نتابع مع الأسباب التي تدعونا لقراءة التاريخ الأوروبي، فأهمية قراءة التاريخ الأوروبي (أي تاريخ العالم الذي يسكنه الأوروبيون): السلبيات ليست حكرًا علينا والنهضات ليست مقصورة على الإيجابيات. هناك فوائد كثيرة من قراءتنا تاريخ أوروبا وامتداداتها البيضاء التي ينظر الكثيرون إليها بصفتها مثلًا أعلى في التطور، نستكملها:

التعامل مع الماضي

كما أن الاطلاع على التاريخ الأوروبي يعلم المبهورين به كيف يتعاملون مع ماضينا كما يتعامل الأوروبيون مع ماضيهم دون تجريح أو محاولات مستميتة لتصفية حسابات معاصرة، ومن أمثلة هذه الدروس إضافة إلى ما سبق أنه في الوقت الذي ينسب فيه التقدم الغربي إلى ظاهرة كالقدرية الكالفينية، ينسب التخلف إلى نفس الظاهرة في التاريخ الإسلامي [1]، وفي الوقت الذي يبجل الغرب فيه الإصلاح الديني الذي كان شديد التعصب، يحصر المتغربون ذلك في تاريخنا مقابل الغرب الودود المتسامح الإنساني، وسيرون أيضًا أن الأساطير ليست مقصورة على “المتخلفين”.

وأن الغرب نفسه قام باختلاق أساطيره الخاصة التي صنعت كثيرًا من سياساته، وإذا كنا نحن الأكثر احتكاكًا بأساطير العودة إلى صهيون وأرض الميعاد والشعب المختار، فإن هناك أساطير أكثر ضخامة جعلت الغرب وحدة قامت على سوابق المدينة والحرية والمعرفة في بلاد الإغريق، ثم القانون والملكية الفردية والإنسانية في روما، ثم ثورة الكتاب المقدس الأخلاقية والأخروية، ثم البابوية التي دمجت كل ما سبق، وفي النهاية الديمقراطية الليبرالية التي أتت بها الثورات الديمقراطية في هولندا وإنجلترا والولايات المتحدة وفرنسا وعمت أوروبا فيما بعد.

وسنجد أن هذا الخطاب الغربي الذي يمدح الذات بصفتها استثناء عالميًا مكتفيًا بذاته وليس لأحد فضل عليه [2]، وهي كذبة كبرى تم نقضها [3]، فإنه يعتمد أيضًا على المتناقضات، فمرة يكون لعبقرية المسيحية دور في تكوين الغرب، وأخرى يكون للخروج من الدين الدور نفسه، وتارة يكون التركيز على الفردية بصفتها ميزة غربية، وأخرى على الوحدة المتراصة، وأحيانًا تكون ميزة الغرب هي السلام والحرية، وأحيانًا أخرى تُمدح عبقريته العسكرية، وفي بعض الأحيان تُمدح فلسفة التنوير، وفي أحيان أخرى تكون هي السبب في الديكتاتوريات الحديثة[4].

إن هذه النهضة لم تقطع الصلة بماضيها بل بدأت باستكشاف التراث الإغريقي والروماني [5]، وذلك كان رجوعًا إلى الوراء من أجل سير أفضل إلى الأمام [6]، ولم ترفض الأفكار الدينية بل قامت بعقلنتها وترشيدها وعلمنة نسقها ودمجها بالخطاب الفلسفي والاجتماعي [7] بل أحيانًا باستغلالها في سبيل الحشد والمصالح، يدل على ذلك المكانة التي تحظى بها فكرة “عودة” اليهود إلى فلسطين وبني عليها التأييد الصوفي الواسع للكيان الصهيوني [8].

بل كانت القراءة الحرفية للتوراة التي ما زالت قائمة إلى اليوم هي التي منحت الولايات المتحدة وضع إسرائيل الجديدة وأرض الميعاد الجديدة التي تعهد الرب منحها لشعبه المختار الجديد، فولد عالم جديد من العهد القديم يسهل غزو أمريكا ويحقق الإبادة الجماعية للهنود الحمر بسريرة صافية لا يعكرها وخز الضمير وكأنها مأثرة باركها الدين وألهمها الرب [9]، وذلك خلافًا لمتغربي بلادنا الذين يعادون تراثهم إلى حد الرغبة الجامحة في الاستئصال، ولهذا بينت مدرسة تاريخية جانب التطور والنمو وليس الانقطاع في التاريخ الأوروبي والغربي خصوصًا، أما المدرسة التي ادعت الانقطاع فهي تفسر الجديد والتحولات الكيفية فقط والقائمة على الإبداع والاكتشاف وليس مجرد التفسير والتأويل [10].

