الشرك بالله عز وجل وأنواعه.. ما بين الشرك الأصغر والأكبر

(إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) هكذا قال ربنا في القرآن الكريم، ولو نظرنا لتفسير الآية لوجدنا أن أعلى أنواع الظلم ظُلْم العبد لِنفسه بالشرك بالله، فقد سأل ابن مسعود رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك. قال: قلت لـه: إن ذلك لعظيم. قال: قلت: ثم أي؟ قال: ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يَطعم معك. قال: قلت: ثم أي؟ قال: ثم أن تُزاني حَليلة جَارِك. فأنـزل اللهُ تصديقَ ذلك: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا)” رواه البخاري ومسلم.

ولَمَّا نَزَل قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم) شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ: (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)؟” رواه البخاري ومسلم.

قال الشاطبي في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ): فإن سياق الكلام يدل على أن المراد بالظلم أنواع الشرك على الخصوص، فإن السورة من أولها إلى آخرها مقررة لقواعد التوحيد، وهادمة لقواعد الشرك. ثم ظُلم الإنسان لنفسه بالكبار والموبقات. ثم ظُلم الإنسان لنفسه بالصغائر، وهي الْمُحقَّرات التي حذّر منها النبي صلى الله عليه وسلم.

ولكن ما معنى الشرك وما هي أقسامه؟

الشرك

لغة: هو بمعنى الإشراك والمقارنة. شرعًا: تسوية غير الله فيما هو من خصائص الله. بمعنى أن تجعل لله ندًا ومثيلًا أو تقوم بالعمل ابتغاء مرضاة أحد غير الله أو الذهاب إلى قبور الأنبياء والصالحين والذبح لهم والحلفان بهم والتقرب إلى الله عن طريقهم.

أقسام الشرك:

  • 1- شرك أكبر: وهو كل شرك أطلقه الشرع، وكان متضمنًا لخروج الإنسان من دينه.
  • 2- شرك أصغر: هو كل عمل قولي أو فعلي ثبت شرعًا إطلاق اسم الشرك أو الكفر عليه، وعلم من دلالات الشرع عدم خروج صاحبه من الدين.

الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر:

الشرك الأكبر:

  • يخرج من الملة.
  • يخلد صاحبه في النار.
  • يحبط جميع الأعمال.
  • يبيح دم ومال من يرتكبه.

الشرك الأصغر:

  • لا يخرج من الملة.
  • لا يخلد صاحبه في النار.
  • لا يحبط جميع الأعمال، وإنما يحبط الرياء العمل الذي خالطه فقط.
  • لا يبيح دم ومال من يرتكبه.

ولكن ما هي أنواع الشرك الأكبر وما الدليل عليها؟

الشرك الأكبر أربعة أنواع:

الأول: شرك الدعوة، الدليل: قوله تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ).

الثاني: شرك النية والإرادة والقصد، الدليل: قوله تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).

الثالث: شرك الطاعة، الدليل: قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ). وتفسيرها الذي لا شك فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم، كما فسر النبي لعدي بن حاتم لما سأله فقال: “لسنا نعبدهم”، فذكر له أن عبادتهم طاعتهم في المعصية والحديث صحيح عند الترمذي.

الرابع: شرك المحبة، الدليل: قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ).

أمثلة توضيحية

أمثلة على الشرك الأكبر:

  • شرك أكبر جلي: الذبح لغير الله، النذر لغير الله، والاستغاثة بغير الله.
  • شرك أكبر خفي: مثل شرك المنافقين وريائهم، ومثل خوف السر وهو خوف غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.

أمثلة على الشرك الأصغر:

  • شرك أصغر جلي: الحلف بغير الله، قول: ما شاء الله وشئت، قول: لولا الله وفلان.
  • شرك أصغر خفي: يسير الرياء، الطيرة.

وقد ورد عن نبينا دعاء نافع للوقاية من الشرك: عن أبي موسى رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: “أيها الناس، اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل”، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: “قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه” رواه أحمد وحسنه الألباني.

ولكن كيف بدأ الشرك وكيف دخل على الإنسان؟

تاريخ الشرك

التوحيد هو الأصل في بني آدم، والشرك طارئ ودخيل: كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: “كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على التوحيد”. أول ما حدث الشرك في الأرض: كان في قوم نوح لما غلوا في الصالحين، وصوروا صورهم ثم آل أمرهم إلى عبادتهم من دون الله، فأرسل الله إليهم نوحًا عليه السلام يدعوهم إلى التوحيد.

الشرك عند قوم موسى: حدث عندما اتخذوا العجل. والشرك عند النصارى: حدث بعد رفع عيسى عليه السلام إلى السماء فجاء “بولس” الذي كان يظهر الإيمان بالمسيح مكرًا وخداعًا فأدخل في دين النصارى التثليث وعبادة الصليب وكثيرًا من الوثنيات.

الشرك في العرب: حدث على يد “عمرو بن لحي الخزاعي” الذي غير دين إبراهيم عليه السلام وجلب الأصنام إلى أرض الحجاز وأمر بعبادتها. والشرك في أمة محمد: حدث على يد الشيعة الفاطميين بعد المائة وأربعة، حينما بنوا المشاهد على القبور، وأحدثوا بدعة الموالد في الإسلام والغلو في الصالحين، وكذلك حدث عند ظهور التصوف المنحرف المتمثل بالغلو في المشايخ وأصحاب الطرق.

خطورة الشرك وعقوباته

أن الله لا يغفره إذا مات صاحبه ولم يتب منه؛ الدليل: قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا). وصاحبه خارج من ملة الإسلام، حلال الدم والمال؛ الدليل: قوله تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ).

أن الله تعالى لا يقبل من المشرك عملًا، وما عمله من أعمال سابقة تكون هباءًا منثورًا؛ الدليل: قوله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) وقوله: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). وأن دخول الجنة عليه حرام وهو مخلد في نار الجحيم؛ الدليل: قوله تعالى: (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ).

هريرة

-{‘قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّه’}- إِنِي عَزَمْتُ بِأَنْ أَعِيْشُ كَمَا أَنَا .. لِلْهِ مَحْيَايَ… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى