لطالما كان فتح القسطنطينية حلمًا يراود المسلمين منذ نشأة الدولة الإسلامية، إذ إنهم حاولوا فتحها مرارًا وتكرارًا قبل عهد السلطان محمد الفاتح؛ الذي فتحها بعد ذلك عام 1453م. فنجد أن معاوية بن أبي سفيان في دمشق كان يمني نفسه بفتح المدينة، ويرى أنه بالسيطرة عليها سيثبت أقدام الخلافة الأموية ويحقق لها مجدًا لا يضاهيه مجد، لذا قام بإرسال قوة كبيرة إلى البوسفور على رأسها ابنه يزيد. لكن بالطبع لم يستطع المسلمون حتى عهد السلطان محمد الفاتح التمكن من فتح القسطنطينية، على الرغم من المعارك العنيفة التي طالما خاضوها لفتحها، إذ ظل معاوية يرسل حملة بعد حملة، حتى استطاعت واحدة من هذه الحملات بالفعل الاستيلاء على جزيرة قريبة من القسطنطينية لمدة 7 سنوات، لكنها تركتها عندما أصبح يزيد الخليفة بعد والده.

إلا أنه بموت معاوية لم يتوقف المسلمون عن حلمهم بضم القسطنطينية، فما إن استقر حالهم ووضعهم مرة أخرى حتى عادوا يحاولون تحقيق هذا الحلم من جديد. فكانت المحاولة الثانية لفتح المدينة في عهد الخليفة سليمان بن عبد الملك، إذ قام مسلمة بن عبد الملك بالهجوم على المدينة برًا وبحرًا في فترة حكم الإمبراطور ليو الثالث، لكن الأخير كان داهية في الحرب والسياسة، واستطاع إلحاق الهزيمة بالمسلمين وضم البلغار إلى جانبه، وهذه المحاولة كانت آخر محاولة حقيقية من قبل المسلمين لفتح القسطنطينية؛ حيث إن حال بني أمية قد ضعف واضطرب بعد ذلك إلى أن ظهرت الدولة العباسية، وكانت لا تهتم بهذا الأمر بأي حال من الأحوال، وهذا ما جعل القسطنطينية مدينة منيعة باقية حتى جاء الأتراك العثمانيون.

لم يكن السلطان محمد الفاتح هو أول من حاول من العثمانيين فتح المدينة، بل بدأ بحصارها السلطان بايزيد الأول، لكن التتار غزوا بلاده فاضطر إلى رفع الحصار عنها وذهب لمحاربة التتار والدفاع عن أرضه، ثم جاء السلطان مراد الثاني الذي حاول فتحها هو الآخر، إلا أن الأسطول العثماني في هذا الوقت كان ضعيفًا، ولم يكن لديه مدفعية قوية لذا فشل الفتح. حتى جاء السلطان محمد الثاني أو كما يعرف بلقب محمد الفاتح، وبذل الكثير من الجهد وعانى من مشقة لا يمكن وصفها حتى تمكن من أن يفتح هذه المدينة المنيعة والقوية. ولا يعني هذا أن العرب والأتراك فقط هم من كانوا يتوقون لفتح القسطنطينية طوال القرون الماضية! بل كانت هذه المدينة مطمعًا للكثير؛ بما في ذلك الأفار والبلغار الذين فشلوا في الاستيلاء عليها، ثم حاول اللاتين والصليبيون في مطلع القرن الثالث عشر دخولها، ونجحوا في ذلك بالفعل، إلا أن الدول البيزنطية عاودت الظهور واستطاعت استرداد المدينة مرة أخرى مستغلة الضعف الذي أصاب اللاتين.

