مهزلة وخيانة مفاوضات الآستانة

من كان يظن أن الطريقة الهزيلة التي استدرجت بها بريطانيا العرب في مطلع القرن العشرين ليطعنوا الدولة العثمانية في ظهرها بإعلانهم ما سُمِّي “الثورة العربية الكبرى“، حدثٌ استثنائي في تاريخ الخيانة والسذاجة التي اتسم بها العرب، فلينظر لمهزلة وسذاجة وفد ما يسمى بِ”معارضة الثورة السورية” في مفاوضات الآستانة التي انعقدت بين 23-24 يناير (كانون الثاني) 2017م في كازاخستان!

من كان يظن أن معاهدة كامب ديفيد التي وقع عليها النظام المصري تحت رئاسة أنور السادات في سبتمبر 1978م، حيث اعترفت مصر بإسرائيل وأنهت معها كل أنواع الحرب والقتال، وجعلت سيناء منطقة عازلة تحت مراقبة دولية، وتعهدت مصر بحماية إسرائيل من طرفها، من كان يظن أنه يستحيل أن يقع من العرب مرة أخرى خيانة مثل خيانة اتفاقية كامب ديفيد، فلينظر لخيانة وفد “معارضة الثورة السورية” في مفاوضات الآستانة وما سيليها من مفاوضات جنيف وغيرها!

من كان يظن أن اتفاقية أوسلو التي وقَّعت عليها أحدُ كبار فصائل المقاومة الفلسطينية، منظمة التحرير الفلسطينية (التي كانت مصنفة كجماعة إرهابية)، في سبتمبر 1993م، حيث أنهت كل أنواع الحرب والقتال واعترفت بموجبها بإسرائيل وتنازلت عن فلسطين لليهود، وتعهدت السلطة الفلسطينية المنبثقة من الاتفاق بحماية إسرائيل والتنسيق معها أمنيا للقضاء على فصائل المقاومة الفلسطينية، من كان يظن أنه يستحيل أن يقع من العرب مرة أخرى خيانة مثل خيانة اتفاقية أوسلو، فلينظر لخيانة وفد “معارضة الثورة السورية” في مفاوضات الآستانة، وتعهدهم بحماية نظام آل الأسد وحلفائه من فصائل المقاومة الثورية!

ومن كان يظن أنه إذا انكشفت خطط الغرب وفخاخه التي يحيكها ضد المسلمين وكان واضحا ما يريد الغرب الوصول إليه فسيتجنب المسلمون الوقوع فيها، فليتذكر أن اتفاقية سايكس وبيكو لتقسيم بلاد العرب بين فرنسا وبريطانيا (ومصادقة روسية) تم تسريبها ونشرها من قِبَل الروس سنة 1917م، فلم يُغَيِّر ذلك أي شيئ، فبعد شيئ من الجعجعة والاحتجاجات اللفظية، نفذ العرب اتفاقية سايكس وبيكو بكل حذافيرها، ونفس السيناريو يُعاد مع “معارضة الثورة السورية” في الآستانة وجنيف. فالكل يعلم أن الغرب وروسيا هم العدو الأول والأكبر للمسلمين عامة ولثورة الشام خاصة، وأن أهل الشام يتجرعون الموت يوميا بنيران روسيا وأمريكا، والكل يعلم أن هدف الغرب من المفاوضات هو استدراج الفصائل المقاتلة للاستسلام، وللمساهمة في تصفية الفصائل التي لا ترضى بمشروع الغرب الرامي لتثبيت نظام علماني نصيري-رافضي في الشام، مرتبط أمنيا ومخابراتيا بالنظام الدولي وحامي لإسرائيل، والكل يعلم أنه إذا تخلص الغرب من الفصائل الثورية المصنفة، فسيتم تصفية باقي الفصائل “المعتدلة”، ولن يحصل أي فصيل سني على أي شيء، فرغم أن كل هذا معلوم ويُعاد مرارًا وتكرارًا تنفيذه على المسلمين، إلا أنه ومع ذلك تستميت “معارضة الثورة السورية” في تلبية ما يدعوها إليه الغرب، ويهرولون للمفاوضات، ويبررون استجابتهم للغرب، بل ويعتبرون ذلك سبيل النجاة! مثلهم كمثل الحشَرة التي تنجذب إلى نور المصباح لتحترق تحت ناره!