عمليات النهوض طويلة

التاريخ الأوروبي

يرى متصفح التاريخ الأوروبي أن عمليات النهوض طويلة حتى دون عرقلة خارجية فقد بدأت بواكير النهضة الأوروبية منذ القرن الثاني عشر الميلادي وظهرت ملامحها في القرن السادس عشر [11]، حتى وصلت إلى الثورة الصناعية الأولى في نهاية القرن الثامن عشر ثم مرت بالثورة الثانية بعد الحرب الكبرى الثانية ثم وصلت إلى الثورة الثالثة المعروفة بثورة المعلومات في نهاية القرن العشرين، وكان اعتمادها في البداية على اكتشاف حضارات مندثرة أو متراجعة [12]، وهذا يختلف عن واقعنا إذ ليس من السهل الانطلاق في نهضة جديدة في ظل شروط سيادة حضارة أخرى [13] بل معادية واستثنائية لأنه لم يسبق أن فرضت حضارة هيمنتها على العالم مثلها [14].

وأثبتت الحوادث أن أوروبا عملت على عرقلة عملية التحديث واستعادة القوة العثمانية [15] بسبب تعارض المصالح بينها وبين أوروبا [16] فكان ذلك من مظاهر اختلاف ظروف النهضة في المشرق عن النهضة الأوروبية [17]، بل وعن نهضة الأمة الإسلامية في عصورها الأولى حين لم يكن هناك من يقف لها بالمرصاد، ولما كان تاريخ التحولات يسير ببطء [18] ويحتاج الوقت لتجاوز عثراته الداخلية، فإن التدخل الغربي بالقوة المسلحة الفظة في تحويل مسارات نهضتنا صعّب المهمة وأفشل نجاحها حتى اليوم نتيجة تفاعل عوامل التخلف الداخلية مع العوامل الخارجية التي قدمت الدعم لها [19].

وليس من العجيب أن تتصف مجتمعات كثيرة بسلبيات معيقة للتطور، فالتفاوت الحضاري بين مستويات البشر سنة التاريخ والحياة، لكن الاستغلال الخارجي لم يتركها تسير في طريق الزوال كما هو مفترض لو تمت الأمور دون عرقلة، وهذا الاستغلال لرذائل الآخرين سمة استعمارية ارتكبها المستعمِرون في كل مكان بدافع من مصالحهم [20].

“فالقضية إذن ليست في وجود سلبيات معينة في مجتمعاتنا، القضية هي دور العوامل الخارجية في إدامة هذه السلبيات، والسؤال هنا هو: هل لدى من يركزون على دور المعيقات الداخلية وصفة لتجاوزها في ظل الاكتساح الخارجي الأقوى؟”

محاكاة النموذج الغربي عبث

التاريخ الأوروبي

كما سيجد قارئ التاريخ الأوروبي جملة ظروف تجعل من محاكاة النموذج الغربي عبثًا يستحق البحث عن بديل مجد، فالظروف التي اجتمعت للوصول إلى الثورة الصناعية ليست أحادية وما زالت غير واضحة ومحل خلاف [21] ودراسات عديدة [22]، وإذا كان أصحاب النجاح غير قادرين على تشخيص أسبابه بدقة، فكيف سيسير غيرهم على هداهم من غير هدى؟

وأوروبا صاحبة هذا النموذج أحجمت عن تطوير العوالم الأخرى على نموذجها وفضلت استغلال الآخرين على ضمهم والتكافؤ معهم[23]، وهو نموذج يخالف واقع المسلمين الأوائل مثلًا حيث برز من الأعاجم من حمل قيادة المشروع من العرب أصحاب الرسالة، بل إن أوروبا عملت عن سابق تصميم وإصرار على تدمير محاولات عديدة ابتغت السير وفق نموذجها وكان لبلادنا نصيب كبير من عملية التدمير هذه، كما أن النموذج الياباني الفريد يظهر الدور الحاسم للدعم الخارجي من الأقوياء في عملية النهوض وفق نموذجهم، وهو ما يحجمون عنه بل يقاومونه في أمكنة أخرى لاسيما في بلادنا.

ولهذا يلاحظ أنه لم ينم وفق المسار الغربي إلى درجة الدول الغربية الكبرى سوى اليابان وحدها، وتعدد المسارات النهضوية الأخرى المختلفة جزئيًا أو كليًا عن النموذج الأوروبي هو الذي يمنحنا الأمل، وفي ظل دوام التبعية والتخلف في الكيانات التي خضعت للتوجه الأوروبي الذي أحجم عن تقديم يد العون الحضاري لأصدقائه الليبراليين في المملكة العراقية والمملكة المصرية وتونس البورقيبية وبقية الممالك العربية، أصبح التشديد على الاستقلال الحضاري، وليس الانعزال[24]، ضرورة للخروج من عنق هذه الزجاجة.

ومن يطلع على أرقام توزيع الثروات في العالم الذي تسيطر عليه أوروبا البيضاء اليوم يجد أن خمس العالم يستهلك أربعة أخماس موارده، فكيف يمكننا أن نعطي بقية السكان نفس المستوى بالقليل المتبقي لهم؟ إذن إن النموذج الأوروبي غير قابل للتكرار، نعم يمكن النهوض الجزئي في ظله كما تفعل دول كثيرة كالبرازيل والهند ودول شرق آسيا، ولكن النتائج لن تكون مماثلة بأي حال من الأحوال لسبب بسيط هو عدم توفر الموارد لذلك ورغبة الأقوياء في الاحتفاظ بتفوقهم واحتكارهم وعدم المشاركة إلا بهوامش بسيطة تعود عليهم بفوائد أكثر من خسارتهم في أي صفقة.

أي أن استنساخ نموذج مستحيل التكرار، مع توقع نتائج مطابقة، غير ممكن سواء بالاتفاق مع رعاته الأنانيين أم بمقاومتهم، ولهذا لا بد من البحث عن بديل يتناسى عملية النسخ التي يعيبها أنصار التغريب على الأصوليين في الوقت الذي يقومون هم فيه بنسخ تجارب الآخرين، وبدلًا من تقليد الزمان الآخر ننتقل إلى تقليد المكان الآخر فيؤدي الأول إلى العزلة ويؤدي الثاني إلى الاستلاب.

بين المخطط والمؤامرة

التاريخ الأوروبي

هناك بلبلة لدى الإنسان العادي في تفسير الحوادث الكبرى، ويفضل كثير من الناس عزوها إلى مؤامرات سرية، ومن المفيد هنا الاطلاع على ما قاله المفكر الأستاذ عبد الوهاب المسيري في الموضوع حين بيّن أن هناك صنفين متميزين عن بعضهما البعض: فهناك مؤامرة وهناك مخطط، “ويجب الإشارة إلى أن إنكار وجود مؤامرة لا يعني إنكار وجود مخطط.

فالمخطط هو خطة أو إستراتيجية تعبر عن مصالح دولة ما أو مجموعة من الدول (كما يتصور هذه المصالح أصحابها)، وهي تتبدى من خلال أنماط متكررة لها مسار يعبر عن منطق داخلي يمكن فهمه والتصدي له بمخطط مضاد.

أما المؤامرة فهي خطة سرية وضعها في الظلام بضعة أفراد دوافعهم خسيسة شريرة يحاولون قدر طاقتهم الحفاظ عليها طي الكتمان ويقومون على تنفيذها، ولأن المؤامرة ليست جزءًا من نمط فإنها لا تتبع مسارًا مفهومًا وليس لها قوانينها الداخلية الخاصة والخارجية العامة”[25]، ويمكن أن نضرب الأمثلة بسعي الغرب لوأد أية قوة تظهر في المشرق، هذا مخطط عام يعبر عن مصالح غربية ويتبعه كل الإدارات الغربية على تعاقبها وقد تدخل في مؤامرات سرية أحيانًا كما حدث في اتفاقية سايكس بيكو والعدوان الثلاثي، ولكن الأمر ليس بحاجة للسرية دائمًا فالمخطط واضح وتنفيذه علني ومصالح الغرب فيه بادية للجميع وهذه المصالح هي التي تدفع كل الساسة للالتزام بتطبيق هذه السياسات رغم تغير الوجوه.

وهو أمر صرح به وزير الخارجية الأمريكية السابق هنري كيسنجر، ولسنا بحاجة للاعتقاد بمؤامرات سرية دبرت بليال غير مقمرة ضد نهضاتنا، ولهذا فإن إنكار وجود مؤامرة سرية ضد العراق في سنة 1990 لا يعني عدم وجود مخطط حكم السياسة الأمريكية تجاهه، وينطبق نفس الحديث على سعي الولايات المتحدة للهيمنة على النفط العربي والعالمي، ومن أمثلة المخططات أيضًا سعي الأنظمة الحاكمة في موسكو على تناقضها للوصول إلى المياه الدافئة بسبب الطبيعة الجغرافية لسواحل روسيا المتجمدة، هذا أيضًا مخطط مستمر وليس مؤامرة بين القياصرة والشيوعيين والروس الحاليين.

1075

المصادر
الكاتب

محمد شعبان صوان

باحث وكاتب من فلسطين.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.