هل تفتح القسطنطينية مرة أخرى؟

فتح القسطنطينية

هناك الكثير من اللغط حول مسألة فتح القسطنطينية؛ إذ إن الرسول ﷺ قد بشر بفتحها منذ مئات السنين، فهل الفتح الذي حدث على يد محمد الفاتح هو الفتح الذي كان يقصده رسول الله ﷺ؟ أم أن هناك فتحًا ثانيًا للقسطنطينية (مدينة إسطنبول الحديثة). لكي نجيب على هذا السؤال يجب أولًا أن نعرف ما الأحاديث التي ذكرت فتح القسطنطينية وماذا تقول، لذا دعونا نقسم هذه الأحاديث إلى 3 أقسام:

قسم الأحاديث الصحيحة

هناك ثلاثة أحاديث صحيحة ذكرت مسألة فتح القسطنطينية. وهذه الأحاديث هي:

الحديث الأول

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقٍ ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا، قَالَتِ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا، وَاللهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا. فَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ، أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللهِ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ، لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا، فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ، قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ، إِذْ صَاحَ فِيهِمِ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ، فَيَخْرُجُونَ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاءُوا الشَّأْمَ خَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ، يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ، إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّهُمْ، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللهُ بِيَدِهِ، فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ”. رواه مسلم في صحيحه (2897) عن سليمان بن بلال، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.

الحديث الثاني

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “سَمِعْتُمْ بِمَدِينَةٍ جَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَرِّ وَجَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَحْرِ؟ قَالُوا: نَعَم، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ، فَإِذَا جَاءُوهَا نَزَلُوا، فَلَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلَاحٍ وَلَمْ يَرْمُوا بِسَهْمٍ، قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ أَحَدُ جَانِبَيْهَا الَّذِي فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ يَقُولُوا الثَّانِيَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ. فَيَسْقُطُ جَانِبُهَا الْآخَرُ. ثُمَّ يَقُولُوا الثَّالِثَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ. فَيُفَرَّجُ لَهُمْ، فَيَدْخُلُوهَا فَيَغْنَمُوا، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْمَغَانِمَ إِذْ جَاءَهُمُ الصَّرِيخُ، فَقَالَ: إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ، فَيَتْرُكُونَ كُلَّ شَيْءٍ وَيَرْجِعُونَ ) رواه مسلم في صحيحه 2920.

الحديث الثالث (حديث موقوف)

الحديث الموقوف هو الذي يروى عن الصحابة رضي الله عنهم لكنه يتوقف عندهم ولا يصل إلى رسول الله ﷺ، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ، صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ وَهُوَ بِالْفُسْطَاطِ (الخيمة) فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ أَغْزَى النَّاسَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ. فَقَالَ: “وَاللهِ لَا تَعْجِزُ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ من أيام الله إِذَا رَأَيْتَ الشَّامَ مَائِدَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ فَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ”.

قسم الأحاديث الضعيفة ضعفًا يسيرًا

هناك 4 أحاديث ضعيفة ضعفًا يسيرًا حول فتح القسطنطينية، وهي:

 الحديث الأول

عن أبي قَبِيلٍ، قَالَ: “كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي، وَسُئِلَ: أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا: الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ؟ فَدَعَا عَبْدُ اللهِ بِصُنْدُوقٍ لَهُ حَلَقٌ، قَالَ: فَأَخْرَجَ مِنْهُ كِتَابًا، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَكْتُبُ، إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا: قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَدِينَةُ هِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلًا، يَعْنِي: قُسْطَنْطِينِيَّةَ “.

الحديث الثاني

روي مرفوعًا عن النبي ﷺ أنه قال: “لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ”. وهو في جميع الأحوال ذو إسناد ضعيف لأن راويه مجهول إلى حد ما، حيث قال علي بن المديني -رحمه الله- في تاريخ الإسلام: “راويه مجهول”، وقال الخطيب البغدادي في تلخيص المتشابه: “تفرد زيد بن الحباب برواية هذا الحديث عنه (يعني الوليد بن المغيرة المصري)، وذكر أبو سعيد بن يونس أن هذا الحديث ليس عند المصريين عنه”.

الحديث الثالث

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “عُمْرَانُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَرَابُ يَثْرِبَ، وَخَرَابُ يَثْرِبَ خُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ، وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ خُرُوجُ الدَّجَّالِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى فَخِذِ الَّذِي حَدَّثَهُ، – أَوْ مَنْكِبِهِ – ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا لَحَقٌّ كَمَا أَنَّكَ هَاهُنَا. أَوْ كَمَا أَنَّكَ قَاعِدٌ. يَعْنِي: مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ”. وهذا الحديث مدار على عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول. وقد ضعف إسناده بسبب عبد الرحمن بن ثابت، إذ قال عنه أحمد ابن حنبل إن أحاديثه مناكير، وقال ذات مرة إنه لم يكن قوي في الحديث، كما ضعف الحديث يحيى بن معين والنسائي.

الحديث الرابع

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الْمَلْحَمَةُ الْكُبْرَى، وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَخُرُوجُ الدَّجَّالِ فِي سَبْعَةِ أَشْهُرٍ “. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي مريم، عن الوليد بن سفيان بن أبي مريم الغساني، عن يزيد قطيب السكوني، عن أبي بحرية عن معاذ بن جبل، وقد ضعفه الترمذي والألباني.

قسم الأحاديث الموضوعة أو الأحاديث شديدة الضعف

وفي هذا القسم هناك حديث واحد، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إِنَّكُمْ سَتُقَاتِلُونَ بَنِي الْأَصْفَرِ، وَيُقَاتِلُهُمُ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِكُمْ، حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ رُوقَةُ الْإِسْلَامِ، أَهْلُ الْحِجَازِ الَّذِينَ لَا يَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، فَيَفْتَتِحُونَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ، فَيُصِيبُونَ غَنَائِمَ لَمْ يُصِيبُوا مِثْلَهَا، حَتَّى يَقْتَسِمُوا بِالْأَتْرِسَةِ، وَيَأْتِي آتٍ فَيَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَرَجَ فِي بِلَادِكُمْ. أَلَا وَهِيَ كِذْبَةٌ، فَالْآخِذُ نَادِمٌ، وَالتَّارِكُ نَادِمٌ”. رواه ابن ماجه في السنن، وقال عنه الألباني أنه موضوع.

والخلاصة؛ هل ستفتح القسطنطينية مرة أخرى؟

فتح القسطنطينية

الخلاصة أن كل الأحاديث الواردة عن فتح القسطنطينية لم تقصد الفتح الذي حدث على يد محمد الفاتح -رحمه الله-، بل تتحدث عن فتح خاص للمدينة يكون في آخر الزمان ويعقبه مباشرة ظهور المسيح الدجال. وقد ثبت عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنه قال: “فتح القسطنطينية مع قيام الساعة” رواه الترمذي وصححه الألباني. لذا فإن فتح القسطنطينية مرة أخرى من الأمور الغيبية المستقبلية التي لا يمكن الجزم بها على الإطلاق، أو التكهن بحقيقتها، ولا يمكن الجزم بما يسبقها أو يعقبها من أحداث. وقال الشيخ حمود التويجري في كتابه إتحاف الجماعة؛ إن فتح القسطنطينية الذي ذكر في الأحاديث هو فتح سيقع آخر الزمان قبل وقت قليل من ظهور الدجال، وهو فتح لم يقع بعد.

وقد قال في كتابه: “وقد فتحت القسطنطينية في سنة سبع وخمسين وثمانمائة، على يد السلطان العثماني التركماني محمد الفاتح (وسمي الفاتح لفتحه القسطنطينية)، ولم تزل القسطنطينية في أيدي العثمانيين إلى زماننا هذا في آخر القرن الرابع عشر من الهجرة، وهذا الفتح ليس هو المذكور في الأحاديث التي تقدم ذكرها؛ لأن ذاك إنما يكون بعد الملحمة الكبرى، وقبل خروج الدجال بزمن يسير؛ كما تقدم بيان ذلك في عدة أحاديث من أحاديث هذا الباب، وكما سيأتي أيضا في حديثي معاذ، وعبد الله بن بشر -رضي الله عنهما- ويكون فتحها بالتسبيح، والتهليل، والتكبير لا بكثرة العدد والعدة؛ كما تقدم مصرحًا به في غير ما حديث من أحاديث هذا الباب، ويكون فتحها على أيدي العرب لا أيدي التركمان؛ كما يدل على ذلك قوله في حديث عمرو بن عوف -رضي الله عنه-: «ثم يخرج إليهم روقة المسلمين أهل الحجاز، الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، حتى يفتح الله عليهم قسطنطينية، ورومية بالتسبيح، والتكبير”.

ويتابع: “وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عند مسلم: «فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ”. وفي حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: “ويستمد المسلمون بعضهم بعضًا حتى يمدهم أهل عدن أبين”. وفي حديث ذي مخمر -رضي الله عنه-: “أن الروم يقولون لصاحبهم: كفيناك حد العرب، ثم يغدرون ويجتمعون للملحمة”. فدل هذا على أن الملحمة الكبرى تكون بين العرب والروم، والذين يباشرون القتال في الملحمة الكبرى هم الذين يفتحون القسطنطينية، وأمير الجيش الذي يفتحها في آخر الزمان عند خروج الدجال هو الممدوح هو وجيشه؛ كما تقدم ذلك في حديث عبد الله بن بشر الخثعمي عن أبيه -رضي الله عنه-، وتقدم في حديث أبي هريرة الذي رواه الخطيب في المتفق والمفترق: أن أمير الجيش إذ ذاك من عترة النبي ﷺ. والمقصود ها هنا التنبيه على أن الفتح المنوه بذكره في أحاديث هذا الباب لم يقع إلى الآن، وسيقع في آخر الزمان عند خروج الدجال، ومن حمل ذلك على ما وقع في سنة سبع وخمسين وثمانمائة؛ فقد أخطأ وتكلف ما لا علم له به”.

كيف فتحت القسطنطينية في المرة الأولى؟

مدينة القسطنطينية أو مدينة بيزنطة (بينزانس) القديمة، الذي أطلق الإمبراطور قسطنطين الأكبر عليها اسمه بعد أن جعلها عاصمة الدولة الرومانية بدلًا من مدينة روما الإيطالية عام 324م. كما قلنا سلفًا كانت هناك العديد من المحاولات الإسلامية لفتحها، إلا أن هذا لم يتحقق إلا على يد السلطان العثماني محمد الفاتح؛ الذي لقب بالفاتح بعد أن فتحها، وذلك في التاسع والعشرين من شهر مارس عام 1453م، وقد أصبحت عاصمة الدولة العثمانية منذ فتحها حتى سقوط الدولة عام 1922م، حيث انتقل الحكم للدولة الحديثة (تركيا) التي أنشأها مصطفى كمال أتاتورك. وقد كانت مدينة القسطنطينية؛ أو كما تعرف الآن باسم إسطنبول (إستانبول) مركزًا دينيًا وثقافيًا كبيرًا، ومرفأ تجاريًا ضخمًا، كما أنها ظلت أكبر وأعظم مدينة في تركيا، حتى بعد أن أصبحت أنقرة هي العاصمة، وتقع إسطنبول على ضفتي البوسفور الآسيوي والأوروبي.

