بعد عقودِ طويلةٍ من الانتظار المؤلم، جاء قرار المحكمة العليا الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني ليبدد آمال مسلمي الهند، ويمنح الهندوس أرض مسجد بابُري- التي ظلت محل نزاع لسنوات- بشكل نهائي، ما يمهد الطريق لبناء معبد الإله الهندوسي «راما» في أيوديا، وهي بلدة في شمال الهند، مع منح المسلمين قطعة أرض في منطقة أخرى بالمدينة نفسها لتشييد مسجد عليه. وقد ظلت أرض المسجد محل خلاف طويل بين المسلمين والهندوس، بعد أن زعم الكثير من الهندوسيين أن الأرض المتنازع عليها هي مسقط رأس الالة راما.

ويأتي قرار المحكمة على خلفية التأكيد المتزايد على القومية الهندوسية من قبل حكومة رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي، والتي تم انتخابها لولاية ثانية بأغلبية ساحقة في شهر مايو الماضي. ويُشرف مودي على تحول الهند إلى أمة هندوسية حصرية لتفي بحلم «راشتريا سوييمسواك سانغ»، وهي الهيئة الأم للهندوسية القومية.

مسقط رأس الإله راما.. الادعاء الذي عجز علماء التاريخ الهندوس عن إثباته

يقع مسجد بابري في مدينة أيوديا  شمال الهند، ويعد واحدًا من أكبر المساجد في ولاية «اوتار براديش»، وبني عام 1528 م، بناءًا على أوامر أول إمبراطور مغولي مسلم حكم الهند ظهير الدين بابر.

وكانت توجد على مختلف أجزاء المسجد نقوش عربية وفارسية تدل على هذا الأمر. لكن الهندوس زعموا أن المسجد أُقيم على مسقط رأس الإله راما، وأن الإمبراطور بابر هدم معبدًا هندوسيًا كان قائمًا على المكان في ذلك الوقت، ثم بنى مسجدًا عليه، وهو الأمر الذي لم يستطع علماء التاريخ الهنود إثباته حتى الآن.

وقد ظل المسلمون في مدينة أيوديا يصلون في هذا المسجد من دون انقطاع لأربعة قرون إلى أن بدأت المشاكل للمرة الأولى عام 1855م خلال عهد الأمير «واجد علي شاه» حاكم إقليم أوده، وذلك حين ادعى الهندوس للمرة الأولى أن جزءًا من فناء المسجد يحتوي على المكان الذي ولد فيه الإله الهندوسي راما.

الاصطياد في المياه العكرة.. دور الاحتلال البريطاني في تأجيج الصراع حول المسجد

كانت القوات البريطانية التي تحتل الهند آنذاك تثير القلاقل في ذلك الإقليم ليبرروا استيلائهم عليه، كما ساعدوا على نشر كتب تاريخية غير مؤكدة تقول إن بابر هدم المعبد الهندوسي الذي كان قائمًا في المكان حيث مسقط رأس الإله راما، ثم أنشأ عليه مسجدًا. وثارت المشكلة بين المسلمين والهندوس مرة ثانية عام 1885 حين حاول كاهن هندوسي أن يقيم سقفًا فوق المنصة التي كان الأمير واجد علي شاه قد سمح بإنشائها في فناء المسجد.

وفي عام 1934، ثارت اضطرابات طائفية بين الهندوس والمسلمين في أيوديا، ونتجت عنها أضرار بالمسجد أصلحتها الحكومة البريطانية. وبعد قرار التقسيم لعام 1947 الذي أسفر عن تأسيس دولتي الهند وباكستان، باتت مدينة أيوديا مركزا للصراع بين الهندوس والمسلمين.

وانطلاقًا من تلك المزاعم، قام الهندوس باعتداءات متكررة على المسجد انتهت بهدمه بالكامل، في يوم 22 ديسمبر/كانون الأول 1949 حين هجمت مجموعة هندوسية على المسجد ووضعت فيه أصنامًا، ما اضطرت قوات الشرطة إلى وضعه تحت الحراسة وأغلقته لكونه محل نزاع.

وفي يوم 3 نوفمبر/تشرين الثاني 1984 سمح رئيس الوزراء الأسبق راجيف غاندي للهندوس بوضع حجر أساس لمعبد هندوسي في ساحة المسجد البابري، وتبع ذلك حكم صادر من إحدى المحاكم سمح بفتح أبواب المسجد للهندوس، وإقامة شعائرهم التعبدية فيه.

هدم المسجد ومحاصرة المسلمين.. قصة جريمة معلنة

اتسم موقف الحكومة الهندية بقدر كبير من الضعف والتخاذل والتناقض وشجعت التحركات الصادرة عنها المتطرفين الهندوس على المضي قدما في ترتيبات هدم مسجد البابري، إذ كان آلاف الهندوس يرددون أهازيج الانتصار، معلنين العزم على البدء في بناء معبد هندوسي مكان المسجد ومرددين أيضا أنه قد آن الأوان لخروج المسلمين من الهند في الوقت الذي التزم فيه المسلمون في المدينة منازلهم، أو غادروها بحثا عن الأمن وفرارًا من بطش الهندوس ووحشيتهم.