لكن مهزلة وفد “معارضة الثورة السورية” في الآستانة فاق كل مهازل من سبقهم في مفاوضات مدريد وأوسلو وكامب ديفيد، وتلاعب تركيا بهم فاق مهزلة تلاعب توماس إدوارد لورنس بالعرب في مطلع القرن العشرين!

http://gty.im/632451536

عادة طبيعة المفاوضات أن يجلس الأطراف للتفاوض، ثم إذا توصلوا لاتفاق ما، تحرر الأطراف المعنية بالأمر سواسية، وليس وكلائهم، بيانًا يحددون فيه بإجماع كل عبارة في البيان! لكن، وللإمعان في إذلال وفد “معارضة الثورة السورية” وتعريفهم بمقامهم وحجمهم الحقيقي ودورهم الذي جُمِعوا لأجله، تم تحرير البيان الختامي للآستانة من قِبَلِ روسيا وإيران ونظام آل الأسد ومصادقة تركية، قبل انطلاق المفاوضات أصلا، ودون إشراك العنصر الأساسي في المفاوضات “معارضة الثورة السورية”، بل ونُشِرَ البيان مع انطلاق المفاوضات دون علم المعارضة! ثم بعد انتهاء لقاء آستانا، خرج وزير الخارجية الكازاخي، خيرت عبد الرحمنوف، ليلقي البيان على الصحفيين، بحضور ممثلين عن تركيا وروسيا وإيران، وليؤكد بنود الاتفاق التي حاولت “معارضة الثورة السورية” جهدها الإشارة على أنها لا علم لها بها، وتتحفظ عليها!

في مهزلة اتفاقية الهدنة في 29 كانون الأول/ديسمبر 2016م قُدِّم لِ”معارضة الثورة السورية” ورقة للتوقيع مخالفة لنص الورقة التي وقَّع عليها نظام آل الأسد. لكن في الآستانة، ولما تأكد الروس من تهافت وتفاهة وصَغَار “معارضة الثورة السورية” وحجم الذل الذي تقبل به، تجاوز لِئَام النظام الدولي مسألة نقاش أوراق “الاتفاق” أو بالأحرى أوراق القرارات (أي قرارات) معها، واستغنوا عن توقيع “معارضة الثورة السورية” لها، وأصبحوا يأتون بهم كشهود زور فقط، ليتلوا عليهم أمام حضور من الصحفيين ما تم تقريره! فما يتفق عليه النظام الدولي، وتُصَدِّق عليه تركيا، يُعتبر ساري المفعول، أمرًا ستنفذه “معارضة الثورة السورية”!

فمن الخطورة والغباء السياسي القاتل بناء الثوار مواقفهم على أساس ما تصرح به “معارضة الثورة السورية”، بل وحده قرارات التحالف الدولي هي التي تُتخذ المواقف على أساسها، ومنها المواقف اتجاه “معارضة الثورة السورية”، ما دامت هذه الفصائل دخلت تحت مظلة تركيا وروسيا وأمريكا، واعتبرت المفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة الطريق الذي لا يمكن الخروج عنه للوصول لحل في الشام، وراضية بشرعية المجتمع الدولي وحقه في تحديد مصير ثورة الشام وفِي تحديد نظام الحكم للمسلمين في بلادهم الإسلامية!

ومن المهازل المُضحِكَة المُبكِيَة لِ”معارضة الثورة السورية” أنها تظن فعلا أنها يمكنها عن طريق المفاوضات إجبار نظام آل الأسد وحلفائه وروسيا على التوقف عن القصف، وإطلاق سراح المعتقلين، ورفع الحصار المُطبق على عدد من مناطق الثوار، بل وعن طريق المفاوضات إجبار نظام الأسد عن التنحي! بل وقمة المهزلة أن تصر “معارضة الثورة السورية” على جعل روسيا ضامنة لوقف إطلاق النار، مع أن روسيا هي نفسها تقصف يوميا، والى هذه اللحظة، المسلمين السنة في الشام، تقصفهم خلال وبعد لقاء آستانا، وهي نفسها (أي روسيا) التي لم تَفِ بتعهدها في اتفاق هدنة 29 كانون الأول/ديسمبر 2016م بضمان وقف إطلاق! وكيف يُرجى من روسيا الإرهابية العدوة للمسلمين أن تُسقط النظام النصيري في الشام، وهي التي تدخلت لتحمي نظام بشار الأسد من السقوط، كما صرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قبل أسبوع!

أليس لأعضاء “معارضة الثورة السورية” عقول؟ أليس في فصائل “معارضة الثورة السورية” رجل رشيد يوقف مهزلة القوم؟ حتى المجنون يكاد يفقد ما تبقى عنده من إدراك بسبب مهزلة وتهافت وتفاهة وتخاريف “معارضة الثورة السورية”!

