تحرير: تسنيم راجح

عن عائشة رضي الله عنها قالت: “قدِمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوةِ تبوكٍ -أو خيبرٍ- وفي سهوتِها سترٌ، فهَبَّتْ ريحٌ، فكَشَفَتْ ناحيةَ السِّتْرِ عن بناتٍ (لَعِبٍ) لعائشةَ فقال: ما هذا يا عائشةُ؟ قالت: بناتي! ورأى بينَهُنَّ فرسًا له جَناحانٍ مِن رِقاعٍ، فقال: ما هذا الذي أرى وَسَطَهُنَّ؟ قالت: فَرَسٌ. قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جَناحان. قال: فرسٌ له جَناحانِ؟ قالت: أما سَمِعْتَ أنّ لسليمانَ خيلًا لها أجنحةً؟ قالت: فضَحِكَ حتى رَأَيْتُ نواجذَه”. (رواه أبو داود). لنعد قراءة الحديث ونحن نتخيل أن الرسول الكريم رأى عند السيدة عائشة باربي بدل عرائسها، تُرى كيف كان سيتغير الموقف؟ هل كان ليضحك؟ أم أن وجهه كان سيحمر غضبًا وهو يشيح به عليه الصلاة والسلام؟ 

في اجتماعٍ لي مع صديقاتي لاحظت أن الفتيات يقضين وقتهنّ في تزيين لعب باربي والتنافس على إلباسهنّ أجمل الثياب الصغيرة، وفي طريقي إلى المنزل دارت أسئلةٌ كثيرةٌ في نفسي: ما مقدار قسوة القلب التي تسربت إلى قلوب فتياتنا بسبب التنافس على من يلبس قطعة البلاستيك هذه لتبدو بقشرة جسدية أجمل؟ ما الأفكار التي تدور في رؤوس بناتنا وهنّ يلعبن بها؟ ماذا لو كانت باربي الصغيرة أكثر من مجرد لعبة؟ كيف يمكننا كمربين أن نحمي بناتنا من عواقبها؟ وما الذي يقوله الوحي والعلم الموثوق عن هذا النوع من الدمى؟

في هذا العالم المتسارع، يصعب على المربين أن يتوقفوا ويتفكّروا في لعبة مثل باربي، تمامًا كالسمكة إن سألتها كيف حال الماء اليوم؟ سترد مستغربه: أي ماء؟ ولذا نحتاج لبذل الجهد في الغوص في أصول هذه اللعبة، فباربي لم تكن دومًا لعبة أطفال، إنما بدأت كنسخةٍ عن دميةٍ ألمانيةٍ تسمى ليلي كانت تباع للرجال البالغين في محلات الدخان والخمارات، وفي عام 1950 سافرت روث هاندلر (واحدة من مؤسسي شركة ماتيل الأمريكية المصنعة للألعاب) إلى أوروبا واشترت مجموعة من هذه اللعب، ورأت أنها مكونٌ ضروري الوجود بين دمى الفتيات اللواتي يحلمن دومًا باليوم الذي سيكبرن فيه على حد قول روث!

وفي مقابلةٍ لزوج روث هاندلر قال:

عندما طُرِحت فكرة خروج باربي إلى الأسواق، لم أعتقد أن أحدًا سيشتريها لطفلته الصغيرة.

لكنه كان مخطئًا بلا شك، ففي التاسع من آذار عام 1958 تم بيع ثلاث مئة ألف لعبة في نسختها الأولى، أما في أيامنا هذه فمصنع ميتال يبيع أكثر من 100 باربي كل دقيقة في الولايات المتحدة فقط، أي بمعدل 58 مليون لعبة بالسنة، وبحسب موقع Statistic فأرباح هذه الشركة بلغت 1.35 بليون دولار بين عامي 2012 و2020.

إن من المشاكل المرتبطة باللعب بهذه اللعبة انخفاض تقدير النفس (الثقة بالنفس) وعدم الرضا عن شكل الجسم. في أيلول عام 2016 نشرت مجلة (body image) دراسة أجريت على 1112 فتاة تتراوح أعمارهنّ بين السابعة والثامنة، وكان مفادها أن البنات اللاتي لعبن بباربي أبدين استياءً من أشكال أجسادهنّ مقارنة بالفتيات اللواتي لعبن بلُعب أشكال أجسامهنّ أكثر واقعية منها.