وتواصلت الاعتداءات عندما قام المتعصبون الهندوس بهدم المسجد البابري يوم 6 ديسمبر/كانون الأول 1992، ما أدى لتأجيج التوتر بين الهندوس والأقلية الهندية المسلمة، وأعمال شغب واسعة النطاق، خلفت أكثر من ألفي قتيل، وكان هدم المسجد بمثابة «يوم أسود» للمسلمين. واعتبرت هذه المواجهات الطائفية هي الأعنف في الهند منذ استقلالها عام 1947.

واعتبر العلماء والمثقفون المسلمون في العالم أن ما تعرض له مسجد البابري «جريمة عظمى» بكل المقاييس إذ هو إساءة للإسلام والمسلمين ومقدساتهم، وطالبوا الحكومة الهندية بمعاقبة مرتكبي هذه الجريمة وإعادة بناء المسجد، وضمان عدم تكرار مثل هذه الجرائم من جانب الهندوس وغيرهم.

وبعد عملية الهدم، بدأ الصراع بين المسلمين والهندوس على أرض المسجد التي تمتد على مساحة 25 هكتارا، وظل المسلمون منذ ذلك الحين يطالبون بإعادة بناء المسجد، بينما واصل الهندوس المطالبة ببناء معبد في الموقع، وذلك في إطار حملة تشنها جماعات هندوسية ذات صلة بحزب بهاراتيا جاناتا الحاكم.

المتطرفون الهندوس في حماية التخاذل الحكومي والتواطؤ القضائي

«بابري».. قصة مسجد بناه سلطان مغولي وهدمه الهندوس تقديسًا لـ«الإله راما» 1

وقد تقاعست الحكومات الهندية المتعاقبة عن تنفيذ وعودها للمسلمين بإعادة بناء المسجد، ولم تنفذ أيا منها. وكان التواطؤ الرسمي من قبل الحكومة والقضاء مع المتطرفين الهندوس مكشوفًا ولا يخفى على أحد، فقد كشف رئيس الوزراء السابق «أتال بيهاري فاجبايي» عن موقفه من قضية المسجد البابري عندما قال في أواخر عام 2000، إن بناء المعبد الهندوسي مكان المسجد البابري يأتي «تعبيراً عن الأماني القومية»، وإنه «برنامج لم ينته بعد». وبعد أن تعرض للهجوم الشديد بسبب هذا التصريح الذي يقف بجوار المتطرفين الهندوس لاستقطاب أًصواتهم لصالحه في الاستحقاقات الانتخابية، عاد ليقول: إن قضية المعبد ستبتّ فيها المحاكم، أو تُسَوَّى بالاتفاق بين المسلمين والهندوس، وأي شخص يتجرأ على تغيير الوضع القائم سيُعامل وفق القانون.

 وفي عام 2002، أثار المتشددون الهندوس من الهندو مهاسابها، وهو حزب سياسي يميني، ونيرموهي أخارا، وهي طائفة من الرهبان الهندوس، نزاعا على ملكية الأرض في محكمة الله أباد العليا، بعد عقد من هدم المسجد. وقضت المحكمة في عام 2010 بضرورة تقسيم الموقع، مع سيطرة الجالية المسلمة على الثلث، والثلثان للجماعات الهندوسية المختلفة. وعلقت المحكمة العليا هذا الحكم في عام 2011 بعد طعن الجماعات الإسلامية عليه.

دخلت قضية النزاع على أرض المسجد مرحلة جديدة، ففي يوم 30 مايو/أيار 2017 وجهت المحكمة اتهامًا رسميًا للمؤسس المشارك للحزب الحاكم إل كيه أدفاني وقادة آخرين بينهم وزيرة بالتآمر الجنائي في هدم المسجد. 

لكن قضية المسجد البابري المثيرة وصلت مرحلتها النهائية في شهر نوفمبر الجاري، حيث أصدرت هيئة المحكمة المؤلفة من خمسة قضاة يرأسهم رانجان جوجوي حكما بالإجماع بتسليم قطعة الأرض التي تقع على 2.77 فدان إلى الجماعة الهندوسية. وأوصت المحكمة أيضا بإعطاء قطعة أرض أخرى مساحتها خمسة أفدنة في أيوديا للجماعة المسلمة التي كانت طرفا في القضية، لكن هذا لم يكن كافيا لتهدئة البعض.

«انتصار لشعب الهند».. الشرخ الوطني يزداد اتساعًا

الهندوس يحتفلون بعد قرار المحكمة

الهندوس يحتفلون بعد قرار المحكمة

أطلق الهندوس الألعاب النارية في أجزاء من الهند للاحتفال بالحكم الصادر عن المحكمة العليا في البلاد، وصاح المحامون خارج المحكمة «السلام يارب راما». وقال محامي أحد الأحزاب الهندوس: «إنه حكم متوازن للغاية وهو انتصار لشعب الهند». وعلق رئيس الوزراء الهندي مودي على الحكم قائلًا على تويتر إنه لا ينبغي اعتباره «فوزًا أو خسارة لأي شخص»، مناشدًا الشعب الهندي بالتهدئة واحترام الحكم.

فيما أعرب عدد من المسلمين عن غضبهم من القرار، وأكدوا أنهم غير مقتنعين بالحكم، وقال ظفرياب جيلاني، أمين عام مجلس القانون الشخصي لعموم مسلمي الهند «المجلس قرر التقدم بطعن على القرار، نحن لن نقبل بأي أرض بديلة لبناء المسجد».

كما تراقب الشرطة منصات التواصل الاجتماعي لتتبع أي محتوى يتضمن تحريضًا، وتقوم بالرد على التغريدات في موقع التواصل الاجتماعي تويتر طالبة من المستخدمين حذف بعضها.

مكافأة قضائية لـ«الجريمة» وانتصار لحزب «مودي»

نقلت صحيفة نيويورك تايمز تحليل الباحث السياسي «هارتوش سينغ بال»، والذي أكد فيه أن حكم المحكمة العليا الصادر لصالح الهندوس هو بمثابة مكافأة لجريمة هدم مسجد المسلمين. لافتا إلى أن الحكم قدم صورة واضحة عن تاريخ الخداع والإجرام في هذه القضية. 

وأوضح أن المحكمة قد خلصت إلى أنه رغم اكتشاف الحفريات التي أجرتها هيئة المسح الأثري في الهند في الموقع عن أنقاض هيكل ديني هندوسي يرجع تاريخه إلى القرن الثاني عشر، إلا أنه لم يكن هناك دليل يشير إلى وجود هذا الهيكل أو هدمه عند بناء المسجد.

وقال نيلانجان سيركار الأستاذ المساعد بجامعة أشوكا بالقرب من نيودلهي إن الحكم سيفيد حزب بهاراتيا جاناتا الذي أعيد انتخابه في مايو أيار، خاصة أن الحكم جاء بعد أشهر من تجريد حكومة مودي منطقة جامو وكشمير ذات الأغلبية المسلمة من وضعها الخاص، محققة وعدا انتخابيا آخر قطعته لقاعدة تأييدها الهندوسية في معظمها.

أزمة المسجد البابري ليست سوى قمة جبل الجليد

لم تكن أحداث مسجد البابري هي الأولى من نوعها بل كانت هناك عشرات الحوادث والمصادمات التي ذهب ضحيتها آلاف المسلمين الأبرياء، فإذا ما تجاوزنا عن أحداث انفصال الهند وباكستان التي أودت بحياة مليون شخص، فضلاً عن 17 مليون آخرين أجبروا على الهجرة، فإن الفترة بين عامي 1954 و 1963 شهدت وقوع 62 حادث مواجهة بين المسلمين والهندوس أدت إلى سقوط 39 قتيلاً وأكثر من 500 جريح. وفي عام 1964 كانت الحصيلة 1070 حادثاً، و2000 قتيل، وأكثر من 2000 جريح. وبين عامي 1985 و1991 كانت الحصيلة 620 حادثًا، و660 قتيلاً، و 6950 جريحًا.

وقد شهدت الهند انقسامات اجتماعية ودينية عميقة منذ تولي حزب “بهاراتيا جاناتا القومي” الهندوسي بقيادة مودي، السلطة لأول مرة في عام 2014. وقال وزير الداخلية الهندي أميت شاه الذي يوصف بأنه أحد القياديين المتشددين في الحزب الحاكم، إنه سيرحل “المهاجرين غير الشرعيين”، ويعتقد أنه يقصد مسلمون، من البلاد عبر برنامج حكومي استخدم مؤخراً في ولاية آسام الشمالية الشرقية.

مسلمو الهند «على حافة الهاوية»

وقال أسد الدين أويسي، وهو سياسي مسلم بارز من المعارضة، للصحفيين: «البلد يتجه الآن لأن يصبح أمة هندوسية»، خاصة أنه يمثل المسلمون 14 بالمئة من سكان الهند البالغ تعدادهم 1.3 مليار نسمة، و80 بالمئة منهم هندوس.

وفي مقالها بصحيفة واشنطن بوست بعنوان «المحكمة العليا في الهند تؤيد رؤية يمينية تجعل المسلمين مواطنين من الدرجة الثانية»، شخصت الكاتبة الهندية رنا أيوب أحوال مسلمي البلاد وقالت إنهم «على حافة الهاوية».

وأشارت إلي أن المحكمة حققت نصرًا هائلًا لحكومة رئيس الوزراء الهندي الحالي ناريندرا مودي بمنحها الأرض إلى الهندوس.

960

الكاتب

فريق العمل

تبيان هو موقع يهدف إلى نشر الوعي الفكري الصحيح المستمد من مبادئ الإسلام السامية بين عامة الناس ومثقفيهم عن طريق نشر المقالات والتحليلات والمواضيع التي تهم الشباب المسلم.

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.