غزّة وحكاية صمودٍ تاريخيّةٍ لا تتوقّف

 نحن أجيالٌ عاشت على الوهم سنواتٍ طويلةً، وألقيت على أبصارها غشاوةٌ ما كان لها أن تنقشع؛ لولا مشاهد دموية، خلّفها العدوان الإسرائيليّ على أطفال غزّة ونسائها وشيوخها وبيوتها وشوارعها… على مرأى من عالمٍ آثر السّكوت، لنتيقّن أن قيّم الإنسانيّة التي نادى بها الغرب على مدى القرن الماضي وما تقدَّم من الحالي، كانت مجرّد خدعةٍ سياسيّةٍ؛ استخدمها لتوطيد أركان مشروعه السَّاعي إلى إقامة حضارة غربيّةٍ، تنهك غيرها بإحدى الشرارتين (الحرب أو الخنوع)؛ ليقتنع العالم أن لا حياة في الحاضر دون التّبعيّة المطلقة للغرب. فاتّخذ هذا الغرب قيما وهمية، عاش فيها الإنسّان في عوالم الحرّيّة والدّيمقراطيّة والعدالة المتخيّلة التي يتخلى عنها وتنهدّ أمام أبسط مصالحه.

  تُدرَّس في جميع أنحاء العالم -تقريبا- مبادئ المنظمات الحقوقيّة العالميّة، فيصورون  لنا أنها تعتبر الإنسان مركز الكون، ولذا يجب أن يسود العدل بين بني البشر، وأن تَحكم العلاقات القائمة بين الحضارة والحضارة والدولة والدولة والإنسان والإنسان قوانينُ؛ تصون الحقوق وتضمن السيادة والكرامة. فقد درسنا -مثلا- حقّ الطفل في التّعليم والرعاية والصحة والعلاج والحماية والغذاء واللّعب… وكذا حقوق المرأة؛ من حرّيةٍ وعيشٍ كريمٍ وتعليم.ٍ.. هذا جزءٌ يسيرٌ، مما يدرس في العالم من حقوق الإنسان؛ على أن هذه المنظمات الغربيّة تحفظه له.

  لكن عجلة الزمن؛ أبت إلا أن تضع هذه الشعارات الساحرة والمبادئ الشريفة والقيّم المعتدلة أمام اختباٍر حاسٍم قّدمه شعبٌ استطاع ببطولته وإقدامه وتمّسكه بأرضه؛ أن يكشف للعالم زيف الشعارات وسراب المبادئ، وحقائق ما كانت لتعلم لولا غزّة وأهلها.

  وانطلاقا من هذا يمكننا أن نضع استفسارين، لنحاول الإجابة عليهما في مفاصل هذا المقال:

هل يمكن التأصيل لما يجري الآن تاريخيا؟

غزة

  وإذا أردنا الإجابة على هذا السّؤال؛ فإننا نقول إن المشاهد القادمة من غزّة توحي بأن ما خلّفه العدوان الإسرائيلي حتّى الآن من الدّمار والقتل والتهجير والتنكيل… كفيل بأن يجعل هذه جريمةً، من أكبر الجرائم التي عرفها التّاريخ، فلا يوجد عدو في التاريخ حاول استئصال الأبرياء وقتل الأطفال والنساء والضعفاء والمرضى، وقطع الماء والكهرباء ووسائل الاتصال وهدم المستشفيات على رؤوس المرضى العاجزين؛ إلا إسرئيل، ولا يوجد عدو في التّاريخ قاده عجزه في ميدان المعركة؛ إلى هدم المدارس على الأطفال وقتلهم، دون مراعاة أيّ ضميرٍ إنسانيٍّ، في مشاهد تذوب لها قلوب البشر؛ إلا إسرائيل، ولا يوجد جيشٌ في التّاريخ يفر أمام أعدائه الصامدين الأبطال، ثم ينثني إلى المدنيين لينتقم منهم، ويطالبهم بتسليم مجاهديهم؛ سوى إسرائيل، التي عجزت أمام المقاومة الفلسطينية -أعزها الله- فحاصرت السكان وغلقت عليهم الأبواب ومنعتهم الحياة؛ ظنا منها أن ذلك سيوقف طوفان الأقصى المبارك، ولكن هيهات هيهات!