نبذة عن محمد الفاتح

فتح القسطنطينية

السلطان محمد الفاتح هو أحد السلاطين العثمانيين، ولد في الثلاثين من شهر مارس من عام 1432م الموافق السابع والعشرين من شهر رجب عام 835 هجرية، وهو ابن السلطان مراد الثاني سابع سلاطين الدولة العثمانية، الذي ربى ابنه ورعاه وعلمه بحيث جعله مستعدًا لأن يكون سلطانًا عظيمًا جديرًا بالثقة. فاهتم بتحفيظه القرآن الكريم والحديث والفقه، وكذلك الرياضيات والفلك وفنون الحرب والقتال واللغات؛ كالعربية والفارسية واللاتينية واليونانية، وجعله يشارك في الحروب والفتوحات، وحين توفي السلطان مراد في السابع من فبراير عام 1451م الموافق الخامس من محرم عام 855 هجرية، تولى مكانه ابنه السلطان محمد الفاتح؛ وكان حينها في الثانية والعشرين من العمر، لكنه كان شابًا طموحًا ذو عزيمة.

مراحل فتح القسطنطينية

يمكننا تقسيم مراحل فتح القسطنطينية إلى ما يلي:

بناء قلعة رومللي حصار (هيسار)

بدأ السلطان بايزيد الأول في بناء قلعة أطلق عليها (قلعة الأناضول) على ضفة البوسفور الآسيوية أثناء فترة حصاره لمدينة القسطنطينية، وهذه القلعة كانت مقامة على أضيق نقطة من المضيق، لذا قرر السلطان محمد الفاتح أن يبني قلعة أخرى على الجانب الأوروبي من البوسفور، بحيث تكون مواجهة لأسوار القسطنطينية، حتى أنه اشترك بنفسه مع آلاف العمال في البناء، وهذا ما جعل العمال متحمسين للغاية للانتهاء منها، وكان الإمبراطور قسطنطين لا يملك القوة أو القدرة لوقف هذا البناء، وكان يعلم أنه الخطر الذي سيحدق بمدينته لا محالة. وبعد ثلاثة أشهر انتهى العمال من بناء القلعة، التي كانت على شكل مثلث ذي جدران سميكة، كل زاوية من زواياه الثلاثة تحتوي على برج ضخم مغطى بالرصاص، وقد أمر محمد الفاتح أن ينصب مجانيق ومدافع على الشاطئ بحيث يتم تصويبها نحو الشاطئ لتمنع السفن الرومية والأوروبية من المرور في البوسفور، وقد عرفت هذه القلعة باسم رومللي حصار أو هسار. وتعني قلعة الروم.

بوادر الحرب

أرسل الإمبراطور قسطنطين رسالة يرجو فيها السلطان محمد الفاتح التوقف عن بناء القلعة؛ لأنها تشكل خطرًا عليه، لكنه رفض وأكمل البناء. وبدأ البيزنطيون بكل طاقتهم يحاولون هدم القلعة والهجوم عليها وعلى العمال أثناء البناء، إلا أن السلطان الفاتح لم يلبث أن أعلن الحرب بشكل رسمي على الدولة البيزنطية، ولم يكن أمام قسطنطين إلا أن يغلق أبواب المدينة الحصينة عليه، ويعتقل جميع العثمانيين في الداخل، وأرسل رسالة للفاتح يخبره فيها أنه سيدافع عن المدينة لآخر قطرة من دمه، وبالفعل بدأ قسطنطين يحصن المدينة أكثر ويصلح أسوارها المتهدمة ويجمع المؤن والغلال استعدادًا للحرب.

ومن جانبه حاول السلطان أن يفكر في الطريقة التي يمكنه بها فتح القسطنطينية، فأرسل له القدر مهندسًا مجريًا يعرف باسم أوربان؛ والذي عرض عليه صناعة مدفع ضخم يقذف قذائف هائلة يمكنها أن تهدم أسوار القسطنطينية، فرحب الفاتح بالفكرة ولم تمض 3 أشهر حتى انتهى المهندس من صنع المدفع الذي لم يكن له مثيل؛ إذ كان وزنه 700 طن، وكان بإمكانه رمي قذيفة بوزن 12 ألف رطل، ويتطلب 100 ثور لجره يساعدها 100 رجل. وكانت القذيفة إذا سقطت على بعد ميل يصل دويها إلى بعد 13 ميل، وأطلق عليه المدفع السلطاني، ووصل المدفع إلى أسوار القسطنطينية عن طريق أدرنة في شهرين.

