 10 أشهر

    شكرا

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.