تحرير الأسرى وقلع النظام النصيري وإيقاف تقتيل المسلمين في الشام لا ولن يتحقق إلا بالقوة! والسياسة الحقيقية، كما يعلمها كل إنسان له ذرة من عقل وفهم بالسياسة، هي التي تُفرض بالقوة على أرض الواقع، أما المفاوضات فلا تكون إلا لإلزام الطرف المنهزم بالاستسلام لما فُرض بالقوة في أرض الواقع! هكذا بنت أمريكا دولتها العظمى، وهكذا بنت دول أوروبا دولها الحديثة، وهكذا بنى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم دولته في شبه جزيرة العرب وثبت قواعدها وسلطانها!

وسياسة القوة وفرض أمر واقع هو ما مارسته روسيا وحلفائها في الآستانة على شهود الزُّور من “معارضة الثورة السورية”، حيث أصدرت روسيا وحلفائها بيانها الختامي كمسطرة عمل يُفرض على الخونة، بيان لا يحتاج لمشاورتهم ولا موافقتهم، بل يلزم “معارضة الثورة السورية” بالامتثال لها، وإلا قُطعت عنهم الرواتب التي تمنحها لهم تركيا وقطر والسعودية، وإلا استعجلت المنية رؤوس قيادات “معارضة الثورة السورية” أنفسهم عن طريق طائرات الروس والتحالف الدولي، ولذلك بعث النظام الدولي رسالة واضحة لِ”معارضة الثورة السورية”، أياماً فقط قبل انعقاد مهزلة الآستانة، وذلك بقصف التحالف الدولي برئاسة أمريكا مقرات لحركة نور الدين الزنكي في منطقة الشيخ سليمان في ريف حلب الغربي، وقَصْفْ روسيا لمواقع لِ”جيش المجاهدين” في ريف حلب، رغم أن الفصيلين من المنخرطين في المفاوضات مع النظام الدولي وغير مصنفين أمريكيا!

وانظر للبيان الختامي لمهزلة آستانا كيف تم تصديره بِ: [اتفق ممثلو كل من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وروسيا الاتحادية، وجمهورية تركيا، بناء على البيان المشترك لوزراء خارجية الدول الثلاث الصادر من موسكو، في 20 ديسمبر/كانون الأول 2016، والقرار الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2336، على ما يلي]! لا ذكر لِ”معارضة الثورة السورية”، فهم مرتزقة فقط، ينفذون ما يُؤْمرون به! فمن رضي بالذل والابتزاز، وفَضَّل معيشة العبودية للكفار على الموت في سبيل الله، زاده الله مهانة وذُلا وسلط عليه شر خلقه، قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا”، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: “بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ!”، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: “حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ”(سنن أبي داود)، وقال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ”(سنن أبي داود).

ومن بين ما جاء في أوامر بيان الآستانة:-

  • إعادة تأكيد الالتزام بسيادة واستقلالية ووحدة أراضي الجمهورية العربية السورية، باعتبارها دولة ديمقراطية، متعددة الإثنيات، متعددة الأديان، غير طائفية، كما أكد مجلس الأمن بالأمم المتحدة.
  • تعيد الوفود المشاركة تأكيد إصرار الجميع على القتال ضد تنظيم “داعش”، والنصرة (على أن يجري) فصل مجموعات المعارضة المسلحة منها.
  • دعم الرغبة التي تبديها مجموعات المعارضة المسلحة للمشاركة في الجولة التالية من المحادثات التي ستعقد بين الحكومة والمعارضة برعاية الأمم المتحدة في جنيف في 8 فبراير (شباط) 2017.

وتزامنا مع إعلان البيان الختامي، أعلن رئيس الوفد الروسى في محادثات آستانة، ألكسندر لافرينتيف، تسليم موسكو لوفد “المعارضة السورية” مشروع دستور جديد لسوريا المسقبل أعده خبراء روس! كما أعلن رئيس وفد النظام النصيري، بشار الجعفري، أن “معارضة الثورة السورية” ستزود التحالف بخرائط مفصلة ودقيقة لمواقع “الفصائل الإرهابية”، نفس الإعلان صرح به الروس عقب اتفاق هدنة 29 كانون الاول/ديسمبر 2016م!