حصار القسطنطينية

فتح القسطنطينية

وصل الفاتح لأسوار القسطنطينية على رأس جيشه الكبير يوم الجمعة الموافق الخامس من أبريل عام 1453م/ الثاني عشر من شهر رمضان المبارك عام 805 هجرية. وأول ما فعله بعد نصب سرداقه ومركز قيادته أن توجه إلى القبلة وصلى ركعتين بالجيش كله، وبدأ حصار المدينة، حيث وضع الفرق الأناضولية -الأكثر عددًا- على يمينه عند بحر مرمرة، بينما الفرق الأوروبية اتخذت يساره باتجاه القرن الذهبي، وكان الحرس السلطاني الذي يضم أفضل الجنود الانكشاريين في الوسط؛ وكانوا نحو 15 ألف جندي، بينما تحرك الأسطول العثماني الذي يبلغ نحو 350 سفينة من القاعدة في مدينة جاليبولي عبر بحر مرمرة إلى البوسفور، وبهذا حوصرت القسطنطينية برًا وبحرًا بقوات يصل عددها إلى 265 ألف جندي، وبدأ الحصار الفعلي في اليوم الثاني، حيث طلب الفاتح من قسطنطين أن يسلمه المدينة، على أن يحترم سكانها ويؤمنهم على أرواحهم ومعتقداتهم وممتلكاتهم، لكنه رفض واعتمد على حصون المدينة القوية ومساعدة الدول المسيحية له.

بدء القتال

بدء القتال وانهالت القذائف العثمانية على سور المدينة ليلًا ونهارًا، وكان كلما انهار جزء من السور بادر المدافعون عن المدينة في إصلاحه وبنائه على الفور، وكان الهجوم والدفاع من قبل الطرفين مستميتًا، وكان الطرف البيزنطي يتلقى المساعدات من الدول الغربية، كما كان أسطوله البحري متفوقًا على الأسطول العثماني. لذا بدأ السلطان محمد الثاني يفكر في طريقة تمكنه من دول القرن الذهبي ومحاولة حصار القسطنطينية من أضعف نقطة لها لتشتيت قوى المدافعين عنها.

وبالفعل تمكن الفاتح من التوصل لخطة ناجحة، كانت تقتضي نقل جزء من أسطوله عن طريق البر من منطقة غلطة إلى داخل الخليج، بحيث يتم تفادي السلسلة (الجزء الذي يتربص فيه البيزنطيون ويسيطرون عليه)، ووضع المهندسون العثمانيون خطتهم على الفور وبدأ العمل في الليل حتى لا ينتبه الفريق المعادي، وبدأت أعداد كبيرة من العمال في تمهيد الطريق الوعر الذي كان يتخلله بعض المرتفعات، وغطوه بألواح من الخشب المطلية بالدهن والشحم. وفي غضون ليلة واحدة تمكن العثمانيون من نقل 70 سفينة مطوية أشرعتها تجرها البغال ويساعدها الرجال الأشداء؛ في ليلة الثاني والعشرين من شهر أبريل عام 1453م الموافق التاسع والعشرين من شهر رمضان عام 805 هجرية.

وعلى الجانب الآخر كانت القذائف العثمانية تنهال دون توقف حتى تشغل البيزنطيين عن عملية نقل السفن التي كانت تحدث، وبحلول الصباح بدأت السفن العثمانية في الانتشار ودقت الطبول وكانت مفاجأة رهيبة ومروعة لأهل القسطنطينية. وبعد أن تمت عملية نقل السفن أمر الفاتح بأن يتم بناء جسر كبير داخل الميناء، يكون بعرض 50 قدمًا وطول مائة قدم. وبالفعل تم بناؤه ووضع المدافع عليه في صفوف، وتم تزويد السفن بالمقاتلين الذين تقدموا بها إلى أقرب مكان من أسوار القسطنطينية، وقد حاول البيزنطيون بكل طاقتهم أن يحرقوا السفن العثمانية في جنح الليل، لكن تمكن العثمانيون من كشف الخطة وإحباطها، وكانت المحاولة تتكرر بشكل مستمر، وفي كل مرة يكون نصيبها الفشل.

