Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

إن كلمة لا إله إلا الله تجمع شتات النفوس؛ فهي كلمة الله العُليا، والهداية والبيان المبين. وهي الركن الأول والأكبر في الإسلام؛ إذ أعطى الإسلام أهمية جليلة لقضية التوحيد، واستمر القرآن في مخاطبة المؤمنين بعد أن آمنوا.

قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (النساء 136).

فمن المُتوقع أن بروز تلك القضية في القرآن كان بسبب كفرهم بقضية الألوهية. ولكن لماذا يستمر القرآن في مخاطبة المؤمنين بعد أن أدوا الفرائض ووصلوا إلى ذروة سنام الإسلام “الجهاد”؟!

السبب الحقيقي في ذلك أن قضية التوحيد هي قضية دائمة في الحياة، فالتوحيد يُصحح العقائد الفاسدة، ويمحق الباطل، ويُذكَر المؤمنون بالتوحيد ليصبح الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء. ولا تستوي حياة الإنسان بدون كلمة التوحيد؛ فهي رسالة الأنبياء والرُسل جميعًا.

قال -عز وجل-:﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف 65)، وقال -تعالى-:﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ (هود 61)، وقال:﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَن لَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۖ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (نوح 25،26).

إذًا فهي قضية دائمة، ولكنها لاقت الكثير من الكفر والطغيان، بل وقد طال من آمن بها العذابُ والتنكيل. فلماذا كان العناد والظلم؟ ففي عهد الرسول كانت قريش تفخر إذا خرج من بينهم شاعر، فلماذا إذا خرج رسول سبوه؟! لماذا لم يدعموا تلك القضية وخاضوا الكثير من الصراعات؟

لو كانت “لا إله إلا الله” مجرد كلمة تُقال، فلا يُعقل أن تُقابل بكل ذلك الطغيان، ولكن المشركين فهموا مقتضاها؛ فهي بمثابة انقلاب وتغيير في منهج وأسلوب حياتهم. فبمجرد نطق “لا إله إلا الله”، ستتبدل حياتهم؛ سيتركون عبادة الأصنام، سيؤمنون بالبعث والحشر والحساب، سيتركون عبادة ما عبده آباؤهم.

فقد روى البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال:” لما حضرَت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال:” أي عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله”، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟!، فلم يزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرضها عليه، ويعيدانه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله.

قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:” والله لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك”. فأنزل الله:(ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾”. وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-:﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾.

وبالطبع سيتركون الخمر والميسر والزنا والقتل وظلم الناس ووأد البنات؛ فالتوحيد يشتمل عبادة الله الواحد القهار، واتباع أوامره بفعل الخيرات وترك المحرمات، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة 170).

ولهذا رفضوا وبالغوا في طغيانهم في محاربة التوحيد؛ لأنهم لا يريدون تغيير منهج حياتهم، ولأن من مقتضيات “لا إله إلا الله” قضية الحاكمية، فهل سيتحاكمون لقانون الله أم لأهوائهم؟ كانت قريش هي الحاكمة، فتُحرم وتُحلل ما تشاء بغير سلطان.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (التوبة 37)، ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام 139).

جيل الصحابة وقضية التوحيد

قبل بعثة النبي، كان العرب يمتلكون كل مقومات التآلف، ولكنهم كانوا منقسمين، إلى أن شاء العزيز العليم أن يُخرِج منهم خير أمة أُخرِجت للناس؛ إنها “لا إله إلا الله” التي جمعت شتات النفوس من التيه والضلال، ليلتف المؤمنون حولها ويهاجروا ويُعذَّبوا ويُقتَّلوا من أجلها.

إن “لا إله إلا الله” قد أحدثت تحولًا بهم، فهي بمثابة ميلاد جديد لنفوسهم وقلوبهم، فلم يعد يشغل بالهم القبيلة والأعراف والعادات الجاهلية، بل أصبح الرابط الوحيد بينهم هو “الدين”.

إن التوحيد ليس مجرد إقرار كما يزعم أصحاب الفكر الإرجائي، بل المطلوب هو إقرار وعمل ومقتضيات. قال تعالى:﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة 177). ففَهِم جيل الصحابة ذلك الأمر، فحلّقت أرواحهم في رحاب طمأنينة التوحيد، فكانت المعجزات!

﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (الأنفال 9).

منهج الإسلام هو ملاذ البشرية

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك 14)؛ الشريعة الإسلامية هي ما شرعه الله لعباده المسلمين من أحكام وقواعد ونظم لإقامة الحياة العادلة، وتصريف مصالح الناس، وأمنهم في العقائد والعبادات والأخلاق، وتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة. يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتابه «أعلام الموقعين»:

  فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها. لذلك كان تحكيمها ضروريًا.

﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة 50). فلا يمكن أن تنصلح أحوال بلاد المسلمين بدون الرجوع إلى حكم الله، إن “لا إله إلا الله” هي الملاذ والمُنقذ الوحيد، وهي نقطة البداية والرجوع والقضية التي لا تنتهي، وتسكُن بها النفوس والقلوب.

قضية التوحيد كمحرك للشعوب

كثيرًا ما يتردد أنه لا يمكن أن تُقام ثورة إسلامية لإقامة الشريعة وتنحية القوانين الوضعية، إن الأمر هنا في فهم ماهية الثورة الإسلامية.

فالتصورات في تلك القضية ضعيفة جدًا، وقد يستبعد البعض قيام ثورة إسلامية من الأصل. فالأمر معقد؛ فالأمة الإسلامية قد وصلت لدرجة كبيرة من الذل والهوان، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما قال:

يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها”، فقال قائل: ومِن قلة نحن يومئذ؟ قال:” بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن”، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال:” حب الدنيا، وكراهية الموت”.

إن قضية التوحيد بمقتضاها ومعناها كفيلة بتحريك الشعوب، فكل شيء في حياتنا له صلة بالدين، فلذلك نجد عظمة الدين في تفاصيله من أمور الجهاد والتجارة والمعاملات والزواج والطلاق وآداب الأكل والشراب ودخول الخلاء.

والواجب على الطليعة الذين فهموا المؤامرة الكبرى التي نعيش فيها أن يبدأوا من نقطة الانطلاق التي بدأها الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهي “لا إله إلا الله”، على الرغم من التضييق والتفرقات والشُبهات التي يبُثها أعداء الله.

فالمولى -عز وجل- سيسألنا يوم القيامة عمّا قدمناه، فلا يجب علينا التراجع ولو خطوة في طريق التوحيد، والله مُتم نوره ولو كره الكافرون.

87

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.
المصادر
الكاتب

رحاب خالد

أعمل كمُعلِّمة لغة إنجليزية

اترك تعليقًا

*
*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.