  إن عشرات الآلاف من القتلى وأخرى من الجرحى وأخرى من المهجرين، الذين أخرجوا من ديارهم، وما يزيد على ثلثي مساكن وبيوت وعمارات غزّة… كلّ ذلك يمثل جزءًا فقط من خسائر شعب آثر نظامُ الغابة الذي يحكم العالم أن يعتبره ضحيّة، يودون أن يمسحوه من على وجه خريطة الأرض؛ ليقيموا مكانه دولتهم التي يعتبرون أن قيامها، سيمثل لهم جسرا يمرّون من خلاله إلى الشرق الأوسط؛ لتبدأ رحلة استعمارٍ جديدةٍ، لكن سعيهم في مسح فلسطين وترك شعبها بين قتيل وشريد؛ لن يكون -بإذن الله- إلا كسعي فرعون وراء موسى؛ حتى إذا قال أنا ربكم الأعلى وظن أن حصونه مانعةٌ له وسعى سعيه وراء موسى، قيل: {وأغرقنا آل فرقون وأنتم تنظرون}،  ذلك ما ستحققه إسرائيل -ومن ورائها الغرب- من محاولتهم تجاوزشعبٍ، أرهق كلَّ حضارات التاريخ قهرُه، حتى عادت محّملة بالخيبات، ومن لم يعتبر بالتّاريخ جنى على نفسه.

     وفي حكايات التاريخ، نجد أوضاعا مماثلةّ لما يجري في فلسطين اليوم، يلخص بعض ذلك رسالة أبي عبيدة بن الجراح -المرابط حينها في أكناف فلسطين- إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، قبيل معركة اليرموك، إذ قال فيها: «نفرَت الروم إلينا برا وبحرا وسهلا وجبلا، ولم يخلفوا وراءهم رجلا يطيق حمل السلاح إلا جاءوا به» ثم كان جيش الروم حينها يفوق جيش الجهاد عددا وعدّة وعتادا، ثم طاولوا وفاوضوا وماطلوا، ليُهزموا في النهاية شر هزيمة، فماذا بقي من أوجه التشابه بين طوفان الأقصى واليرموك لم يتحقق؛ إلا نصر المجاهدين، وخيبة الجيش الإسرائيلي، ليعود مذموما مدحورا، وذلك ما بدأت بوادره بالفعل تلوح في الأفق، لقد جاؤوا بكل جيشهم مكللا بعُدة كانوا يروجون أنها الأكثر تطورا في العالم، معتقدين أن مسح غزة وجرفها لن يستغرق إلا أياما معدودة، لكن السلاح بيد الجبان لا يغني… انتفضت غزّة بقسّامها وسراياها، فانهدّ العدوّ وخار وانقلب على عقبيه، باحثا عن الهدن!

  ثم إن هزيمة الروم في اليرموك؛ كانت ممهدة لإخراج الروم من فلسطين والشام قاطبة، وذلك ما تم بالفعل في معركة حطين الخالدة، ليولوا الأدبار، عائدين من حيث جاؤوا إلى الأبد، حاملين معهم الخيبة والحسرة، على أرض استعمروها فألِفوها ولم تألفهم ولم ترض بهم حكاما لها، ولا رضيت بغير أهل فلسطين الأحرار على أديمها الشريف. ثم دار الزمن دورته؛ وحكمت الحضارة الإسلامية، فعلّمت العالم ما لم يعلم، فكانت فلسطين ملتقى الدّيانات والأعراق، تمثل مدينة سلامٍ ومحبةٍ. حتى انقشعت أيام عزّة المسلمين والعرب، واستقل بكل منكب من تلك الأرض حاكمٌ، يقدّم ولاءه لسلطانه ومُلكه، على حساب ثوابت الأمة ومقدساتها.. فضاعت القدس وضاع الأقصى وضاعت غزة وضاعت فلسطين، فلطخها الصليبيون، وقلبوا سلامها فتنة، وقتلوا أهلها وشردوهم، ودنسوا مقدساتها، وعاثوا في الأرض فسادا، ولأن الزمن لا يدوم على حال والدهر لا يملّ التقلبات، وُلد صلاح الدين في ليلة مباركةٍ، حملت بشائر تحرير الأقصى، فشبّ زاهدا في السلطان والملك والمال، قائدا محنكا شجاعا… ليُخرج الصليبيين ويطهّر الأقصى. فإذن لن يكون التاريخ إلا كما كان -دوما- درسا، وصورة تعيد نفسها.