وكذلك نشر موقع Pubmed دراسة أجريت على فتيات بين عمري الخامسة والثامنة تم تعريضهنّ إما لصور باربي أو لصور لعب ذات ملامح واقعية، فكان تقدير الفتيات اللواتي تعرضن لصور باربي لأنفسهن منخفضًا مقارنة بالأخريات اللواتي لم يتعرّضن لها، كما أن المجموعة الأولى كانت غير راضية عن صورة جسدها وتملك رغبة أكبر بفقدان الوزن.

فالقلق الذي تتعرض له هؤلاء الفتيات بسبب خوفهن من زيادة الوزن لا يسببه مجرّد التعرض لأجهزة الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والتقاليد والأعراف التي تركز على شكل الفتاة، بل أيضًا نوع الدمى التي يلعبن بها. 

إضافةً لما سبق، فمن المحتمل أن اللعب بباربي قد يسبب عددًا من اضطرابات تناول الطعام، ففي نفس الدراسة التي نشرت في مجلة Body Image قالت الدكتورة كاثلين كلير المتخصصة في علم التغذية في جامعة بنسلفانيا: أن البنات في الدراسة كن يرغبن في الحصول على أجسام تشبه اللعب التي يلعبن بها، وأنّ التعارض بين جسدهنّ والشكل الذي يردن أن يكنّ عليه قد يكون سببًا في اضطرابات تناول الطعام في المستقبل.

وأقرت مستشفى جولسينو للأطفال أن 90% من مرضى اضطرابات الطعام هنّ من الإناث اللواتي تتراوح أعمارهن بين الثانية عشر والخامسة والعشرين، كما نشرت مجلة نيويورك تايمز عن مؤسسة اضطرابات الطعام دراسةً مفادها أن 42% من الفتيات بين الصف الأول والثالث يتمنين لو كنّ أكثر نحولة، بينما نصف الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين التاسعة والعاشرة يشعرن أنهن أفضل أثناء خضوعهنّ لحمية خاصة لإنقاص الوزن، ورغم أننا لا نستطيع أن نقول أن باربي هي السبب الأساسي لهذه الظاهرة لكن لها دورًا كبيرًا في إشاعتها بكل تأكيد، تحديدًا حين نعلم أن هناك إصدارًا من باربي يأتي مع كتاب صغير بعنوان “كيف تنقصين وزنك؟” ويحتوي جملة “لا تأكلي” فقط!

أما آخر المشاكل التي أريد أن ألقي الضوء عليها فهي قضية الاستهلاك المتمثّل بكثرة الشراء لتلبية متطلبات باربي، فقد كتب المفكر الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه ‫الثقافة والمنهج أن “باربي، اللعبة البلاستيكية ذات الصفات الجسدية الجنسية الجذابة، ليست فقط لعبة، بل هي مؤامرة ضد أطفال العالم بهدف أن يكونوا مستهلكين منزوعي البراءة وعديمي الهوية”، ولقد سمعته مرة في محاضرة مسجّلة يقول إنه قرأ دراسة مفادها أنه لو جمعنا عدد أحذية باربي التي قام الأطفال بشرائها فإنها ستلف الكرة الأرض خمس مرات! وتأكيدًا على الدكتور المسيري فإن شركة ماتيل للألعاب أعلنت أن 90% من الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 3-10 يملكن بمعدل 12 لعبة باربي، هذا بصرف النظر عن دمى باربي التي يمتلكها الصبيان، فحديثًا وسّعت شركة ماتيل سوقها ليشمل الجنسين.

باربي

وفي هذه الأيام بات لدينا باربي ببيت أحلام ذا صفات خيالية كأنها تعطي الفتيات فكرة أنكنّ إذا أردتنّ أن تعتنوا بذواتكنّ فاشتروا المزيد والمزيد فقط، وكونوا عبيدًا للمادة والأشياء والمزيد من البلاستيك، ولنقارن هذه النماذج بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذ قال: “نام رسول الله ﷺ على حصير فقام وقد أثر في جنبه، قلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وِطاءً؟ فقال: ما لي وللدنيا؟، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها”. (رواه الترمذي) حسن صحيح.

فالزمن الذي سنقضيه في هذه الدنيا مقارنة بالآخرة كمسافر استظل تحت شجرة، لكننا وكما يقول الدكتور عبد الرحمن ذاكر سكنا الشجرة، لقد نسينا أن الدنيا ممرٌ وليست بمستقر، قال الألبيري رحمه الله لابنه: “لم تخلق لتعمرها ولكن لتعبرها فجد لما خُلقتا” (الألبيري، البيت رقم52).

 بعد هذا العرض للمشاكل التي تسببها باربي، فالسؤال المهم؛ ما الذي يمكننا فعله؟ في البداية دعونا ندعو الله أن يرزقنا السداد في تربيتنا لأنفسنا وأولادنا، ويمنحنا القوة في الحق والثبات عليه. وبعد هذا وأول ما يمكن فعله هو أن نرمي هذه القطعة البلاستيكية في قمامة إعادة التدوير، (مع التنبيه على ألا نتبرع بها لأحد فنتسبب له بما نخشى على بناتنا منه)، ورغم أن الخطوة تبدو صعبةً ومؤلمة، إلا أنني أقول مما رأيت وخبرت أن بناتنا أقوى مما نتصوّر وأكثر مناعةً نفسيًا مما نظن، تحديدًا ونحن نتحدث عن أطفال مرنين سنشرح لهم الأسباب وسنقوم بتلك الخطوة في إطار المحبة والإرشاد والعطف، وقد علمت أن اثنتين من صديقاتي قامتا بتلك الخطوة بسلاسة أكبر مما توقعتا. 

من المفيد كذلك أن ننتبه لئلا نكون مدخلات سالبة لبناتنا، فنظرة عيوننا وملامح وجوهنا وكلماتنا كلها مدخلات متكررة لأولادنا، ونظرات الإعجاب والتقدير التي نعطيها لجميلات الشكل تُقرأ من قبل أولادنا وإن لم نقل أي كلمة، وكذلك تسخيرنا الأوقات الطويلة للعناية بشكلنا الخارجي وتمركز الكثير من أحاديثنا مع العائلة والأصدقاء حول اللباس ومساحيق التجميل والموضة والجمال.

كل ذلك يعطي رسائل لأبنائنا مفادها أن أشكالنا وتقييمها مركزية الأهمية، مما يقف عائقًا عن فهم أن الشكل فتنة وامتحان لصاحبها (يشكر أم يتكبر) وللآخرين (يحسدون أم يرضون)، واستحضار معاني الحديث الشريف الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الله لا ينظر إلی صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم” (رواه مسلم).   

هذا بالطبع لا يعني الامتناع عن الثناء على أشكال أولادنا، إلا أن التوسط هو المطلوب، فلنثن على جهود الأبناء وإنجازاتهم، ولندعهم يكتشفوا بأنفسهم أنهم أغلى من مجرد قشرة خارجية بأن نملأ جدولهم اليومي بأعمال مفيدة (سباحة، خياطة، أعمال بالصوف، مخيمات في الطبيعة لكسر عادة أنهم يجب دائمًا أن يكونوا نظيفين ومرتبي الشكل، التطوع في المزارع، حضور دورات مثل الدورات التعليمية، والفروسية، فخار… إلخ) وبذلك نوسع أفق اهتماماتهم ولا نتركهم فريسة للفراغ.

تقول warhaft-Nadler المستشارة الرياضية والنفسية متحدثةً عن نفسها:

عندما كنت أعاني من فقدان الشهية العصبي كنت أقول لنفسي: أنا لست ذكية كفاية ولا مرحة كفاية ولا أفعل أي شيء مميز وكافٍ ولست جميلة كما يجب، لذلك قررت أنه من الممكن أن أكون نحيلة كما ينبغي. 

من المفيد أيضًا أن نحيط بناتنا بصحبة صالحة سعيدة ذات تصور صحي معتدل مدرك لحقيقة الإنسان المكون من جسد وروح، وكذلك القراءة الفردية أو الجماعية في كتب تعطي الشكل الخارجي مكانه الصحيح، ولله الحمد أن السنة النبوية مليئة بهذه النماذج، كقصة الرسول الكريم عندما أوقف الصحابة عليهم رضوان الله عن الضحك على ساقي ابن مسعود النحيلتين رضي الله عنه موجّهًا تفكيرهم لما هو أكثر أهمية، فقال إن هاتين الساقين أثقل من جبل أحد في ميزان الله؛ “عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يجتني سواكًا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مم تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أُحُد”. (رواه أحمد). فتوجيه أولادنا لأن الميزان المهم هو عند الله وليس في أعين الناس وتعليق قلوبهم بذلك أساسيّ ومهم. 

باربي

إضافةً لما مضى، نحتاج لتدريب أبنائنا على أن يفكروا بشكلٍ ناقدٍ بما يشترون ليلاحظوا أن شركات الألعاب لا تكترث مراحلهم العمرية وما يلزمهم في كل سن، فنقول لهم على سبيل المثال: لا تتخيلوا أن صانعي الألعاب وبائعيها يهتمون بنموكم النفسي، ما يهمهم هو أن تمتلئ جيوبهم بالمال، وإن كان على حساب صحتكم النفسية ونموكم العاطفي.

ونعلمهم قول سيدنا عمر: “أوكلما اشتهيت اشتريت”، كما أن هناك أيضًا برامج وكتب تتحدث عن الرأسمالية والمادية توضح للأطفال الخداع الموجود في الإعلانات بأساليب مبسطة. وهنا ينبغي أن أنوه إلى أنه من المهم جدًا حظر الإعلانات عن كل الأجهزة الإلكترونية لأنها تخلق لدى الكبار والصغار رغبات لم يفكروا فيها من قبل وتشعرهم مع التكرار أنها حاجات وضرورات، وأخيرًا أدعو القراء ونفسي إلى التقليل من زيارات الأسواق وتذكّر أنها أبغض البلاد إلى الله.

وفي الختام وبعد إلقاء الضوء على التأثيرات السالبة لهذه الدمية، أرى أن نعمم ما مر في هذا المقال على كل منتجات الأميرات وأفلام ديزني وكل ماله أن يؤثر سلبًا على تقدير بناتنا لنفوسهنّ وصورتهن الذاتية، قال ابن القيم رحمه الله في كتابه تحفة المولود: “وكم ممن أشقى ولده وفَلَذَةِ كَبِدِهِ في الدنيا والآخرة بإهماله، وترك تأديبه، وإعانتِه له على شهواته، ويزعم أنه يكرِمه وقد أهانه، وأنَّه يرحمه وقد ظلمه وحرَمَه، ففاته انتفاعُه بولده، وفوَّت عليه حظه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرْتَ الفساد في الأولاد، رأيتَ عامَّته من قِبَل الآباء” لنبدأ كمربين بأنفسنا بأن نعرفها ونقدرها ونعلم أننا أعظم من مجرد قشرة خارجية.

وفي طريق العودة إلى المنزل كانت آية من سورة التكوير تتردد في قلبي: (وإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ) [التكوير: 8] فسألت نفسي هل نحن ندفن بناتنا بحسن نية؟ هل نحيطهنّ بمدخلات من ألعاب وقصص ومسلسلات وأغاني تركز على قشرتهنّ الخارجية فندفن بذلك أرواحهن الطيبة ومواهبهنّ وقدراتهنّ؟

 أخافتني هذه التساؤلات ولذلك قمت بكتابة هذه الأوراق سائلةً ربنا الكريم أن تكون غرسة طيبة في نفوس طيبة.

1912

المصادر
الكاتب

التعليقات

  • نوح منذ 4 أسابيع

    اضيتا انا و صغير حابب كون غوكو بدراغون بول و ما خليت رسمة ما رسمتا و قصقصتا و لعبت فيها …. ما شتريت باربي شكلا متل غوغو …. بل صنعتا صناعة و لعبت فيها …. و لحد الٱن لما بدي ارتاح من اي شغل بين ادي بروح بسمع اغاني و بتخيل حالي كل الشخصيات القريبة من الواقع و الشبيهة لغوكو …. و الصراحة كان غوكو اعظما….
    فاتت قدوة بسيطة على حياتي بعمر صغير ما بعرف احكم او ميز القدوة الجيدة من السيئة
    ما بعرف شو بدي قول بس يلي غطس غطس …. لازم الواحد يلحق ولادو قبل ما يوصلو لمستوى بصيروا مضطرين انو ياخدو قرار : انا لازم كمل بكل الاعطلة يلي موجودة مضطر كمل تحت المي … و حاول ما غمق اكتر على الاقل….
    الله يكون بالعون
    رغم كلشي بضل بٱمان انو الموضوع بدو ابتكار حل بنهاية المطاف و ما يوقف عند الكلام
    يعني متل ما هنن افسدو كل البحر نحن نصنع غواصة

    رد

    اترك تعليق

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.