سقوط القسطنطينية

استمر حصار المدينة والعثمانيون يضربون أسوار القسطنطينية دون توقف، وأهلها في الداخل يعانون من نقص المؤن يومًا بعد يوم، ويتوقعون سقوط الأسوار في أي لحظة، لا سيما وأن العثمانيين مصممون على اقتحام المدينة، بجانب الخطط الذكية التي كان يضعها السلطان محمد الفاتح باستمرار، والتي كانت تفاجئ عدوه في كل مرة. وفي فجر يوم الثلاثاء الموافق التاسع والعشرين من شهر مايو عام 1453م / 20 من جمادى الأولى عام 857 هجرية، بدأ السلطان الفاتح في الاستعداد الأخير، ووزع قواته وحشد حوالي 100 ألف جندي أمام الباب الذهبي، بينما كان هناك 50 ألف جندي آخر في الميسرة، وفي الوسط وقف السلطان مع جنوده من الانكشاريين، وكان في الميناء حوالي 70 سفينة، وبدأ الهجوم على المدينة برًا وبحرًا، ولم تمضِ ساعة حتى امتلأ الخندق الكبير الواقع أمام سور المدينة الخارجي بآلاف القتلى.

اندفع العثمانيون بجهد أكبر نحو أسوار المدينة، لا يبالون بالموت الذي كان يحصدهم حصدًا، ووثب بعض الانكشارية إلى أعلى السور، وتبعهم الجنود الآخرون الذين انطلقت تجاههم سهام العدو، لكن تمكن العثمانيون من الدخول نحو المدينة ونجح الأسطول العثماني في رفع السلاسل الحديدية التي كانت في مدخل الخليج، وبدأ العثمانيون التدفق داخل المدينة التي كان يسيطر عليها الرعب والفزع، وفر المدافعون عنها بعيدًا في كل اتجاه، وبعد مرور ثلاث ساعات فقط من بداية الهجوم أصبحت المدينة القوية الأبية في يد الفاتحين.

دخول محمد الفاتح إلى القسطنطينية

بعد أن دخل السلطان محمد الفاتح للمدينة منتصرًا، ترجل عن فرسه، ثم سجد لله سجدة شكر على هذا النجاح العظيم الذي وفقه إليه، وذهب إلى كنيسة آيا صوفيا التي كان الشعب البيزنطي والرهبان قد احتشدوا فيها، ومنحهم الأمان، وأمر بتحويل آيا صوفيا لمسجد، كما أمر بإقامة مسجد في المكان الذي يحوي قبر الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري؛ الذي كان ضمن الجنود الأوائل الذين حاولوا فتح القسطنطينية.

وقرر الفاتح اتخاذ القسطنطينية عاصمة لدولته، وأطلق عليها اسم إسلام بول وتعني دار الإسلام، والتي حرفت حروفها لتصبح إستانبول، وكانت سياسته مع أهل المدينة سياسة سمحة يتخللها الرأفة، وأعطاهم حرية العبادة والعقيدة، وسمح لمن غادروا المدينة أثناء الحصار بالعودة إلى منازلهم مجددًا، ومنذ هذا الوقت أصبحت إستانبول عاصمة البلاد حتى سقوط الدولة العثمانية.

159

الكاتب

سارة سعد

كاتبة محتوى حصري منذ 2016م. حاصلة على ليسانس الآداب، دبلومة التربية ودورة في اللغة العربية. أقوم بتحضير الماجستير في الفلسفة أحب القراءة، السفر، وألعاب التفكير.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.