مرة أخرى تؤكد مخرجات الآستانة نقط مهمة سبق أن ذكرناها، وهي: 

  • استدراج الفصائل المقاتلة لإيقاف القتال والاستسلام، رغم استمرار نظام آل الأسد وحلفائه في القتال!
  • مساهمة الفصائل المستسلمة في تصفية الفصائل التي لا ترضى بهيمنة الغرب.
  • تثبيت مشروع الغرب المتمثل في نظام علماني نصيري-رافضي في الشام، مرتبط أمنيا ومخابراتيا بالنظام الدولي وحامي لإسرائيل، دستوره تعِدُّه دول الغرب ويُفرض على الشعب السوري المسلم، أو ما سيتبقى منه بعد محاولة إفنائهم وتهجيرهم!

كتبتُ في شهر يناير من سنة 2014م، عَقِبَ مؤتمر جنيف 2: [إذا كان قتال داعش ورقة سياسية، ضمن مُخَطط “الحرب ضد الإرهاب”، يحاول طرف أو أطراف استخدامها في مفاوضاتهم تحت إشراف الغرب، …. أقول إذا كان الأمر كذلك فإنه شِبْه مؤكد أن بعد قتال داعش، سَتُوَجَّه البوصلة اتجاه فصيل آخر أو فصائل أخرى في سوريا، … السؤال فقط مَنْ هو الفصيل أو الفصائل القادمة الذي ستُعْلَنُ الحرب ضدها وبأوامر من؟]

اليوم بات واضحا تمام الوضوح أن فتح الشام على الخصوص هي من سيُوجه إليها سلاح “معارضة الثورة السورية”، بمساندة جوية من طائرات التحالف الدولي وروسيا.

وقد بدأ فعلا، “وليس صدفة” في اليوم الختامي لمؤتمر آستانا، مشايخ التمييع والانبطاح والتثبيط (ومن بينهم “المجلس الإسلامي السوري”، و”مجلس شورى أهل العلم في الشام”، وعشرات “المشايخ” والكتاب من داخل سوريا وخارجها)، بهجمة تحريضية شرسة على فتح الشام، وصفوا فيها الجبهة بأنهم خوارج وغلاة ويجب استئصالهم الخ، وبدأوا يحرضون عوام الناس والشعب السوري على الجبهة، وكأن مشايخ الأمريكان كانوا ينتظرون بشغف وحرقة أن تُعطى لهم إشارة البدء في شرعنة قتال الجبهة! ومشايخ الأمريكان يتعمدون استعمال اسم “النصرة”، رغم أن هذا ليس اسمها بعدما غيرته! وَيَا للعجب والوقاحة أن تبرر “معارضة الثورة السورية” و مشايخ الأمريكان قتالهم للجبهة بغرض الحفاظ على الثورة وثوابتها وهم الذين باعوها للنظام الدولي عبر مفاوضات الآستانة وجنيف و”درع الفرات” التركي! مشايخ الأمريكان، يفتون من ناحية بالالتزام بوقف إطلاق النار، وبوجوب الخضوع لأوامر الغرب والاستسلام له والذهاب للمفاوضات والتنازل عن حق إقامة الشريعة والتحرر من هيمنة الغرب، ومن ناحية أخرى يفتون بقتال الفصائل التي تمتنع عن الخضوع لإملاءات دول الكفر. وقد استغل مشايخ الأمريكان حملة تأديبية واستباقية لفتح الشام ضد بعض الفصائل، ومنها “الجبهة الشامية” و”جيش المجاهدين”، التي انخرطت في مفاوضات الآستانة وجنيف وأنيط لها محاربة الجبهة، وكشف مواقع المجاهدين المغضوب عنهم أمريكيا، لإعلان الحرب الشرسة الاستئصالية ضد الجبهة!

والحقيقة أن ما عدا الدراويش أو الخونة، فكل عاقل ومن لهم وعي سياسي معقول، يدرك أن ثورة الشام تمر بمرحلة حرجة جد خطيرة، مرحلة بدأت تتضح فيها الصفوف أكثر فأكثر، مرحلة صراع إرادات، إما يفرض الخونة بدعم غربي مشاريع النظام الدولي في الشام، أو يفرض أصحاب منهج إسلامي مشروعا إسلاميا مستقلا عن الغرب.