كيف يمكن للمسلمين والعرب مساندة فلسطين اليوم؟

  إنّ طرفي الحرب القائمة الآن؛ ليسا مجرّد الحركات الجهاديّة التحررية الفلسطينيّة، والمحتل الإسرائيلي فقط؛ بل هي الحركات الجهاديّة في مواجهة إسرائيل، ومن ورائها أمريكا والغرب أجمع؛ مع وجود استثناءاتٍ قليلةٍ، ولذا يبدو الأمر أشبه بتحالفٍ، تتقارب دوافع المتحالفين فيه، ومن أبرز هذه الدوافع؛ الدّافع العرقيّ، والدّافع العدائي المحض، والدّافع الماديّ الاستعماريّ…

  لا يخفى أنّ هذه حرب غير متكافئةٍ من الناحيّة اللّوجستية، فلا تمكن مقارنة معدّات جيش تمدّه أكبر دوّل العالم وأقواها بشتى أنواع الأسلحة المتطورة؛ من حاملات جندٍ وجرّافات ودبّاباتِ (ميركافا) وصواريخ ومتفجّراتٍ وطائراتٍ مسيّرةٍ.. مع معدّات حركاتٍ، يحاصرها العالم، فلا تمتلك إلا بعض الأسلحة المتواضعة، التي صنعتها من المستحيل. ومع كلّ ذلك استطاع مجاهدو القسّام والحركات الجهاديّة عموما؛ أن يقهروا الجيش المدعوم من قوى العالم، المدجّج بأكثر أنواع العتاد تطورا في الكون، ويسقطوا أسطورة الجيش الذي لا يقهر، تماما كما فعل جيش سيف الّدين قطز والظاهر بيبرس بقّوة التتّار في عين جالوت، فكيف لو كانت القوى متقاربةٌ؟

  إنّ الدّعم بالتّظاهرات المنددة بالعدوان الإسرائيليّ، وتقديم التبرعات الإنسانيّة والكتابة عن القضية؛ كلّ ذلك أمرٌ مهمٌ جدّا، وقد قدّمته جلّ الشعوب الإسلاميّة والعربيّة وكذا الحكومات نسبيا، ويجب تكثيفه، إلاّ أنّ الظرفيّة تستلزم أكثر من ذلك. وللأسف ما كان يجب أن يكون الحديث عن ضرورة قطع العلاقات مع إسرائيل أمرا مطروحا، على الأقل بالنسبة لنا نحن المسلمين والعربَ، فهذا ما يقتضيه؛ الدّين وتقتضيه الهُوّية والثقافة والثابت والمروءة والكرامة والغيرة، والإنسانيّة، لذا كان يجب أن يكون متجاوزا.

  ثم إنه من العلوم عند العالم أن معظم الأسلحة التي يبيد بها الكيان الصهيونيّ أهل فلسطين قدّمتها له دوّلٌ كبرى من دوّل العالم، التي تدّعي مبدأ السّلام. لكن المؤلم حقّا، أنّ هذه ّالأسلحة، ما كان بعضها ليوجد؛ لولا بترول العرب وحديدهم وأفكار أبنائهم… وإذا جاز أن ننطلق من هذا، فإننا -للأسف- مشاركون في معاناة أهل غزّة وما حلّ بهم من دمارٍ، سواء كانت تلك المشاركة عن وعيٍ أو دونه.

     وإذن يجب على قادة الدوّل الإسلاميّة والعربيّة، إذا ما أرادوا شرف المشاركة في تحرير فلسطين؛ أن ينبذوا التّفكير في العواقب وتصوّر ما يمكن أن تفعل بهم أمريكا أو غيرها، ويتّخذوا الشّجاعة سبيلهم، ويستلهموا من التّاريخ المواقف العظيمة، ليفرضوا على هذه الدوّل الداعمة لإبادة شعبنا المجاهد المرابط العظيم؛ وقف دعم هذا الكيّان الإرهابيّ؛ لتبقى المواجهة فقط بينه وبين فلسطين، ويومئذ سيقول الإسرائليون هذا يومٌ عسيرٌ! فالمعركة الآن ليست بين الكيان الصهيونيّ وفلسطين كما سلف.

   وفي النهاية لن تضحي -على الأقل- أمريكا التي تعدّ الدّاعم الأكبر لإسرائيل في هذه القضية، بعلاقاتها مع جميع دوّل العالم الإسلاميّ والوطن العربيّ؛ لأن مصالحها -على الأرجح- من كلّ هذه العلاقات مع جميع هذه الدّول، تفوق مصالحها من قيّام دولةٍ إسرئيليّةٍ مكان فلسطين التاريخيّة، وحتى إن حاولت محاسبة هذه الدّول، فإن كلّ العقوبات التي يحتمل أن تفرضها، لن تؤثر تأثيرا كبيرا، تماما كما نرى في بعض الدّول التي تحاصرها الآن، وتفرض حلفاءها على محاصرتها. كما أن شنّ حربٍ على هذه الدول ليس مطروحا؛ لأن ذلك سيقود إلى تدخّل طرفٍ ثالثٍ قويّ، يتمثل  في روسيا والصين، مما سيقود إلى حربٍ عالميّةٍ، لا منتصر فيها. فهل هي -إذن- إلا شجاعة وصبرٌ وأيّامٌ معدوداتٌ!؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى