عبد الرشيد إبراهيم، هو داعية إسلامي أمضى حياته كلها -التي امتدت على مدار مائة عام- في التعلم والدعوة لدين الله -عز وجل-، وحمل هموم الإسلام والمسلمين على عاتقه. فكانت ثمرة جهوده الكبيرة والمتواصلة أن كان السبب في غرس البذرة الأولى للدين الإسلامي في أرض اليابان. ولم يتوانَ الشيخ المعجزة للحظة واحدة عن الدور الذي شعر تجاهه بالمسؤولية، ولم ينحرف عن طريقه في الدعوة لدين الله ولو قيد أنملة.

ومكنته مهاراته وثقافته من أداء مهمته ببراعة؛ فقد كان متقنًا للعديد من اللغات، وهي: العربية، الروسية، الفارسية والتركية. كما كان علَّامة في علوم الشريعة، وملمًا بالشؤون الدولية، وخبيرًا بأمور السياسة. كما أنه كان على علاقة جيدة للغاية مع الصحافة؛ فاستطاع بقلمه البليغ وعقله الرشيد الذي كان مؤمنًا بضرورة الإصلاح والنهضة الحضارية، أن يصوغ الأفكار المرتبة التي مكنته من بلوغ هدفه في النهاية.

الحياة المبكرة للداعية عبد الرشيد إبراهيم

ولد الداعية عبد الرشيد إبراهيم لعائلة تركية تتارية، في الثالث والعشرين من شهر إبريل عام 1857م (أو 1846م كما تقول بعض المصادر الأخرى)، في مدينة تدعى تارا؛ التابعة لأوبلاست أومسك بمنطقة سيبيريا الروسية. كانت أسرته مسلمة تعتز بإسلامها وتفخر به؛ لذا نشأ الرشيد وتربى على هذا الحال، وتلقى تعليمه بمجرد بلوغه سن السابعة من العمر في مدرسة دينية إسلامية. وحين وصل لسن 14 إلى 15 عام توفيت والدته ووالده، فشاء القدر أن يكمل حياته في دارًا للأيتام. وفي عام 1879م أصبح الرشيد إمامًا بمحافظة أقمولا في تركستان الغربية، والتي تعرف الآن بالعاصمة الكازاخية نور سلطان.

الحياة العملية للداعية عبد الرشيد إبراهيم

عبد الرشيد إبراهيم

ارتحل الرشيد إلى الحجاز عام 1880م، ووصل إلى مكة المكرمة ثم المدينة المنورة التي عاش فيها لمدة أربع سنوات. درس فيها العلوم العربية والشريعة الإسلامية، بمساعدة قروي ثري أراد له أن يكمل تعليمه الإسلامي في الأراضي المقدسة. والتقى هناك بالإمام شامل الذي يعتبر رائد الجهاد الإسلامي في منطقة القوقاز، فتأثر بآرائه وأفكاره، وأقنعه شامل بأن يتخذ الإسلام قضية يدافع عنها وينشرها في العالم كله. وما لبث الرشيد أن عاد لمسقط رأسه “سيبيريا” عام 1885م، بعد أن مكث في إسطنبول لبعض الوقت أيضًا، تعرف خلاله على العديد من أعلام الفكر المشهورين الثقال مثل أحمد وفيق باشا ومعلم ناجي وإسماعيل حقي الإزميري.

وتزوج الرشيد في نفس العام الذي عاد فيه لوطنه، ثم غادر إلى إسطنبول مرة أخرى والتقى بوزير المعارف التابع للدولة العثمانية “منيف باشا”. ونشر هناك سلسلة من المقالات تحت عنوان مستقبل المسلمين في روسيا، والتي نشرت جميعها في صحيفة عمران. وقد افتتح في سيبيريا مدرسة استطاع من خلالها جذب العديد من الطلاب إلى إسطنبول. وبعد أن عاد لسيبيريا تم انتخابه قاضيًا، لكنه تعرض لبعض المكائد التي اضطرته للإقامة في إسطنبول لبعض الوقت؛ والتقى حينها بالعديد من المصلحين أمثال جمال الدين الأفغاني ونامق كمال وأحمد مدحت. وبدأت أفكاره عن إصلاح التعليم تتبلور، وكتب في ضوء هذا سلسلة من المقالات التي نشرتها صحيفة البصيرة.

وبعد أن عاد إلى روسيا نشر عدة نشرات عن الإصلاح الديني والتعليمي، وهذا ما أكسبه شهرة واسعة مكنته من تولي بعض الوظائف القضائية الهامة في مدينة أوفا. لكن بسبب أفكاره ودعوته لربط أتراك سيبيريا بالدولة العثمانية، فقد غضبت عليه روسيا القيصرية وطاردته؛ ففر إلى إسطنبول واستقر فيها، وأخذ يكتب سلسلة من المقالات في صحيفة الصراط المستقيم، حول معاناة المسلمين وما يتعرضون له من ظلم في روسيا، وقد شرح تفاصيل هذا الاضطهاد في كتاب نشره بعنوان كوكب الزهرة.

رحلات عبد الرشيد إبراهيم وإنجازاته فيها

كان الهدف من الرحلات السياحية التي قام بها الرشيد هو نشر الدين الإسلامي وفهم حال المسلمين وواقعهم في هذه الفترة المهمة من التاريخ الإسلامي، والتي عانت فيها معظم البلاد الإسلامية من نيران الاستعمار الغربي، الذي نهب ثرواتهم وطمس هويتهم. ولم يكن الرشيد حاملًا هم المسلمين وحدهم، بل كان يحمل هم كل الشعوب الشرقية في آسيا والصين، وكان يتخذ شعار “الشرق للشرقيين” مبدأ لرحلاته، إذ كان يشعر في صميم قلبه بأن هناك رابطًا قويًا بينه وبين هذه الشعوب الشرقية التي طالما احتقرها الأوروبيين ونظروا لها بدونية ووصفوها بالرجعية والوحشية. لذا كان يؤمن أن الاستعمار هو أكبر عدو للشعوب الشرقية عمومًا لا الشعوب الإسلامية وحدها.

الرحلة الأولى لعبد الرشيد

عبد الرشيد إبراهيم

بدأ عبد الرشيد رحلته الأولى بعد أن نجح الأسطول الياباني في هزيمة الأسطول الروسي عام 1904م، وكان هذا أول فوز لدولة شرقية على دولة أوروبية، إذ كانت هذه الحادثة حديث العالم كله، وحققت صدى واسعًا؛ لا سيما في الدول الإسلامية التي تفاعلت مع هذا النصر بقوة، حيث رأى بعض المسلمين في اليابان أرضًا خصبة لنشر الدين الإسلامي، لذا أولوها عناية واهتمام. فارتحل الرشيد عام 1905م إلى كلٍ من تركستان، ومنشوريا، وبلاد المغول، واليابان، وكوريا، والصين، وسنغافورة وإفريقيا؛ وكان هدفه الأساسي فيها هو إعلاء كلمة الله -عز وجل-. فكان يقول: “لم يكن ورائي دافع ولا أمامي سائق، بل شددت حزام الهمة على بطني وأمسكت بعصا التوكل بيدي، ونويت مخلصًا إعلاء كلمة الله”.

وقد بدأ الرشيد رحلته ولم يكن يمتلك وقتها المال الكافي لذلك، لكنه شعر أنه يجب عليه تدوين ملاحظاته، وكان يرسلها بعد التدوين للنشر في إحدى الجرائد، فاشتهر وذاع صيته، ولم يكن يعرف للهدوء والراحة والاستجمام طريقًا، بل كان يسعى دائمًا لمعرفة المزيد عن ثقافة الغير، فحين وصل إلى اليابان سعى لمعرفة طبيعة الشعب الياباني وديانته وثقافته. وزار الجامعات والمدارس والسجون والمراكز التجارية والأسواق والبريد والجمعيات، وقال في محور حديثه إن هناك تقاربًا كبيرًا بين اليابانيين وبين الإسلام.

كتاب رحلة إسلام

قام الرشيد بتسجيل كل ملاحظاته هذه في كتاب أطلق عليه “رحلة إسلام”، وقد طبعه باللغة العثمانية عام 1909م، فاشتهر وذاع صيته بفضله، وقد ترجم فيما بعد للغة الفرنسية ونشر بعنوان “تتاري في اليابان”، ثم صدرت له نسختان بترجمة عربية، واحدة في مصر نشرها المركز القومي للترجمة وأخرى في المملكة العربية السعودية، والتي راجعها الدكتور صالح السامرائي.

الحرب العالمية وسقوط الدولة العثمانية

عبد الرشيد إبراهيم

رحل الرشيد إلى ألمانيا أثناء الحرب العالمية الأولى، وقام بإرشاد آلاف الجنود المسلمين الذين أُسروا على يد ألمانيا النازية. وبعد انتهاء الحرب استقر الرشيد لبعض الوقت في إسطنبول، إلا أن اهتمامه بقضايا الشرق وهمومه لم يتوقف، وعلى الرغم من ألمه الشديد بسقوط الدولة العثمانية عام 1924م، إلا أنه قام برحلته الثانية إلى اليابان، حين كتب مقالًا ينتقد فيه طرد اليابان من عصبة الأمم عام 1933م، فتواصلت معه سفارة اليابان في تركيا ودعته لزيارة اليابان.

فذهب الرشيد لليابان واستجاب للدعوة في أكتوبر من نفس العام، واستقبله العديد من المسؤولين اليابانيين حينها. وقد نجح الرشيد عام 1939م بأن يحصل على اعتراف رسمي من الحكومة اليابانية باعتبار الدين الإسلامي واحدًا من الأديان الرسمية في اليابان، بعد أن حصل على دعم حكومي لبناء مسجد طوكيو عام 1938م، وأخذ يرشد اليابانيين للدين الإسلامي وأسلم على يديه الكثيرين، وزاد احترامهم له بعد رفضه مغادرة اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية.

وفاة عبد الرشيد إبراهيم

ظل عبد الرشيد في اليابان يدعو الناس ويعلمهم تعاليم الدين الإسلامي بكل نشاط وحماس حتى فاضت روحه إلى بارئها، إذ توفي الرشيد في 31 أغسطس عام 1944م الموافق 1364 هجرية، عن عمر ناهز المائة عام تقريبًا، ودفن جثمانه في اليابان.

45

الكاتب

سارة سعد

كاتبة محتوى حصري منذ 2016م. حاصلة على ليسانس الآداب، دبلومة التربية ودورة في اللغة العربية. أقوم بتحضير الماجستير في الفلسفة أحب القراءة، السفر، وألعاب التفكير.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.