ومن بين أخطر ما يمكن أن يُبتلى به السياسيون وأصحاب القرار هم مستشارين و”شرعيين” تغلب عليهم الدروشة والمسكنة والسطحية، فيُتأخر عن اتخاذ الموقف الصحيح، ولو كان صعبا ومكلفا، وتُضيع فرص الحسم، حتى “يقع الفأس على الرأس”! فمن السياسة الشرعية، كما علَّمنا الله ورسوله، الحسم في الأمور واستباق الأحداث، فغالب غزوات الرسول والصحابة بعده كانت استباقية لدحر مخططات كل من كان يكيد بالإسلام والمسلمين، والله سبحانه يقول {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58)}(الأنفال). فالله أمر رسوله، ومن بعده المسلمين، الاستباق لنبذ عهودٍ أُبرمت إذا اجتمعت قرائن (وليس بالضروري أدلة، فمن انتظر الأدلة في السياسة، فلن يدركها إلا بعدما تُنفذ وتقضي عليه) على عزم الطرف المتعاهد معه على القيام بخيانة، وإيقافه بالقوة قبل فوات الأوان، ولا يستثنى من هذا الحزم والحسم أقوام مسلمين، فالخيانة تقع من المسلم كما تقع من الكافر! فالمسلم لا يجوز له أن يكون إمعة درويشا مغفَّلاً، ينساق وراء الشعارات والتصريحات، ويتغاضى عن الوقائع والأعمال، فينتظر حتى يحاط به ويُستأصل، كما حصل أكثر من مرة في تاريخنا الحديث!

فلا أدري ماذا يُنتظر من فصائل وأفراد وضعوا يدهم في يد أعداء وقتلة أهل السنة في الشام وأبرموا معهم اتفاقات، بعضها معلوم والآخر غير معلوم!؟ هل ينتظر أهل الشام أن ترمي عليهم طائرات أمريكا وروسيا الورود والحلوى بدلا من القنابل الفتاكة؟ هل ينتظر أهل الشام أن “معارضة الثورة السورية” التي تتفاوض مع النظام الدولي ستخدم مصالح المسلمين في الشام، بدلا من خدمة مصالح النظام الدولي الذي يمولها وحياتهم بيده (كما يعتقد الخونة)!

يجب على الأمة الإسلامية أن تلفظ مشايخ الأمريكان وتلجمهم، فلن تسقط الأنظمة العميلة المتسلطة على المسلمين قبل إسقاط مشايخ العمالة والاستسلام والتثبيط، مشايخ الآستانة وجنيف! … قيادات الثورة الفرنسية كانوا قبل أكثر من قرنين من الزمن أبعد وعيا وعزما وحسما وحزما من العرب اليوم، إذ أدركوا تماما مواطن الداء فرفعوا شعار: “اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس”!


  مصادر

  • الجزيرة: تعرف على البيان الختامي لمفاوضات أستانا، 24 يناير 2017م.
  • رأي اليوم: رئيس الوفد الروسي إلى اجتماع أستانا: سلمنا المعارضة السورية مشروع الدستور الجديد، 24 يناير 2017م.
  • شبكة الدرر الشامية: قائد أحرار الشام: فتح الشام رفضت النزول للشرع وسنُوقف الاقتتال ولو بالقوة، 25 يناير 2017م.
  • شبكة الدرر الشامية: المجلس الإسلامي السوري: فتح الشام “بغاة معتدون”، 24 يناير 2017م.
  • بلدي نيوز: “المجلس الإسلامي” يفتي بوجوب قتال “فتح الشام”، 24 يناير 2017م.
  • الموقع الرسمي لِ “المجلس الإسلامي السوري”: بيان بشأن جبهة النصرة (فتح الشام)،
  • شبكة الدرر الشامية: أحرار الشام تدعو الشعب للنزول إلى الشوارع وقطع الطرقات، 24 يناير 2017م.
  • شبكة الدرر الشامية: 29 من كبار الدعاة والمشايخ يصفون هجوم فتح الشام على الفصائل بـ”العدوان الآثم”، 24 يناير 2017م.
  • شبكة الدرر الشامية: شورى أهل العلم: على فتح الشام الوقوف مع الفصائل ضد جند الأقصى، 23 يناير 2017م.
  • البوصلة: الرفاعي يدعو للانفكاك عن “فتح الشام” ويصفه بـ”دين الخواج، 24 يناير 2017م.
  • أيمن هاروش (عضو المجلس الشرعي في احرار الشام).
  • عباس شريفة.
  • كلمة صوتية لأمير حركة أحرار الشام أبو عمار العمر .

فاروق الدويس

مسلم مُتابع للأحداث في البلدان الإسلامية خاصة، يحاول المساهمة في معركة الأمة المصيرية بأبحاث ومقالات… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى